مشاهدة النسخة كاملة : سلسله الاعجاز اللغوي والبياني في القران والسنه


الصفحات : 1 [2]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 04:57 PM
رهبان مدين، والذين عهـدتهم... يبكون من أثر السجود قعودا
لو يسمعون ؛ كما سمعت كلامها... خرُّوا لعزة ركعًا وسجــودا
ومن الأول قوله تعالى:﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾(ص: 24). ومن الثاني قوله تعالى:﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً ﴾(مريم: 58).
أما الركوع فهو الانحناء دون الوصول إلى الأرض. يقال: ركع الرجل، إذا انحنى. وكلُّ منحنٍ راكع. قال لبيد:
أليس ورائي، إن تراخت منيتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت... أدب؛ كأني كلما قمـــت راكع
وأما السجود فهو تطامُنٌ وذلٌّ وصولاً إلى الأرض. يقال: سجد الرجل، إذا تطامن وذل.
ثانيًا- قالوا: وقد يعبر عن السجود بالركوع، وحمل جمهور المفسرين على ذلك قوله تعالى:﴿ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾(ص: 24)، أي: خر ساجدًا. وإلى هذا أشار أحد الشعراء بقوله:
فخر على وجهه راكعًا... وتاب إلى الله من كل ذنب
وقال ابن العربي:« لا خلاف في أن الركوع هاهنا: السجود ؛ لأنه أخوه ؛ إذ كل ركوع سجود، وكل سجود ركوع ؛ فإن السجود هو المَيْلُ، والركوع هو الانحناءُ، وأحدهما يدل على الآخر ؛ ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيْئَة، ثم جاء على تسمية أحدهما بالآخر، فسُمِّيَ السجودُ ركوعًا ».
والحقيقة ليس كما قال ابن العربي ؛ فالخلاف موجود، بدليل أنهم اختلفوا في المراد من ركوع داود- عليه السلام- فذهب الجمهور إلى أن المراد به السجود. قال مجاهد: مكث أربعين يومًا ساجدًا لا يرفع رأسه، حتى نبت المرعى من دموع عينه، فغطى رأسه إلى أن قال الله تعالى:﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ﴾(ص: 25).
وذهب بعضهم إلى أن الركوع هنا على ظاهره، بمعنى الانحناء. وحاول بعضهم أن يجمع بين القولين بأن يكون ركع أولاً، ثم سجد بعد ذلك. أو أن الله سبحانه ذكر أول فعله وهو خروره راكعًا، وإن كان الغرض منه الانتهاء به إلى السجود. وقيل: بل معنى { رَاكِعًا }: مصليًّا، على اعتبار أن الركوع يراد به الصلاة.
ثالثًا- والصواب في ذلك- والله أعلم- أن الركوع هنا على ظاهره، وهو الانحناء خضوعًا، ومثله قوله تعالى:﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾(55). أي: وهم منحنون خضوعًا لله تعالى ؛ إذ لا يعقل أن يؤتوا الزكاة، وهم ساجدون.
وإذا كان ثبت بالسنة المطهرة، وإجماع المسلمين أن داود- عليه السلام- قد سجد لله عز وجل، فإن سجوده هذا كان بعد انحنائه خضوعًا، وإلى هذا ذهب الحسن بن الفضل، فقال:« خر من ركوعه. أي: سجد بعد أن كان راكعًا ».
وأما ما استدل به بعضهم على أن المراد به السجود بأن الخرور هو السقوط والهوي إلى الأرض، فقد ذكرنا فيما تقدم أن الخرور يقال للركوع وللسجود، والله تعالى أعلم.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 04:58 PM
جواب السؤال الثاني:
أما جواب السؤال الثاني فلفظ { الْكَافِرُونَ } جمع:{ كافر }، على وزن:{ فاعل }. ولفظ { الكُفَّارِ } جمع:{ كَفَّار } بفتح الكاف، وكلاهما من قولهم: كفر يكفر، فهو كافر، وكَفَّار. والكفر في اللغة هو السَّتْرُ والتغطية. ووُصِفَ الليل بالكافر ؛ لأنه يغطي كل شيء. ووُصِفَ الزارع بالكافر ؛ لأنه يغطي البذر في الأرض. وكُفْرُ النعمة وكُفْرانُها: تغطيتها بترك أداء شكرها. قال أحدهم:« لو جاز أن تعبد الشمس في دين الله، لكنت أعبدها ؛ فإنها شمس ما ألقت يدًا في كافر، ولا وضعت يدًا إلا في شاكر ». فالكفر يضادُّه الشكر، وفي اصطلاح الشرع يضادُّه الإيمان، وهو مصدر سماعي لكَفَر يكفُر. وأصله: جَحْدُ نعمةَ المُنْعِم، واشتقاقه من مادة الكَفْر، بفتح الكاف، وهو السَّتْرُ والتَّغطِيةُ ؛ لأن جاحد النعمة قد أخفى الاعتراف بها ؛ كما أن شاكرها أعلنها ؛ ولذلك صيغ له مصدر على وزن الشُّكر، وقالوا أيضًا: كُفْرانٌ، على وزن شُكْران. ثم أطلق الكفر في القرآن الكريم على جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، بناء على أنه أشد صور كفر النعمة ؛ وذلك أعظم الكفر.
واستعمال الكفران في جحود النعمة أكثر من استعمال الكفر. ومنه قول الله تعالى:﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾(الأنبياء: 94). واستعمال الكفر في الدين أكثر من استعمال الكفران. ومنه قول الله تعالى:﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾(النساء: 136)، وقوله سبحانه وتعالى:﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾(المائدة: 44). وأما الكُفُور فيستعمل فيهما جميعًا ؛ كما في قول الله تعالى:﴿ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً ﴾(الإسراء: 99).
ثانيًا- جاء الأمر في سورة { الكافرون } من الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه بندائهم بوصف الكافرين:﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ ؛ لأنه لا يوجد لفظ أبشع ولا أشنع من هذا اللفظ ؛ لأنه صفة ذمٍّ عند جميع الخلق ؛ كما لا يوجد لفظ أبلغ في الكشف عن حقيقة هؤلاء، وأشدُّ وقعًا عليهم، وإيلامًا لهم من لفظ {الكافرين }، فهو ثمرة للجهل، وصفة ذَمٍّ ثابتة ؛ ولكونه كذلك لم يقع الخطاب به في القرآن الكريم في غير موضعين، هذا أحدهما. والثاني قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ﴾(التحريم: 7). والفرق بينهما: أن ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يحتمل أن يكونوا قد آمنوا ثم كفروا. وأما ﴿ الْكَافِرُونَ ﴾ فيدل على أن الكفر صفة ملازمة لهم ثابتة فيهم ؛ سواء كانوا أصحاب عقيدة يؤمنون بأنها الحق، أو كانوا من المشركين، عبدة الأوثان والأصنام.
وأما لفظ { الكُفَّار } فالتشديد فيه للمبالغة في الوصف، ويطلق في اصطلاح القرآن أكثر ما يطلق على المشركين، عبدة الأوثان والأصنام، وقد يطلق ويراد به عموم الكافرين ؛ كما في قوله تعالى:﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾(الفتح: 29). وقال تعالى:﴿ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾(البقرة: 276)، فأتى بصيغة المبالغة في الكافر والآثم، وإن كان تعالى لا يحب الكافر، تنبيهًا على عظم أمر الربا ومخالفة الله عز وجل.
وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾(المائدة: 57 )، ففرق بين الكفار، وأهل الكتاب وهم كفار. وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾(التوبة: 73 )، ففرق بين الكفار والمنافقين، والمنافقون كفار بلا ريب.
وبهذا الذي ذكرناه يظهر الفرق في استعمال القرآن الكريم للفظ { الكافرين }، ولفظ { الذين كفروا }، ولفظ { الكفار }، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
مع تحيات
محمد إسماعيل عتوك
http://www.bayan7.com/bayan888/index.php (http://www.bayan7.com/bayan888/index.php)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 04:58 PM
الإعجاز البياني في الصوت القرآني

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1220899831274798914_85f4f76579_m.jpgإعداد د. نجيب علي عبد الله السودي
أستاذ اللغويات المساعد
جامعة تعز – اليمن
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )
مقدمة:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، أنزله بأفصح لسان، وأودع في آيه غرر البلاغة ودرر البيان، تحدى به قوماً ملكوا ناصية الفصاحة وفنون الكلام، فبهرتهم نغماته ومداته، حركاته وسكناته، سلاسة ألفاظه، وإحكام أساليبه حتى قال قائلهم: ( والله إن للقول الذي يقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته)[1].
وحُقّ للوليد بن المغيرة أن يقول ذاك، فهو يتحدث عن ( كتاب الله الذي فيه نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأفئدة ولا تضل به الأهواء، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يخلق على كثرة الرد، لا يشبع منه العلماء ولا يملّه الأتقياء، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته إلا أن قالوا { إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً } من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم )[2]
قراءته لا تزيد القارئ إلا حلاوة، وترديده لا يزيد القارئ إلا محبّة، ولا يزال غضّاً طريّاً، وغيره من الكلام – ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه – يُملّ من الترديد، ويُعادى إذا أُعيد، لأن إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد، كما قال السيوطي رحمه الله تعالى.[3]
وسيظل كتاب الله غضّاً طريّاً، وبحراً زاخراً باللؤلؤ والدر والمرجان، رحب المدى، عميق الأغوار لكنه مشرع الأبواب مهما قرأه القارئ وأعاده فسيظفر في كل مرة منه بعجائب من عجائبه التي لا تنقضي، فهذا سهل بن عبد الله يقول: (( لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه، وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه )) [4]
ولذلك أصبح القرآن الكريم – ومازال – يشكّل بؤرة اهتمام العلماء المسلمين، فقد شُغل به العلماء – كلٌ في مجال اهتمامه – بحثاً وتأمّلاً. فظهرت نتيجة ذلك علومٌ كثيرةٌ، ارتبطت بالقرآن الكريم كعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم التفسير، وعلم البلاغة، وعلم النحو، وعلم الإعجاز، وغيرها من العلوم.
كل علم من هذه العلوم يركّز على جانب معيّن من جوانب هذا الكتاب العظيم، فالفقه يهتمّ ببيان الأحكام الواردة فيه، والتفسير يهتمّ ببيان معانيه، والنحو يهتمّ بإعراب كلماته وجمله للكشف عن أوجه المعاني وقراءة آياته خالية من اللحن، وهكذا دواليك.
ومن هذه العلوم التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالقرآن، ووضعت لأجله، قاصرة طرفها عليه، علم التجويد، الذي يعني تجويد القراءة وتحسينها لهذا القرآن المعجز، وذلك بإعطاء كل حرف من حروفه حقّه ومستحقّه من مخرجه وصفته اللازمة له.[5]
لقد مثّل علم التجويد وصفاً دقيقاً لتلك الأحكام والقواعد التي يجب اتباعها عند قراءة هذا النص القرآني.
وقد اهتمّ علماء التجويد بأصوات القرآن الكريم، وما يحدث لها داخل النص القرآني، فجاءت مباحثه لتدرس:
1- أحكام النون الساكنة والتنوين.
2- أحكام الميم الساكنة.
3- أحكام المدود.
4- مخارج الحروف وصفاتها.
وغيرها من الأحكام المتعلّقة بأصوات القرآن الكريم وحروفه، هذه الأحكام والقواعد تصف لنا كيف نقرأ كتاب ربنا كما أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكما قرأه صلى الله عليه وسلم على صحابته الكرام، وكما أقرأه أصحابه الكرام لتابعيهم إلى أن وصل إلينا محفوظاً بالسند الصحيح مبرّأ من كل عيب ولحن.
ومن هنا يمكننا القول بأن الصوت القرآني قد وجد حظّه من الاهتمام، متمثّلاً في هذا التراث الضخم الذي بين أيدينا من مؤلّفات علم التجويد ومدوناته.
لكن ما علاقة ما قدمنا بما نحن بصدده من بيان الإعجاز البياني في الصوت القرآني ؟
إن غرضي من هذا الكلام هو أن أتوصّل إلى أن هناك قواعد وضعها لنا القدماء للسير عليها والاستهداء بها في فهم النص القرآني، فما علينا إلا أن نتنبّه لها وننعم النظر فيها، لننطلق منها ونكمل المسير.
وهذا هو ما سأفعله – إن شاء الله – وأنا أحاول قراءة النص القرآني، وذلك من خلال محاولة الكشف عما إذا كان هناك علاقة بين هذه الأحكام التجويدية والمعنى العام في النص.
والأمر هنا من الوعورة والمشقّة بمكان، غير أننا إن أطلنا النظر ولاطفناه، وتركنا الضجر وتحاميناه، لم نكد نعدم قرب بعض من بعض.
وقد تأمّلت فيه مليّاً، وأخذت نفسي بتسجيل ما يخطر لي منه، ثم هممت أن أتركه، خوفاً من أن أقول في القرآن ما ليس فيه، إذ لم أجد معيناً فيه من قول أستند عليه، إلا أن الله قوّى النية وشدّ الهمة، ويسّر الأمر.
وأزعم أن هذا بحث قد يكون جديداً في موضوعه، أو أصيلاً في نتائجه ولا أدعي ذلك كوني صاحب هذا البحث، أو كاتب فصوله المتواضعة، ولمن طرافة موضوعه، وجدّة مباحثه ساقت لمثل هذا الادعاء، وهذه إشارات وتلويحات، وإنما سينجلي الأمر منها ويبين إذا تكلّم في التفاصيل، وأفرد كل مبحث بالتمثيل.
وهذا ما سنراه بإذن الله الذي إليه الرغبة في أن نوفّق للبلوغ إليه والتوفّر عليه.
أولاً: أحكام النون والميم الساكنتين والتنوين وعلاقتها بالمعنى:
أقدّم بين يدي هذا المبحث تعريفاً بالنون والميم الساكنتين والتنوين وأحاكمهما، كما جاء ذلك في كتب التجويد[6]:
فالنون الساكنة: هي النون التي تكون ساكنة في الوقف والوصل، مثل ( أنْ – أنْتم – منْكم – ينْغضون )
والميم الساكنة: هي الميم التي تكون ساكنة في الوقف والوصل مثل: ( لكمْ – عليكمْ )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 04:59 PM
والتنوين: هو نون ساكنة تلحق آخر الاسم تلفظ ولا تكتب. ويكون على ثلاثة أشكال: إما ضمتان أو فتحتان أو كسرتان، مثل: ( علمٌ، علماً، علمٍ )
وللنون الساكنة والتنوين عند التقائهما أحد حروف الهجاء أربعة أحكام هي:
1- الإظهار:
ومعناه لغة: البيان والوضوح.
واصطلاحاً: هو إخراج الحرف من مخرجه من غير غنّة في الحرف المظهر.
وحروفه ستّة مجموعة في أول حرف من كلمات: أخي هاك علماً حازه غير خاسر، وهي: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء.
2- الإدغام:
معناه في اللغة: إدخال الشيء في الشيء
وفي الاصطلاح: التقاء حرف ساكن بحرف متحرك حتى يصير الحرفان حرفاً واحداً مشدّداً من جنس الثاني.
وحروفه ستة مجموعة في قولك: يرملون.
3- الإخفاء:
معناه في اللغة الستر
وفي الاصطلاح: هو النطق بالحرف على حالة متوسّطة ما بين الإظهار والإدغام خالياً من التشديد مع مراعاة الغنة في الحرف الأول.
وحروفه خمسة عشر حرفاً، مجموعة في أول حروف كلمات بيت الشعر:
صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما دم طيباً زد في تقى ضع ظالماً
4- الإقلاب:
معناه في اللغة: تحويل الشيء عن وجهه.
وفي الاصطلاح: قلب النون الساكنة أو التنوين ميماً مصحوبة بغنّة عند الباء، وحرفه واحد هو الباء.
أما الميم الساكنة فلها عند التقائها بحروف الهجاء، ثلاثة أحكام:
1- الإظهار الشفوي:
ويكون مع جميع حروف الهجاء عدا الميم والباء، لكنه يكون أشد إظهاراً عند الواو والفاء، وذلك خشية الالتباس، أو سقوط حرف منها، لأنها من مخرج واحد هو الشفتان.
2- الإدغام الشفوي:
ويطلق عليه إدغام متماثل بغنّة، وهو إذا جاءت الميم الساكنة وبعدها ميم أخرى متحرّكة، فعند ذلك يكون الإدغام بين الميم الأولى والثانية.
3- الإخفاء الشفوي:
ويكون الإخفاء عند حرف الباء فقط، ويكون مع غنّة.
إذاً هذا أمر قدّمناه ليُرى منه الأحكام والقواعد التي ننطلق منها لمعرفة وجه العلاقة بين هذه الأحكام من جهة والمعنى من جهة أخرى وهذا أوانه إن شاء الله.
علاقة الإظهار بالمعنى:
لبيان علاقة الإظهار – الذي يعني البيان والوضوح – بالمعنى، سنحتاج لسرد الآيات التي ورد فيها حكم الإظهار، ثم ننظر في معنى هذه الآية معتمدين في ذلك على كتب التفاسير – في حال توافر دلالة تشير إلى ذلك – أو الفهم العام لمعنى الآية بما لا يمثل ليّاً لعنق الآية، أو تعسّفاً في التأويل، أو تقوّلاً على القرآن بما ليس فيه، فإننا نعوذ بالله أن نقول في القرآن ما ليس فيه، بل نجتهد في إبراز سر من أسراره الدائمة والمستمرّة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، فإن أسراره ومعجزاته ما تزال تتكشف لنا يوماً بعد يوم.
آيات الإظهار:
1- قال الله تعالى حاكياً ما قاله رسله لأقوامهم كل على حده: { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره }[7]
لاحظ الإظهار في موضعين:
أ‌- نون ساكنة بعدها همز في: منْ إله
ب‌-تنوين بعده غين في: إلهٍ غيره
معنى الآية ( ما لكم من إله غيره ) أي ليس لكم رب سواه [8]
والجملة بيان للعبادة التي أمرهم بها، أي أفردوه بالعبادة دون غيره، إذ ليس غيره لكم بإله[9].
ألا ترى أن معنى الآية واضح كل الوضوح، بيّن كل البيان، شواهده أكثر من أن تعدّ وتحصى، فكل ما في الكون يدلّ بجلاء على أنه ليس لنا من إله غيره سبحانه.
فإن له في كل شيء آية تدلّ على أنه واحد
{ ولو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا } فظهور المعنى تناسب مع الإظهار كما ترى.
2- ومنها قول الله سبحانه على لسان نوح عليه السلام لقومه: { إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }[10]
الإظهار في موضعين:
أ‌- ميم ساكنة بعدها عين في عليكمْ عذاب
ب‌-تنوين بعده عين في يومٍ عظيم
معنى الآية إعلان نوح عليه السلام لقومه أنه يخاف عليهم عذاب يوم القيامة، أو يوم الطوفان كما ذكر المفسّرون[11].
وهذا الأمر واضح ظاهر، فلأنه يخاف عليهم عذاب يوم عظيم فقد قام بإنذارهم وتبليغهم، ثم الأمر واضح وظاهر أيضاً أنه كان يوماً عظيماً هو يوم الطوفان، فإن كان المقصود يوم القيامة فعظم ذلك اليوم أشد وضوحاً.
ونحو ذلك قول هود عليه السلام لقومه: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }[12]
ومثله قول نوح عليه السلام: { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم }[13]
وكذا قول صالح عليه السلام: { فيأخذكم عذاب أليم }[14]
وقوله عليه السلام في الشعراء: { فيأخذكم عذاب يوم عظيم }[15]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:00 PM
فكل ما سبق ورد فيه إظهارات، والمعنى ظاهر بيّن ما ترى.
يقول الزمخشري: ( وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه، فإن قلت: فإذا وصف به العذاب ؟ قلت: مجازي مثله لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب )[16]
ويقول ابن عاشور: ( وصف اليوم بالأليم مجاز عقلي، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية جعل زمانه أليماً أي مؤلماً ) [17]
ألا ترى أنه جاء بوصف أليم لزيادة إيضاح شدة الألم، فالأصل أن يكون السياق ( يوم مؤلم ) لكن هذا التناسب العجيب بحاجة إلى فضل تأمل.
ومن شواهد العلاقة:
3- ومنها قوله تعالى: { وسع ربنا كل شيء علماً } [18]
الإظهار في تنوين بعده عين في ( شيءٍ علماً )
قال الزمخشري: ( أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون ) [19]
وقال الشوكاني: ( أي أحاط علمه بكل المعلومات فلا يخرج عنه منها شيء )[20]
فمعنى إحاطة الله بكل شيء علماً ظاهر، وسعة علم الله واضحة بيّنة لكل من تأمل ذلك.
ثم ألا ترى تضافر القرائن المتعددة لإظهار هذا المعنى وزيادة بيانه. يقول ابن عاشور: ( وإعادة وصف الربوبية إظهار في مقام الإضمار لزيادة إظهار وصفه بالربوبية )[21]
فإظهار وصف الربوبية في مقام حقّه الإضمار، ثم استخدام لفظ ( وسع ) الذي يفيد الإحاطة بكل شي، ثم تنكير لفظ ( شيء ) ليفيد العموم. هذه لطائف متعددة بسط الحديث عنها في بابه إن شاء الله، لكن تضافرها مع الإظهار لجعل الأمر ظاهراً للعيان مما لا شك فيه، فالإظهار ناسب ظهور المعنى، ومثلها آية سورة الأنعام.
4- ومنها قوله سبحانه وتعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام: { ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله }[22]. ونظيره قول بقية الأنبياء لأقوامهم [23].
والإظهار في:
أ‌- ميم ساكنة بعدها عين في أسألكمْ عليه
ب‌-تنوين بعده همز في مالاً إن
ت‌-نون ساكنة بعدها همز في إنْ أجري
وهنا نلحظ تضافر الإظهار بأنواعه الثلاث: الميم الساكنة والتنوين والنون الساكنة، في هذه الآية الظاهر معناها ظهور الشمس في رابعة النهار. فالأنبياء جميعاً يظهرون ويوضّحون ويبيّنون لأقوامهم أنهم صادقون فيما يدعونهم إليه، وأنهم لا يبغون من وراء دعوتهم نفعاً قريباً أو مصلحة دنيوية، ولذلك جاؤوا بدليل ظاهر على ذلك، هو أنهم لا يسألون على دعوتهم هذه أجراً، وإنما ينتظرون الأجر والمثوبة من الله عز وجل. فالمعنى ظاهر جاء الإظهار بأنواعه الثلاثة ليظهره من جميع جوانبه فلا تبقى هناك أي مسألة خفيّة، أو تداخل في المفاهيم. والله أعلى وأعلم.
5- ومنها كذلك قول الحق سبحانه: { ما من دابّة إلّا هو آخذ بناصيتها }[24]
الإظهار عند التنوين بعده همز في دابةٍ إلا.
والمعنى هو بيان أن الله هو المالك القاهر لجميع ما يدبّ في الأرض، فكونه مالكاً للكل يقتضي أن لا يفوته أحد منهم، وكونه قاهراً لهم يقتضي أن يعجزه أحد منهم، فما من دابّة إلا هو متصرّف فيها وهو مالكها وقاهرها فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه.[25]
6- ومنها قوله سبحانه: { ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرّونه شيئاً }[26]
الإظهار في:
أ‌- تنوين بعده غين في ( قوماً غيركم )
ب‌-أشد إظهاراً عند الميم الساكنة بعدها واو ( غيركم ولا تضرّونه )
والمعنى الذي يريد هود عليه السلام إيصاله لقومه هو أنكم إن تولّيتم فإن ربي سوف يستخلف قوماً غيركم وأنتم مع ذلك لا تضرّونه في شيء مهما صغر هذا الشيء.
وهذه مسألة واضحة فهم يعلمون ما حصل لقوم نوح، وأن الله استخلفهم في الأرض من بعدهم.
ثم إن المخاطبين بهذا القرآن – ونحن منهم – نعلم أن القوم الذين يتولّون يستبدل الله قوماً غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.
أما المسألة الأشد ظهوراً والتي تتناسب مع الإظهار الأشد فهي أن هؤلاء القوم ومن بعدهم ومن في الكون جميعاً لا يملكون ضر الله عز وجل ولا منفعته [27]. وهذا بيّن واضح.
7- ومن الشواهد أيضاً قوله سبحانه وتعالى: { يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت }[28]
الإظهار في هذه الآية في غير ما موضع:
أ‌- نون ساكنة بعدها هاء في: منْه
ب‌-تنوين بعده حاء في: رزقاً حسناً
ت‌-نون ساكنة بعدها همز في: أنْ أخالفكم
ث‌-ميم ساكنة بعده همز في: أخالفكمْ إلى
ج‌- نون ساكنة بعدها هاء في: أنْهاكم
ح‌- ميم ساكنة بعدها عين في: أنهاكمْ عنه
خ‌- نون ساكنة بعدها هاء في: عنْه
د‌- نون ساكنة بعدها همز في: إنْ أريد
إظهارات متوالية لمعانٍ ظاهراتٍ. فالرزق من الله ليس من غيره، وهو حسن فالنبوة بلا شك رزق حسن، وواضح أن شعيباً لا يريد أن يخالف قومه في الأشياء التي نهاهم عنها، وما نهاهم عنه أشياء ظاهرة للعيان من بخس وتطفيف، فالظاهر أنه يردي الإصلاح قدر استطاعته. إنها معان ظاهرة جليّة تناسب معها هذه الإظهارات كما ترى.
فدلّ هذا وغيره مما يطول تعداده على أن هنالك علاقة بين الإظهار بوصفه حكماً تجويدياً من جهة، والمعنى العام للآية من جهة أخرى.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:01 PM
والموضوع مما يسترسل فيه، ولكن الباب واحد والمسائل كثيرة، ولو التزمت الاستكثار لطال المبحث، والإيجاز أولى وأجدر.
علاقة الإدغام بالمعنى:
نذكر بدءاً بأن معنى الإدغام هو: إدخال الشيء في الشيء.
وآيات الإدغام هي:
1- قول قوم نوح لنوح عليه السلام: { إنا لنراك في ضلال مبين }[29]
الإدغام في موضع واحد: التنوين بعده ميم في ضلالٍ مبين.
ومعنى الآية: أنهم أدخلوا نوحاً عليه السلام في الضلال، وأن هذا الضلال متمكّن منه، وزاد حرف ( في ) الذي يفيد الظرفية المعنى إحاطة. يقول ابن عاشور: ( وظرفية [ في ضلال ] مجازية تعبيراً عن تمكّن وصف الضلال منه حتى كأنّه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف ) [30]
فإدخال نوح في الضلال كإدخال الظرف في المظروف، وهل الإدغام إلا إدخال الشيء في الشيء.
2- قول نوح عليه السلام راداً على قومه: { يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين }[31]
الإدغام في:
أ‌- تنوين بعده واو في: ضلالةٌ ولكنّي
ب‌-تنوين بعده ميم في: رسولٌ من
ت‌-نون ساكنة بعدها راء في: منْ رب
معنى الآية: نفى عن نفسه الضلالة وإثبات أنه رسول من رب العالمين، فهل هناك علاقة للإدغام ؟
يقول النسفي: ( الاستدراك لتأكيد نفي الضلالة لأن كونه رسولاً من الله مبلّغاً لرسالاته في معنى كونه على الصراط المستقيم، فكان الغاية القصوى من الهدى )[32]
ألا ترى تداخل معنى الجملتين مع بعضهما لإفادة أنه رسول م الله، فكونه ليس به ضلالة فهو إذاً رسول، وكونه رسول إذاً ليس به ضلال، فهذا تداخل في المعنى أحسبه يتناسب مع الإدغام الأول.
أما الإدغامان الآخران في ( رسولٌ من رب العالمين ) فيقول ابن عاشور: ( واختيار طريق الإضافة في تعريف المرسل، لما تؤذن به من تفخيم المضاف ومن وجوب طاعته على جميع الناس تعريضاً بقومه إذا عصوه )[33]
فهذا الإدغام أدخل طاعة الرسول في طاعة الله، لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله.
ومثلها قول هود عليه السلام في الرد على قومه: { يا قوم ليس به سفاهة ولكني رسول من رب العالمين }[34]
هذه الإدغامات المتتالية تدخل أجزاء الآية في بعضها بعضاً، لتحدث نوعاً من تداخل المعنى، وكأن المعنى ليس به سفاهة لأني رسول، ولأني رسول فأنا مرسل من رب العالمين، أو أنا مرسل من رب العالمين فأنا رسوله هو، ولأني رسوله فأنا على هدى، ولأني على هدى فليس بي ضلالة.
3- ومثلها قول نوح عليه السلام لقومه: { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم }[35]
الإدغام في مواضع ثلاثة:
أ‌- تنوين بعده ميم في ( ذكرٌ من )
ب‌- نون ساكنة بعدها راء في ( منْ ربكم )
ت‌- تنوين بعده ميمي في ( رجلٍ منكم )
إن إضافة الذكر إلى الله سبحانه وتعالى يحدث نوعاً من الترابط بين الذكر والرب، فهو ذكر موصول بالله وليس من أحد غيره. فهناك علاقة تداخل واتصال كتداخل الكلمات مع بعضها البعض.
وعلى رجل منكم أي من جنسكم فهو واحد منكم داخل في جنسكم فأدخل نفسه معهم فهو ليس بغريب عنهم ولا خافٍ حاله عليهم، ونظيرتها ما ورد عن هود عليه السلام [36].
4- ونظير ذلك أيضاً قول نوح عليه السلام: { أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي }[37]. وقول صالح عليه السلام [38] وقول شعيب عليه السلام [39].
فالإدغام في:
أ‌- تنوين بعده ميم في: بيّنةٍ من
ب‌-نون ساكنة بعدها راء في: منْ ربي
والمعنى فيهنّ هو المعنى في ( ذكر من ربكم ) فالبيّنة مرتبطة بالله سبحانه وتعالى.
ونظيرها قول صالح عليه السلام، وقول شعيب عليه السلام في سورة الأعراف { قد جاءتكم بيّنة من ربكم } { بينة من ربي } { رسول من رب العالمين }
5- ومنها قول قوم هود لهود عليه السلام: { إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنّك من الكاذبين }[40]
الإدغام في التنوين بعده واو في ( سفاهةٍ وإنا ). ألا ترى أنهم عطفوا الجملة الثانية على الأولى فأدخلوها في حكمها، وجعلوا ظنهم في أنه من الكاذبين متداخل مع رؤيتهم القلبية أنه في سفاهة، إنه تداخل فيما بين معنى الآيتين، فتأمّل ذلك.
6- وفي قول هود عليه السلام: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق }[41]
الإدغام هنا تنوين بعده واو في ( نوحٍ وزادكم ).
إن نعم الله على قوم عاد كثيرة، فأراد هود عليه السلام أن يذكّرهم بهذه النعم المتداخلة والمترابطة، فالله عز وجل جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادهم في الخلق بصطة، فهي نعم متداخلة مترابطة، فكان هذا التداخل متناسباً مع الإدغام الموجود في الآية.
7- ومن ذلك قول هود عليه السلام لقومه: { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } [42]
الإدغام هنا في ثلاثة مواضع:
أ‌- ميم ساكنة بعدها ميم فهو إدغام متماثل في ( عليكمْ من )
ب‌-نون ساكنة بعدها راء في ( منْ ربكم )
ت‌-تنوين بعده واو في ( رجسٌ وغضب )
يقول الأشقر: ( أي قد استحققتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، جعل ما هو متوقّع كالواقع )[43]
أي أن الرجس والغضب قد حصل عليهم، فأصبحوا داخلين في غضب الله وعذابه، وأن هذا الغضب والعذاب قد وقع بهم وأحاطهم من كل جانب، فهم غير منفكّين منه ولا مفلتين.
8- ومنها قوله سبحانه وتعالى: { يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم }[44]
الإدغام في موضعين:
أ‌- ميم ساكنة بعدها ميم في ( عليكمْ مدراراً )
ب‌-تنوين بعده واو في ( مدراراً ويزدكم )
إن نعم الله كثيرة وهي مترابطة متداخلة مع بعضها، فإرسال السماء بالمطر الكثير المدرار يؤدي إلى زيادة خصوبة الأرض المؤدي إلى زيادة النعم، فهو تداخل عجيب لمن تأمّله.
هذا وإن استقصاء القول في هذا الضرب والبحث عن أسراره صعب وعر، ولذلك فإني أقتصر على القدر المذكور.
علاقة الإخفاء بالمعنى:
من المناسب أن نذكر بأن معنى الإخفاء هو الستر.
آيات الإخفاء:
1- قوله سبحانه وتعالى: { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم }[45]
الإخفاء في ثلاثة مواضع:
أ‌- نون ساكنة بعدها جيم في ( أنْ جاءكم )
ب‌-نون ساكنة بعدها كاف في ( منْكم )
ت‌-نون ساكنة بعدها ذال في ( لينْذركم )
معنى الآية: يذكر نوح عليه السلام الأمور التي يتعجّب منها قومه وينكرونها، وهي مجيء ذكر من الله، ثم أن يأتي هذا الذكر على رجل منهم، ثم إنذار هذا الرجل لهم.
يقول الفخر الرازي: ( أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف، والتكليف لا منفعة فيه للمعبود كونه متعالياً على النفع والضر، ولا منفعة فيه للعابد.
ثم وإن جوّزوا التكليف إلا أنهم قالوا: ما علم حسنه بالعقل فعلناه وما علم قبحه تركناه، ولما كان رسول العقل كافياً فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر. ثم إذا كان لابد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى، لأن مهابتهم أشد وطهارتهم أكمل، فهذه الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين )[46]
ألا ترى أن الإخفاء جاء في المعاني التي خفت على القوم، فعلى مجيء الذكر من الله خافية عليهم، ثم علّة أن يأتي هذا الذكر على رجل منهم خافية عليهم أيضاً، ثم علّة إنذارهم لهم خافية عنهم كذلك فتأمّل ذلك تجده كما ذكرت.
ومثلها قول هود عليه السلام لقومه [47].
2- قوله سبحانه وتعالى: { أتجادلونني في أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم }[48]
الإخفاء هنا في:
أ‌- تنوين بعده سين في ( أسماءٍ سميتموها )
ب‌-نون ساكنة بعدها تاء في ( أنْتم )
إن من يعبد أصناماً من دون الله يعد كافراً، والكفر: التغطية والستر. قال ابن منظور: ( كفر الشيء: غطاه وستره )[49]
فكأنّ عبادة هذه الأصنام ( غطّت على القلب بزيادة الكفر )[50] فأخفته وسترته.
أخفاه وستره عن رؤية الحقيقة وهي بطلان عبادته وخفاء مشروعيّتها، فالخفاء ناسب الإخفاء.
3- ومنها قوله تعالى على لسان شعيب عليه السلام: { وما قوم لوطٍ منكم ببعيد }[51]
الإخفاء في موضعين:
أ‌- نون ساكنة بعدها كاف في ( منْكم )
ب‌-ميم ساكنة بعدها باء في ( منكم ببعيد )
يقول المفسّرون في معنى الآية: إن شعيباً عليه السلام أراد تذكير قومه بما حدث لقوم لوط الذين كانوا قريبين منهم، لكنه لم يحدد وجه القرب،هل هو قرب مكاني أو زماني أو عملي [52]
أي أن وجه التقارب خفي، فلا ندري هل القرب مقصود هو قرب مكانهم منهم، أو قرب زمانهم، أو قرب أعمالهم من بعضهم من حيث كفرهم بالله والتعدي على حقوق الناس وأعراضهم.
ثم لعلّ هنالك معنىً آخر في من خلال النظر في الآية حيث نجد أن شعيباً عليه السلام ذكر قوم نوح وقوم هود وقوم صالح في قوله: { ويا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح }[53]
وهنا مواطن إظهار في جميعها، فلما وصل إلى قوم لوط جاء الإخفاء { وما قوم لوط منكم ببعيد }
وعلّة ذلك – فيما أعتقد – هو ظهور آثار ما حل بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح، بينما اختفت آثار قوم لوط، لأننا نعلم أن الله جعل عليهم الأرض عاليها سافلها، أي أخفاهم وأخفى آثارهم من على وجه الأرض، والله أعلم.
4- قوله سبحانه وتعالى: { واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم }[54]
الإخفاء في التنوين بعد فاء في ( قليلاً فكثركم )
أي قلّة يقصد ؟ هل قلّة العدد ؟ أم قلّة المال ؟ أم قلة النسل ؟
قيل: ( قليلاً عددكم )[55]. وقيل: ( كنتم فقراء فأغناكم )[56]، وقيل: ( تيسير قوّة التناسل ). إذاً نوع القلّة خافية هنا.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:01 PM
ثم إنّ القلّة في العدد أو المال تجعل الإنسان يتخفّى من الظهور، أو أنه يكون خافياً عن الأنظار لا يؤبه له، أما كثير المال كثير العدد فإنه لا يكون خافياً بل ظاهراً معروفاً.
5- وقوله تعالى على لسان هود عليه السلام لقومه: { أتبنون بكل ريع آية تعبثون }[57]
الإخفاء في التنوين بعده تاء في ( آيةٍ تعبثون ).
لقد كان قوم هود عليه السلام يبنون في كل مكان مرتفع علماً، لا لغرض السكنى ولا لغرض الاستهداء به، وإنما عبثاً منهم يبنونها.
فعلّة بناء هذه الآيات والعلامات المرتفعة خافية، والغرض منها غير معروف.
هذه شواهد جمعناها لنبرهن على أن هناك علاقة بين الإخفاء بوصفه حكماً تجويدياً يختصّ بأصوات القرآن، وبين المعنى العام للآية. إلا أن الأمر لايزال خاضعاً للبحث والدراسة والتأمل.
علاقة الإقلاب بالمعنى:
نجد أنه من اللطيف قبل عرض آيات الإقلاب التذكير بأن معنى الإقلاب هو تحويل الشيء عن وجهه.
آيات الإقلاب:
1- قوله سبحانه وتعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح... }[58]
الإقلاب في موضع النون الساكنة بعدها باء في ( منْ بعد )
معنى الآية: قال الزمخشري: ( أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم )[59]
ويقول ابن عاشور: ( الخلفاء جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شيء، أي يتولّى عمل ما كان يعمله الآخر. وعلم أن المقصود أنهم خلفاء قوم نوح )[60].
ألا ترى معي أن ورقة قوم نوح قد طُويت وقلبت وتحول القوم عما كانوا فيه، وجاء بعدهم قوم هودٍ عليه السلام ليعمروا الأرض من خلفهم.
فأعتقد أن هذا الإقلاب الذي في الآية يناسب الإقلاب الذي حدث لقوم نوح.
2- نظيرتها قوله تعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم عاد }[61]
فالإقلاب في موضع النون الساكنة بعدها باء في ( من بعد )
ومعنى الآية هنا هو معنى الآية هناك، والقول فيها هو هو.
3- ومن الشواهد قوله تعالى: { وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنّكم كاذبين }[62]
الإقلاب في التنوين بعده باء في ( فضلٍ بل )
لقد قالوا له إنك بشر مثلها وأتبعك أراذلنا وليس لكم فضل، كل ذلك ليطعنوا في رسالته وفي صدق ما يدعيه، ثم أضربوا عن ذلك، وحولوا الأمر عن حقيقته، وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن الحقيقة باتهامه بالكذب هو وأتباعه.
إنه تحويلٌ للكلام عن وجهه، وهو قلبٌ للحقائق وتحويل الصادق إلى كاذب.
قال الشوكاني: ( خاطبوه منفرداً ثم خاطبوه مع متبعيه، أي ما نرى لك ولمن اتبعك من الأراذل علينا من فضل تتميزون به وتستحقون ما تدّعونه، ثم أضربوا عن الثلاثة مطاعن، وانتقلوا إلى ظنهم المجرّد عن البرهان الذي لا مستند له إلا مجرّد العصبية والحسد واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية )[63]
4- وقول قوم نوح لنوح عليه السلام: { إن هو إلّا رجلٌ به جِنّة }[64]
الإقلاب في التنوين بعده باء في: ( رجلٌ به )
والمعنى اتهام القوم لنوحٍ عليه السلام بالجنون، لأنهم يرون منه ويسمعون ما يظنونه خارج نطاق العقل، فهو يحول الأمور عما هي عليه ولا يدري ما يقول [65].
ثم إن هذا قلب واضح لحقيقة نوح عليه السلام، إني نبي مرسل من الله، لكنهم قلبوا هذه الحقيقة وحوّلوا الأمر عن وجهه واتّهموه بالجنون.
5- أما قوله سبحانه وتعالى: { ما من دابّة إلا هو آخذ بناصيتها }[66]
والناصية هي أعلى شيء ومقدّمته بالنسبة للإنسان، ولذلك تعتبر علامة عزٍّ ورفعة، فعندما يؤخذ بالناصية أصبح الأمر محوّلاً عن وجهه وأصبح ذلك علامة ذلٍّ وخضوع.
قال القرطبي: ( إنما خصّ الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنساناً بالذلّة والخضوع. فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه مطيع له يصرفه كيف يشاء، وكانوا إذا أسرّوا أسيراً وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزّوا ناصيته، ليعرف بذلك فخراً عليه )[67]
إذاً الأخذ بالناصية تحويلٌ من عزّة إلى ذل، وهذا هو الإقلاب.
وهكذا نجد هذه الإشارات الدّالّة على الارتباط الوثيق بين الحكم التجويدي والمعنى الوارد في الآية.
ثانياً: علاقة صفات الحروف بالمعنى:
هذا مبحث خاص بعلاقة صفات الحروف المختلفة بالمعنى، وقد سرت في تناوله مستأنساً بأقوال علماء أجلّاء طرقوه على مستوى الكلمة المفردة فقسنا عليها، وطرقنا على مستوى الجملة والعبارة، وإن يك ذلك غامضاً فلنا بقول ابن جني اقتداء حيث يقول: ( إلا أن هذه أغمض من تلك، غير أنها وإن كانت كذلك فإنها منقولة عنها، ومعقودة عليها، ومن وجد مقالاً قال به وإن لم يسبق إليه أحد، فكيف به إذا تبع العلماء فيه، وتلاهم على تمثيل معانيه )[68]
إلا أننا قبل أن نقول مقالنا نورد تعريفاً مختصراً لصفات الحروف، فمن المعلوم بداهة في العربية أن لكل حرف من حروف الهجاء صفات خاصة تميّزه عن غيره من الحروف.
هذه الصفات تم الحديث عنها وإيضاحها في كثير من كتب التجويد والصوتيات واللغة [69]، يمكن إجمالها في الآتي:
1- صفات قوة الحرف:
وهي الصفات التي إن توافرت في الحرف منحته قوة، يقول مكّي بن أبي طالب: ( والشدة من علامات قوة الحرف، فإن كان مع الشدة جهر وإطباق واستعلاء فذلك غاية القوّة في الحرف، لأن كل واحدة من هذه الصفات تدلّ على القوّة في الحرف، فإذا اجتمعت اثنتان من هذه الصفات في الحرف أو أكثر فهي في غاية القوة )[70]
فالصفات التي تمنح الحرف قوة هي:
أ‌- الشدة:
وحروفها ثمانية يجمعها قولنا ( أجد قط بكت )، وتسمى الحروف الانفجارية[71]، والحرف الشديد هو حرف اشتدّ لزومه لموضعه، وقوي فيه منع الصوت أن يجري معه عند اللفظ به[72]. ولُقّب بالشدة لاشتداد الحرف في موضع خروجه حتى لا يخرج معه صوت [73].
ب‌- الجهر:
وهو ضدّ الهمس ومعناه: الإعلان وقوة التصويت، أي إظهار الصوت والحرف المهجور: حرف قوي يمنع النفس أن يجري معه عند النطق به لقوّته، وقوّة الاعتماد عليه في موضع خروجه. وإنما لقّب هذا المعنى بالجهر، لأن الجهر: الصوت الشديد القوي، فلما كانت في خروجها كذلك، لقبت به[74].
وحروفه ثمانية عشر حرفاً هي ( الهمزة، والباء، والجيم والدال، والذال، والراء، والزاي، والضاد، والظاء، والطاء، والغين، والعين، واللام، والميم، والنون، والواو، والياء )
ث‌- الإطباق:
معناه: الالتصاق، وفي الاصطلاح: إلصاق اللسان على ما يحاذيه من الفك الأعلى وانحصار الصوت عند النطق بالحرف، وحروفه أربعة هي: ( الصاد والضاد والطاء والظاء ).
ج‌- الاستعلاء:
معناه: الارتفاع، وفي الاصطلاح: ارتفاع اللسان عند النطق بالحرف إلى الحنك الأعلى حيث يتضخم الصوت نتجية لارتفاع اللسان. وحروفه كلها مفخّمة وهي مجموعة في قولك ( خصّ ضغط قظ ).
ح‌- الإصمات:
ضد الإذلاق، وهو المنع. وفي الاصطلاح: امتناع انفراد حروفه أصولاً في الكلمة الرباعية أو الخماسية لثقل النطق بها، والإصمات من صفات قوّة الحرف.[75]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:02 PM
وحروفه هي: ( الهمزة، التاء، الثاء، الجيم، الحاء، الخاء، الدال، الذال، الزاي، السين، الشين، الصاد، الضاد، الطاء، الظاء، العين، الغين، القاف، الكاف، الهاء، الواو، الياء ).
خ‌- الصفير:
صوت زائد يخرج من الشفتين عند النطق بحروفه يشبه صوت الطائر، وحروفه ثلاثة ( الزاي، الصاد، السين ).
2- صفات ضعف الحرف:
ونقصد به الصفات التي إن توافرت في الحرف جعلته ضعيفاً.
يقول مكّي بن أبي طالب: ( والهمس والرخاوة والخفاء من علامات الضعف )[76].
ويقول ابن الجزري بعد ذكره لمقولة مكّي: ( فإذا كان أحد هذه الصفات الضعيفة في حرف كان فيه ضعف، وإذا اجتمعت فيه كان ذلك أضعف له )[77].
فالصفات الضعيفة هي: ( الهمس، الرخاوة، الإستفال، الانفتاح، الإذلاق، اللين )[78]
أ‌- الرخاوة:
ضد الشدة، ومعناه في اللغة: اللين، وفي الاصطلاح: جريان الصوت مع الحرف لضعف الاعتماد على المخرج[79].
وحروفها خمسة عشرة هي: ( ت، ح، خ، ذ، ز، ن، س، ش، الصاد، ض، غ، ف، هـ، و، ي )
ب‌-الهمس:
في اللغة: الخفاء، وفي الاصطلاح: جريان النفس عند النطق بالحرف لضعفه وضعف الاعتماد عليه في المخرج[80] وحروفه عشرة مجموعة في عبارة: ( سكت فحثه شخص )
ث‌-الانفتاح:
ضد الإطباق، وهو في اللغة: الافتراق. وفي الاصطلاح: افتراق المخرج عما يحاذيه في الفك وحروفه أربعة وعشرون وهي: ( ا، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي )
ج‌- الاستفال:
ضد الاستعلاء، وهو في اللغة: الانخفاض. وفي الاصطلاح: انخفاض اللسان عن خروج اللسان من الحنك إلى قاع الفم[81].
وحروفه عشرون وهي: ( ب، ت، ث، ج، ح، د، ذ، ر، ز، س، ش، ع، ف، ك، ل، م، ن، هـ، و،ي)
ح‌- الإذلاق:
ضد الإصمات، وهو في اللغة: الإسراع، وفي الاصطلاح: سرعة النطق بالحرف بالاعتماد على ذلق اللسان[82]. وحروفه مجموعة في ( فرّ من لب ).
خ‌- اللين:
ضد الخشونة، وفي الاصطلاح: إخراج الحرف بسهولة وبدون كلفة على المخرج [83]. وحروفه: الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما.
وعليه: يحكم للحرف بالضعف أو القوّة حسب أغلبية الصفات المتوفّرة فيه فإذا كان الصفات القويّة فيه أكثر كان حرفاً قويّاً، وإذا كانت الصفات الضعيفة أكثر كان الحرف ضعيفاً.
هل نجد في كتب التراث حديثاً عن العلاقة بين صفات الحروف والمعنى العام ؟
سبق الإشارة إلى أن القدماء طرقوا هذه العلاقة، وتحدّثوا عنها على مستوى الكلمة المفردة.
ونورد هاهنا دلائل اهتمام علمائنا بصفات الحروف ومراعاتها أثناء تعاملهم مع اللغة محادثة وتدويناً.
من ذلك قول ابن جني: ( فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، فباب عظيم واسع، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون من أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها، فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره وأضعاف ما نستشعره.
من ذلك قولهم: ( خضم وقضم. فالخضم لأكل الرطب، كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس، فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث )[84].
ونجده يكرّر الحديث عن مضاهاة أجراس الحروف معنى الأفعال التي يعبّر عنها، وذلك في أكثر من موضع في كتابه ( الخصائص )[85].
كما نجده في المحتسب يوغل في ذلك عند حديثه عن قراءة ابن عباس في ( فأكثرت جدلنا ) [86]، فيقول: ( وأصل [ ج د ل ] في الكلام: القوة.... وكذلك الجدال إنما هو الاقتواء على خصمك بالحجة. – ثم يقول – ونحو منه لفظاً قولهم: ظبي شادن: أي قد قوي واشتد، والشين أخت الجيم، والنون أخت اللام. ونحو منه قولهم: عطوت الشيء: إذا تناولته، وقالوا: أتيت عليه: إذا ملكته واشتملت عليه، والعين أخت الهمزة، والطاء أخت التاء، والواو أخت الياء. وهذا باب من اللغة لعله لو تقرّيت لأتى على أكثرها )[87].
ثم يوضح ابن جني السبب الذي جعله يختصر الحديث في هذا الباب – ولو أنه استمر لجاء بالشيء الكثير – في قوله: ( ولولا أن القرّاء لا ينبسطون في هذه الطريق لنبّهت على كثير منه. لا بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلّما تطوع طباعهم لهذا الضرب منه، وإن اضطروا إلى فهم شيء من جملته أظهروا التجاهل به، ولم يشكروا الله عز وجل على ما لاح لهم وأعرض من طريقه، جرياً على عادة مستوخمة، وإخلاداً إلى خليفة كرهة مستوبلة، حسداً يريهم ونغلاً يجويهم، وما أقلهم مع ذلك عدداً، وكذلك هم بحمد الله ولو ضوعفوا مدداً، فما ظنّك بالقراء لو جشموا النظر فيه والتقري لغرروه ومطاويه ) [88].
ونجد من المحدّثين من تحدث عن ائتلاف اللفظ مع المعنى، نجد ذلك عن لبيب السعيد حيث يقول: ( يجب أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد، فإن كان فخماً كانت ألفاظه مفخمة، أو جزلاً فجزلة، أو غريباً فغريبة )[89]
ومهما يكن من أمر، فإننا ننطلق من مبدأ القياس الذي رسمه لنا ابن جني في قوله: ( وذلك أن مسألة واحدة في القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس. قال لي أبو علي بحلب سنة ستة وأربعين أخطئ في خمسين مسألة في اللغة ولا أخطئ في واحدة من القياس )[90].
فانطلاقاً من هذا المبدأ نتأمل نصوص المحاورات لنرى مدى ارتباط صفات الحروف بالمعنى العام والجو العام للنص.
علاقة صفات الحروف بالمعنى:
الغرض المروم من هذا المبحث هو بيان علاقة الحروف المتصفة بالقوة بمواقف القوة، والحروف المتّصفة بعلامات الضعف بمواقف الضعف، والحروف المتصفة بالاستعلاء بمواقف الاستعلاء والحروف المتصفة باللين مواقف اللين، وهكذا.
من ذلك ما نجده في محاورة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم: { إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً. يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً. يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيّاً. يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليّاً }[91]
الموقف هنا موقف محاورة من ولد لأبيه، وهو موقف دعوة في بدايتها، فتحسّ أن الجو العام هو جو اللين والانخفاض من جانب إبراهيم عليه السلام. فهل لهذا الجو ظلال على النص من خلال صفات الحروف ؟
للإجابة نحتاج إلى إحصاء الحروف الواردة في هذا النص، وهي على النحو الآتي:
الياء 23، النون 20، اللام 16، الميم 11
الهمزة 12، الصاد 3، القاف1، الغين 1
الخاء 1، الطاء 1، الضاد لا شيء، الظاء لا شيء
بالنظر إلى الإحصاء أعلاه نجد حضوراً واضحاً لحروف اللين وحروف الاستفال الذي يعني الانخفاض، وكذا ندرة في بعض حروف الاستعلاء وغياب لبعضها الآخر. وإنما تكررت الصاد ثلاث مرات لما فيها من الهمس.
فهل كان لهذه الصفات علاقة بالجو العام للنص أم لا ؟ تأمّل ذلك.
شاهد آخر نسوقه لنبيّن مدى الارتباط بين صفات الحروف والجو العام للنص التي وردت فيه تلك الأصوات، هو ما أخبرنا به الله عز وجل عن نبي الله نوح عليه السلام عندما أعلن البراءة من قومه وتحدّيه لهم: { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكّلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون فإن تولّيتم فما سألتكم من أجرٍ إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين }[92]
إن الموقف هاهنا موقف تحدٍ واضح وصارخ، تجد وضوحه في هذه الإظهارات المتتابعة في النص ( أمركم وشركاءكم، شركاءكم ثم، لا يكن أمركم، أمركم عليكم، عليكم غمة، توليتم فما، من أجر، أجر إن، إن أجري، أن أكون ) إنها عشرة إظهارات في هذا النص، فهو نص واضح لكن هل هو واضح في التحدّي أم واضح في اللين ؟
بنظرة في الأصوات الموجودة نلحظ الآتي:
حضور ملحوظ لأصوات الشدّة والاستعلاء متمثّلة في ( الكاف 13، الهمزة 17، التاء 10، العين 5، الجيم 3، القاف 3، الباء 2، الغين1، الضاد 1، الظاء 1 )
فجميع هذه الأصوات تضافرت فيما بينها لترسم جو هذا الموقف، موقف التحدّي والاستعلاء من نوح عليه السلام.
ثم للنظر ونتأمّل موقف هود عليه السلام يوم أن وقف أمام قومه قائلاً لهم: { إنّي أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابّة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فإن تولّوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرّونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ }[93].
موقف نلمح من خلاله جوّ التحدّي والجهر بهذا التحدّي، فهو يعلن لهم براءته مما يشركون من دون الله. ويعلن لهم ويتحدّاهم أن يكيدوه جميعاً ولا يتأخرون عن مكيدته. يعلن لهم توكّله على الله المالك القاهر لدوابّ الأرض جميعاً وما م إلا جزء من هذه الدواب التي تسير على وجه هذه الأرض، ويجهر لهم أنه في حالة تولّيهم فإن الله سبحانه وتعالى سيأخذهم ويستخلف قوماً غيرهم وهم لا يملكون ضره في شيء [94].
هذا الجو العام تداخلت فيه حروف الشدّة والجهر والاستعلاء لرسم هذه الصورة المعبّرة وهذا الموقف الحي الذي كأننا نعيشه ونراه ونسمعه من خلال هذا النص.
ألا ترى حضور الباء 16، التاء 11،الهمزة 13، الكاف 9، الخاء 2، الصاد 2، الغين 2، القاف 3، الظاء 2، الدال 6، الضاد 1، الجيم 1، هذه الحروف التي من صفاتها الشدّة والقوّة والاستعلاء ناسب حضورها هذا الموقف القويّ المستعلي من نبي الله هود عليه السلام.
بقي أن ننظر في موقف نبي الله لوط عليه السلام يوم أن أتته الملائكة ونزلوا ضيوفاً عليه، وكانوا في صورة غلمان حسان، فسيء بهم وضاق بهم ذرعاً، ثم جاء قومه يتسارعون يريدون عمل الفاحشة بضيوفه، فيستوقفهم ويعرض عليهم بناته ولكنهم يصرّون على ما يريدون، ونعلم أن لوطاً كان وحيداً فلم تكن له قبيلة تنصره، حينها قال قولته التي حكاها القرآن: { لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد }[95] ، يذكر المفسّرون أن الملائكة عندما سمعوا قول لوط السابق رقّوا لحاله فأعلنوا عن شخصياتهم: { قالوا يا لوط إنّا رسل ربك لن يصلوا إليك }[96]
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عندما سمع هذه الآية: { يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد }[97]
ويذكر القرطبي أن الله بعد ذلك لم يرسل رسولاً إلا وجعل له رهط يقفون إلى جواره ويحمونه [98].
وهنا يبرز سؤال مفاده أليست الآية آية استعلاء وتحدّي ؟ نعم إنها ليست كذلك.
ألا ترى أنه لا يوجد فيها حرف من حروف الاستعلاء عدا القاف في ( قوة ) ولعلك تدرك أن القوة مما يستعلي به الإنسان في مثل هذه المواقف.
لقد كانت الأصوات المستخدمة في هذه الآية هي أصوات الاستفال واللين والترقيق والهتف.
فاللام رخوة لينة مستفلة مرققة، وكذا النون، والهمزة حرف مهتوف سميّت بذلك لخروجها من الصدر كالتهوّع[99]، والواو والياء حرفا لين.
ثم انظر إلى القلقلة في الدال التي ترسم لك صورة اضطراب، فهو لا يدري ماذا يصنع ليحمي ضيوفه، فليس لديه قوّة ليظهر بها عليهم، وليس له ركن شديد يأوي إليه.
لقد استطاعت هذه الأصوات مع بعضها بعضاً أن ترسم هذا الجو بكل مشاعره وإيحاءاته.
ثالثاً: علاقة المد بالمعنى:
يكاد لا يخلو كتاب من كتب التجويد والقراءات من تناول المدّ، والحديث عن أنواعه ومقدار المد فيها، وغير ذلك.
وقبل التعرض لعلاقة المدّ بالمعنى نبدأ بالوقوف على معنى المدّ كما ورد في كتب اللغة، عن ذلك يقول ابن فارس: ( الميم والدال أصل واحد يدل على جر في طول، واتصال شيء بشيء في استطالة. تقول مددت الشيء أمدّه مدّاً )[100]
ويذكر ابن منظور أن: ( لكل شيء دخل فيه مثله فكثره: مد يمده مدّاً، وفي التنزيل العزيز { والبحر يمدّه من بعد سبعة أبحر }[101] أي يزيد فيه ماء من خلفه تجره إليه وتكثره ) [102].
هذه الزيادة هي ما يسمّيه الزمخشري بالمطاولة والمماطلة حيث يقول: ( فلان يماد فلاناً: يطاوله ويماطله )[103].
فهذا المطل وهذا التطويل ما هو إلا زيادة في الشيء، ولذلك يقول الفيومي: ( ويقال للسيل مدّ لأنه زيادة، فكأنه تسمية بالمصدر، وجمعه مدود )[104].
والزيادة في الصوت هي زيادة زمنية في نطاق الصوت، ولهذا يقول الكفوي: ( سميت المدّة مدّة لأنها تمتد بحسب تلاصق أجزائها أو تعاقب أبعاضها، فالامتداد إنما يصحّ في حق الزمان والزمانيّات)[105].
ومن هذه التعريفات يمكن أن نخرج بمعنى المدّ في المفهوم اللغوي بأنه ما أفاد:
(الجذب، الكثرة، الطول، المطل، التوسّع، الإمهال، الارتفاع، اتصال الشيء في استطالة، الزيادة، التطاول، الانبساط)
ومن هنا نلحظ أن مصطلح المدّ قد امتد حتى شمل هذه المعاني جميعها.
معنى المد في اصطلاح القرّاء:
يعرّفه ابن الجزري بقوله: ( هو عبارة عن زيادة مطّ في حروف المدّ على المد الطبيعي، وهو الذي لا يقوم ذات حرف المدّ دونه )[106].
ويوضّح البغدادي أن هذه الزيادة زيادة زمنية في تفريقه بين المدّ والقصر حيث يقول: ( المدّ طول زمان الصوت والقصر الأصل )[107].
أقسام المد:
يقسم علماء التجويد المدّ إلى قسمين[108]:
أ‌- المد الطبيعي ( الأصلي ) ويمدّ حركتين.
ب‌-المد الفرعي: وهو على ستة أقسام:
1- المد الجائز المنفصل: وهو أن يأتي حرف المد في كلمة والهمز في كلمة ثانية، ويمدّ من أربع حركات إلى خمس.
2- المد الواجب المتصل: وهو أن يأتي حرف المد وبعده الهمز في نفس الكلمة، ويمدّ من أربعة إلى خمس حركات.
3- مد البدل: وهو أن يأتي حرف المد وقبله همزة ولا يوجد بعده همز ولا سكون مثل آدم ويمد حركتين.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:03 PM
4- المد العارض للسكون: وهو أن يأتي بعد حرف المدّ حرف متحرك حال الوصل وعند الوقف على الكلمة يسكن هذا الحرف ويمد من 2- 6 حركات.
5- مد اللين: وهو أن يأتي الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما مع الوقف على الحرف الذي بعدهما ويجوز مدّه من 2-6 حركات.
6- المد اللازم: هو أن يأتي سكون أصلي ثابت في الوصل والوقف بعد حرف المدّ سواء أكان في كلمة أم في حرف. ويمدّ ست حركات.
العلاقة بين المدّ والمعنى:
سأحاول في هذا الجزء من البحث أن أتعرّض لثلاثة أنواع من المد هي: ( المد الواجب المتصل، والمد الجائز المنفصل، والمد اللازم )
1- المد الواجب المتصل:
قبل أن أعرض لشواهد المد الواجب المتصل، أذكر بأن المد الواجب المتصل يسمّى واجباً لإجماع القراء على وجوب مدّه، ومتصلاً لأن حرف المد والهمز واقعان في كلمة واحدة.
شواهد المد الواجب المتصل:
1- السماء:
مشتقّة من السمو وهو الارتفاع والعلو، قال الزجاج: ( السماء في اللغة يقال لكل ما ارتفع وعلا )[109] وهنا نذكر بأن الارتفاع هو أحد المعاني التي قد يعنيه المد.
المد في السماء متصل، فهل السماء في ذاتها ممتدة ؟ يقول الكفوي: ( كل أفق من الآفاق فهو سماء )[110] والأفق ممتد بل وما يزال يتمدد ويتسع، فقد اكتشف العلماء أخيراً أن كل المجرات تبتعد عنا بأسرع مما تبتعد به المجرات القريبة، وأن أسرع معدل للابتعاد حتى الآن أمكن قياسه 40.000 ميل في الثانية، إنهم يعلنون إذاً أن الكون يتسع ويتمدد ويقولون: ( إنه في اتساع دائم )[111] ويعللون لذلك بقولهم: ( لأن الخالق العظيم أراد أن يكون خلق المادة مستمراً، وهذا يدفع الكون إلى التمدد، لأن خلق المادة يؤدي إلى مطّ الفضاء مطّاً كالبالون، وهذا يؤدي إلى تباعد تجمّعات المجرّة بعضها عن بعض )[112] لقد أصبح تمدّد الكون واتساعه حقيقة علمية وأصبح يعدّ من أعظم الظواهر التي اكتشفها العلم الحديث، فهو كالبالونة التي تنفخ كل يوم نفخة فتتسع البالونة بقدر النفخ، إلى أن يأتي يوم ينفخ فيها نفخة واحدة فتنفجر البالونة، وينتهي كل شيء[113].
فالسماء في تمدد وزيادة واتساع، وتعال بنا نقرأ قول المولى عز وجل: ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون )[114].
من هنا يمكننا الربط بين تمدد السماء واتساعها، وهذا المد المتّصل في لفظها.
2- جزاء:
3- عطاء:
جاء في وصفه تعالى لما للمتقين من مفاز في سورة النبأ بأنه: ( جزاء من ربك عطاءً حساباً )[115] ونلحظ هنا مجيء لفظي( جزاء، عطاء ) ممدودين مدّاً متصلاً. فما وجه الدلالة في ذلك ؟
ورد في المعجم الوسيط: ( جزى جزاء: كفى وأغنى، وجازاه: أثابه وعاقبه )[116] وفي الكليات: ( جزاء: يقال في النافع والضار )[117] إذاً فلفظ الجزاء لفظ ممتد يشمل الشيء ونقيضه.
والعطاء قال فيه الكفوي: ( العطاء للغني والفقير والناس لا يحصون )[118] وقال تعالى: { كلّاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً }[119] فهو عطاء ممتد ليشمل المؤمن والكافر، الغني والفقير.
هذا من جانب، ومن جانب آخر وعند رؤيتنا للآية الكريمة من سورة النّبأ وتفسيرها عند المفسرين نجد الآتي:
يقول الرازي: ( عطاءً حساباً: أي بقدر ما وجب له فيما وعده من الأضعاف، لأنه تعالى قدر الجزاء على ثلاثة أوجه: وجه منها على عشرة أضعاف، ووجه على سبعمئة ضعف، ووجع على مالا نهاية له. وقال ابن قتيبة: ( عطاءً حساباً ) أي كثيراً وأحسبت فلاناً أي أكثرت له )[120].
وقال ابن عاشور: ( ووصف الجزاء بعطاء وهو اسم لما يعطى، أي يتفضل به بدون عوض للإشارة إلى أن ما جوزوا به أوفر مما عملوه، فكان ما ذكر للمتقين من المفاز وما فيه من جزاء شكراً لهم، وعطاء كرماً من الله تعالى، وكرامة لهذه الأمة إذ جعل ثوابها أضعافاً، وحساباً: اسم مصدر حسب يحسب إذا عد أشياء، فوقع ( حساباً ) صفة ( جزاء ) أي هو جزاء كثير مقدّر على أعمالهم والتنوين فيه للتكثير )[121].
إذاً فهو جزاء ممتد وعطاء كثير، ألا ترى إلى إيضاح ذلك في قوله تعالى: { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاءً غير مجذوذ }[122]، فالعطاء هنا يفسر العطاء هناك: إنه عطاء غير مجذوذ. قال القرطبي: ( أي غير مقطوع )[123]، وقال الزمخشري: ( غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية )[124]، وهذا هو رأي جمهور المفسّرين[125].
من هنا ندرك طبيعة العلاقة بين هذا المد المتصل في ( جزاء، وعطاء ) ومعنى اللفظين سواء أكانا منفردين أم داخل السياق القرآني.
4- جاء: أغلب المعاجم اللغوية تجمع على أن (جاء) بمعنى (أتى). فهل هما كذلك فعلاً ؟ لننظر في ذلك.
( جاء ) فعل ماضٍِ ممدود مداً متصلاً، و ( أتى ) فعل ماضٍ مقصور آخره ألف مقصورة. وكلاهما يفيد معنى الحضور، ولكن هل المجيء بما فيه من مد متصل يمكن أن يطلق على نفس الحدث الذي يدل عليه الفعل المقصور ( أتى ).
من خلال العلاقة التي نقرر وجودها بين المدّ والمعنى يمكننا القول بوجود فرق بين ( جاء وأتى ).
فجاء بما فيها من مدّ يمكن أن تطلق على حدث الحضور من مسافة ممتدّة، أو الحضور مع صعوبة ومشقّة يواجهها المرء في حضوره، أما أتى بما فيها من قصر فيمكن أن تطلق على حدث الحضور من مسافة قصيرة حضوراً ليس فيه مشقّة ولا تعب.
ألا ترى معي إلى قول الله تعالى: { وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى }[126].

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:03 PM
قال القرطبي: ( ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة )[127]، وقال الآلوسي: ( وجاء من أقصى المدينة أي من أبعد مواضعها )[128].
وكذلك عندما بعث فرعون في المدائن حاشرين ليأتوه بكل سحّار عليم: { فلمّا جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين }[129]. لقد كان مجيئهم من المدائن البعيدة فهو مجيء من مسافة ممتدة.
أما أتى فانظر معي إلى هذه الآية: { فتولّى فرعون فجمع كيده ثم أتى }[130]، إن هذه الآية الواحدة القصيرة تحكي حدوث ثلاثة حركات متواليات: ذهاب فرعون وتوليه، وجمع الكيد، والإتيان به.
والإتيان كان من قصر فرعون إلى المكان المتفق عليه وهو ميدان الاحتفال بالعيد، وفي ضوء ما ذكره ابن عاشور من أن قلب المدينة هو مسكن حكامها، إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة[131].
في ضوء هذا نعتقد أن المسافة بين قصر فرعون وميدان الاحتفال مسافة قصيرة ليست بالممتدة لذلك جاء فعل ( أتى ) المقصور.
ثم للنظر إلى قوله تعالى: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه }[132]، وأمر الله قريب ألا ترى إلى قوله تعالى: { إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً }[133].
من هنا أيضاً ندرك مدى العلاقة التي تربط نوع المدّ بالمعنى، وهذا واضح لمن تأمّله.
5- الملائكة:
المد فيها واجب متصل، والملائكة كما جاء وصفهم في القرآن الكريم ذوو أجنحة متزايدة، قال تعالى: { الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير}[134]
قال الزمخشري: ( والمعنى أن الملائكة خلقاً أجنحتهم اثنان اثنان أي لكل واحد منهم جناحان، وخلقاً أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، وخلقاً أجنحتهم أربعة أربعة )[135].
وقال ابن عاشور: ( وذلك قد تتعدد صفوفه فتبلغ أعداداً كثيرة )[136].
ثم لنلحظ قوله تعالى: { يزيد في الخلق ما يشاء }، قال القرطبي: ( أي في خلق الملائكة في قول أكثر المفسّرين )[137].
إذاً فالله سبحانه وتعالى يزيد في خلق الملائكة ما يشاء، أي يمدّهم في الخلق، لأن المدّ هو الزيادة.
ثم للنظر في وصف بعض الملائكة كما ورد في الأحاديث الصحيحة، فقد ورد في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمئة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : (( يا محمد لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب.... الحديث ))[138]. فأي امتداد هذا. والأحاديث كثيرة في هذا الباب، نكتفي بما أوردناه لنصل إلى إيضاح علاقة هذا المد المتصل في لفظ ( الملائكة ) بهذه المعاني المتّصلة بذات الملائكة.
2- المد الجائز المنفصل:
سُمّي جائزاً لاختلاف القراء في مدّه – كما سبق – فبعضهم يمدّ وبعضهم لا يمدّ، وسُمّي منفصلاً لأن حرف المد في كلمة والهمز في كلمة أخرى.
كما يطلق عليه مد البسط، لأنه يبسط بين كلمتين. ويقال: مدّ الاعتبار لاعتبار الكلمتين من كلمة، ويقال: مدّ حرف لحرف أي مدّ كلمة لكمة.
شواهد المد الجائز المنفصل:
1- يقول الله تعالى على لسان نبيّه هود عليه السلام: { ويا قوم استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه }[139]
المدّ في: ( توبوا إليه ) إنه أمر بالتوبة، فهل جميع الناس تتوب ؟
إن بعضاً منهم يتوب، وبعضاً لا يتوب، وكذلك المدّ بعضهم يمدّ وبعضهم لا يمدّ، كما أنه مدّ منفصل، وهذا واضح أيضاً فالتوبة لكي تنفع صاحبها لابدّ من أن تقبل، فالتوبة من العبد والقبول من الله.
فإذا لم يوجد القبول فلن يتحقق الغرض من التوبة، كذلك المدّ فحرف المدّ في كلمة والهمز في أخرى، ولو لم يوجد الهمز لما تحقّق المدّ.
2- قال تعالى: { قولٌ معروفٌ ومغفرةٌ خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى }[140]
المدّ في: ( يتبعها أذى ).
والسؤال هنا: هل كل صدقة يتبعها أذى ؟ الإجابة بالتأكيد: لا. فهناك صدقات يتبعها أذى وهناك صدقات لا يتبعها أذى إذاً فالمسألة مختلف فيها كما هو الحال في المد الجائز.
قال القرطبي: ( والمراد الصدقة التي يمنّ بها ويُؤذى، لا غيرها، والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها )[141]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:05 PM
ثم إن الحكم الذي تقرّره الآية من أن قول المعروف والمغفرة خير من الصدقة لا يكون إلا في حالة وجود الأذى بعدها. وكذلك هو المدّ لا يكون في الحرف إلا إذا أتبعه همز، فإذا لم يتبعه همز فلا يتحقق المد، وتلك كذلك فالصدقة إذا لم يتبعها أذى خير من قول معروف ومغفرة، والله أعلم.
3- قال تعالى: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم.... الآية }[142]
المد في: ( تسترضعوا أولادكم ).
قال القرطبي: ( أي لأولادكم غير الوالدة، قاله الزجاج، وقال النحاس: التقدير في العربية: أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم )[143]. وجاء في التحرير والتنوير: ( أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم في إثم في ذلك، والاسترضاع أصله طلب إرضاع الطفل، أي طلب أن ترضع الطفل غير أمه، فالسين والتاء في تسترضعوا للطلب ومفعوله محذوف، وأصله أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، لأن الفعل يُعدّى بالسين والتاء – الدالين على الطلب – إلى المفعول المطلوب منه الفعل فلا يتعدّى إلا إلى مفعول واحد وما بعده يُعدّى إليه بالحرف )[144]. فلماذا حذف الحرف إذاً ؟ وما السر وراء حذف اللام من السياق ليتحوّل الأمر إلى مد جائز منفصل ( تسترضعوا أولادكم ) بدلاً من ( تسترضعوا لأولادكم ) ؟ هل هناك ارتباط بين هذا المد وبين دلالة الآية ومعناها ؟
للإجابة عن هذا التساؤل نحتاج إلى العودة إلى فهم معنى الآية والموضوع الذي تتحدث عنه.
إنها تتحدّث عن إرضاع الأولاد من قبل غير والدته في حالة تعذّر على الوالدة إرضاعه لمرضها أو تزوّجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء، قال القرطبي: ( وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز اتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك )[145] إذاً فالحكم هو الجواز فق دلّ قوله تعالى على أنه ليس المراد تشريع وجوب الإرضاع على الأمهات، بل المقصود تحديد واجبات المرضع على الأب، وأما إرضاع الأمهات لأولادهن فموكول إلى ما تعارفه الناس، والأصل في العرف أن الأم يلزمها رضاع ولدها، إلا أن مالكاً رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى المرأة ذات الحسب، فقال: لا يلزمها رضاعة، فأخرجها من الآية وخصّصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة [146].
ومن هنا نجد أنه وانطلاقاً من المد الجائز المنفصل الموجود في الآية ما يلي:
1- يجوز للأم أن ترضع ولدها، ويجوز لها أن تأبى إرضاعه.
2- في حال انفصال الوالدين عن بعضهما، فيجوز أن ترضع الأم ولدها مقابل أجر معلوم، ويجوز أن يتخذ للولد مرضع وهذا على الأب. قال الزمخشري: ( وعليه أن يتّخذ له ظئراً إلّا إذا تطوّعت الأم بإرضاعه، وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه )[147]
3- اختلف الفقهاء في مسألة جواز استئجار الأم لإرضاع ولدها، فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدّة من نكاح، وعند الشافعي يجوز.
إذا نجد من خلال ما سبق علاقة وثيقة بين المعنى وحكم المد الجائز المنفصل، فكما أنه يجوز للقارئ أن يمد، فكذلك يجوز للأب أن يسترضع مرضعاً ليمد لولده فترة الرضاعة ليستوفي حولين كاملين إن أراد أن يتمّ الرضاعة. والله أعلى وأعلم.
4- المد اللازم:
ويتحقق إذا وقع بعد حرف المدّ ساكن، وسُمّي لازماً للزوم مدّه: ليصل بالمدّة إلى اللفظ بالساكن.
من شوهد المدّ اللازم:
أ‌- قول الله سبحانه وتعالى لأم موسى: { إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين }[148]
هذه الآية فيها وعد من الله عز وجل لأم موسى أنه سيردّ إليها ولدها موسى عليه السلام بعد أن تلقيه في اليم، ونهاها عن الخوف والحزن، والجملة في موقع العلّة للنهيين، لأن ضمان ردّه إليها يقتضي أنه لا يهلك وأنها لا تشتاق إليه بطول الغياب[149] فكان لزاماً تحقق الوعد وإيفائه، لأنه وعد من الله ووعد الله حق، وقد كان ذلك { فرددناه إلى أمّه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حقٌّ ولكنّ أكثرهم لا يعلمون }[150]، فالمدّ اللازم، وإيفاء الوعد لازم، وتحقق الردّ لازم، وهذه هي العلاقة بين نوع المدّ والمعنى واضحة جليّة.
ب‌-قول المولى عز وجل: { ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوقٌ بكم }[151]
في الآية نهي عن المضارّة، وفيها قراءتان ( يضارِرْ، يضارَرَ )[152] فتكون مع الإدغام والتشديد محتملة لأن تكون مبنيّة للفاعل أو مبنيّة للفاعل أو مبنيّة للمفعول. فعلى المعنى الأول يكون النهي للكاتب والشاهد عن ترك الشهادة، وترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان. وعلى الثاني النهي عن الإضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا يعطى الكاتب حقّه، أو يحمل الشاهد مئونة المجيء من بلد إلى بلد[153].
إذا أصبح عدم الإضرار بالكاتب والشاهد أو منهما لازماً، لأنه لو حدث ذلك فهو فسوق وعصيان فناسب هذا المعنى هذا المدّ اللازم في هذه الكلمة.
ت‌-الطّامّة – الصّاخّة – الحاقّة:
الطّامّة: هي الحادثة أو الواقعة التي تطمّ، أي تعلو وتغلب بمعنى تفوق أمثالها من نوعها بحيث يقل مثلها من نوعها، مأخوذ من طمّ الماء إذا غمر الأشياء. وهذا الوصف يؤذن بالشدّة والهول إذ لا يقال مثله إلّا في الأمور المهولة، والقيامة تطمّ على كل شيء، وتُسمّى الداهية التي لا يستطاع دفعها: طامّة[154].
والصّاخّة: صيحة شديدة من صيحات الإنسان تصخّ الأسماع أي تصمّها [155].
الحاقّة: اسم فاعل من حقّ الشيء يحقّ إذا كان صحيح الوجوب، ومنه حقّت كلمة العذاب والمراد به القيامة والبعث، وقال ابن عباس سُمّيت القيامة حاقّة، لأنها تبدي حقائق الأشياء.[156]
وهذه الكلمات عبارة عن أسماء ليوم القيامة، ويوم القيامة آت لا محالة ولا ريب ولا شك فيه، فهو لازم الوقوع، والآيات الدّالّة على ذلك كثيرة.
وأغلب ظنّي أن هذا المدّ اللازم يوحي بلزوم تحقّق معنى الآية الواردة فيها، وهذا ظاهر من جميع الآيات التي تتحدث عن وقوع الساعة.
يقول ابن عاشور في حديثه عن الحاقّة: ( وإيثار هذه المادّة وهذه الصيغة يسمح باندراج معانٍ صالحة بهذا المقام فيكون ذلك من الإيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب الهول والتخويف بما يحقّ حلوله بهم )[157]
هذه إشارات في علاقة المدّ بالمعنى، وأن المعنى يأتي ليضيف على النص إيحاء لم يكن ليظهر لو لم يوجد المد.
والكلام هنا أطول من هذا، لكن هذا مفاده طلباً للإيجاز.
فهذا ونحوه – مما سبق – أمر إذا أنت أتيته من بابه، وأصلحت فكرك لتناوله وتأمّله أعطاك مقادته وأركبك ذروته، وجلا عليك بهجاته ومحاسنه، وإن أنت تناكرته، وقلت: هذا مذهب صعب موعر، حرمت نفسك لذّته، وسددت عليها باب الحظوة به.
وقد ذكرنا في الإبانة عنه وجيزاً من القول رجونا أن يكفي، وأملنا أن يقنع، والذي سطّرناه وإن كان موجزاً، وما أمليناه فيه وإن كان خفيفاً، فإنّه ينبّه على الطريقة ويدلّ على الوجهة ويهدي إلى الحجّة.
ومتى عظم محل الشيء فقد يكون الإسهاب فيه غيّاً، والإكثار في وصفه تقصيراً.
والله الموفّق إلى سواء السبيل ,,,,
هذا البحث قدم إلى مؤتمر كلية الشريعة السابع المنعقد بجامعة الزرقاء الأهلية – الأردن في الفترة 23-25 / آب 2005م

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:06 PM
الإعجاز البلاغي في التقديم والتأخير

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1219076705fdfdfdfd.jpg الدكتور محمد السيد عبد الرازق موسى
كلية الشريعة أستاذ مساعد البلاغة والنقد
كلية التربية – جامعة المنصورة
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليماً كثيراً وبعد...
فإن القرآن الكريم أعظم أنيس وخير جليس، لا يُملّ حديثه ولا تنفد عجائبه، وترداده يزداد فيه تجمّلاً، وإنّ من أسرار القرآن العظيم وروعة بيانه أنّك كلّما أبحرت فيه ازددت تعمّقاً وشوقاً وكلما نهلت من فيضه ومعينه الصّافي ازددت به تعلّقاً وتشبثاً، وما يبعد عنه إلّا من جفا قلبه وغلظ كبده.
وهذا كتابه الله – تعالى – الذي شغل العالم منذ نزوله إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو مصباح الظّلام ومنهل البيان الذي وقف فحول العرب وفصحاؤهم أمامه عاجزين مشدوهين، وهم الذين طالما خاضوا معارك البلاغة والبيان، وتباروا في فنون القول وأسراره حتى أسروا القلوب والأذهان بسحر بيانهم وتبيينهم، وهاهم أولاء يقفون أمام البيان الأعظم مأسورين مشدوهين عاجزين!!
وقد جاء أسلوب القرآن الكريم في الغاية العظمى من البلاغة والفصاحة، وخرج عن جميع وجوه النظم المتعارف عليها في كلام العرب فتوافر العلماء على البحث في أسراره واستخراج درره، فصنّف فيه الزملكاني والفراء وأبو عبيده وابن قتيبة والإمام الرازي وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم، ( والواقع أن المصنفات الأولى في الإعجاز على اختلاف مذاهب أصحابها، جاءت أشبه بمباحث بلاغية مما قدروا أن إعجاز القرآن يُعرف بها، وإن استوعبت أقوال المتكلمين في وجوه الإعجاز، فرسائل الخطّابي السنى، والرّمّاني المعتزلي، والباقلّاني الأشعري، تأخذ مكانها في المكتبة البلاغيّة وبعد أن استقلّت البلاغة بالتأليف والتصنيف، وُجّهت إلى خدمة الإعجاز البلاغي.. الجرجاني يضع كتابه في النظم والبلاغة ويقدّمه باسم ( دلائل الإعجاز )، وأبو هلال العسكريّ يضع علم الفصاحة والبلاغة تالياً لعلم التّوحيد، والزمخشري وهو من المعتزلة يقرّر أنه لابدّ من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وجرى المتأخّرون على أن يجمعوا في الإعجاز كل ما قاله السّلف من وجوه، كصنيع الشيخ محمد عبده في الفصل الذي كتبه في تفسيره ( تفسير الذكر الحكيم ) عن الإعجاز [1]
مشكلة البحث :
تكمن مشكلة البحث في وجود دقائق نفيسة ولطائف بليغة لأسلوب التقديم والتأخير الذي عدّه ابن جني إحدى صور شجاعته العربية وقوّة لغتها... ويتنوّع هذا الأسلوب وتتغير دلالته تبعاً لتغيّر السياق وحاجة المقام، فما كان لكلمة أن تتقدم من مكانها دون غاية معنوية وهدف دلالي تريد أن تبثّه في الجملة... والقرآن الكريم كلام الله المعجز وبيانه المحكم يشتمل على هذه الأساليب التي ينبغي الوقوف مع أسرارها ودلائلها.
هدف البحث ومنهجه :
يهدف البحث إلى الوقوف على أساليب التقديم والتأخير ومعرفة لطائفه، فهو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لايزال يفتر لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفه[2]، ثم يقول : إلا أنّ الشأن في أنّه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدّم فيه موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسّر وجه العناية فيه هذا التفسير .[3]
وقد تمثل منهج البحث في الخطوات الآتية :
· أولاً : التّقديم لمراعاة السّياق وحسن انتظام الكلام.
· ثانياً : التقديم للاختصاص.
· ثالثاً : التّقديم بين الآية والآية، وهذه الوقفة تشمل ما يأتي :
1. تقديم صيغة على أخرى في بعض آيات السورة الواحدة
2. تقديم آية على آية في النّزول
3. تقديم موضوع على آخر في السورة الواحدة
4. التقديم والتأخير في المتشابه
· الخاتمة : وتتضمّن أهم نتائج البحث وبعض التّوصيات
· ثبت المصادر والمراجع.
أوّلاً: التّقديم لمراعاة السّياق وحسن انتظام الكلام:
إنّ الناظر في بستان القرآن الكريم ليجد نفسه في حديقة غنّاء، لا يكاد يخرج من ثمرة إلّا ويجد نفسه قد تعلّقت بأخرى يستنشق عبيرها ويطعم رحيقها في إذكاء روحي منقطع النّظير..
والناظر في السّياق القرآني يجد هذا الأسلوب هو "مادة الإعجاز في كلام العرب كلّه، ليس من ذلك شيء إلّا وهو معجز، وليس من هذا شيء يمكن أن يكون معجزاً، وهو الذي قطع العرب دون المعارضة [4]" والسياق القرآني يحمل الكثير من الخصائص التركيبية التي تسمو على لغة البشر قوة وصفاء ونقاء، وكان سياق التقديم والتأخير واحداً من فرائد القرآن وخصائصه، سيق لإبراز مقام الموقف بروحه وعمقه، وسوف نقف بإذن الله وتوفيقه مع بعض هذه السياقات:
التقديم في بعض أسمائه سبحانه:
كتقديم ( العزيز ) على ( الحكيم ) لأنّه تعالى عز فحكم كما في قوله تعالى:(( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم )) ( البقرة 129 )
وذلك أن معنى ( العزيز ) لا يغالب، والقادر الذي لا يمتنع عليه شيء أراد فعله. ومعنى ( الحكيم ) المدبّر الذي يحكم الصنع ويحسن التدبير، فتكون القدرة متقدّمة على حسن التّدبير [5].
وبالنّظر في الآية الكريمة نجد فيها ترتيباً آخر اقتضى تنظيم الأفعال داخل السياق فجاء الدعاء ببعث الرسول أولاً ( وابعث ) ثم التلاوة ( يتلو ) ثم التعليم ( ويعلّمهم ) ثم التزكية والتطهير ( ويزكّيهم)..
وفي ترتيب هذه الأفعال وتقديم بعضها على بعض أثر عميق في النفس.. إذ يوحي اختيار كلمة البعث في قوله ( وابعث ) بأنهم كانوا كالموتى في أحوالهم، لا يشعرون بشيء من صالح الحياة، فيكون الرسول فيهم بمثابة من بعثهم من رقادهم الجاهلي وموتهم القلبي.. وقوله ( منهم ) ليكون أرفق بهم وأعلم بشؤونهم وأحوالهم.. فإذا تحقق هذا جاءت المرحلة الثانية وهي التلاوة بما فيها من خشوع وتدبّر وترقيق للقلب والنفس، ولذلك اقتضاها السياق إيثاراً على ( يقرأ ) مثلاً، فإذا تحققت التلاوة بسياجها جاء التعليم الذي يشتمل على الكتاب أي القرآن الكريم وبما فيه من حكمة، أي فقه الشريعة وفهم التأويل، و"قيل إن المراد بالآيات:ظاهر الألفاظ، والكتاب:معانيها، والحكمة:الحكم وهو مراد الله بالخطاب، والعزيز:الذي لا يعجزه شيء، قاله ابن كيسان، وقال الكسائي:العزيز:الغالب[6]. ولهذا أكّد الضمير المتصل في ( إنك ) بالضمير المنفصل ( أنت ) للدلالة على أنه لا غالب إلا الله تعالى، فهو سبحانه وتعالى غالب على أمره، يمضي أمره ويمكّن لرسله، ولهذا اقتضى السياق في ختام الآية قوله:( العزيز الحكيم ) دون:العليم أو الخبير مثلاً، ولأن لكل مقام مقال، فقد جاءت السياقات المشابهة لهذا المعنى بـ ( العزيز الحكيم ) نحو قوله تعالى:(( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البيّنات فاعلموا أن الله عزيز حكيم )) ( البقرة 209 )
فقد جاءت الآية على وجه التهديد والوعيد، أي:من ضلّ عن طريق الهداية وانحرف عن سبيل الحق بعد ما تبيّن له البيّنات والحجج ما تبيّن (( فاعلموا أن الله عزيز حكيم )) وهذا أبلغ في إثبات الروع والمهابة، ولو جاء نوع العذاب محدداً ما بلغ في الحسن مبلغ قوله ( عزيز حكيم ) أي غالب لا يعجزه الانتقام منكم، ( الحكيم ) لا ينتقم إلا بحق، وروى أن قارئاً قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابي فأنكره، ولم يقرأ القرآن، وقال:إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه[7].
وإذا كان الزلل معناه التنحّي عن طريق الحق والهداية، فإن أصله "الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال:زلّ يزلّ زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه، وقرئ:زللتم " بكسر اللام وهما لغتان" [8].
وقد جاء الفعل ( جاءكم ) مؤنثاً بتاء التأنيث لأن الفاعل مؤنث ( البيّنات ) أي:الحجج الواضحة والبراهين الصحيحة، وقد يأتي مذكّراً مع ( البيّنات ) في موضع آخر حسب اقتضاء المعنى، وذلك كما جاء في قوله تعالى:(( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البيّنات والله لا يهدي القوم الظالمين )) ( آل عمران 86 )
فإن المقصود بالبيّنات في هذا الموضع:القرآن الكريم، والله تعالى أعلم، لأنّ ما دلّت عليه الكلمة كان مذكراً، فقد جاء قبلها قوله تعالى:(( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )) ( آل عمران 85 )
وكل من هؤلاء الأنبياء... أُنزل عليه كتاب، والكتاب مذكر، ثم ورد في الآية التالية لها، كلمة ( الإسلام) والإسلام مذكر، فما دلت عليه كلمة البيّنات كان... مذكراً سواء أكان الكتاب أم كان الإسلام أم كان الكتاب والإسلام معاً، ولهذا جاء فعلها... مذكراً [9].
وقال تعالى في موضع آخر من نفس السورة الكريمة:(( ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم )) ( آل عمران 105 )، فقدّم التفرقة على الاختلاف لأن الأولى سبب في الثانية التي جاءت مترتّبة عليها، فالاختلاف ناجم عن التفرقة وتابع لها، وهو ثمرة من ثمارها، وجاء الفعل( جاءهم ) في صورة المذكّر، لأن كلمة البيّنات التي وردت في الآية تعني الكتاب – كذلك – تعني التوراة والإنجيل وكل منهما كتاب [10].
وتأتي مواضيع تقديم العزّة على الحكمة في السياقات التي تتحدث عن قدرة الله تعالى ووحدانيّته وذلك نحو قوله تعالى:(( هو الّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلّا هو العزيز الحكيم )) ( آل عمران 6 )
وقوله:(( شهد الله أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم )) ( آل عمران 62 )
وقوله:(( إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم )) ( المائدة 118)
وقوله:(( يا موسى إنّه أنا الله العزيز الحكيم )) ( النمل 9 )
هذا ويتقدّم ذكر العزيز على الحكيم – أيضاً – في مقام تنزيه الله تعالى وخضوع الكون له – سبحانه – وذلك نحو قوله تعالى:(( وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم )) ( الجاثية 37 )
وذلك لأن السياق قبل هذه الآية، تحدّث عن عناد الكافرين وإعراضهم عن منهج الحق، فسلّط الله عليهم عذاب النار لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون فناسب ذلك ذكر العزيز الذي لا يغلبه شيء ولا يفوته.. ويفعل ذلك عن حكمة ويقول تعالى:
(( وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً وغرّتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون )) ( الجاثية 34- 35 )
وفي مقام التّنزيه والتسبيح يقول الحق سبحانه:
(( سبّح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم )) ( الحديد 1 )
(( سبّح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم )) ( الحشر 1 )
(( هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم )) ( الحشر 24 )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:07 PM
فناسب هذا المقام ذكر العزيز على غيره من الأسماء والصفات، وناسبه التقديم على ( الحكيم ) لئلا يتوهّم أحد أن الله تعالى بحاجة إلى من يسبحه أو ينزهه، بل هو منزه بذاته، قدوس بجلاله، عزيز بقوته وجبروته وحكمته.. وقد جاء فعل التسبيح بالماضي ( سبح لله ) كما في أوّل الحديد والحشر ( والصف أيضاً )، وختمت سورة الحشر بالمضارع ( يسبح ) وافتتحت بها سورة الجمعة:(( يسبّح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدّوس العزيز الحكيم )) ( الجمعة1).
لأن هذه الكلمة استأثر الله بها، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل ( سورة الإسراء ) فقال تعالى:(( سبحان الذي أسرى بعبده.. )) لأنه الأصل، ثم بالماضي لأنه أسبق الزمانين، ثم بالمستقبل، ثم بالأمر في سورة الأعلى ((سبح اسم ربك الأعلى ))، استيعاباً لهذه الكلمة من جميع جهاتها وقوله تعالى:(( لله ما في السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير )) ( الحديد 2 )، لأن التقدير في هذه السور:(سبح لله كل السموات والأرض ) وكذلك قال في آخر الحشر بعد قوله:(الخالق البارئ المصوّر ):(( هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم )) ( الحشر 24 ) أي خلقهما [11].
وتأتي أيضاً مواضع تقديم العزّة على الحكمة في السياقات التي تتحدث عن النصر وذلك نحو قوله تعالى:(( وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم )) ( آل عمران 126 ) وقوله:(( وما جعله الله إلّا بشرى ولتطمئنّ به قلوبكم وما النّصر إلّا من عند الله إنّ الله عزيز حكيم )) ( الأنفال 10 )
فقدّم البشرى على الطمأنينة في سياق أسلوب القصر بالنفي والاستثناء الذي تكرّر مرتين، لأنّ الطمأنينة ناتجة عن البرى التي تبعث السرور والراحة في النفس فتنشأ الطمأنينة بالتبعية، وجاء التعبير بلفظة الجلالة ( الله ) لإثبات مقام العزّة وغلبة أمر الله في دحض المشركين..
وقد جاءت الآية في آل عمران بإثبات ( لكم ) وتأخير به وحذف أسلوب ( إن الله ). وفي آية الأنفال بحذف ( لكم ) وتقديم ( به ) وإثبات ( إن الله )، لأن البشرى هنا للمخاطبين، فبيّن وقال:( لكم ).
وفي الأنفال قد تقدّم ( لكم ) في قوله تعالى:(( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين )) ( الأنفال 9 ) فاكتفى بذلك[12].
وفي مقام الحديث عن نصر الله لنبيّه والتمكين له في الأرض ودحض كلمة الكافرين، تقدّم ذكر العزيز على الحكيم، يقول تعالى:(( إلّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الّذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم )) ( التوبة 40 )
فجاء التعبير بالفعل الماضي الدال على التحقيق واليقين في الحديث عن النصر:فقد نصره الله فأنزل – وأيّده – وجعل... بينما جاء التعبير بالمضارع في تصوير مشهد الغار (( إذ يقول لصاحبه لا تحزن... )) وذلك لاستحضار صور المشهد بملابساته وما أحيط بهما من مخاطر أدّت إلى فزع أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي نال شرف الكناية عنه في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وذلك في قوله تعالى:(( إذ يقول لصاحبه ))
وفي مقام الحديث عن كلام الله تعالى والقرآن الكريم وتنزيله من السماء يتقدم – أيضاً – ذكر العزيز على الحكيم كما في قوله تعالى:(( ولو أنّما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم )) ( لقمان 27 )
فلو جعلت الأشجار التي في الأرض أقلاماً لكتابة كلمات الله، وجعل مدادها البحر المتصل بمدار سبعة أبحر أخرى، فإن تلك الأقلام ومعها المداد تنفد دون أن تنفد كلمات الله.
وجاء التعبير بالشجرة على الإفراد دون الجمع لإرادة ( تفصيل الشجر وتقصّيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلّا قد بريت أقلاماً، فإن قلت:الكلمات جمع كلمة، والموضع موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل:كلم الله ؟ قلت:معناه أن كلماته لا تفي بكتابتها البحار، فكيف بكلمه ؟[13]
ومما ورد من تقديم العزيز على الحكيم في مقام ذكر القرآن الكريم وتنزيله، وقوله تعالى:(( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم )) ( الجاثية 1-2 ) وقوله تعالى:(( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم )) ( الأحقاف 1-2 )
هذا وقد يأتي ذكر ( العليم ) متقدماً على ( الحكيم ) في مواضع أخرى تبعاً لاقتضاء المقام وحاجة السياق، وهذا كثير في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:(( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العزيز الحكيم )) (البقرة 32 )
وقوله تعالى:(( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع ممّا تركن من بعد وصيّة يوصيني بها أو دين ولهنّ الربع ممّا تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهنّ الثمن مما تركتم من بعد وصية يوصى بها أو دين وصية من الله والله عليم حليم )) ( النساء 12 )
وقوله تعالى:(( ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب ممّا اكتسبوا وللنساء نصيب ممّا اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليماً )) ( النساء 32 )
فجاء الخبر بـ ( عليم ) والصفة بـ ( حليم ) ليناسب سياق الآية قبلها فقد كانت تتحدث عن الميراث والوصية التي تكون أحد أمرين:عدل أو جور.. فجاء التحذير بأن الله تعالى يطالع على ذلك ويعلمه وهو سبحانه( حليم ) عن الظالم والجائر، فلا يعجل عليه بالعقاب عساه أن يرجع إلى رشده فإذا ظلم في وصيته، وفي الآية نكتة بلاغية أخرى ألا وهي تقديم تنفيذ الوصية على وفاء الدين، فإن وفاء الدين سابق على الوصية، ولكن قدّم الوصية لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها بخلاف الدين [14].
وفي مقام آخر يقول تعالى:(( يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم )) ( النساء 26 )
فهو سبحانه عليم بأمور الخلق وما يناسبهم ويصلحهم، وهو يهديهم إلى الرشاد بعلمه المحكم وحكمته البالغة، ولذلك تغاير السياق هنا، وجاءت الحكمة رديف العلم، وجاء الحلم رديف العلم في سياق الآية السابقة للمعنى المشار إليه آنفاً.
وربما جاءت آيات أخرى حاملة في سياقاتها أسلوباً آخر على خلاف ما سبق، تقدّم فيه ( الحكيم ) على( العليم) لعلّة يقتضيها السياق، وذلك نحو قوله تعالى:(( وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم )) ( الأنعام 83 )
فسبق الحكم هنا العلم، لأن المقام اقتضى ذلك من خلال الحديث عن الحكمة التي لقّنها الله تعالى نبيّه إبراهيم، وأشار إليها بقوله:( وتلك ) فاستطاع أن يحتجّ بها على قومه، وكان أن نال من الله الرفعة في الدرجات، وذلك بمقتضى الحكمة الإلهية في تصريف الشؤون والأحوال.
ومثال ذلك قوله تعالى:(( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم )) ( الزخرف 84 )
فاقتضى المعنى أن تسبق الحكمة العلم في هذا السياق أيضاً لأن الآية الكريمة تتحدث عن صفة الألوهية، وما يتصف به الله عز وجل من حكمة في تصريف الكون وتشريع الأحكام.. وقد ( ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله ( في السماء ) ( وفي الأرض )، كما تقول هو حاتم طىّ حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به، كأنك قلت هو جواد في طى جواد في تغلب [15].
وقد سبق الحكم العلم أيضاً في موضع آخر في قوله تعالى:(( كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم )) (الذاريات 30 ). فهذا مقام من مقامات التصريف الإلهي العجيب أيضاً وهو يحمل غرابة الموقف واستحالة حدوثه في العرف البشري وكان أن كان، وولدت العجوز من الشيخ الهرم..!
وفي موضع لا نظير له في القرآن يتقدّم (عليّ ) على ( حكيم ) وذلك في قوله تعالى (( وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلّا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم )) ( الشورى 51 )
والمعنى:تعالى عن أن يكلّم أو يكلّم شفاهاً، حكيم في تقسيم وجوه التكليم [16] ولتمام هذا المعنى وإحكامه، صُدّرت الآية بأسلوب القصر المتمثل في النفي والاستثناء ثم توالت النكرات في سياقها لإفادة العموم:لبشر وحياً حجاب / رسولاً / وذلك في ظلال الإيقاع الصوتي الناشئ من قوله:وحياً فيوحى، أو يرسل رسولاً.
وفي سورة المجادلة تبادلت الكلمات المواضع تبعاً للمعنى الوارد في السياق ففي قوله تعالى:(( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا ذلكم توعظون به والله بما تعلمون خبير )) (المجادلة3) وقال أيضاً في نفس السورة: (( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل لكم انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير )) ( المجادلة 11 ) وقال جل شأنه في نفس السورة أيضاً: (( أأشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون )) (المجادلة13).
فالموضع الأول والثاني يتعلّقان بالعمل، فلا يمسّ الرجل زوجته التي ظاهر منها إلا بعد تحرير رقبة في الموضع الأول، والثاني يتعلق بعمل التفسّح في المجالس والنشوز والارتفاع عنها... أما الموضع الثالث فلا يتعلق بعمل، وإنما يتعلق بالتخفيف الذي نزل إلى المؤمنين ورفع عنهم أمر الله بتقديم الصدقات عند مناجاة النبي لعلمه سبحانه بمشقّة هذا الأمر عليهم، فهو خبير بالنفوس وخفايا القلوب.
تقديم السمع:
اطّرد تقديم السمع في القرآن الكريم سواء أكان على البصر أو الرؤية أو العلم أو القرب... في شأن الخالق أو شأن المخلوقين... وذلك نحو قوله تعالى:(( قل أرأيتم أن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرّف الآيات ثم هم يصدفون )) ( الأنعام 46)
(( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير )) ( الإسراء 1 )
(( قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى )) ( طه 46)
وفي مجال تقديم السمع على العلم وما جرى مجراه قد أتى في اثنين وثلاثين موضعاً، هي كل ما جاء فيه[17] وقدّم السمع على القرب في قوله تعالى:(( قل إن ضللت فإنّما أضلّ على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلىّ ربي إنه سميع قريب )) ( سبأ 50 )
ولا يقف سر هذا التقديم عند تشريف المقدّم على المؤخّر، ولكن المقام يحتمل تفسيراً آخر... فتقديم السمع على البصر لكونه أهم منه، لأن ما يحصل من ضروب المعرفة عن طريق السمع لا يحصل عن البصر، والبصر يتوقف في تحصيله للعم على وسائط لا يتوقف عليها السمع [18].
وقد ورد في القرآن الكريم بعض آيات تقدّم فيها البصر على السمع لعلّة يحملها السياق ومن ذلك قوله تعالى:(( قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من وليّ ولا يشرك في حكمه أحداً )) ( الكهف 26 )
فتقدم البصر على السمع على خلاف المعتاد في آيات الذكر الحكيم، لأن الحديث والله تعالى أعلم يختصّ بجناب الله تعالى وقدرته على العلم بدقائق الأشياء فيستوي عنده كل شيء، يقول الزمخشري:وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنّه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يدرك أكبرها حجماً وأكثفها جرماً وبدرك البواطن كما يدرك الظواهر[19].
وفي سياق الحديث عن الكافرين خصوصاً في مشهد القيامة وساحة العرض، يتغير أيضاً ترتيب السمع والبصر ليتقدم الأخير، يقول تعالى:(( ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً )) ( الإسراء 97 )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:08 PM
وقوله تعالى:(( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربّنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنّا موقنون )) ( السجدة 12 )
فلم يعد هناك وجه انتفاع بسمع يفيد الطاعة والصلاح، بل لعله قدّم البصر في مثل هذه المشاهد لينبئ عن حالهم من الإعراض وعدم الاقتناع اللازم لثبوت اليقين وكأنهم كانوا في ريب من ذلك اليوم، وهاهم أولاء قد رأوه بأعينهم.
الجن والإنس:
الجن والإنس من المخلوقات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم كثيراً، وقد جاءت على غير نسق واحد، بل جاءت بعض السياقات قدّم فيها الجن على الإنس، وأخرى قدّم فيها الإنس على الجن، وذلك تبعاً لاقتضاء المقام وتحرير المعنى، فمن السياقات التي ورد فيها ذكر الجن مقدماً، قوله تعالى:(( ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجّلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم )) ( الأنعام 128)
فالخطاب هنا واقع في يوم الحشر، وهو موجّه إلى الجن على سبيل التبكيت على ما فعلوه من الاستكثار من الإنس وغوايتهم ولمزيد من التحقير حذف فعل القول أو النداء والتقدير... ويوم يحشرهم جميعاً فينادي عليهم أو فيقال لهم والله تعالى أعلم.
وفي سورة الذاريات حملت الآية جملة خبرية مقتضاها أن خلق الجن والإنس هو من أجل عبادة الله وحده، فقدّم ذكر الجن لسبقه في الخلق، وذلك في قوله تعالى:(( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) ( الذاريات 56 )
وكذلك الشأن إذا جاء ذكر الإنس مقدماً على الجن ( فلابد من سبب في السياق اقتضى ذلك قال تعالى: (( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً )) ( الإسراء 88 )
فقدّم الإنس على الجن لأن التحدّي وقع على الناس أولاً حيث أن الرسول مبعوث أصلاً إلى الناس ويعضد التقديم أيضاً ما جاء بعد الآية المذكورة[20]، قال تعالى: (( ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل فأبى أكثر الناس إلّا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً )) ( الإسراء 89-90 )
تقديم السماء على الأرض:
عندما تقدّم السماء على الأرض فهذا هو الأصل الوارد في سياقات القرآن وهو لحكمة يقتضيها السياق ويتطلّبها المقام كقوله تعالى: (( إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور )) ( فاطر 38 )
ولا شك في أن ما غاب في السموات كان أعظم وأكثر وأشمل، فقدّم ذكرها ثم قال في نفس السورة:(( قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتاباً فهم على بيّنة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً )) ( فاطر 40 )
فذكرت الأرض أولاً لأنه في سياق تعجيز الشركاء عن الخلق والمشاركة وأمر الأرض في ذلك أيسر من السماء بكثير، فبدأ بالأرض مبالغة في بيان عجزهم، ثم قال سبحانه:(( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً )) ( فاطر 41 ) فقدّم السموات تنبيهاً على عظم قدرته سبحانه لأن خلقها أكبر من خلق الأرض[21].
وبالنظر إلى سياق الآيات السباقة نجد أن السموات مقدّمة على الأرض وهذا هو الكثير المعتاد في آيات القرآن الكريم، وقد تقدّم الأرض على السماء خلافاً لهذا الأصل تبعاً لاقتضاء السياق كما في قوله تعالى:(( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون )) ( البقرة 22).
والله تعالى أعلم فلعله بدأ بذكر الأرض لأنها أقرب إلى النظر والتأمل وفيها المستقر والمعاش والفراش وقد وردت هذه الآية في سياق توجيه النظر إلى وجوب عبادة الله وحده وشكره على نعمه، فقال تعالى قبل هذه الآية:(( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون )) ( البقرة 21 )
وقوله:(( وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين )) ( يونس 61 )
لأن الكلام قبل الآية على أهل الأرض[22]، حيث قال تعالى:(( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه )) ( يونس 61 )
وقال الزمخشري:فإن قلت لم قدّمت الأرض على السماء بخلاف قوله تعالى في سورة سبأ:(( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينّكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين )) ( سبأ 3 ) قلت:حق السماء أن تقدّم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله ( لا يعزب عنه ) لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية[23].
وقدّم ذكر الأرض على السماء أيضاً في سورة إبراهيم في قوله تعالى:(( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء )) ( إبراهيم 38 ) فقدّم ذكر الأرض أولاً لأنها خلقت قبل السماء ولأن هذا الداعي في الأرض. وقدّمت الأرض في خمس سور:آل عمران الآية 5 ويونس الآية 61 وإبراهيم الآية 38 وطه الآية 4 والعنكبوت الآية [24]22. ولم يذكر الكرماني الموضع السادس الوارد في آية 40 من سورة فاطر.
وقد تتقدم الكلمة في القرآن الكريم لاقتضاء المقام وسياق الأسباب التي ينبغي للمتأمل أن يراها ويعلمها كتقديم غض البصر على حفظ الفرج كما في قوله تعالى:(( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون )) ( النور 30 )
فالغض من البصر سبيل عفة الفروج وعفتها وحفظها وهي سبب أيضاً في عدم حفظها، ولهذا قدّم الغض من البصر على حفظ الفروج للتنبيه على شدّة أثرها في إثارة النفس ومن ثم فالحث على فضيلة غض البصر من أجل العفة... وقال الزمخشري فإن قلت:لم قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج، قلت:لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر[25].
وقد يكون التقديم لتعظيم المقدّم وتشريفه، بتقديم لفظ الجلالة على الرسول، في قوله تعالى:(( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً )) ( النساء 69 )
وفي الآية الكريمة إجمال في قوله:( أنعم الله عليهم ) ثم تفصيل:( من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) وفيه إثارة ذهنية وتشويق نفسي للوقوف على تعريفهم، فإذا استشرفت النفس لهذا وتهيّأت له، وقفت على الترتيب من حيث العظمة والتشريف... الأول فالأول ( النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ).
وقد يكون التقديم للفت الانتباه لعظم الرسالة وشرفها على النبوة، كما في قوله تعالى:(( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيّته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم )) (الحج 52) فقد ظهر من الآية عدم المساواة في القدر والمنزلة بين الرسول والنبي، فالرسول من جمع إلى معجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول / من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله [26].

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:08 PM
وقد يكون التقديم على عكس ما سبق فيتقدّم ذكر الكلمة من أجل بيان سوء المصير وتحقيره والتنفير منه، وذلك كما في قوله تعالى:(( يوم يأت لا تكلّم نفس إلّا بإذنه فمنهم شقيّ وسعيد ( 105) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ( 106 ) ) ( هود 105-106 )
فتصدير الآية بكلمة ( يوم ) مع تنكيرها أبلغ في الروع والفزع، وفي نفي الكلام عن النفس على عمومها – كما أفاد التنكير أيضاً – في سياق أسلوب القصر بالنفي والاستثناء والتعبير بالمضارع ( يأت) لاستحضار الصورة مزيد من إضفاء هذا المشهد بجلاله ومهابته... ثم بعد هذا الحشد البلاغي يأتي التقسيم والتفصيل:( فمنهم شقي وسعيد ) مع تقديم للشقي للسبب السالف الذكر... وهذا أيضاً فيه إجمال، أتى بعده التفصيل الآخر الذي تناول الشقي بتكرار ذكره وبيان مكانه ( ففي النار ) لتكون وعاء لهم، يعيشون فيها حياتهم بالزفير والشهيق، وهو ما عرفوه في حياتهم الدنيا ومارسوه، ليستحضروا بذلك المشهد الحياة الحقيقية داخل النار – عياذاً بالله –
وقد تأتي الكلمة مقدمة لبيان الترتيب والسبق:
فمن حيث السبق في الزمان:قوله تعالى:(( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي )) ( آل عمران 68 ) ومن حيث السبق في الإيجاد:قوله تعالى:(( لا تأخذه سنة ولا نوم )) ( البقرة 255 ) لأن العادة في البشر أن تأخذ العبد السنة قبل النوم، فجاءت العبارة على حسب هذه العادة، ذكره السهيلي وذكر معها وجهاً آخر، وهو أنها وردت في معرض التمدح والثناء وافتقاد السنة أبلغ في التنزيه فبدأ بالأفضل، لأنه إذا استحالت عليه السنة فأحرى أن يستحيل عليه النوم [27].
وقد تتقدم الكلمة من موقعها في السياق بعدما جاءت في صدر الآية على خلاف ذلك، كقوله تعالى:(( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً )) ( البقرة 143 )
فقد تأخّر المتعلّق على شبه الفعل في قوله ( شهداء على الناس ) وتقدّم في قوله ( عليكم شهيداً ) وذلك لأن الغرض في الأولى إثبات شهادتهم على الأمم وليس فيها معنى الاختصاص، وفي الثانية اختصاصهم يكون الرسول شهيداً عليهم وليس مجرد إثبات شهادته عليهم [28].
ومن ذلك قوله تعالى:(( يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون )) ( آل عمران 106 )
فصدر الآية جاء في سياق المقابلة على هيئة الإجمال ثم التفصيل الذي بدأ بالذين اسودّت وجوههم، في حين أن البداية كانت بالذين ابيضّت وجوههم، وفي ذلك تلوين للخطاب لإدخال البشر والتفاؤل أو لا لتعظيم هذه الفئة ثم الانتهاء بذكرهم أيضاً تعظيماً وتشريفاً، ولذلك بدأ التفصيل بما انتهى إليه الإجمال والله تعالى أعلم.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:(( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة )) ثم قال جل شأنه:(( الزاني لا ينكح إلى زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك )) ( النور 2- 3 )
قدّم الزانية في السياق الأول لأن الكلام كان عن حد الزنا وهو الجلد، وفيه لفت للنظر وإيحاء للبشر للمحافظة على عفاف المجتمع عن طريق صيانة المرأة، لأنها إذا فسقت كانت سبباً في انتشار تلك الجريمة، أما المقام الثاني فكانت بداية الآية فيه بالرجل ( الزاني ) وهي مسوقة ( لذكر النكاح والرجل أصل فيه، لأنه هو الراغب والخاطب ومنه يبدأ الطلب[29].
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:(( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خيرٌ من اللهو ومن التجارة والله خير الرّازقين )) ( الجمعة 11 )
تقدمت التجارة على اللهو أولاً ثم تأخرت ثانياً... ربما كان الاعتبار هنا في هذا المقام على أنها بمثابة الشيء الواحد، لأن السياق أفاد ذمّ هذا الفعل واستنكاره، وبدليل أنه قال ( انفضوا إليها )، ولم يقل انفضوا إليهما، لأن الإنسان إذا ترك خطبة الجمعة وانصرف إلى التجارة فقد فعل اللهو والعبث، فما بالنا إذا كان هذا مع النبي ؟! هذا ومن المعلوم أنه لا يجوز أثناء الخطبة مجرد الكلام أو العبث بالثياب ونحوه، فما الأمر إذا كان الخروج للتجارة التي كان يصاحبها الطبل وقتذاك ؟! فقدّم اللهو في المرة الثانية للتنبيه على قبح فعلهم وشنيعه..
ثانياً: التقديم للاختصاص:
قد يتقدم المفعول على فعله أو يتقدم الجار والمجرور أو الظرف والحال ونحو ذلك لأجل فضيلة الاختصاص، وهو "إما بالتعيين في التردد، أو بردّ الخطأ، أي خطأ السامع في تعيين المفعول ونحوه إلى الصواب، وهو المراد من التخصيص، كما في اعتقاد العكس أو الاشتراك كقولك:زيداً عرفت، لمن تردد، إشارة إلى أنه اعتقد أنك عرفت إنساناً، لكن يتردد في تعيين أنك زيداً عرفت أم عمراً، فقولك زيداً عرفت، تعيين وتخصيص، أو لمن أخطأ في اعتقاده، بأن اعتقد أنك عرفت عمراً دون زيد، على عكس عرفانك، فقولك زيداً عرفت، يفيد الاختصاص برد الخطأ[30]، وإذا قلنا الماء شربت لا غيره، فهذا من الاختصاص الذي يشمل قصر القلب والإفراد والتعيين.
تقديم المفعول:
ورد تقديم المفعول على فعله أو فاعله لمزية يقتضيها المعنى المراد بثّه في النفوس ومن ذلك قوله تعالى: (( ساء مثلاً القوم الذين كذّبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون )) ( الأعراف 177 ) فلو جاء السياق مثلاً:كانوا يظلمون أنفسهم لما تحققت مزية تخصيص أنفسهم وحدهم بالظلم، فجأة "تقديم المفعول به للاختصاص كأنه قيل:وخصّوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها[31]" وهنا إبراز للنفس التي ظلمت وتخيّل لأثره عليها.
ومن ذلك قوله تعالى:(( سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار )) ( إبراهيم 50 )
ففي قوله: ( وجوههم ) مجاز مرسل علاقته الجزئية، حيث ذكر الجزء، وهو الوجوه، ذكر الحاصل هو أن النار تغشى جميع أبدانهم، ولكن في تخصيص ذكر الوجوه وتقديمها لفت للانتباه لما يلحقهم من المهانة والذلة وهم الذين أرادوا الوجاهة والمنزلة في قومهم، ومن قوله:( من قطران ) بيانية أي من هذا الجنس.
تقديم الجار والمجرور:
قد يقع الظرف خبراً، أو يتقدّم الجار الأصلي فيكون خبراً، وحينئذ يشترط في الظرف الواقع خبراً وفي الجار الأصلي مع المجرور كذلك – أن يكون تاماً، أي يحصل بالإخبار به فائدة بمجرد ذكره، ويكمل به المعنى المطلوب من غير خفاء ولا لبس[32] ولابد للظرف أو الجار والمجرور من متعلق حتى تتم الفائدة أو المعنى وإلا لم يكن منهما فائدة... وسوف نقف مع بعض النماذج القرآنية لنرى ما أفاء الله به من أسرار بلاغية لهذا التقديم.
يقول تعالى:(( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأنّ له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم )) ( التوبة 63 )
لقد حملت الآية الكريمة على من يحادد الله ورسوله، فكان الزجر والوعيد الناشئ عن الاستفهام في صدر الآية، وتوكيد الخبر بأنّ واسمية الجملة لأن المنافقين مع علمهم بهذه الحقيقة نزّلوا منزلة من يجهلها وينكرها لعدم جريهم في الاعتقاد والسلوك وفق ما يقتضيه علمهم، وتقديم الخبر ( له ) على اسم ( أن ):( نار جهنم ) لإفادة القصر، أي له لا لغيره، والإفراد في ( له ) و ( خالداً ) مراد به العموم[33].
ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى:(( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون )) ( إبراهيم 11-12 )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:09 PM
ففي تقديم الجار والمجرور في لفظة الجلالة ( وعلى الله ) في الآيتين لإفادة القصر والتخصيص أي:التوكل والاعتماد لا يكون إلا على الله لا على غيره... وجاء لفظ المؤمنون في الآية الأولى لأنه أمر من رسلهم للمؤمنين الذين آمنوا بالتوكل على الله وحده، وهذا من علامة الإيمان الصادق... وجاء لفظ ( المتوكلون ) في الآية الثانية ليكون معناه، فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما تقدّم [34].
ومن ذلك أيضاً ما جاء في نفس السورة قوله تعالى:(( وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص )) ( إبراهيم 21 )
جاء تقديم ( لكم ) على ( تبعاً ) لإفادة التخصيص التبعية لهم وقصرها عليهم دون غيرهم وحبس حياتهم رهن إشارتهم وفيه إظهار مدى ندامتهم وحسرتهم على تلك التبعية لسادتهم الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا عنهم ولا عن أنفسهم شيئاً وقد هلك الجميع.
ومما جاء في تخصيص الملك والحمد بالله وحده دون غيره قوله تعالى:(( يسبّح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )) ( التغابن 1 )
وقد وقف ابن الأثير رحمه الله أمام بعض الآيات الواردة في مثل هذه السياقات السابقة ورفض أن تكون للاختصاص، ونعى على من احتسبها كذلك، كتقديم الظرف في قوله تعالى:(( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكّلت وإليه أنيب )) ( الشورى 10 )
(( صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور )) ( الشورى 53 )
(( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة )) ( القيامة 22- 23 )
(( والتفّت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق )) ( القيامة 29 -30 )
فقال ابن الأثير:فإن هذا روعي فيه حسن النظم، لا الاختصاص في تقديم الظرف وفي القرآن مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف بأسرار الفصاحة على مواضع أخرى وردت للاختصاص وليست كذلك [35].
ولا عجب أن يكون التقديم في تلك الآيات للاختصاص مع إفادة الغرض الذي أشار إليه، لأن المعنى يقتضي ذلك ويتطلبه، فكيف لا نقول أن تقديم ( عليه ) على ( توكلت ) يفيد قصر التوكل على الله لا على غيره ؟! وكذلك الإنابة إليه دون غيره، وهذا من كمال التوحيد ونقاء العقيدة... ولو فرضنا السياق جاء على غير هذا التقديم، وكان مثلاً:توكلت عليه وأنبت إليه، لافتقد السياق مزية حسن النظم، وجلاء المعنى أيضاً فإن الجملة الأخيرة التي تأت على التقديم لتفيد أن التوكل عليه وعلى غيره أو الإنابة إليه ولا يمنع أن تكون إلى غيره ! ولكن بالتقديم سدت جميع الأبواب وقصرت التوكّل على الله وحده والإنابة إليه وحده دون غيره.
وفي آية الغاشية التي رفض ابن الأثير جعلها للاختصاص، وقد ناقض نفسه بقوله:أي تنظر إلى ربها دون غيره، فتقديم الظرف هنا ليس للاختصاص [36]!!!
فكيف لا يكون تقديم الظرف للاختصاص، وهو يقول تنظر إلى ربها دون غيره !! ويقول الزمخشري:ألا ترى إلى قوله تعالى:(( إلى ربك يومئذ المستقر )) (( إلى ربك يومئذ المساق )) (( إلى الله تصير الأمور )) (( وإلى الله المصير )) (( وإليه ترجعون )) (( عليه توكلت وإليه أنيب ))، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص[37].
ومما جاء في التقديم لإفادة التخصيص ورعاية الفاصلة، قوله تعالى:(( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزّل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين )) ( البقرة 90 )
(( ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين ))
ومنه أيضاً قوله تعالى:(( ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبيّنات فانتقمنا من الّذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )) ( الروم 47 )
فتقديم التوكيد ( حقاً ) وتقديم خبر كان ( علينا ) لإشعار المؤمنين بالنصر المحقق الذي لا مرية فيه وفي هذا ترسيخ للعقيدة وحسن التوكّل على الله والثقة فيه لا في غيره، عندما يشعر المؤمن بأن النصر مختص بالله مقصور عليه سبحانه.
ثالثاً:التقديم بين الآية والآية:
في هذه الوقفة نرى أسراراً أخرى لأسلوب التقديم مغايرة للمواضيع السابقة، والمقصود بهذا التقديم الذي يأتي بين الآية والآية هو ما ننظر إليه من حيث تقديم صيغة على أخرى في بعض آيات السورة الواحدة، أو تقديم آية على آية في النزول، أو تقديم موضع على آخر في السورة الواحدة، أو التقديم والتأخير في المتشابه.
أولاً:تقديم صيغة على أخرى في بعض آيات السورة الواحدة:
وقد ورد ذلك في بعض المواضع من آيات الذكر الحكيم لعلة يقتضيها السياق ويتطلّبها المعنى، وذلك نحو قوله تعالى:(( يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحبّ كلّ كفّار أثيم )) ( البقرة 276)
وقوله تعالى:(( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم )) (البقرة 283 )
فقد وردت الصيغتان في الآيتين وهما:أثيم – آثم، وتقدّمت الصيغة الأولى على الثانية للفارق المعنوي بينهما، فـ ( أثيم ) صفة مشبّهة باسم الفاعل، وهي صيغة مبالغة تفيد الإقامة على فعل ذلك الإثم والإصرار عليه والتمعّن فيه بلامبالاة، وأثيم:من قوم أثماء، والأثيم:الفاجر[38].
فقد وردت صيغة ( أثيم ) في سياق الحديث عن الربا ومحقه والنفير منه، قال الزمخشري في قوله تعالى:( كل كفار أثيم ) تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار ( قوم أثماء ) لا من فعل المسلمين [39].
أما الآية الأخرى فقد وردت في سياق النهي عن كتمان الشهادة (( ولا تكتموا الشهادة )) ثم الوعيد من التهديد عن طريق أسلوب الشرط (( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ))... وكتمان الشهادة أقل جرماً من تعاطي الربا وممارسته الذي يتأذى منه المجتمع كله، بينما تأتي ثمرة كتمان الشهادة المرّة على الأفراد... وقد أسند الإثم إلى القلب لأن كتمان الشهادة ( هو أن يضمرها ولا يتكلّم بها، فلما كان إنما مقترفاً بالقلب أسند إليه، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد:هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل:قد تمكّن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه[40].
ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى:(( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرّعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكوننّ من الشاهدين )) ( الأنعام 63 )
وقوله:(( قل الله ينجيكم منها ومن كلّ كرب ثم أنتم تشركون )) ( الأنعام 64 )
وقد وردت صيغتان في الآية الكريمة:ينجيكم – أنجانا، وقدّم الأولى على الثانية لاقتضاء المعنى الذي ينتقي الألفاظ ويحددها، فإن الألفاظ في القرآن نزلت من لدن القدرة الإلهية معبّرة عن معانيها الدقيقة، فإذا وردت مادة بصيغتين أو أكثر، فليس ذلك فراراً من التكرار، وإنما يحدث لأن كل صيغة تعبّر عن معنى لا تعبّر عنه الصيغة الأخرى، مهما تقاربتا [41].
فالصيغة الأولى التي جاءت بالتشديد ( ينجيكم ) إنما جاءت في جناب الله وحقه، وجاءت في صيغة الاستفهام المجاب عنه في الآية التي تلتها مباشرة ( قل الله ينجيكم ) فهي نجاة بالغة العظمة والقدرة، وهي تستمر نجاة بعد نجاة... أما الصيغة الثانية فقد كانت دعاء منهم، وكانت ( أنجى ) دالة على قلّة احتمال حدوث النجاة، فقد سبقها ( لئن ) تأتي لتقليل حدوث فعل الشرط ولهذا بالغوا في جواب ( لئن) عن طريق التوكيد باللام ونون التوكيد الثقيلة:( لنكونن ) رغبة في تقوية حدوث فعل الشرط الذي تتوقف على حدوثه حياتهم [42].
ومن ذلك ما جاء أيضاً في سورة غافر في قوله تعالى:
(( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب )) ( غافر 28 )
فقدّمت صيغة اسم الفاعل ( كاذباً ) على صيغة المبالغة ( كذّاب ) فالأولى، وقعت في سياق يوحي بانتفاء الكذب من أصله لتقديم قوله:(( وقد جاءكم بالبيّنات من ربكم )) فكيف بمن جاء بالبيّنات من رهب أن يكون متّصفاً ولو أدنى اتصاف بالكذب ؟! ولذلك جاءت الصيغة ( كاذباً ) في سياق ( إن ) الشرطية مع حذف النون من ( يك ) فلم يقل يكن وهو الأصل ليشعر بانتفاء ذلك، هذا بالإضافة إلى تنكير (كذبا ) في سياق الشرط لإفادة العموم، أي:وإن يك كاذباً ما، يعني إن وُجد ذلك من أصله.
أما صيغة ( كذّاب ) فهي لإفادة المبالغة كما سبق ذكره، وهي ترسم صورة لهذا الذي يمارس الكذب ويتعاطاه في كل أحوال حياته، حتى استحقّ تعريفه بالمسرف، وعدم الهداية من الله ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب )
ومن ذلك أيضاً ما جاء في سورة التحريم في قوله تعالى:(( وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلمّا نبّأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير )) ( التحريم 3 ).
فجاءت صيغة ( نبّأها ) متقدمة على ( أنبأك ) ثم أعديت صيغة ( نبّأني ) مرة أخرى، لأنّ الصيغتين ( نبأ ) في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وما ينبّئ به فهو حق اليقين لأنه لا ينطق عن الهوى، و ( من أنبأك ) حكاية عن كلام أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، وهي لم تبلغ مبلغ يقين الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الراغب الأصفهاني: نبّأته أبلغ من أنبأته (( فلننبئنّ الذين كفروا – ينبّؤ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر)) ويدلّ على ذلك قوله تعالى:(( فلما نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير )) ولم يقل أنبأني بل عدل إلى نبأ الذي هو أبلغ تنبيهاً على تحقيقها وكونه من قبل الله [43].
ومن ذلك أيضاً ما جاء بصيغة المبني للمجهول سابقاً ومتقدّماً على المبني للمعلوم خلافاً للمعهود وذلك في قوله تعالى:(( ويطاف عليهم بآنية من فضّة وأكواب كانت قواريراً قوارير من فضّة قدّروها تقديراً )) ( الإنسان 15 -16 )
وقوله تعالى:(( ويطوف عليهم ولدان مخلّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً )) ( الإنسان 19 )
قال الكرماني [44]: إنما ذكر الأول بلفظ المجهول لأن المقصود ما يطاف به لا الطائفون، ولهذا قال:( بآنية من فضة ) ثم ذكر الطائفين فقال:( ويطوف عليهم ولدان مخلّدون ) فالصيغة الأولى جاءت بالبناء للمجهول لأن الفاعل غير مراد، ولكن المراد تسليط الضوء ولفت الذهن إلى النعم المتعددة في السياق، فإذا انتهى من تعداد ذلك، كان لائقاً التعقيب بذكر هؤلاء الغلمان الذين يقومون بخدمة المؤمنين ويقدّمون لهم ما يقدّم من ألوان هذه النعم التي ذكرت من قبل، وإنه لمن المعقول حقاً أن يتقدّم تعداد النعم على من يقومون بتقديمها [45].
ومن ذلك أيضاً ما جاء مقدّماً بالتضعيف على وزن ( فعّل ) على الفعل المهموز على وزن أفعل، يقول تعالى:(( فمهّل الكافرين أمهلهم رويداً )) ( الطارق 17 )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:09 PM
وقد نصّ الكرماني[46] على أن ذلك ليس من التكرار، والتقدير:مهّل، مهل لكنه عدل في الثاني إلى قوله:أمهل كراهة التكرار وخالفة الزمخشري واعتبره من التكرار، فقال:أي إمهالاً يسيراً، وكرّر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتبصّير [47].
أي:في ذلك إشاعة جو من الطمأنينة والسكينة في قلب النبي وقلب المؤمنين ليثبتوا مع النبي ويصبروا على أذى الكافرين... وهذا وإذا كان ختام السورة بهذا التكرار المؤدى للتوكيد، فإن فيه اتفاق واتساق مع بداية السورة بالقسم المفيد للتوكيد أيضاً ثم بتكرار كلمة الطارق التي أشاعت جرساً قويّ الإيقاع في جو المشهد.
ثانياً: تقديم آية على أخرى في النزول:
من المعلوم أن من الآيات ما نزل لسبب من الأسباب أو لمعالجة موقف من المواقف التي وقعت في حياة المسلمين ومنها ما نزل لإثبات حكم شرعي أراده الله لصالح الحياة والممات.. وكانت هذه الآيات تناسب أحوال الناس وعمر الدعوة الإسلامية فيهم ومدى صلابة العقيدة في ذلك الوقت، فما نزل بمكّة يختلف في الأحكام والشرائع عمّا نزل بالمدينة، فإن من أسرار القرآن أنه يمسك بأحوال النفس الإنسانية كلها، ويجيء إليها بما يناسب كل حال منها في مواجهتها للأحداث وفي تصورها لها وإحساسها بها [48].
وإذا نظرنا إلى أوّل ما نزل من القرآن الكريم فسنجد قوله تعالى:(( اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق )) ( العلق 1-2 )
فجاء الخبر بأن الله خلق الإنسان من علق، والعلقة ( الدم الجامد ). وإذا جرى فهو الدم المسفوح وقال:( من علق ) بجمع علق، لأن المراد بالإنسان الجنس، وإذا كان المراد بقوله:( الذي خلق ) كل المخلوقات، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفاً له، وإذا كان المراد بالذي خلق:الذي خلق الإنسان، فيكون الثاني تفسيراً للأول، والنكتة ما في الإبهام ثم التفسير، من التفات الذهن وتطلّعه إلى معرفة ما أبهم أولاً، ثم فسّر ثانياً [49].
وهذه الآية مكّية وقد تقدّمت في النزول على آية سورة المؤمنون وهي مكّية أيضاً وذلك في قوله تعالى:(( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين )) ( المؤمنون 12-14 )
والعلّة في ذلك والله تعالى أعلم أن آية العلق كانت في بداية ظهور الإسلام وأولى نسائمه ولم تكن النفوس مهيّئة لاستقبال الأمر المفصّل أو الشرح المطوّل بدقائقه، فأجمل لكي يمسّ القلب ويطرقه طرقاً خفيفاً يوقظ الذهن من غفوته وغفلته، ثم جاء بعد ذلك التفصيل ووصف المراحل الدقيقة في سورة المؤمنون بعدها تهيّأت النفوس لذلك واستعدّت لاستقباله وفهمه.
ومن ذلك أيضاً ما جاء من الآيات مقدّماً بعضه على بعض في تحريم شرب الخمر، وذلك مراعاة لمقتضى الحالة التي كان عليها المسلمون من شربها في ذلك الوقت، فلم يكن سهلاً أن ينقلهم الإسلام فجأة من المألوف إلى التحريم، فنزلت الآيات بالتدرّج في مراحل التحريم، فتقدّمت أولاً آية بيان الإثم الأكبر والمنافع الأقل للخمر، فأصبح التنفير واقعاً في النفس، يقول تعالى:(( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبيّن الله لكم الآيات لعلّكم تتفكّرون )) ( البقرة 219 )
ثم نزل في مراحل ثانية قوله تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلّا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوّاً غفوراً )) ( النساء 43 )
فانتقل المسلمون مع هذه الآية نقلة ثانية تالية للمرحلة الأولى، فصاروا يتجنبون شربها في النهار الجامع لأطراف الصلاة، حتى أصبح الوقت المباح لشربها هو الليل وقليل فاعله، ثم كانت المرحلة الأخيرة التي أتمّ الله تعالى فيها التحريم القاطع إلى يوم الدين، قال تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )) ( المائدة 90 ) فهم في هذه المرحلة كانوا على أتم الاستعداد النفسي والجسدي لاستقبال هذا الأمر وتنفيذه من فوره دون معاناة أو تملل.
صورة أخرى متكاملة تحمل أجزاء المشهد الواحد لو ضُم بعضه إلى بعض، ولكنه يبدأ بأخف المراحل فيقدّمها أولاً ثمّ يتدرّج إلى الأشدّ حتى يبلغ الغاية ويفي بها... إن ذاك مع عصا موسى عليه السلام، يقول تعالى:(( قال هي عصاي أتوكّأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حيّة تسعى )) ( طه 18-20 )، ويقول تعالى:(( وألق عصاك فلما رآها تهتزّ كأنها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف إنّي لا يخاف لديّ المرسلون )) ( النمل 10 )
ويقول تعالى:(( وأن ألق عصاك فلما رآها تهتزّ كأنها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقّب يا موسى أقبل ولا تخف إنّك من الآمنين )) ( القصص 31 )
ويقول تعالى:(( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين )) ( الأعراف 107 ) ويقول تعالى:(( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين )) ( الشعراء 32 )
ونفهم من هذا الترتيب أن أول اختبار لموسى مع العصا أنها ظهرت له في صورة ( حيّة تسعى ) فوقع في نفسه ما وقع من خوف... ثم جاء الاختبار الثاني في سورة النمل وهي متأخرة نزولاً عن سورة طه وفيها تظهر العصا حيّة في ضخامتها وجاناً في انطلاقها واقتضاها ولهذا لم يخف مجرد خوف كما فعل حين واجه الحية ولكنه ولى مدبراً ولم يعقب[50]
أما الصورة الثالثة فهي تحوّل العصا إلى ثعبان مبين، وهذا المشهد قد وصل إلى ذروته لأن مشهد إلقاء العصا يغاير المشهدين السابقين الذين كانا على سبيل الإعداد والتجهيز النفسي.. أما المشهد الثالث فهو مشهد الواقعة والتحدي، فكانت الصورة التي جمعت بين الحية والجان في كيان واحد قد برزت كاملة في قوله تعالى:فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ثعبان لا كالثعابين... وإنما هو ثعبان عظيم... فيه خفّة الثعبان ونشاطه وعظم الحية وضخامتها... وفي كلا الموضعين تقع الصورة التي تجيء عليها المعجزة على حال واحدة... ولهذا جاء النظم القرآني لهما على سواء[51]
(فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين في سورتي) الأعراف و(فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين في سورتي) الشعراء.
تقديم موضوع على آخر في السورة الواحدة:
اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن هل هو توقيفي أو باجتهاد الصحابة، وكان جمهور العلماء على أنه ليس توقيفياً بل هو من اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم أما الآيات فقد كان الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وقال عثمان رضي الله عنه كان رسول الله تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول:(ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا )[52]
ومعظم السور القرآنية قد اشتملت على موضوعات متعددة كالسبع الطوال والمئين والمثاني والمفصل... وهذه الآيات الموضوعية قد تقدّم بعضها على بعض بتوقيف من الله عز وجل وتظهر في ذلك نكتة بلاغية، نتبينها في المثال الآتي، ألا وهو سورة البقرة وهي على طولها ووضوح تفصيلها تتكون مما يأتي[53]:
المقدمة:الآيات ( 1-20 )
وهي في التعريف بشأن هذا القرآن ( أي في هذه السورة ) وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حداً من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم.
المقصد الأول: الآيات ( 21 -25 )
وجاء في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام ثم عود على بدء في أربع عشرة آية من ( 26 -39 )
المقصد الثاني: الآيات ( 40 -126 )
في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق وعلى ذلك مدخل إلى المقصد الثالث في خمس عشرة آية من ( 163 – 177 )
المقصد الثالث: الآيات من ( 178- 283 )
في عرض شرائع هذا الدين تفصيلاً
المقصد الرابع:في آية واحدة 284
ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع
الخاتمة:في آيتين اثنتين ( 285 – 286 )
وهي في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد، وبيان ما يرجى لهم إنها كالبناء الشامخ الذي يبدأ فيه بإقامة الأساس من جذوره، ثم إقامة البنيان وتشييده ثم زركشته وتزيينه.
فهذا الترتيب للموضوعات في داخل السورة لهو كالحلقات المتشابكة يشدّ بعضها بعضاً ويؤدي كل موضوع إلى أخيه في تسلم رائق، يمهّد له ويبسط ضوءه رويداً حتى يلقى بدره من الأعماق... ماذا لو جاء موضوع منها قبل الآخر ؟! ما نرى إلا اختلال ميزان الفكر وتشتت الوجدان والشعور !!
وقوفاً مع سورة أخرى، هي سورة النور وهي مدنية وآياتها أربع وستون آية.. وهي في الآداب الاجتماعية والتربية والنورانية التي تشع بنورها في البيت والأسرة والمجتمع.
ويجري سياق السورة حول محورها الأصيل – التربية – في خمس أشواط [54]
· الأول: يتضمن الإعلان الحاسم الذي تبدأ به، ويليه بيان حدّ الزنا، ثم بيان حدّ القذف، ثم حديث الإفك.
· الثاني: وسائل الوقاية من الجريمة وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية فيبدأ بآداب البيوت والاستئذان على أهلها والأمر بغض البصر والنهي عن إبداء الزينة، والحض على إنكاح الأيامى والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء.
· الثالث: يتوسّط مجموعة من الآداب التي تتضمّنها السورة فيربطها بنور الله، ويتحدّث عن أطهر البيوت، وفي الجانب المقابل الذين كفروا وأعمالهم... ثم يكشف عن فيوض الله في الآفاق.
· الرابع: يتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع رسول الله ويصوّر أدب المؤمنين.
· الخامس: آداب الاستئذان والضيافة في محيط البيوت وآداب الجماعة المسلمة كلها كأسرة واحدة.
فيعجب المتأمّل من هذا الترتيب المنطقي البديع الذي بدأ أولاً بتطهير المجتمع من الجريمة ووضع العقاب والزجر ليرتدع المجرم، وقدّم ذلك على عرض وسائل الوقاية لتتهيّأ النفس لاستقبال تلك الآداب الوقائية بنفس هادئة وتقبل على أساليبها بحب ممتزج بالخوف من الله، وهذان الموضوعان لازمان للدخول في الحديث عن آداب آخرى يربطها بنور الله
ثم تصوير للآداب المفقودة في حق المنافقين فتقدم على تصوير آداب المؤمنين فبدأ من الأدنى للتنفير منه، ثم للأعلى ليشحذ الهمم وتنشط النفس وترغيبها بعد ترهيبها.
يتقدّم تنظيم العلاقات الأسرية الصغيرة داخل البيوت، لأن ذلك هو النواة والأساس الذي ينى عليه بعد ذلك تنظيم العلاقات بين الأسرة الكبيرة في المجتمع المسلم ككل... فيتقدّم قوله تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوّافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبيّن الله لكم الآيات والله عليم حكيم )) ( النور 58 ) وهي الأسرة الصغيرة، على قوله تعالى:(( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم )) ( النور 62 ) (وهي الأسرة الكبير ).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:10 PM
وفي وسط هذه الآداب تأتي استراحة قصيرة – إن صح التعبير – ليمضي السياق في عرض مشاهد الكون ومظاهر الوجود الجميل والتأمّل في تقلّب الليل والنهار وعرض مظاهر القدرة على الخلق والتنويع في أشكال الخلق ( وذلك في الآيات من 41 – 45 ) لتتوسط هذه الوقفة الكونية ما سبقها من آداب وتعاليم وما لحقها من آداب وتعاليم، فهذه السورة نموذج من ذلك التنسيق، لقد تضمّنت بعض الحدود إلى جانب الاستئذان على البيوت، وإلى جانبها جولة ضخمة في مجال الوجود، ثم عاد السياق يتحدث عن حسن أدب المسلمين في التحاكم إلى الله ورسوله وسوء أدب المنافقين إلى جانب وعد الله الحق للؤمنين بالاستخلاف والأمن والتمكين، وها هو ذا يعود إلى آداب الاستئذان في داخل البيوت إلى جانب الاستئذان من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وينظم علاقة الزيارة والطعام بين الأقارب والأصدقاء إلى جانب الأدب الواجب في خطاب الرسول ودعائه [55].
التقديم والتأخير في المتشابه:
قد تأتي بعض الآيات متشابهة في كلماتها ولكننا نجد كلمة قدمت في آية وأخرت في أخرى لسر بلاغي أودعه الله في السياق، وسوف نقف – بإذن الله وتوفيقه – مع بعض هذه النماذج القرآنية التي وردت عبر السور المختلفة.. ومن ذلك قوله تعالى:(( واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون )) ( البقرة 123 )
فالآيتان من مشاهد القيامة وساحة القضاء الأعلى، وقد سُبقت الآيتان بآية تامة التشابه متحدة الكلمات وانتظامها، وهي قوله تعالى:(( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين )) ( البقرة 47 ) (( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين )) ( البقرة 122 )
وهذا التكرار للحثّ على التذكّر للنعمة والتحذير من الإعراض عن الله ورسوله، فاليهود أمّة جبلت على العناد والتّمرّد وذلك على الرغم من أنّهم أكثر الأمم رسلاً وأنبياء، وقدّم الشفاعة في السياق الأوّل ( آية 48 ) قطعاً لطمع من زعم أن آباءهم تشفع لهم، وأن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وأخّرها في الآية الأخرى ( 123 ) لأن التقدير في الآيتين معاً لا يقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة، لأن النفع بعد القبول، وقدم العدل في الآية الأخرى ليكون لفظ القبول مقدّماً فيها[56].
ومما يشدّ من أزر ذلك المعنى الذي يبرز قطع الأمل في تلك الشفاعة، أنه جاء بـ ( يوماً ) على التنكير للتهويل ودفع النفس نحو الخوف والحذر، ونكر النفس مرتين للدلالة على العموم والشمول لكل نفس، وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع[57]، وقد جاء بالفعل ( يُقبل ) مع ( شفاعة ) لأنها محلّ القبول على سبيل الرحمة والرأفة، وجيء بالفعل ( يؤخذ) مع ( عدل ) لأن ذلك على سبيل الفداء[58] ومن ذلك قوله تعالى:(( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطّةٌ نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين )) ( البقرة 58 )
وقوله تعالى:(( وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وادخلوا منها حيث شئتم وقولوا حطةٌ وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين )) ( الأعراف 161 )
ففي الآية الأولى:(( وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطةٌ )) وفي الآية الثانية ( وقولوا حطةٌ وادخلوا الباب سجداً ))
وقف الزمخشري على هذا الاختلاف على استحياء ولم يشأ الدخول في غماره وأعماقه، فاكتفى بقوله:لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله ( اسكنوا هذه القرية وكلوا منها ) وبين قوله ( فكلوا) لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، وسواء قدّموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون في الإيجاد بينهم، وترك الرغد لا يناقض إثباته [59].
والحق أن السياق اختلف فأدّى إلى معان بلاغية دقيقة، فقد جاء صدر الآية في السياق الأول بالفعل المبني للمعلوم بإثبات ( نا ) لله تعالى على التعظيم فقالوا:( وإذ قلنا ) فناسب ذلك المقام ذكر ( رغداً ) على التنكير التفخيمي.. ولما كان الدخول في قوله:( ادخلوا هذه القرية ) غير السكن في قوله:( اسكنوا هذه القرية ) لأن السكن يعني اللبث والإقامة والاطمئنان، فقد جاء في السياق الأول الفاء في (فكلوا ) والثاني ( وكلوا )... وقدّم ( وادخلوا الباب سجداً) على قوله:( وقولوا حطة ) في سورة البقرة وأخّرها في الأعراف لأن السابق في هذه السورة ( ادخلوا ) فبيّن كيفية الدخول.. وفي هذه السورة ( أي سورة البقرة ) ( وسنزيد ) بواو، وفي الأعراف ( سنزيد ) بغير واو، لأن اتصالها في هذه السورة أشد لاتفاق اللفظين. واختلفا في الأعراف فكان اللائق به ( سنزيد ) فحذف الواو ليكون استئنافاً للكلام[60].
ومن التقديم في المتشابه قوله تعالى:(( ختم على الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم )) ( البقرة 7 )
وقوله تعالى:(( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تتذكرون )) ( الجاثية 23 )
في آية البقرة جاء الحديث قبلها عن المتقين ثم الكافرين الذين ختم الله على قلوبهم التي هي المضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما جاء في الحديث الشريف، فكان الكلام في هذه الآية على عمومه... أما في آية الجاثية فهي تتكلم عن خاصة بعينها تقع في فئة من الناس، يتّخذون العبادة بأهوائهم، ومن القراءات:( إلهه هواه ) فينتقلون في عبادتهم من حجر إلى حجر أو غيره حسبما يتراءى لهم... فناسب ذلك تقديم الختم على السمع لأنه سمع التعقّل والهداية وهو أداة ووسيلة لنقل الفهم، كما جاء في قوله تعالى:(( ولهم آذان لا يسمعون بها )) ( الأعراف 179 )
ومن ذلك قوله تعالى:(( وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين )) ( القصص 20)
وقوله تعالى:(( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين )) ( يس 20 )
بداية نرى صدر الآية جاء بـ ( جاء ) دون ( أتى ) لأن ( جاء ) تحيط به معاني العلم واليقين وتحقق الوقوع والقصد[61].. وبالنظر إلى الآيتين نجد تقديم ( رجل ) في الأولى وتأخير في الثانية لاختلاف المقام فيهما ففي الآية الأولى تقدم ( رجل ) لتسليط الضوء عليه ولفت الذهن إليه وما يحمله من نبأ المؤامرة، بوصوله إلى موسى عليه السلام يتغير الموقف ويخرج موسى متخفياً مترقّباً.. أما في الآية الثانية فالمقام يقتضي تسليط الضوء ولفت الانتباه إلى المدينة بصفة أساسية لا إلى الرجل، فتظهر المدينة على غفلتها وعدم إتباعها المرسلين ثم إرادة الرجل هدايتهم... فتأخر الرجل هنا يبين أنه لم يكن محتاجاً للسرعة والعجلة ومسابقة الزمن بالقدر العظيم الذي كان يحتاجه المقام الأول... ومن هنا يتبين بعد ما ذهب إليه الكرماني في قوله:خصت في هذه السورة ( أي القصص ) بالتقديم لقوله قبله:فوجد فيها رجلين ثم قال ( وجاء رجل) فاكتفى بالنظر إلى التقديم على أساس ذكر الرجلين من قبل لا غير !
ومن ذلك قوله تعالى:(( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرّتهم الحياة الدنيا وذكّر به أن تُبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله وليٌّ ولا شفيعٌ وإن تعدل كلّ عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أُبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )) ( الأنعام 70 )
وقوله:(( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلّا متاع الغرور )) ( الحديد 20 )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:11 PM
وقوله تعالى:(( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون))(العنكبوت64) فآيتا الأنعام والحديد في معرض الحديث عن الدنيا وأحوالها، وفي تدرّج من الأدنى إلى الأعلى فاللعب أولى مراحل الطفولة، والتكاثر في الأموال والأولاد نهاية المطلب وقمة اعتلاء عروش الدنيا... أما آية الحديد فهي في معرض المقابلة بين الدنيا والآخرة، فالأولى لهو ولعب والثانية هي الحياة البالغة، وكان لأسلوب المقابلة هنا حسن التنسيق والإيقاع الجميل، وهي من جملة طرق العرض التي يلجأ إليها القرآن، وهي متكاملة متجانسة مع بقية الأساليب لأداء الأغراض والقيم التي يريدها المنهج القرآني، لكنها تعد من أبرز الطرق الواضحة في العرض، وفي الأداء البياني الذي يسعى إليه القرآن[62]، وقال الكرماني بدأ بذكر اللهو لأنه في زمان الشباب، وهو أكثر من زمان اللعب وهو زمان الصبا[63].
ومن ذلك قوله تعالى:(( قالوا أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين )) ( المؤمنون 82-83 )
وقوله تعالى:(( وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين )) ( النمل 67-68 )
بتأخير اسم الإشارة ( هذا ) في الأولى، وتقديمه في الثانية ولعل ذلك راجع إلى التفصيل المذكور في آية المؤمنين الموت والتراب والعظام، فأغنى التفصيل عن تقديم اسم الإشارة، وهو لم يقع في آية النمل، وبقي أن نشير إلى أن الآيتين قد صدّرتا بالقول:( قالوا ).... ( وقال ) إشارة إلى أنه زعم باطل ليس له رصيد من اليقين والحق، ثم يصوّر القرآن الكريم مدى اعتمال الانفعال في نفوسهم وإصرارهم على العناد وذلك عن طريق أسلوب القصر بالنفي والاستثناء وبالأداة ( إن ) إيثار على ( ما ) مثلاً.
ومن ذلك قوله تعالى:(( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة مّا سمعنا بهذا في آبائنا الأولين )) ( المؤمنين 24 )
وقوله:(( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذّبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون )) ( المؤمنون 33 )
فقدّم ( الذين كفروا ) على ( من قومه ) في الآية الأولى، وأخّر في الثانية، وذلك لاختلاف المقام وتباين السياق بينهما ففي الأولى صرّح بذكر الرسول فقال:(( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم... )) ( المؤمنون 23 ) وكرّر ذكر القوم مرتين وأضاف ( قوم ) إلى ضمير نوح لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به، ولأنه واحد منهم وهم بين أبناء له وأنسباء، فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد[64].
بينما تقدّم ذكر ( قومه ) على ( الذين كفروا ) في الثانية لأنها سبقت بذكر الرسول المرسل منكراً فقال تعالى:(( فأرسلنا فيهم رسولاً منهم )) ( المؤمنون 32 ) وهم قوم هود، فاحتيج إلى تقديم قومه الذين لم يذكروا صراحة ولو مرة واحدة في الآية 32.
وربما كان تقديم ( وقال الملأ الذين كفروا ) لاختصاص القول بهم وشموله لهم وبيان أثر قولهم في قومه وفي الناس كافة، إذ لم يؤمن معه إلا قليل كما جاء صريحاً في القرآن (( وما آمن معه إلا قليل)) ( هود 40 ) وجاء تقديم ( وقال الملأ من قومه... ) لاختصاص القول بقومه – قوم عاد – وبيان أثرهم في الناس. والله تعالى أعلم
الخاتمة:
إن القرآن الكريم معين لا ينضب وجنة فيحاء لا ينقضي ثمرها، بل يظل ملء السمع والبصر، يملك الفؤاد ويستولى على العقل والوجدان... وإننا بعد هذا التطوّف الّذي منّ به الرحمن نذكر من النظرات ما يأتي:
أولاً: إن الإعجاز البلاغي لأسلوب التقديم والتأخير إعجاز فيّاض عظيم التدفّق لا يقع في حصر.. وسبيل التعرّض لفيوضاته وتلمّس أسراره لا يقف عند حد في كلمة أو جملة، بل يشهد السياق في مجمله بستاناً مورقاً يانع الثمار والأزهار، لا تكاد تمد يداً لقطف ثمرة إلا وتجذبك الأخرى والأخرى فلا تستطيع الفراغ حتى تأتي على البستان كلّه.
ثانياً: الألفاظ القرآنية لها دلالتها في سياق الجملة فلا يمكن أن يرادف لفظٌ لفظاً آخر فيتساوى معه في المعنى تمام المساواة، بل إن الكلمة ذاتها لتتكرر في أكثر من سياق لتدلّ على معنى آخر مغاير في كل سياق، فإذا نظرنا إلى دلالة الكلمة المختارة في ظل تقديمها أدّى ذلك إلى إبراز المعنى في قوّة وجلاء، وساعد على تصوير المشهد في تدفّق وحياة.
ثالثاً: كان لأسلوب التقديم سمة أسلوبية بالغة الأثر في معرفة خواص تراكيب الكلام وكشف خبايا النفس والنفوذ إلى أعماقها وتصوير شخصيات المشهد في صورة حضورية تبيّن ما عليها من فرح أو ترح أو اضطراب أو توتر أو إيمان أو نفاق أو نحو ذلك.
رابعاً: كان لأسلوب التقديم والتأخير سمة التغلغل والانتشار في كافّة سياقات القرآن – تقريباً – وكان له دور بارز في آيات الأحكام وأساليب الحوار لا يقلّ بحال عن دوره في الآيات المكّيّة وما حملته من مشاهد القصص أو الآخرة.
خامساً: استطاع أسلوب التقديم أن يخاطب العقل والوجدان في آن معاً، وكان له القدرة على حمل السامع أو القارئ على المشاركة في تفعيل الموقف القرآني وما يبثّه من معان وآداب رفيعة، فنشّط الخيال وحرّك الأذهان والعقول.
سادساً: لا يقف التقديم والتأخير عند حد جزيئات اللغة من كلمات وجمل يقدّم بعضها على بعض وإنما يمتدّ ليشمل الآيات والموضوعات الكبرى التي جاء في ترتيبها توقيفاً من عند الله تعالى بإجماع العلماء، وما كان لآية أن تسبق أختها أو موضوع هو سابق لأخيه إلا لنكتة بلاغية ودلالة معنوية يثبتها السياق في مضمونه وبين طياته.
الهوامش:
[1] د.عائشة عبد الرحمن – الإعجاز البياني للقرآن – ط2 – دار المعارف بمصر – 1987 – صفحة 94
[2] عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز – تحقيق محمد خفاجي – مكتبة القاهرة بمصر – 1980 – الصفحة 142
[3] نفسه صفحة 143
[4] الرافعي – إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – ط4 – مطبعة الاستقامة – القاهرة – 1945 – صفحة 213
[5] جمعية الدعوة الإسلامية – 1997 – صفحة 312
[6] الشوكاني:فتح القدير – تحقيق د. عبد الرحمن عميرة – ط2 – دار الوفاء – المنصورة – 1997 – 1/276
[7] الزمخشري – الكشاف – تحقيق مصطفى حسين – ط3 – دار الريان – القاهرة – 1987 – 1/253
[8] فتح القدير 1/374
[9] عودة الله القيسي – سر الإعجاز – ط1 – دار البشير – عمان – الأردن – 1996 – صفحة 61
[10] د.عودة الله القيسي – سر الإعجاز – ط1 – دار البشير – عمان – الأردن – 1996 – صفحة 61
[11] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – تحقيق أحمد خلف الله – ط2 – دار الوفاء بالمنصورة – 1998 – صفحة 308
[12] نفسه صفحة 136
[13] الكشاف - 3/501
[14] الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق محمد أبو الفضل – دار التراث – القاهرة – 3/265
[15] الكشاف 4/267
[16] البرهان في متشابه القرآن – صفحة 297
[17] المواضع هي سبع آيات في البقرة:127-137-181-224-227-244-256، وثلاث في آل عمران:34-35-121، وواحدة في النساء 148، وآية واحدة في المائدة 76، واثنتان في الأنعام 13-115، وآية في الأعراف 20، وأربع آيات في الأنفال 17-42-53-61، وآيتان في التوبة 98-103 ثم يونس 65 يوسف 34 الأنبياء 4 وآيتان في النور 21-60، ثم الشعراء 220، وآيتان في العنكبوت 5-60 ثم فصلت 36 والدخان 6 والحجرات 1
[18] د. عبد العظيم المطعني – خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية – ط1- مكتبة وهبة – القاهرة – 1992 صفة 107-108
[19] الكشاف 2/716
[20] محمد الكواز – الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم – صفحة 319
[21] الزركشي في البرهان 3/285
[22] د.محمد الكواز – الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم – صفحة 313
[23] الكشاف 2/355
[24] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – صفحة 213
[25] الكشاف 3/230
[26] الكشاف 3/164
[27] البرهان للزركشي 3/240
[28] د.محمد أبو موسى – خصائص التراكيب – ط4- مكتبة وهبة – القاهرة – 1996- صفحة 364
[29] الكشاف 3/212
[30] الحسن بن عثمان المفتى – خلاصة المعاني- تحقيق د.عبد القادر حسين – دار الاعتصام – 1993 – صفحة 216
[31] الكشاف 2/179
[32] عباس حسن – النحو الوافي – ط12- دار المعارف بمصر – 1995 – 1/478
[33] د.عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم – 2/19
[34] الكشاف 2/544
[35] ابن الأثير – المثل السائر – تحقيق محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت – 1995-2/40
[36] ابن الأثير – المثل السائر- تحقيق محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت – 1995 – 2/39
[37] الكشاف 4/662
[38] ابن منظور – لسان العرب- بإشراف ا.علي مهنا – ط1- دار الكتب العلمية – بيروت – 1993 – مادة ( أثم )
[39] الكشاف 1/321
[40] نفسه 1/329
[41] د.عودة الله منيع – سر الإعجاز صفحة 118
[42] عودة الله القسي – سر الإعجاز صفحة 119
[43] الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن – تحقيق وائل عبد الرحمن – المكتبة التوفيقية – القاهرة – مادة ( نبأ )
[44] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن صفحة 319
[45] د.عودة الله لبقسي – سر الإعجاز صفحة 101-102
[46] البرهان في متشابه القرآن صفحة 323
[47] الكشاف 4/737
[48] عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – ط1- دار الفكر العربي – القاهرة – 1964- 2/294
[49] الشوكاني – فتح القدير 5/628
[50] عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – 2/298
[51] نفسه 2/300
[52] السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – المكتبة الثقافية – بيروت – 1973- 1/60
[53] انظر كتاب النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله درّاز – ط7 – دار القلم – الكويت – 1993 – صفحة 163 بتصرف
[54] سيد قطب – في ظلال القرآن – ط25 – دار الشروق – القاهرة – 1996 – 4/2487
[55] في ظلال القرآن 4/2532
[56] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – صفحة 108
[57] البيضاوي – تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب الخفاجي – المكتبة الإسلامية – تركيا – 1/99
[58] د.محمد موسى ( التنكير وأثره البلاغي في سياق القرآن ) ط1- مطبعة الأمل بالمنصورة – 2001 صفحة 104
[59] الكشاف 2/170
[60] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – صفحة 110
[61] محمد المنجد – الترادف في القرآن الكريم – ط1- دار الفكر – دمشق – 1997 صفحة 146
[62] د.بن عيسى طاهر – المقابلة في القرآن الكريم – ط1- دار عمار – عمان ( الأردن ) – 2000-213
[63] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – صفحة 261
[64] ابن عاشور – التحرير والتنوير – الدار التونسية للنشر – الجماهيرية العربية الليبية – 29/187
المصادر والمراجع:
1- ابن الأثير – المثل السائر – تحقيق محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت 1995
2- الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن – تحقيق وائل عبد الرحمن – المكتبة التوفيقية – القاهرة
3- البيضاوي – تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب الخفاجي – المكتبة الإسلامية – تركيا
4- الحسن بن عثمان – خلاصة المعاني – تحقيق د. عبد القادر حسين – دار الاعتصام – 1993
5- الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – دار التراث – القاهرة
6- الزمخشري – الكشاف – تحقيق مصطفى حسين – ط3 – دار الريّان – القاهرة – 1987
7- سيد قطب – في ظلال القرآن – ط25 – دار الشروق – القاهرة – 1996
8- السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – المكتبة الثقافية – بيروت – 1973
9- الشوكاني – فتح القدير – تحقيق د. عبد الرحمن عميرة – ط2 – دار الوفاء – المنصورة – 1997
10- د. عائشة عبد الرحمن – الإعجاز البياني للقرآن – ط2 – دار المعارف – مصر – 1987
11- ابن عاشور – التحرير والتنوير – الدار التونسية للنشر – الجماهيرية العربية الليبية
12- عباس حسن – النحو الوافي – ط12 – دار المعارف – مصر – 1995
13- د. عبد العظيم المطعنى – خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية – ط1 – مكتبة وهبة القاهرة – 1992
14- عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز – تحقيق محمد خفاجي – مكتبة القاهرة بمصر
15- عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – ط1 – دار الفكر العربي – القاهرة – 1964
16- عودة الله القيسي – سر الإعجاز – ط1-دار البشير –عمان ( الأردن) – 1996
17- د.بن عيسى الطاهر – المقابلة في القرآن الكريم- ط1-دار عمار – عمان الأردن -1- 2000
18- الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – تحقيق أحمد خلف الله – ط2- دار الوفاء بالمنصورة 1998
19- د.محمد درّاز – النبأ العظيم –ط7- دار القلم – الكويت – 1993
20- د.محمد كريم الكواز – الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم –ط1- مكتب الإعلام والنشر -1997
21- د. محمد محمد أبو موسى – خصائص التراكيب – ط4- مكتبة وهبة – القاهرة – 1996
22- محمد المنجد – الترادف في القرآن الكريم –ط1- دار الفكر – دمشق – 1997
23- د.محمد موسى – التنكير وأثره البلاغي في سياق القرآن – ط1- مطبعة الأمل بالمنصورة – 2001
24- مصطفى صادق الرافعي – إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – ط4- مطبعة الاستقامة القاهرة – 1945
25- ابن منظور – لسان العرب – بإشراف الأستاذ علي مهنا – ط1- دار الكتب العلمية – بيروت - 1993

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:12 PM
من روائع القرآن الكريم سارعوا، سابقوا

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1217527210zzzz1.jpgالكاتب: ياسين بن علي
قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)}.
وقال سبحانه في سورة الحديد: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)}.
والناظر في الآيتين يلحظ الفرق بينهما:
ففي الآية الأولى قال سبحانه: {وَسَارِعُوا}، وفي الثانية قال: {سَابِقُوا}.
وفي الآية الأولى قال سبحانه: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ}، وفي الثانية قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}.
وفي الآية الأولى قال سبحانه: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وفي الثانية قال:{أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}.
هذا الفرق بين الآيتين اقتضاه السياق الذي وردتا فيه، ذلك أن الآية الأولى تتعلّق بالمتقين، وأما الآية الثانية فتتعلّق بالمؤمنين. ولما كانت التقوى وهي نتاج الإيمان أعظم درجاته وأرقى رتبه، كانت أفضل من مجرّد الإيمان؛ لأنّها تتضمّنه وزيادة، وكان التقّي أفضل من المؤمن العادي. وقد بيّن الله واقع المتّقين الذين أعدّت لهم جنة عرضها السماوات والأرض فقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)}. (آل عمران).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:13 PM
وإذا كانت التقوى أعلى رتبة من مجرد الإيمان، فقد لزم إذن التفرقة بين المتّقين وبين المؤمنين. وتتجلّى هذه التفرقة في الآيتين في موضعين: الأول في الخطاب، والثاني في الثواب.
أمّا الخطاب، فقد خاطب الله تعالى المتّقين بدعوتهم إلى المسارعة (وسارعوا)، بينما خاطب المؤمنين بدعوتهم إلى المسابقة (وسابقوا). والفرق بينهما هو: أن المتّقين في تنافس وسباق، لذلك لم يحثّهم عليه لحصوله منهم، إنما حثّهم على مزيد منه وحضّهم على الأحسن منه، فحسن هنا أن يخاطبهم بالمسارعة. وعلى خلاف ذلك، فإنّ المؤمنين لم يحصل منهم التقدّم في الرتبة، والارتفاع بالمكانة، لذلك حثّهم على السباق ابتداء، فإذا حصل منهم شملهم الخطاب الداعي إلى الإسراع.
أمّا الثواب، فقد اختلف باختلاف الرتب. ففي الآية الأولى حينما خاطب الله سبحانه المتّقين قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ}، وفي الآية الثانية حينما خاطب المؤمنين بعامة قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}. والفرق بينهما يكمن في كون الآية الأولى المتعلّقة بالمتّقين لم ترد بصيغة التشبيه للدلالة على أنّ هذا الثواب الموعود لا يضاهى ولا يماثل ولا يشابه. علاوة على هذا ففي الآية الأولى (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ) وفي الثانية (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ) وهذا يتضمّن الفرق بين الجنّتين من حيث السعة.

والحكمة في هذا والله أعلم تتعلّق بأمرين:
الأوّل، أنّ على قدر الأعمال يكون الجزاء. فأعمال المتقين أعظم من أعمال المؤمنين، لذلك كان ثوابهم أعظم.
الثاني، أنّ ثواب المؤمنين حاصل لدى المتّقين بما قدّموا، ولكن لما حثّهم الحقّ سبحانه وتعالى على المزيد حسن هنا أن يعطيهم المزيد، فكان الحثّ على تقديم الأفضل مقترنا بالوعد بالأفضل. والله أعلم.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:13 PM
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1211732123521250114_11e3f85901_m.jpgالكاتب: ياسين بن علي
قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ (151)}.
وقال سبحانه في سورة الإسراء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)}.
أوجه العظمة والروعة في هاتين الآيتين كثيرة وفيرة منها:
1. في الآية الأولى قال الله سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وفي الآية الثانية قال سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}.
"فقدم رزق الآباء في الآية الأولى على الأبناء: [نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ]، وفي الثانية قدم رزق الأبناء على الآباء: [نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ]؛ وذلك لأنّ الكلام في الآية الأولى موجه إلى الفقراء دون الأغنياء، فهم يقتلون أولادهم من الفقر الواقع بهم لا أنهم يخشونه، فأوجبت البلاغة تقديم عدتهم بالرزق تكميل العدة برزق الأولاد. وفي الآية الثانية الخطاب لغير الفقراء وهم الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر، لا أنهم مفتقرون في الحال، وذلك أنهم يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى، فوجب تقديم العدة برزق الأولاد فيأمنوا ما خافوا من الفقر. فقال: لا تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم أي أن الله جعل معهم رزقهم فهم لا يشاركونكم في رزقكم فلا تخشوا الفقر". (1)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:14 PM
2. قال الله سبحانه في الآية الثانية {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ}، فجاء هنا بلفظ الخشية دون الخوف؛ لأنّهم فوق توقّعهم لمكروه الفقر عظّموه، ودليل تعظيمهم له وتهويلهم أمره أنّهم أقدموا على قتل أولادهم، فناسب هنا التعبير بالخشية دون الخوف لبيان تعظيم الأمر عندهم.
3. في الآيتين نجد لفظة "الإملاق" ولا نجد لفظة "الفقر"، ورغم أنّ العرب تستعمل لفظة الإملاق للدلالة على الفقر إلا أن بينهما بعض الفروق:
فالإملاق من أملق أي افتقر، وهو جاري مجرى الكناية لأنّه إذا أخرج ماله من يده ردفه الفقر؛ فاستعمل لفظ السبب في موضع المسبب. قال الزمخشري: "ومن المجاز: أملق الدهر ماله: أذهبه وأخرجه من يده. وأملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر". (2)
والفقر"يستعمل على أربعة أوجه: الأول: وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للإنسان ما دام في دار الدنيا بل عام للموجودات كلها، وعلى هذا قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} [فاطر/15]... والثاني: عدم المقتنيات... الثالث: فقر النفس... الرابع: الفقر إلى الله المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك) (3) وإياه عني بقوله تعالى: {رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}[القصص/24]، وبهذا ألمّ الشاعر فقال: ويعجبني فقري إليك ولم يكن ... ليعجبني لولا محبتك الفقر". (4)
وقد ناسب في هذا السياق استعمال لفظة "الإملاق" دون "الفقر"؛ لأنّه سبحانه وتعالى قد تكفّل في الآيتين برزق الآباء والأبناء، فنجد في الآية الأولى قوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وفي الآية الثانية قوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}، وهذا يفيد ضمان الرزق بعد أن تكفّل به الحقّ سبحانه. ولما كانت الحاجة الضرورية ممتنعة بعد أن تكفّل الله سبحانه وتعالى بسدّها، فلا يتصور الفقر إذن إلا من جهة سوء التصرف في الثروة وإن قلت أو سوء توزيعها؛ ومن هنا جاء استعمال لفظة "الإملاق" لأنّها تفيد إخراج ما في اليد من مال أي أنّ الرزق موجود تكفّل به سبحانه إلا أنّ صرفه وإنفاقه وتوزيعه وإن قلّ يعود إلى الأبوين أو إلى النظام الذي وجدا فيه. فالفقر في حقيقته هو المسبّب والإملاق هو السبب. فيكون المعنى: لا تقتلوا أولادكم من فقر أو خشية فقر أنتم سببه (بسوء تصرف أو سوء توزيع)؛ لأننا تكفّلنا برزقكم وما تلدون. والله أعلم.
المصدر: موقع مجلة الزيتونة
(1) ينظر: (أسرار البيان في التعبير القرآني)، للدكتور فاضل السامرائي.
(2) ينظر: (أساس البلاغة)، ص604
(3) ليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من دعاء عمرو بن عبيد.
(4) ينظر (المفردات)، للراغب الأصفهاني، ص397

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:16 PM
وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1211014358546507237_62a7a839cb.jpgوردنا السؤال التالي:
لدي سؤال اردت ان توضحوا اجابته لي جزاكم الله خيراً.
لماذا قال الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام "وأخاف أن يأكله الذئب ... الآية" لماذا عرٌف الذئب ولم يقل أخاف ان يكله ذئب ( من الذئاب ) لكن قال الذئب وكأنه يعرف الذئب او ان هناك ذئبا واحدا؟؟ أفيدوني جزاكم الله تعالى خيراً.
أجاب عليه فضيلة الأستاذ محمد إسماعيل عتوك المتخصص في إعجاز القرآن البلاغي.
قوله عز وجل:﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾
أولاً- الذئب حيوان مفترس من الفصيلة الكلبيَّة، وهو كلب بَرِّيٌّ وحشيٌّ . ومن خلقه الاحتيال والنفورُ والغدر . وهو يفترس الغنم . وإذا قاتل الإنسان فجرحه ورأى عليه الدم، ضَرِيَ به فربما مزَّقه . وفيه لغتان: ذئب، وذيب، والأولى هي الأصل، وهي لغة الحجاز، وبها قرأ الجمهور . ومن الثانية قول الشاعر يخاطب جرو ذئب كان قد رباه، واستأمنه على أغنامه بدلاً من الكلب:
أكلت شُوَيْهَتي وربيتَ فينا .. فمن أدراك أن أباك ذيب
ثانيًا- ومعنى ﴿ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾: أن يقتله ويأكل منه . وفعل الأكل يتعلق باسم الشيء، والمراد بعضه . يقال: أكلَه الأسد، إذا أكل منه . قال تعالى:﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾(المائدة: 3)، عطفًا على المنهيات عن أن يؤكل منها . أي: بقتلها . ومن كلام عمر- رضي الله عنه- حين طعنه أبو لؤلؤة:« أكلني الكلب » . أي: عضَّني .

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:17 PM
ثالثا- وخصَّ الذئب بالذكر دون غيره، لأنه أغلب ما يخاف منه من الصحارى . وكانت أرضهم- على ما قيل-: مذئبة . أي: كثيرة الذئاب، ولهذا خصَّه بالذكر . وقيل: إنما خصَّه بالذكر، لأنه سبع ضعيف حقير، فنبَّه عليه السلام بخوفه عليه منه على خوفه عليه مما هو أعظم منه افتراسًا من باب أولى .. ولحقارة الذئب خصَّه الربيع بن ضبع الفزاري في كونه يخشاه، لما بلغ من السن ما بلغ في قوله:
والذئب أخشاه، إن مررت به .. وحدي، وأخشى الرياح والمطرا
رابعًا- والتعريف في ( الذئب ) يجوز أن يكون تعريف العهد الذهني، مثل تعريف ( السفينة ) في قوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ﴾(الكهف: 71 ) . قال الكلبي:« رأى في منامه أن الذئب شَدَّ على يوسف، فلذلك خافه عليه » . ويجوز أن يكون تعريف الحقيقة، أو الجنس . أي: ذئب من الذئاب . ومثله تعريف ( الإنسان ) في قوله تعالى:﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾(العصر: 2) .
ومثل ذلك على القولين تعريف ( الكهف ) في قوله تعالى:﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾(الكهف: 16 )، فيجوز أن يكون تعريف العهد، بأن كان الكهف معهودًا عندهم يتعبدون فيه من قبل . ويجوز أن يكون تعريف الحقيقة، أو الجنس . أي: فأووا إلى كهف من الكهوف .
والقول الثاني هو الأرجح والأقوى في التعبير عن المراد، وهو أبلغ من التعبير بلفظ النكرة . فلو قيل:( وأخاف أن يأكله ذئب )، بلفظ النكرة، لما كان له من القوة والبلاغة ما كان لقوله:﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾، بلفظ المعرفة، لأن التنكير ينبىء عن ذئب تافه ضعيف لا ينبغي الخوف منه، فالخوف من ذئب كالخوف من لا شيء، وذلك بخلاف التعريف فإنه ينبىء عن خوف عظيم، لأنه يشمل الذئاب كلها ضعيفها، وقويها .. ومثل هذا التعريف في القرآن كثير، كتعريف ( الحمار ) في قوله تعالى:﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ ﴾(الجمعة: 5)، وتعريف ( الكلب ) في قوله تعالى:﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾(الأعراف: 176).
خامسًا- ما وقع من يعقوب- عليه السلام- من هذا القول كان تلقينًا للجواب من غير قصد، وهو على أسلوب قوله سبحانه:﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)(الإنفطار: 6)، والبلاء موكل بالمنطق .. أخرج أبو الشيخ وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لا تلقنوا الناس، فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا: أكله الذئب ».
محمد إسماعيل عتوك
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:17 PM
معنى الأحرف المفردة في القرآن الكريم

http://www.55a.net/firas/ar_photo/120466378047369877_c2ea9f0fc6_m.jpgنص السؤال:
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
أحد الملحدين أراد مني أن أثبت له أن القرآن لا يحتوي كلمات لا معنى لها، و كان يقصد بتلك الأحرف مثل سورة يس و القرآن على حسب قوله ان أحرف " يس" هي مجرد أحرف لا معنى لها و جائت من عبث استغفر الله العظيم.
و أردت من فضيلتك بعض من الدلائل التي تثبت أن هذه الأحرف اعجاز عملي لكي يصدق هذا الملحد ولعلي أكون سبب في هدايته للدين الإسلامي
أرجو الرد للأهمية.
أخوكم
قام بالرد على هذا السؤال:
فضيلة الشيخ الدكتور المحامي مسلم محمد جودت اليوسف (http://55a.net/firas/arabic/index.php?page=pro_alem&id=66&select_page=allem) أستاذ الفقه الإسلامي.
أقول مستعيناً بالله العظيم :
ورد في القرآن الكريم تسع وعشرون سورة ا فتُتِحَت بحروف هجائية تُقرأ مقطعةً بأسمائها هكذا : ألف – لام – ميم.. و كان منها ما افتتح بحرف واحد مثل : ص – ق – ن.
و منها ما افتتح بحرفين مثل : طه – يس.
و منها ما افتتح بثلاثة أحرف مثل : ألم.
و منها ما افتتح بأكثر من ذلك مثل : كهيعص.
و ليس لهذه الحروف في اللغة العربية سوى مسمياتها التي ينطق بها في الكلمات المركبة. و لم يرد من طريق صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -بيان للمـراد منها , و لذلك اختلف أهل العلم فيها اختلافاً كثيراً , و هذه الأراء على كثرتها و تنوعها ترجع إلى رأيين اثنين :
أولاً : أنها جميعاً مما استأثر الله به و لا يعلم معناه أحد سواه و هذا رأي كثيرمن سلف هذه الأمة.
ثانياً : أن لها معنى , و ذهبوا في معناها مذاهب شتى نُثِرت في كتب التفسير و لعل أقرب هذه الآراء إليَّ هي : أن هذه الأحرف ما هي إلا زيادة في التحدي بالقرآن , بمعنى أن هذه الأحرف ليست مادة غريبة عليكم و لا مجهولة لكم , و رغم هذا فأنتم لا يمكن أن تأتوا بمثلها مما يدل على أن هذا القرآن ليس من صنع البشر إنما هو من عند الله تعالى , قال عز و جل : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:23)
و قال أيضاً : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الاسراء:88).
و يقال عزو جل: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (هود:13)
( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (الشعراء:192-193-194 )
و يدل قو لـه تعالى : ( نزل به الروح الأمين).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:18 PM
دلالة قطعية على عدة أمور عدة منها :
1- أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى و نزل به الروح الأمين و هو جبريل عليه السلام فأوحاه للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
2- أن هذا القرآن هو من عند الله عز و جل و ليس فيض من نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غير ذلك مما تقول طوائف من الفلاسفة و الملحدين و أمثالهم.
و قد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء عن بعض معاني الآيات مثل ( حم - ألم – ألمص – حم – عسق ) ( الفتوى رقم 6395) فأجابت بما يلي :
فيه آراء للعلماء , و الراجح أنها ذكرت هذه الحروف – و الله أعلم – في أول السور التي ذكرت فيها , بياناً لإعجاز القرآن , و أن الخلق عاجزون عن معارضة بمثله , هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها , و هذا هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله و ارتضاه أبو الحجاج المزي رحمه الله.
و اعلم أخي الفاضل : أننا نبين الحق كما هو فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر والله الهادي إلى سواء السبيل.
قال تعالى في محكم التنزيل : ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف:29).
فنحن يا أخي لا نملك إلا هداية الدلالة لمن في قلبه نور ، فنبين لـه الحق فيهديه الله , و أنت بِّين لهذا السائل الحق كما هو و اسأل الله لـه الهداية و لا تحزن إن لم يؤمن , فإن آمن فلله الحمد و المنة على هدايته و لك الأجر و الثواب لقاء هذا العمل الجليل , و إن لم يؤمن فا الله جعلك حجة عليه في الموقف العظيم.
و أختم مقالتي هذه بكلام نقلته من كتا ب الفوائد المشوِّق إلى علوم القرآن وعلم البيان لابن قيم الجوزية رحمه الله , حيث قال : ( روي أن يهودياً في مجلس المتوكل فأحسن الكلام , و ناظر فعلم أنه من حملة الإعلام و ناضل فتحققوا أنه مسدد السهام فدعاه المتوكل إلى الإسلام فأبى و أقام بفرط الإباء على مذهب الآباء بعد أ ن بذل له المتوكل ضروباً من الأنعام و صنوفاً من الرفعة والاكرام و راجعه في ذلك مرة بعد أخرى فلم يزده ذلك إلا طغياناً و كفراً فغاب عنه مدة ثم دخل إلى مجلسه و هو يعلن الإسلام و يدين دينه فقال لـه المتوكل : أسلمت ؟ قال : نعم. قال : ما سبب إسلامك ؟ فقال : لما قطعت من عنقي قلادة التقليد و صرتُ من رتبة الاجتهاد إلى مرتقى ما عليه مزيد نظرت في الأديان و طلبت الحق حيث كان فأخذت التوراة فنظرت فيها و تدبرت معانيها و كتبتها بخطي و زدت فيها و نقصت و دخلت بها السوق و بعتها فلم ينكر أحد من اليهود شيئاً , و أخذت الانجيل و زد ت فيه و نقصت و دخلت به السوق و بعته فلم ينكر أحد من النصارى منه شيئاً , و زدت فيه و نقصت و دخلت به السوق و بعته فلم ينكر أحد من النصارى منه شيئاً , و أخذت القرآن و قرأته و تأملته فإذا : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لـه لحافظون ) فكتبت و زدت فيه و نقصت و دخلت السوق و بعته فنظر فيه المسلمون فعرفوا المواضع التي زدت فيها و نقصت , و ردوا كل كلمة إلى موضعها و كل حرف إلى مكانه , فعلمت أنه الحق لتحقيق وصفه بأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فآمنت به و صدَّ قت ما جاء به.
و الله الهادي
يمكن مراسلة فضيلة الدكتور مسلم اليوسف
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:19 PM
مثل أصحاب القرية الذين كذبوا المرسلين

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1207430805156288613_84cfe8e86d.jpgبقلم الأستاذ محمد عتوك
الباحث في الإعجاز البياني والبلاغي في القرآن
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ * قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَما عَلَيْنا إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبينُ * قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ * وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ءَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ * إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ * وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلينَ * إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ * يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾(يس: 13- 30)
أولاً- هذا مثل من الأمثال القصصية ضربه الله تعالى لعُبَّاد الأصنام، يحذرهم فيه من مغبة الكفر والشرك، وينذرهم أن يحل بهم ما حل بكفار أهل هذه القرية، بعد أن أصروا على كفرهم وشركهم بالله سبحانه. ويتضمن قياسًا من قياس التمثيل الذي يقوم على التسوية بين المتماثلين في الحكم. ومناسبته لما قبله أن الله تعالى بعد أن عرض في بداية السورة قضية الوحي والرسالة وقضية البعث والحساب في صورة تقريرية، عاد ليعرضهما في صورة قصصية، تلمس القلب بما كان من مواقف التكذيب والإيمان وعواقبهما معروضة كالعيان.
ولم يذكر القرآن شيئًا عن هذه القرية، ولا عن أهلها سوى أنهم كانوا أصحاب شرك يعبدون الأصنام، فأرسل الله تعالى إليهم رسولين - كما أرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وملئه - فكذبوهما، فعزز الله تعالى برسول ثالث ؛ ليؤكد أنه، وأنهما، مرسلون من عند الله تعالى، لا من عند غيره. وتقدم الثلاثة بدعواهم ودعوتهم من جديد، وهنا اعترض عليهم أصحاب القرية بالاعتراضات المكرورة في تاريخ الرسل والرسالات، فكذبوا دعواهم، وردوا دعوتهم بحجج واهية تدل على سذاجة تصورهم وإدراكهم لحقيقة الرسل ؛ كما تدل على جهلهم بحقيقة الرسالة التي أرسلوا إليهم من أجلها. ولما أسقط في أيديهم، لجئوا إلى التهديد والوعيد، ولم يؤمن منهم إلا رجل واحد كان يسكن في ناحية القرية، فلما سمع بدعوة هؤلاء المرسلين، استجاب لها بفطرته السليمة، بعد أن رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه. وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان، تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتًا، وجاء من أقصى المدينة يسعى ؛ ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبُّوه على المرسلين. ولكن القوم لم يمهلوه حتى قتلوه، فكان جزاؤه الجنة، وكان جزاء قومه أن أهلكوا بالصيحة ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم في نهاية القصة.
وقد ذكر كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلاً من عند المسيح عيسى بن مريم- عليه السلام- كما نصَّ عليه قتادة وغيره، ولم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غير هذا القول. وفي ذلك نظر من وجوه:
أحدهما: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء الرسل كانوا رسل الله عز وجل، لا من جهة المسيح عليه السلام ؛ كما قال الله تعالى:﴿ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما * فَعَزَّزْنا بِثالثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾، إلى أن قالوا:﴿ رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَما عَلَيْنا إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبينُ ﴾. ولو كان هؤلاء من الحواريين، لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح- عليه السلام- والله تعالى أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح، لما قالوا لهم:﴿ ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾.
والثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وأن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح ؛ ولهذا كانت أنطاكية عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركةٌ ؛ وهنَّ: القدس ؛ لأنها بلد المسيح. وأنطاكية ؛ لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها. والإسكندرية ؛ لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة، والمطارنة، والأساقفة، والقساوسة، والشمامسة، والرهابين. ثم رومية ؛ لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم، وأطَّده. ولما ابتنى القسطنطينية، نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم ؛ كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين. فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، والله أعلم.
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين كانت بين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة. وقد ذكر أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- وغير واحد من السلف، أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة، لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ؛ بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين. ذكروه عند قوله تبارك وتعالى:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى ﴾(القصص: 43). فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية.
ثانيًا-وتبدأ قصة هذا المثل بقول الله عز وجل:﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾، وهو خطاب من الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم، يأمره فيه بأن يضرب لقومه مثلاً بأصحاب هذه القرية ؛ إذ جاءهم المرسلون، فكذبوهم، فأنزل الله تعالى عليهم عذابه. و﴿ أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ﴾ بدل من ﴿ مَثَلاً ﴾، وتفسير له. و﴿ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾ بدل من ﴿ أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ﴾.
وقال تعالى:﴿ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾، بتأنيث الضمير، ولم يقل:﴿ جَاءَهَمُ الْمُرْسَلُونَ ﴾، بتذكيره، مع أنه المراد، إشارة إلى أن المرسلين جاؤوهم في مقرِّهم. وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذه القرية كانت من القرى الكبيرة المشهورة في غابر الأزمنة.
وليس في ذلك ما يدل على أن هذه القرية هي أنطاكية، أو يشير إلى أن هؤلاء المرسلين هم رسل المسيح- عليه السلام- كما ذكر أكثر المفسرين من السلف ؛ لأن قصة هذه القرية وأهلها كانت قبل المسيح- عليه السلام- ثم بعد هذا عمرت أنطاكية، وبقي أهلها على شركهم، إلى أن جاءهم من جاءهم من الحواريين، فآمنوا بالمسيح- عليه السلام- على أيديهم، ودخلوا دينه. وقد سبق أن ذكرنا أن أنطاكية كانت أول المدائن الأربعة الكبار التي آمن أهلها بالمسيح عليه السلام. وكان ذلك بعد رفعه إلى السماء ؛ ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المرسلين المذكورين في هذه القصة أنهم رسل المسيح، وأنهم من الحواريين.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:19 PM
وقال تعالى:﴿ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾، ولم يقل:﴿ أَتَاهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾ ؛ لأن المجيء أعمُّ من الإتيان، ويقال: اعتبارًا بحصول الشيء. أما الإتيان فهو المجيء بسهولة، وقد يقال باعتبار القصد، وإن لم يكن منه الحصول. ويقال كل منهما في الأعيان والمعاني، ولِمَا يكون مجيئه بالذات، وبالأمر. ويقال المجيء لمن قصد مكانًا، أو عملاً، أو زمانًا.
والفرق بين قولنا:« جاء فلان »، و« أتى فلان »: أن الأول كلام تام لا يحتاج إلى صلة، وأن الثاني يقتضي مجيئه بشيء ؛ ولهذا يقال:« جاء فلان نفسُه »، ولا يقال:« أتى فلان نفسُه ». ثم كثر ذلك حتى استعمل أحد اللفظين في موضع الآخر.
ومجيء المرسلين- هنا-هو مجيء بالأمر، قُصِد به المكان. ومثله في ذلك قول الله تعالى:﴿ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ﴾(هود: 77). وفي ذلك دليل آخر على أن المرسلين كانوا رسل الله تعالى، ولم يكونوا رسل المسيح عليه السلام.
وقوله تعالى:﴿ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما ﴾ بدل من قوله:﴿ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾. أي: إذ جاءها المرسلون ؛ إذ أرسلنا إليهم اثنين منهم. و﴿ إِذْ ﴾ لفظ يعبَّر به عما مضى من الزمان. وقال تعالى:﴿ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ ﴾، ولم يقل:﴿ أَرْسَلْنا إِلَيْهِا ﴾ ؛ كما قال من قبل:﴿ إذ جاءها ﴾. ولعل السر في ذلك أن الإرسال حقيقة ؛ إنما يكون إليهم، لا إليها، بخلاف المجيء. وأيضا التعقيب عليه بقوله تعالى:﴿ فكذبوهما ﴾ أظهر.
والفاء في قوله تعالى:﴿ فَعَزَّزْنا بِثالثٍ ﴾ عاطفة للتعقيب أيضًا. ونُزِّلَ الفعلُ منزلة اللازم لمعنى لطيف، وهو أن المقصود من إرسال الرسل هو نصرة الحق، لا نصرة الرسل ؛ ولهذا لا يصح تفسيره بقولهم: فَعَزَّزْناهما. وقرأ عاصم في رواية أبى بكر والمفضل عن عاصم:﴿ فعزَزنا ﴾، خفيفة الزاي. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم:﴿ فعزَّزنا ﴾، مشددة الزاي. وقيل: المعنى على قراءة التشديد: قوَّينا وشدَّدنا. يقال: تعزَّز لحم الناقة، إذا صلب. والمعنى على قراءة التخفيف: غلبنا وقهرنا. ومنه قوله تعالى:﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾(ص: 23). أي: غلبني وقهرني.
والحقيقة أن المعنى على القراءتين يرجع إلى معنى واحد ؛ لأن الغالب القاهر لا يكون غالبًا وقاهرًا، إلا إذا كان قويًّا شديدًا، والله تعالى هو القوي الشديد الغالب لكل شيء، والقاهر لكل الخلق، وهو العزيز الذي ذلَّ لعزته كلُّ عزيز. ويفرَّق بين القراءتين بأن في قراءة التشديد مبالغة لم تكن في قراءة التخفيف.
وقوله تعالى:﴿ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾ عطف على ما قبله للتفصيل. أي: فقال الثلاثة بعد تكذيب الاثنين، والتعزيز بثالث:﴿ إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾. وقولهم هذا إلى نهاية القصة هو تفصيل تام للقصة بعد إجمال، وبعض تفصيل ؛ فقد ذُكِرَت أولاً إجمالاً بقوله تعالى:﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ﴾، ثم فُصِّلت بعض التفصيل بقوله تعالى:﴿ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾ إلى قوله:﴿ فَعَزَّزْنا بِثالثٍ ﴾، ثم فُصِّلت تفصيلاً تامًا بقوله تعالى:﴿ قالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾ إلى قوله:﴿ إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ﴾.
ثالثًا-وهنا اعترض أصحاب القرية على الرسل، فأجابوهم بقولهم:﴿ ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ ﴾. أي: ليس لكم علينا مزيَّة موجبة لاختصاصكم بما تدَّعونه من أنكم مرسلون، وما أنزل الرحمن شيئًا من وحي، أو غيره على أحد - كما تدَّعون - وما أنتم إلا تكذبون في دعواكم هذه.
ومثل هذا الإنكار والتكذيب هو خطاب المشركين لمن قال: إن الله أرسله، وأنزل عليه الوحي، لا لمن جاء رسولاً من عند رسول ؛ فقد جعلوا كونهم بشرًا مثلهم دليلاً على عدم إرسالهم. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم، فقال:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ﴾(التغابن: 6). أي: استعجبوا من ذلك، وأنكروه ؛ ولهذا قال هؤلاء الكفرة:﴿ ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ ﴾.
وقولهم:﴿ ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ نفي لكونهم رسلاً، وإثبات لكونهم بشرًا مماثلين لهم في حقيقة الذات البشرية على سبيل الحصر. ولفظ البَشَر يستوي فيه الواحد والجمع، وثُنِّيَ في قوله تعالى:﴿ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ﴾(المؤمنون: 47). ويقتضي حسن الهيئة ؛ لأنه مشتق من البشارة، وهي حسن الهيئة. يقال: رجل بِشْر وبشير، إذا كان حسَنَ الهيئة. وكذلك: امرأة بشيرة. وسمِّي البشر: بَشرًا ؛ لأنهم أحسن الحيوان هيئة.
ويجوز أن يقال: إن لفظ البشر، يقتضي الظهور. وسمُّوا: بشرًا ؛ لظهور شأنهم. ومنه قيل لظاهر الجلد: بشرة. فعُبِّر عن الإنسان بالبشر، اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي تكون بشرتها مغطاة بالصوف أو الوَبر أو الشعر.
ويُفَرَّق بين البشر، والحيوان من وجه آخر، وهو: أن البشر مخلوق من جسد ونفس وعقل، والحيوان مخلوق من جسد ونفس فقط. ومن هنا يمكن القول بأن البشر حيوان ناطق، خلافًا للمشهور من قولهم: الإنسان حيوان ناطق ؛ لأن الإنسان يمثل مرحلة متطورة من حياة البشر ؛ ولهذا قيل- كما ذكر الراغب الأصفهاني-: الإنسان مدنيُّ بالطبع. وقال أيضًا: وخُصَّ في القرآن كل موضع اعتُبِر من الإنسان جُثَّتُُهُ وظاهرُه بلفظ البشر ؛ نحو قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ﴾(الفرقان: 54). ولما أراد الكفار الغَضَّ من الأنبياء، اعتبروا ذلك فقالوا:﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾(المدثر: 25). وقالوا على سبيل الإنكار:﴿ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾(الإسراء: 94).
وأما قوله تعالى:﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾(الكهف: 122) فهو تنبيهٌ على أن الناس يتساوون في الذات البشرية. وإنما يتفاضل الناس بما يختصُّون به من المعارف الجليلة، والأعمال الجميلة ؛ ولهذا قال عقبه:﴿ يُوحَى إِلَيَّ ﴾، تنبيهًا على أنه عليه الصلاة والسلام تميَّز بذلك عن غيره. وعلى هذا جاء قولهم:﴿ ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:20 PM
وأما قولهم:﴿ وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ ﴾ فهو نَفْيٌ على سبيل الاستغراق والشمول لأن يكون الرحمن أنزل شيئًا من وحي، أو غيره على أحد ؛ كما يدَّعي المرسلون. وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية ؛ لكنهم كانوا ينكرون الرسالة، ويتوسلون بالأصنام.
وكان تخصيص هذا الاسم الجليل:﴿ الرَّحْمنُ ﴾، من بين أسماء الله عز وجل ؛ لزعمهم أن الرحمة تأبى إنزال الوحي، لاستدعائه تكليفًا، لا يعود منه نفع له سبحانه، ولا يتوقف إيصاله تعالى الثواب إلى العبد عليه. وفيه إشارة إلى الرد عليهم ؛ لأن الله تعالى لما كان اسمه الرحمن، وكان إنزال الوحي رحمة، فكيف لا ينزل رحمته، وهو الرحمن ؟
وأما قولهم:﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ ﴾ فهو تصريح بما قصدوه من الجملتين السابقتين. وفي اختيار صيغة المضارع﴿ تَكْذِبُونَ ﴾ على صيغة ﴿ كَاذِبُون ﴾ دلالة على أن تكذيبهم الرسل صفة متجدِّدة فيهم ومستمرة. وهذا ما عبَّر الله تعالى عنه بقوله:﴿ كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾(المائدة: 70).
رابعًا- فكان جواب المرسلين لهم عن إنكارهم وتكذيبهم أن قالوا:﴿ رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾، وهو جار مجرى القسم في التوكيد، مع ما فيه من تحذيرهم من معارضة علم الله تعالى. استشهدوا به على صدقهم في قولهم:﴿ إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾، وزادوا- هنا- اللام المؤكدة ؛ لِمَا شاهدوا منهم من شدة الإنكار. وذكر العلماء: أن من يستشهد بعلم الله تعالى كاذبًا، يكفر. وليس كذلك الذي يقسم على كذب ؛ لأن من يقول:« يعلم الله »، فيما لا يكون، فقد نسب الله سبحانه إلى الجهل، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وفي اختيارهم عنوان الربوبية ﴿ رَبُّنا ﴾ رمز إلى حكمة الإرسال، وهو إشارة إلى الرد على الكفار، حيث قالوا لهم:﴿ ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ ؛ وذلك لأن الله جل وعلا، إذا كان يعلم أنهم لمرسلون، يكون كقوله سبحانه:﴿ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾(الأنعام: 124).يعني: ربُّنا يعلم بالأمور، لا أنتم ؛ لانتفاء النظر في الآيات عنكم، فاختارنا الله تعالى بعلمه لرسالته. وفي تقديم المسند إليه ﴿ إِلَيْكُمْ ﴾ على المسند ﴿ مُرْسَلُونَ ﴾ تقوية للحكم، أو للحصر.
ثم حصروا مهمتهم بإبلاغ رسالة الله عز وجل بلاغًا مبينًا، فقالوا:﴿ وَما عَلَيْنا إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبينُ ﴾ ؛ وكأنهم قالوا: قد خرجنا عن عهدته، فلا مؤاخذة لنا بعد ذلك من جهة ربنا. أو: ما علينا شيء نطالب به من جهتكم، إلا تبليغ الرسالة على الوجه المذكور، وقد فعلناه، فأي شيء تطلبون منا حتى تصدقونا ؟
والمراد بـ﴿ الْبَلاغُ الْمُبينُ ﴾: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن، فإذا تمَّ ذلك ولم يقبلوا، فإنه يحق هنالك الهلاك. ولكون بلاغهم مبينًا، حَسُنَ منهم الاستشهاد بالعلم، وجاء كلامهم ثانيًا في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جدًّا، حيث أتوا بثلاث جمل، وكل منها دال على شدة الإنكار. قال الزمخشري:« فإن قلت: لم قيل:﴿ إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾ أولاً، و﴿ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾ ثانيًا ؟ قلت: لأن الأول ابتداءُ إخبارٍ، والثاني جوابٌ عن إنكار.. وإنما حسُن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم:﴿ وَما عَلَيْنا إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبينُ ﴾. أي: الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته ؛ وإلا فلو قال المدعي: والله إني صادق فيما أدعي، ولم يظهر البينة، كان قبيحًا ».
خامسًا-ولما ضاقت الحيل على أصحاب القرية، وعيَّت بهم العلل، قالُوا:﴿ إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ قَالُوْا ﴾. أي: تشاءمنا بكم. قالوا ذلك جَرْيًا على دَيْدَن الجهلة،حيث يتيمَّنون بكل ما يوافق شهواتهم، وإن كان مُسْتجْلِبًا لكل شرٍّ، ويتشاءمون بما لا يوافقها، وإن كان مُسْتتْبِعًا لكل خير. وهذه حجة العاجز الذي لا يستطيع أن يحتج بشيء، فيلوذ إلى اتهام خصومه بالتَّطَيُّر. ونظير ذلك قوله تعالى عن آل فرعون:﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾(الأعراف: 131). وقال تعالى عن قوم صالح:﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾(النمل: 47).
وأصل التَّطَيُّر: التفاؤل بالطير البارِحُ والسَّانِحُ، ثم عمَّ. والطير البارِحُ هو الذي يجيء من على يسارك، فإن جاء من على يمينك فهو السَّانِحُ. وكان مَناطُ تطَيُّر الكفرة بالمرسلين مقالتُهم ؛ كما يشعر به قولهم مقسمين:﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا ﴾ عن مقالتكم هذه، ﴿ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ ﴾. وهكذا أسفر الباطل عن غُشْمِه في وجه الحق، وأطلق على المرسلين تهديده وبغيه، وعربد في التعبير والتفكير.
وقولهم:﴿ لَنَرْجُمَنَّكُمْ ﴾ جواب لقسمهم أكَّدوه باللام، والنون الثقيلة. ويحتمل وجهين من التفسير: أحدهما: الرجم بالقول، وهو أن يكون بالشتم ونحوه. روي عن مجاهد أنه قال: لنشتمنكم. ثم قال: والرجم في القرآن كله: الشتم. والثاني: الرجم بالفعل، وهو أن يكون بالحجارة ونحوها.
أما قولهم:﴿ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ ﴾ فعلى الوجه الأول يكون ترقيًّا من الشتم إلى الضرب والإيلام الحِسِّي ؛ كالسلخ والقطع والصلب. وعلى الوجه الثاني يكون المراد منه القتل المتسبِّب عن الرجم بالحجارة. وقيل: هو الحريق. وقيل: عذابٌ، غيرُه تبقى معه الحياة. والمراد: لنقتلنكم بالحجارة، أو لنعذبنكم عذابًا أليمًا، لا يقادر قدره، تتمنون معه القتل.
ولكن الواجب المُلْقَى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمُضِيِّ في الطريق، فيردُّون على الطغاة البغاة، غير آبهين بتهديدهم ووعيدهم، فأجابوهم عن مقالتهم بقولهم:﴿ طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ ﴾.أي: شؤمكم معكم، وهو إقامتكم على الكفر. وأما نحن فلا شؤم معنا ؛ لأنا ندعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى، وفيه غاية اليمن والخير والبركة. وقيل: حظكم من الخير والشر معكم، ولازم في أعناقكم. قال معناه الضحاك. وقال قتادة: أعمالكم معكم. وقال ابن عباس: معناه: الأرزاق والأقدار تتبعكم. وقال الفراء: رزقكم وعملكم، والمعنى واحد.
وفي لسان العرب لابن منظور:« وطائر الإنسان: ما حصل له في علم الله، ممَّا قدَّر له. ومنه الحديث: بالميمون طائره. أي: بالمبارك حظه. ويجوز أن يكون أصله من الطير السانح والبارح. وقوله عز وجل:﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾(الإسراء: 13)، قيل: حظه. وقيل: عمله. وقال المفسرون: ما عمل من خير أو شر، ألزمناه عنقه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. والمعنى فيما يرى أهل النظر: أن لكل امرىء الخير والشر قد قضاه الله، فهو لازم عنقه. وإنما قيل للحظ من الخير والشر: طائر ؛ لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل والطِّيَرَة، على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببًا، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يسمونه بالطائر يلزمه ».
وقراءة العامة:﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾. وقرىء:﴿ طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾، بياء ساكنة بعد الطاء. قال الزجاج: الطائر والطير بمعنى. وفي القاموس: الطير جمع: طائر، وقد يقع على الواحد. وذُكِر أن الطير لم يقع في القرآن إلا جمعًا ؛ كما في قول الله تعالى:﴿ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ﴾(النور:41). فإذا كان في هذه القراءة كذلك، فلفظ الطائر، وإن كان مفردًا، فهو بالإضافة شامل لكل ما يتطير به، فهو في معنى الجمع، فتكون القراءتان متوافقتين.
وقيل: للشؤم طائر، وطَيْر، وطِيَرة ؛ لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطيُّر ببارحها، ونعيق غرابها، وأخذها ذات اليسار، إذا أثاروها. فسمُّوا الشُّؤْمَ: طيْرًا، وطائرًا، وطِيَرَةً ؛ لتشاؤمهم بها. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتفاءل، ولا يتطير.
وأصل الفَأْل: الكلمة الحسنة يسمعها عليل، فيتأوَّل منها ما يدل على بُرْئِهِ ؛ كأنْ يسمع مناديًا ينادي رجلاً اسمه: سالم، وهو عليل، فيوهمه سلامته من علته. وكذلك المُضِلُّ يسمع رجلاً يقول: يا واجد، فيجد ضالته. والطَّيَرَةُ مضادة للفأْل، وكانت العرب مذهبُها في الفأل والطيرة واحد، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفألَ واستحسنه، وأبطل الطيرة ونهى عنها. فعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:« الطَّيَرَةُ شرْكٌ، وما منَّا إلا..، ولكن الله يذهبه بالتوكل ». رواه أبو داود والترمذي.
قال ابن الأثير: هكذا جاء الحديث مقطوعًا، ولم يذكر المستثنى. أي: إلا قد يعتريه التَّطَيُّر، ويسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع.. وإنما جعل الطِّيَرَةَ من الشرك ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطير تجلب لهم نفعًا، أو تدفع عنهم ضرًا، إذا عملوا بموجبه ؛ فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك، وهذا من الشرك الخفيِّ. وقوله:« ولكن الله يذهبه بالتوكل » معناه: أنه إذا خطر له عارضُ التطيُّر، فتوكَّل على الله تعالى وسلَّم إليه، ولم يعمل بذلك الخاطر، غفره له، ولم يؤاخذه به.
وقولهم:﴿ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ﴾ استفهام متضمِّن لمعنى الإنكار، جوابُه محذوفٌ، تقديره:« تطيرتم بنا ». أو قلتم هذا القول. وهو وجوابه المحذوف جوابٌ عن قول الكفرة:﴿ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ ﴾. والمعنى: أتفعلون ذلك بمن يعظكم، ويدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد، ويبيِّن لكم فساد عقيدتكم، وسوء أفعالكم بالأدلة والبراهين ؟
أما قولهم:﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ ﴾ فيدل على أنهم قوم عادتهم الإسراف في الضلال، ومجاوزة الحد في العصيان، فمن ثَمَّ أتاهم الشؤم، ولم يأتهم من قبل المرسلين، وتذكيرهم ؛ فهو إضراب عما تقتضيه العبارة الشرطية:﴿ أَئِنْ ذُكّرْتُمْ ﴾ من إنكار كون التذكير سببًا للشؤم، وإثبات الإسراف الذي هو أبلغ، وهو جالب الشؤم كله. والإسراف هو الإصرار على الكفر، بعد ظهور الحق بالحجة والبرهان، وتجاوز الحدود في التفكير والتقدير، والمجازة على الموعظة بالتهديد والوعيد، والرد على الدعوة بالرجم والتعذيب ؛ ولذلك وجب إهلاكهم، فإن الكافر مُسِيءٌ، فإذا تمَّ عليه الدليل، وأوضح له السبيل، وبقي مُصِرًّا على الكفر، يكون مُسْرفًا. والمُسْرِفُ هو المجاوز للحدِّ، بحيث يبلغ الضدَّ، وهم كانوا كذلك ؛ لأنهم جزَموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان. ودلَّت الجملة الاسمية على أن الإسراف صفة ثابتة فيهم، ملازمة لهم، لا تفارقهم. تلك كانت الاستجابة من القلوب المغلقة على دعوة الرسل، وهي مثل للقلوب التي تحدثت عنها السورة في الجولة الأولى، وصورة واقعية لذلك النموذج البشري المرسوم هناك.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:20 PM
سادسًا- فأما النموذج الآخر الذي اتَّبع الذكر، وخشِي الرحمن بالغيب، فكان له مَسْلَكٌ آخرُ، وكانت له استجابة غير هذه الاستجابة، ويتمثل في هذا الرجل الذي أخبر الله عنه، وحكى قصته بقوله تعالى:
﴿ وَجاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
إنه رجل جاء من أقصى المدينة. أي: من أبعد مواضعها، جاء يسعى. أي: يسرع في مشيه ؛ لبعد محله ومزيد اهتمامه، حرصًا منه على نصح قومه، ونُصْرة المرسلين، وتعزيز دعوتهم، ملبيًا نداء الفطرة. والظاهر أن هذا الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته ؛ ولكنها العقيدة الحيَّة في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها ؛ لينضم إلى موكب المرسلين. وليس مهمًّا بعد ذلك، إن كان هذا الرجل هو حبيب النجار- على ما قيل- أو غيره ؛ لأن معرفة ذلك لا يزيد شيئاً في دلالة القصة وإيحائها.
وقال الله تعالى هنا:﴿ وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ﴾، وقال في سورة القصص:﴿ وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ﴾(القصص:20)، فقدم الجارَّ والمجرور﴿ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ﴾ على الفاعل ﴿ رَجُل ﴾ في الأول، وأخره عنه في الثاني. وجعل أبو حيان ذلك من التَّفَنُّن في البلاغة. أما الخفاجي فجعل تقديم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم، بيانًا لفضل هذا الرجل ؛ إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم، وأن بعده لم يمنعه عن ذلك ؛ ولذلك عبَّر عن القرية بـ﴿ المدينة ﴾، بعد التعبير عنها بـ﴿ القَرْيَة ﴾ إشارة إلى السعة، وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرُب، أو بعُد.
وقيل: قدِّم للاهتمام، حيث تضمَّن الإشارةَ إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة، فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين. وقيل: إنه لو أخِّر، تُوُهِّمَ تعلُّقُه بـ﴿ يَسْعَى ﴾، فلم يفد أنه من أهل المدينة، وأن مسكنه في طرفها، وهو المقصود. وقيل: قدِّم لاشتمال ما قبله من سوء معاملة أصحاب القرية الرسل، وإصرارهم على تكذيبهم، فكان مظنة التتابع على مجرى العبارة تلك القرية، ويبقى مخيلا في فكره: أكانت كلها كذلك، أم كان فيها على خلاف ذلك، بخلاف ما في سورة القصص.
وقوله تعالى:﴿ مِنْ أَقْصَى ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه من الإعراب: أحدها: أنه صفة لـ﴿ رَجُل ﴾، قدِّم عليه، فصار حالاً منه. والثاني: أنه صلة لـ﴿ جَاء ﴾. والثالث: أنه صلة لـ﴿ يَسْعَى ﴾. والأظهر أن يكون صلة لـ﴿ جَاء ﴾. والله أعلم !
وفي الإشارة إلى ﴿ رَجُل ﴾ بلفظ التنكير فائدتان: الأولى: هي تعظيمٌ لشأنه. أي: رجل كامل الرجولة. والثانية: هي بيانٌ لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن بدعوتهم رجل من الرجال، لا معرفة لهم به، فلا يقال: إنهم تواطؤا معه.
وفي تقييد مجيء هذا الرجل بصيغة ﴿ يَسْعَى ﴾، دون صيغة ﴿ سَاعِيًا ﴾، إشارة إلى تجدُّد السَّعْيِ منه، واستمراره دون تعب أو ملل. وفيه تَبْصِرةٌ للمؤمنين، وهدايةٌ لهم ؛ ليكونوا في النصح باذلين جهدهم لنصرة الحق أينما كان.
وقد بدأ هذا الرجل خطابه لقومه بقوله:﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾. وهو استئناف بياني وقع جوابًا عن سؤال نشأ من حكاية مجيئه ساعيًا ؛ فكأنه قيل: فماذا قال عند مجيئه ؟ فقيل: قال:﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾. وفيه إشارات لطيفة:
أولها: قوله:﴿ يا قَوْمِ ﴾ ؛ فإنه ينبىء عن إشفاقه عليهم، وإنه لا يريد بهم إلا خيرًا ؛ ولهذا أضافهم إلى نفسه، ولم يقل: يا قومُ ! وأيضًا أراد تأليف قلوبهم، واستمالتها نحو قبول نصيحته.
وثانيها: قوله:﴿ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾ ؛ فإنه جمع بين إظهار نصحه لقومه، وإظهار إيمانه ؛ لأن قوله:﴿ اتَّبِعُوا ﴾ إظهار للنصح، وأن قوله:﴿ الْمُرْسَلينَ ﴾ إظهار لإيمانه.
وثالثها:أنه قدَّم في قوله السابق إظهار النصح على إظهار الإيمان ؛ لأنه كان ساعيًا في النصح. وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل. وقوله تعالى في حقِّه:﴿ رَجُلٌ يَسْعَى ﴾ يدل على كونه مريدًا للنصح. وممَّا ذكر في حكاية هذا الرجل أنه كان يقول، وهو يقتل: اللهم ! اهدِ قومي. ونظير قوله هذا قول مؤمن آل فرعون:﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾(غافر: 38).
فإن قيل: هذا الرجل قال:﴿ يا قومِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾، ومؤمن آل فرعون قال:﴿ اتَّبِعُونِ ﴾، فما الفرق بين القولين ؟ والجواب: أن مؤمن آل فرعون كان فيهم، واتبع موسى عليه السلام، ونصح قومه مرارًا، فقال: اتبعوني في الإيمان بموسى، واعلموا أنه لو لم يكن خيرًا، لما اخترته لنفسي، وأنتم تعلمون أني اخترته. وأما صاحب ياسين فلم يكن مع قومه، ولم يعلموا شيئًا عن إيمانه، فبدأ نصحه لهم بقوله:﴿ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾ الذين أظهروا لكم الدليل، وأوضحوا لكم السبيل. وبهذا يظهر الفرق بين القولين.
وأما قوله:﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ فليس بتكرير- كما قيل- لقوله:﴿ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾ ؛ لأنه نبَّه أولاً بقوله:﴿ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ﴾ على موجب الاتباع، وهو كون المتبوع رسولاً لمن لا ينبغي أن يخالف ولا يعصى، وأنه على هداية. ثم نبَّه ثانيًا بقوله﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً ﴾ على انتفاء المانع منه، وهو عدم سؤال الأجر، فلا يريدون منهم دنيا، ولا رياسة. فموجب الاتباع كونهم مهتدين، والمانع منه منتف، وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:21 PM
وقوله:﴿ مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً ﴾ كلمة جامعة في الترغيب فيهم. والمعنى: لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم. والتعبير عن كونهم مهتدين بالجملة الاسمية ﴿ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ يفيد أن الاهتداء صفة ثابتة فيهم، وملازمة لهم. والجملة حالية، فيها ما يؤكِّد كونَهم لا يسألون الأجر، ولا ما يتبعه من طلب جاه، أو سلطان، أو رياسة، أو نحو ذلك.
سابعًا- وأضاف الرجل المؤمن قائلاً:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ءَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ * إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾، فاحتج على قومه بما ركَّبه الله تعالى في فطر الناس وعقولهم من حسن عبادته وحده، وقبح عبادة غيره ؛ لأنه الفاطر لهم، ولا إله لهم غيره، ولا رب لهم سواه، وهو وحده المستحق للعبادة. وهذا ما قرَّره سبحانه وتعالى في كتابه، ودعا إليه، وأوحى به إلى رسله، فقال جل شأنه:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾(الأنبياء: 25).
ولهذا افتتح الرسل جميعهم دعوتهم بهذا الأصل الذي يقوم عليه الدين كله ؛ كقول نوح- عليه السلام- لقومه:﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ﴾(الأعراف: 95). وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب- عليهم السلام- وغيرهم. كلٌّ كان يقول:﴿ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ﴾، اقتداءً بإمام الحنفاء إبراهيم- عليه السلام- الذي حكى الله تعالى عنه مناظرته لقومه، فقال سبحانه وتعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾(الزخرف: 26- 28).
فهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص لله جل وعلا، وهي البراءة من كل معبود ؛ إلا من الخالق الذي فطر الخلق جميعهم ؛ كما قال صاحب ياسين هنا:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾، فأخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم تلطفًا بهم، ومداراة لهم ؛ ولأنه أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ونبَّه العقول بذلك على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب، وأن تركها مستهجن، والإخلال بها قبيح ؛ فإن خلق الله تعالى لعباده أصل إنعامه عليهم، ونعمه كلها بعد تابعة لإيجادهم وخلقهم، وقد جبل الله تعالى العقول والفطر على شكر المنعم، ومحبة المحسن.
ثم أقبل هذا الرجل المؤمن على قومه، مخوِّفًا لهم تخويف الناصح، بأن إليه تعالى مرجعهم جميعًا، فيعاقبهم على شركهم. وقدم الجار والمجرور ﴿ إِلَيْهِ ﴾ على الفعل ﴿ِ تُرْجَعُونَ ﴾ ؛ لإفادة الحصر مبالغة في تخويفهم بالرجوع إلى الله الخالق جل وعلا، لا إلى غيره. وإنما قال:﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾، ولم يقل:﴿ وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ ﴾- كما يقتضيه نظم الكلام- تنبيهًا على أنهم هم المعنيون بهذا الخطاب.
ومن الإشارات اللطيفة التي تضمنها هذا الخطاب قوله:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ ﴾ ؛ فهو إشارة إلى عدم المانع من العبادة. أي: ما لي مانع من جانبي يمنعني من عبادته. أما قوله:﴿ الّذي فَطَرَني ﴾ فهو إشارة إلى وجود المقتضي للعبادة، وهو كونه فاطرًا. وقدَّم بيان عدم المانع من العبادة على بيان وجود المقتضي لها، لوجود الحاجة إلى الأول، وظهور الثاني.
وفي العدول عن مخاطبة قومه إلى مخاطبة نفسه لطيفة أخرى ؛ وهي أنه لو قال:﴿ وَمَا لَكُمْ لا تَعْبُدُونَ الَّذي فَطَرَكُمْ ﴾، جاز أن يفهم منه أنه يطلب بيان العلة على امتناعهم عن عبادة فاطرهم ؛ كما فهِم ذلك من قول نوح- عليه السلام- لقومه:﴿ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾( نوح:13) ؛ ولهذا قال:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ ﴾، مشيرًا إلى بيان عدم المانع.
والفرق بين القولين: أن نوحًا- عليه السلام- كان داعيًا لقومه. أما صاحب ياسين فإنه كان مَدعوًّا إلى الإيمان من قبل المرسلين، فقال:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني ﴾، وقد طُلِبَ مني ذلك ؟ أي: لا يوجد عندي مانع يمنعني من الإيمان. فاختلف لذلك وجها الكلام.
قال ابن قيِّم الجوزيَّة:« فتأمل هذا الخطاب، كيف تجد تحته- على وجازته- أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا، فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه ؛ ولا سيما إذا كان مرده إليه، كما كان مبتدأه منه سبحانه. وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته سبحانه وتعالى وحده، لا شريك له ».
وهذا النوع من الخطاب يسميه علماء البيان: التعريض. ويعرفونه بأنه الدلالة على المعنى من طريق المفهوم. وإنما سمَّوْه: تعريضًا ؛ لأن المعنى باعتباره يُفْهَمُ من عرَض اللفظ. يقال: نظر إليه بعَرَض وجهه. أي: بجانبه. ويُسَمَّى: تلويحًا أيضًا ؛ لأن المتكلم يلوِّح منه للسامع ما يريده ؛ كقول تعالى يحكي قول إبراهيم عليه السلام:﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ ﴾(الأنبياء: 63)، جوابًا لقولهم:﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾(الأنبياء: 62) ؛ لأن غرضه بقوله:﴿ فَاسْأَلُوهُمْ ﴾ الاستهزاء بهم، وإقامة الحجة عليهم بما عرض لهم به من عجز كبير الأصنام عن الفعل، مستدلاً على ذلك بعدم إجابتهم، إذا سألوا. ولم يرد بقوله:﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾ نسْبةَ الفعل الصادر عنه إلى الصنم، فدلالة هذا الكلام عجْزُ كبير الأصنام عن الفعل بطريق الحقيقة.
ومن أقسام هذا النوع من الخطاب: أن يخاطب الشخص، والمراد غيره ؛ سواء كان الخطاب مع نفسه، أو غيره ؛ كقوله تعالى:﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾(الزمر: 65)، وقوله تعالى:﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم ﴾(الرعد: 37). فالخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد به قومه، تعريضًا بأنهم أشركروا، واتَّبعوا أهواءهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه ذلك، فأبرز غير الحاصل في معرض الحاصل ادِّعاء.
وعلى هذا ورد قوله تعالى:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني ﴾، والمراد: مالكم لا تعبدون الذي فطركم. هذا هو أصل الكلام ؛ ولكنه أبرزه في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم ؛ ليتلطف بهم، ويريهم أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ثم لما انقضى غرضه من ذلك، قال:﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ؛ ليدل على ما كان من أصل الكلام، ومقتضيًا له. ولولا التعريض، لكان المناسب أن يقول:﴿ وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ ﴾. وهذا وجه حَسَنٌ من أوجه الخطاب في القرآن. ووَجْهُ حُسْنِهِ ظاهرٌ ؛ لأنه يتضمَّن إعلامَ السامع على صورة لا تقتضي مواجهته بالخطاب المُنكَر ؛ وكأنه لم يَعْنِِه هو. ثم هو أعلى في محاسن الأخلاق، وأقرب للقَبُول، وأدْعَى للتواضع. والكلام ممَّن هو رب العالمين، نزَّله بلغتهم، وتعليمًا للذين يعقلون.
وقال هنا:﴿ فَطَرَني ﴾، ولم يقل:﴿ خَلَقَني ﴾ ؛ لأنه أنسب في مقام الحِجَاج ؛ لإثبات إلهية الخالق جل وعلا ووحدانيته، وهو من قولهم: فطَر الشيءَ، إذا ابتدأ إنشاءَه وفتحَه. وأصل الفَطْر: الشَّقُّ طولاً. ومنه قوله تعالى:﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾(الأنعام: 14). أي: مبدعهما ابتداءً على غير مثال سابق. وليس كذلك قولنا:« خالق السموات والأرض » ؛ لأن الأصل في الخَلْق أن يكون من شيء ؛ كقوله تعالى:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾(الروم: 21). وقد يكون من لا شيء كَالفَطْر ؛ نحو قوله تعالى:﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ﴾(آل عمران: 190).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:22 PM
وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:« ما كنت أدري ما ﴿ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾، حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. أي: أنا ابتدأت حفرها ». وذكر أبو العباس أنه سمع ابن الأعرابي، يقول:« أنا أول من فطر هذا. أي: أول من ابتدأه ».
ثم احتج عليهم بما تَقِرٌّ به عقولهم وفطرهم من قبْح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال:﴿ أأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ﴾، فبيَّن أن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله تعالى باطلة، وأن عبادتها باطلة ؛ لأن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه. فإذا أراده الرحمن الذي فطره بضُرٍّ، لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذه بها من ذلك الضُّرّ، وليس لهذه الآلهة من الجاه والمكانة عند الله تعالى ما يشفع له إليه ؛ ليتخلص من ذلك الضُّرِّ. فبأي وجه من الوجوه تستحق هذه الآلهة الباطلة العبادة ؟
وقوله:﴿ أأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ﴾ إنكارٌ لاتخاذ جنس الآلهة على الإطلاق، ونَفْيٌ لوجود إله غير الله جل وعلا ؛ كما كان قوله:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ ﴾ إثباتًا لوجود الله عز وجل. ولا يتم التوحيد، ويتحقق معنى ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ إلا بهما. وهذا تعريض بقومه الذين اتخذوا آلهة، وعبدوها من دون الله سبحانه، وفيه من تحميق من يعبد الأصنام ما فيه. وفي الآية أيضًا- كما قال الفخر الرازي- لطائف:
الأولى: ذِكْرُهُ على طريق الاستفهام، فيه معنى وضوح الأمر ؛ وذلك أن من أخبر عن شيء، فقال مثلاً: لا أتخذ، يصِحُّ من السامع أن يقول له: لِمَ لا تتخذ ؟ فيسأله عن السبب. فإذا قال: أأتخذ ؟ يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار ؛ كأنه يقول: استشرتك فدلني، والمستشار يتفكر ؛ فكأنه يقول: تفكر في الأمر، تفهم من غير إخبار مني.
الثانية: بيَّن أن ﴿ مِنْ دُونِهِ ﴾ لا تجوز عبادته. فإن عبد غير الله، وجب عبادة كل شيء مشارك للمعبود الذي اتخذ غير الله ؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث. فلو قال: لا أتخذ آلهة، لقيل له: ذلك يختلف، إن اتخذت إلهًا غير الذي فطرك، ويلزمك عقلاً أن تتخذ آلهة، لا حصر لها. وإن كان إلهك ربك وخالقك، فلا يجوز أن تتخذ آلهة.
الثالثة: قوله:﴿ أأَتَّخِذُ ﴾ إشارة إلى أن غيره ليس بإله ؛ لأن المُتَّخذَ لا يكون إلهًا ؛ ولهذا قال تعالى:﴿ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾(الإسراء: 111) ؛ لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة، ولا يجوز ؛ وإنما النصارى قالوا: تبنَّى الله عيسى وسمَّاه: ولدًا، فقال:﴿ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾.
وأما قوله:﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ﴾ فهو جملة شرطية استئنافية، سيقت لتعليل النفي المذكور. وجعلها صفة لـ﴿ آلِهَةً ﴾- كما ذهب إليه بعض المفسرين- ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك.
وقال:﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ ﴾، ولم يقل:﴿ إنْ يُردِ الرَّحْمنُ بي ضُرًّا ﴾، فأدخل الباء على الضرِّ، وقدَّم المفعول ؛ لأن المقصود هو بيان كونه تحت تصرف الرحمن، يقلبه كيف يشاء، في البؤس، والرخاء، وليس الضرُّ بمقصود بيانه. كيف، والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة، بناء على إيمانه بحكم وعد الله تعالى ؟ ويؤيِّد هذا قوله من قبل:﴿ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾، حيث جعل نفسه مفعول الفطرة ؛ فكذلك جعلها مفعول الإرادة. وقرىء:﴿ إنْ يَردْن ﴾، بفتح الياء، على معنى: إن يوردني ضرًّا. أي: يجعلني موردًا للضرِّ.
وقال في الزمر:﴿ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾(الزمر: 38)، وقال هنا:﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ ﴾، فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي، وذكر المريد باسم الله هناك، واختيار صيغة المضارع، وذكر المريد باسم الرحمن هنا ؟ ويجاب عن الأول بأن التعليق الشرطي في الجمل الشرطية نوعان: خبري، ووعدي.
أما الخبري فهو الذي يكون مضَمَّنًا جوابًا لسؤال سائل: هل وقع كذا ؟ أو يكون ردًّا لقول قائل: قد وقع كذا. فهذا يقتضي المضي لفظًا ومعنى، ولا يصح فيه الاستقبال بحال ؛ ومنه قوله تعالى:﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾(الزمر: 38).
وأما الوعدي فالغرض منه هو التعليق المحض المجرد من أي معنى آخر. وهذا يقتضي الاستقبال، ولا يصلح فيه المضي ؛ ومنه قوله تعالى:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ﴾( يس: 22- 23).
ويجاب عن الثاني بأن لفظ الجلالة ﴿ اللَّهِ ﴾، ولفظ الرحمة ﴿ الرَّحْمنُ ﴾ هما الاسمان المختصان بواجب الوجود من بين أسمائه الحسنى ؛ كما أشار إلى ذلك جل وعلا بقوله:﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾(الإسراء: 110)، والأول هو اسمه الذي يدل على هيبته وعظمته. والثاني هو صفته التي تدل على رأفته ورحمته.
فلما أخبر الله تعالى عن نفسه في سورة الزُّمَر بأنه عزيز ذو انتقام بقوله:﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾(الزمر: 37)، ثم ذكر ما يدل على عظمته بقوله:﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾(الزمر: 38)، ناسب ذلك ذكر الاسم المنبىء عن العظمة ؛ وهو﴿ اللَّهِ ﴾ جل وعلا.
ولما أخبر سبحانه عن صاحب ياسين بأنه أظهر في دعوته لقومه إلى عبادة الله تلطفه بهم، ومداراته لهم، وإشفاقه عليهم بقوله:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾(يس: 22)، ناسب ذلك ذكر الاسم المنبىء عن الرحمة ؛ وهو﴿ الرَّحْمَنَ ﴾ المتَّصف بالرحمة على وجه التمام والكمال. وكيف لا يذكر هذا الاسم الجليل، وقد سبقه الكفرة إلى ذكره عندما قالوا:﴿ وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ ﴾ ؟ فهو أولى بذكره منهم !
ثم قال:﴿ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ﴾ على ترتيب ما يقع من العقلاء، فذكر الشفاعة أولاً، ثم ذكر الإنقاذ ثانيًا ؛ وذلك لأن من يريد دفع الضُّرِّ عن شخص أضرَّ به شخص آخر، يدفع بالوجه الأحسن، فيشفع أولاً. فإن لم يقبل، لجأ إلى إنقاذه بما أوتي من قوة. وهذه الآلهة لا تنفع شيئًا من النفع عند الرحمن، وليست لديها القدرة على الإنقاذ من ذلك الضر بالنصرة والمظاهرة، إن أخفقت في شفاعتها. وهو ترَقٍّ من الأدنى إلى الأعلى، بدأ أولاً: بنفي الجاه، وذكر ثانيًا: انتفاء القدرة، وعبَّر عنه بانتماء الإنقاذ ؛ لأنه نتيجته. ونفى ذلك بـ﴿ لا ﴾ الدالة على نفي ما بعدها نفيًا شاملاً، لا أمل معه أبدًا في حصول ما ذكر. وإنما ذكر الشفاعة والإنقاذ ؛ لأنهم كانوا يتخذون الآلهة شفعاء ووسائط عند الله سبحانه ؛ كما قال تعالى:﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾(يونس: 18).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:22 PM
وقد ثبت بهذه الآيات أن الله تعالى معبود من كل وجه: فالبنظر إلى جانبه سبحانه فهو فاطرٌ، وربُّ مالكٌ، يستحق العبادة ؛ سواء أحْسَنَ، أم لم يُحْسِنْ. وبالنظر إلى إحسانه فهو رحمن. وبالنظر إلى الخوف والرجاء فهو يدفع الضر. وثبت بذلك أن غير الله تعالى لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه ؛ لأن أدنى مراتب المعبود أن يُعَدَّ ليوم كريهة يُرجَى منه فيه دفع ما يقع من ضُرٍّ بالعابد في ذلك اليوم. وغير الله تعالى ليست لديه القدرة على دفع شيء إلا بإذنه وإرادته ؛ كما قال سبحانه:﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾(البقرة: 255). فمن يعبد من دون الله آلهة هذا شأنها، يكون في ضلال ظاهر بيِّن، لا يخفي على أحد من ذوي العقول والبصائر. وهذا ما أراده بقوله:﴿ إِنّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ ﴾.
وبعد أن تحدث بلسان الفطرة الصادقة العارفة الواضحة، أعلن قراره بالإيمان في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين، غيرَ مُبالٍ بالعواقب ؛ لأن صوت الفطرة في قلبه كان أقوى من كل تهديد، ومن كل تكذيب ؛ وذلك قوله:﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾. وهو عبارة عن جملتين: الأولى خبرية لفظًا ومعنى. والثانية إنشائية معطوفة على الأولى.
وقيل في تأكيد الأولى: إنهم لم يعلموا من كلامه أنه آمن ؛ بل تردَّدوا في ذلك، لما سمعوا منه ما سمعوا. قال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه::﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ ﴾ الذي كفرتم به. وقيل: إنه لما قال لقومه:﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً ﴾، رفعوه إلى الملك، وقالوا: قد تبعت عدونا، فطَوَّل الكلام معهم ؛ ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل إلى أن قال: ﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾، فوثبوا عليه، فقتلوه.
قال ابن عباس وغيره: خاطب بها قومه، على جهة المبالغة والتنبيه. وقال ابن مسعود: خاطب بها الرسل، على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ للأمر عندهم. فعلى هذا يكون معنى ﴿ فَاسْمَعُونِ ﴾: فاشهدوا. أي: كونوا شهودي بالإيمان. والصواب هو القول الأول.. والله تعالى أعلم !
وقد يقال: لم قال هنا:﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ ﴾، ولم يقل:﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبِّي ﴾ ؛ كما قال من قبل:﴿ وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني ﴾ ؟ ويجاب عن ذلك بأنه لما قال هنا:﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ ﴾، فُهِم منه أنه قال لهم: ربي وربكم واحد، وهو الذي فطرني وفطركم. وفي ذلك تحقيق للحق، وتنبيه على بطلان ما هم عليه من الآلهة أربابًا من دون الله تعالى. وأيضًا لو أنه قال:﴿ إِنّي آمَنْتُ بِرَبِّي ﴾، لكان جواب قومه عليه: ونحن آمنا بربنا. ومثل هذا قوله عليه الصلاة والسلام:﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾(الشورى: 15).
وفي قوله:﴿ فَاسْمَعُون ﴾- كما ذكر الفخر الرازي- فوائد:
أحدها: أنه كلامُ مُتَرَوٍّ متفكِّر. فإن المتكلم، إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين، يتفكَّر.
وثانيها: أنه ينبه القوم، ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت، حتى لا تقولوا: لِمَ أخفيت عنا أمرك ؟ ولو أظهرته، لاتبعناك.
وثالثها: أن يكون المراد: السماع الذي بمعنى القَبول. يقول القائل: نصحته، فسمع قولي. أي: قبله.
وقرأ الجمهور:﴿ فَاسْمَعُونِ ﴾، بكسر النون، على نية الياء. وروى أبو بكر عن عاصم:﴿ فَاسْمَعُونَ ﴾، بفتح النون. قال أبو حاتم: هذا خطأ، لا يجوز؛ لأنه أمر: فإما حذف النون، وإما كسرها على نية الياء. وأثبت الياء يعقوب، فقرأ:﴿ فَاسْمَعُونِي ﴾.
ثامنًا- ويسدل بعد ذلك الستار على الدنيا وما فيها من حطام، وعلى القوم وما هم فيه من كبر وعناد، وما هم عليه من كفر وشرك، ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء، وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة، ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق، ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين. ونرى هذا الرجل، الذي جهر بكلمة الحق، وقذف بها في وجوه قومه الطغاة، نراه في الجنة ينعم بما ادَّخر الله له فيها من كرامة، تليق بمقام المؤمنين المخلصين الصابرين، ونسمعه، وهو يتمنى أن يعلم قومه بما غفر له ربه، وجعله من عباده المكرمين؛ وذلك قوله تعالى:
﴿ قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ ﴾
وظاهر قوله تعالى:﴿ قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴾ أنه إِذْنٌ له بدخول الجنة حقيقة، إكرامًا له بعد أن قتله قومه ؛ كسائر الشهداء. قال قتادة: أدخله الله الجنة، وهو فيها حي يرزق. وقيل: معناه: وجبت لك الجنة، فهو خبر بأنه قد استحق دخولها. ولا يكون ذلك إلا بعد البعث. ولم يأت في القرآن أنه قتل ؛ ولهذا قال الحسن: لما أراد قومه قتله، رفعه الله إلى السماء، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السموات، وهلاك الجنة، فإذا أعاد الله الجنة، دخلها. وجمهور المفسرين على القول بأنه قتل. وذكر ابن عطيَّة أن الأحاديث والروايات تواترت بأنهم قتلوه. وقول قتادة الذي تقدم ذكره، ليس نصًّا في نفي القتل.
وقال تعالى:﴿ قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴾، ولم يقل:﴿قِيلَ لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴾ ؛ لأن الغرض من ذلك هو بيان المقول، لا المقول له، لظهوره وللمبالغة في المسارعة إلى بيانه. وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الدنيا. وفيه - أيضًا- دلالة على ن أن الجنة مخلوقة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:28 PM
والجملة استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك، وقع جوابًا عن سؤال نشأ من حكاية حاله ومقاله ؛ كأنه قيل: كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلُّب في دينه، والتسخِّي بروحه لوجهه تعالى ؟ فقيل:﴿ قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴾.وكذلك قوله تعالى:﴿ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ ﴾ هو استئناف آخر لبيان حاله، وقع جوابًا عن سؤال نشأ من حكاية حاله ؛ كأنه قيل: فماذا قال عند نيله تلك الكرامة ؟ فقيل:﴿ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ ﴾:﴿ بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ ﴾.
وفى معنى تمنِّيه قولان: حدهما أنه تمنى أن يعلم قومه بحاله ؛ ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته، إرغامًا لهم. والثاني: أنه تمنى أن يعلموا بذلك ؛ ليؤمنوا مثل إيمانه، ويصيروا إلى مثل حاله التي صار إليها.
وقوله:﴿ بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ ﴾ إشارة إلى أن العمل الصالح يوجب أمرين: أولهما الغفران. وثانيهما: الإكرام ؛ كما قال تعالى:﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾(سبأ: 4). وهذا الرجل كان من المؤمنين الصالحين ؛ ولذلك وجبت له المغفرة، ووجب له الإكرام.
و﴿ مَا ﴾ في قوله:﴿ بِما غَفَرَ لي رَبّي ﴾ إما موصولة، وإما مصدرية. وكونها موصولة أنسب وأجود ؛ لإبهامها ووقوعها على الجنس العام، وهو- هنا- جنس الذنوب. ولو جعلت مصدرية، لما دلت على هذا المعنى. ولا يجوز تفسيرها- إن كانت موصولة- بـ﴿ الَّذِي ﴾ ؛ لما يُرَاد به من التعيين لِمَا يعقل، والاختصاص به دون غيره ؛ ولأنه لا يقع على الجنس العام، كما تقع عليه ﴿ مَا ﴾. وهذا هو أحد أوجه الفروق الدقيقة بين معنى ﴿ مَا ﴾ هذه، ومعنى ﴿ الَّذِي ﴾.. هكذا كان جزاء المؤمنين الصادقين: غفران من جنس الذنوب كلها، وإكرام يجعل صاحبه مستغنيًا عن كل أحد، ويدفع جميع حاجاته بنفسه.
تاسعًا- أما الكفرة الطغاة فقد كانوا أهون على الله تعالى من أن يهلكهم بأن ينزل عليهم جندًا من السماء ؛ كالحجارة، والريح، وغير ذلك ؛ كما فعل بكفار مكة يوم بدر والخندق. وما كان ليرسل ذلك على الأمم قبلهم، إذا أراد إهلاكهم ؛ بل يبعث عليهم عذابًا يدمرهم. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
﴿ وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلينَ ﴾
وهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه توعُّد لقريش أن يصيبهم ما أصاب قوم هذا الرجل من الهلاك ؛ إذ هذا هو المروِّع لهم من هذا المثل. فنفى الله عز وجل أن يكون أنزل على قوم هذا الرجل، من بعد قتله جندًا من السماء ؛ ليهلكهم، ولله ﴿ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾(الفتح: 4، و 7). وما صَحَّ في حكمه الله جل وعلا أن ينزل في إهلاكهم جندًا من جنوده التي لا يعلمها إلا هو ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾(المدّثر: 31). فالأمر عند الله تعالى أهون من ذلك بكثير وأيسر.
فـ﴿ مَا ﴾ الأولى نفيٌ لإنزال الجند من السماء على أولئك القوم، أريد به الاستغراق والشمول لكل فرد من أفراد الجنس ؛ ولهذا أدخلت ﴿ مِنْ ﴾ على لفظ ﴿ جُنْدٍ ﴾ في قوله:﴿ مِنْ جُنْدٍ ﴾. و﴿ مَا ﴾ الثانية توكيدٌ للأولى على سبيل الجحد.. والسر في هذا النفي وتأكيده هو أنه تعالى قدَّر لكل شيء سببًا،وأجرى سنَّته في هلاك من أهلك من الأمم المكذبة على بعض الوجوه دون بعض ؛ حيث أهلك بعضهم بالحاصب، وبعضهم بالصيحة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالإغراق، وبعضهم بالمطر ؛ كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله:
﴿ فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾(العنكبوت: 40) - ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ (الأعراف: 84) - ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ ﴾ (الشعراء: 173، والنمل: 58).
هذه هي ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾(الأحزاب: 62)، ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾(فاطر: 43).
ولم يجعل سبحانه وتعالى إنزال الجند من السماء في إهلاك المكذبين إلا من خصائص محمد صلى الله عليه وسلم في الانتصار له من قومه، خلافًا لهؤلاء القوم الذين عاجلهم بالهلاك، إن كانت إلا صيْحَة واحدة، أخمدت أنفاسهم، وجعلتهم أثرًا بعد عين:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:29 PM
﴿ إِِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾
قال المفسرون: أرسل الله تعالى عليهم جبريل- عليه السلام- فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة،فإذا هم صرعى بائدون عن آخرهم، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد.وفي ذلك إشارة إلى تهوين شأنهم، وتصغير قدرهم، وإيماء إلى تفخيم شأن الرسول.
وقراءة الجمهور:﴿ إِِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾، بنصب﴿ صَيْحَةً ﴾، على الخبر. أي: ما كان عذابهم إلا صيحة واحدة. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، ومعاذ بن الحارث القارىءبرفع ﴿ صَيْحَة ﴾، على أنها فاعل لفعل الكون. والمعنى: ما وقعت، أو حدثت إلا صيحة واحدة.
وضعَّف أبو حاتم، وكثير من النحويين هذه القراءة، بسبب لحوق تاء التأنيث ؛ إذ الأصل عندهم أن لا يلحق ﴿ كانَ ﴾تاء التأنيث ؛ لأن الفعل إذا كان مسندًا إلى مابعد ﴿إِلاّ ﴾ من المؤنث، لم تلحق العلامة للتأنيث، فيقال: ما قام إلا هند. ولا يجوز: ما قامت إلا هند،عند البصريين إلا في الشعر، وجوزه بعضهم في الكلام على قلة. وقرأ ابن مسعود، وعبد الرحمن بن الأسود:﴿إِلاّ زقْيَةًواحِدَةً﴾، بدلاً من:﴿ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾،من زقا الديك، أو الطائر، إذا صاح.
و﴿إِذا ﴾ فيقوله تعالى:﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ هي الفجائية. أي: فاجأهم الخمود إثر الصيحة مباشرة. و﴿خامِدُونَ﴾: ساكنون موتى، لاطئون بالأرض.كنَّى به عن سكونهم بعد حياتهم تشبيهًا بالرمادالذي خمدت ناره وطفئت بعد توقُّدها ؛ كما قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ** يحور رمادًا بعد إذ هو طالع
ويسدل الستار على مشهد هؤلاء القوم البائس المهين الذليل.وفي هذه اللحظة الحاسمة التي يختار فيها الإنسان الضلالة على الهداية والباطل على الحقّ، يصِحُّ أن يخاطبهم الله سبحانه وتعالى بقوله:
﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾
وهو تذييل من كلام الله تعالى واقع موقع الرثاء للأقوام المكذبين للرسل، شامل لقوم هذا الرجل المقصودين بسَوْق المثل السابق، واطراد هذا السَنن القبيح فيهم. وقوله تعالى:﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ﴾ نداء للحسرة عليهم ؛ كأنما قيل لها: تعالَيْ يا حسرة ! فهذه من أحوالك التي حقُّك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسَّر عليهم المتحسِّرون، ويتلهَّف على حالهم المتلهِّفون. وأجيز أن يكون ذلك من الله تعالى على سبيل الاستعارة، تعظيمًا للأمر وتهويلاً له. وحينئذٍ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله تعالى ؛ كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني. ويعضِّد ذلك قراءة من قرأ:﴿يَا حَسْرَتَا ﴾ ؛ لأن المعنى عليها: يا حسرتي.
وقرأ ابن عباس، والضحاك، وعلي بن الحسين، ومجاهد، وأبي بن كعب:﴿يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ ﴾، على الإضافة إليهم، لاختصاصها بهم، من حيث إنها موجهة إليهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما:«يا ويلا العباد»، وهو قول حسن مع قراءته. وقرأ الأعرج بن جندب، وأبو الزناد:﴿يَا حَسْرَهْ على الْعِبَادِ ﴾، بالوقف على الهاء، إجراء للوصل مجرى الوقف ؛ وذلك للحرص على بيان معنى التحسر، وتقريره للنفس. والنطق بالهاء في مثل هذا أبلغ في التشفيق وهز النفس ؛ كقولهم: أُوْه، ونحوه.
وتنكير الحسرة في قراءة الجمهور:﴿يَا حَسْرَةً﴾ للتكثير. والألف واللام في ﴿الْعِبَادِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: للمعهود،وهم الذين أخذتهم الصيحة، فيا حسرة عليهم. وثانيهما: لتعريف الجنس المستعمل في الاستغراق، وهو استغراق ادعائي، رُوعِيَ فيه حال الأغلب على الأمم التي يأتيها رسول لعدم الاعتداء في هذا المقام بقلة الذين صدَّقوا الرسل ونصروهم ؛ فكأنَّهم كلهم قد كذبوا.
والحسرة: التلهفات التي تترك صاحبها حسيرًا. أي: شديد الندم والتلهف على نفع فائت. وحرف النداء هنا لمجرد التنبيه على خطر ما بعده ؛ ليصغي إليه السامع. وكثُر دخوله في الجمل المقصود منها إنشاء معنى في نفس المتكلم دون الإِخبار، فيكون اقتران ذلك الإِنشاء بحرف التنبيه إعلانًا بما في نفس المتكلم من مدلول الإِنشاء ؛ كقولهم: يا خيبة. يا لعنة. يا ويلي. يا فرحي. يا ليتني، ونحو ذلك قوله تعالى:﴿ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾(النساء: 73). وقوله تعالى:﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً﴾(الفرقان: 28).
و﴿الْعِبَادِ﴾ اسم للناس، وهو جمع: عبد. والعبد هو الممْلوك. وجميع الناس عبيد لله تعالى ؛ لأنه خالقهم والمتصرف فيهم. قال تعالى:﴿رزقاً للعباد ﴾. ويجمع على: عبيد، وعباد. وغلب الجمع الأول على عبد بمعنى مملوك، وغلب الجمع الثاني على عبد بمعنى آدمي، وهو تخصيص حسن من الاستعمال العربي. ومن الأول قول الله عز وجل:﴿ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران: 182). ومن الثاني قوله تعالى:﴿وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207)، وقوله:﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا﴾(الكهف: 65).
ثم قال عز وجل:﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، فبين سبحانه وجه التحَسِّر عليهم، وسبب ندامتهم ؛ لأن قوله:﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ﴾، وإن كان قد وقع بعد ذكر أهل القرية، فإنه لما عُمِّم على جميع العباد، حدث إيهام في وجه العموم، فوقع بيانه بأن جميع العباد مساوون لمن ضُرِبَ بهم المثل، ومن ضُرِب لهم في تلك الحالة الممثل بها، ولم تنفعهم المواعظ والنذر البالغة إليهم من الرسول المرسل إلى كل أمة منهم، ومن مشاهدة القرون الذين كذبوا الرسل فهلكوا، فعُلم وجه الحسرة عليهم إجمالاً من هذه الآية، ثم تفصيلاً من قول الله تعالى بعد:﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾(يس: 31).
والاستثناء في قوله: ﴿ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ مفرغ من أحوال عامة من الضمير في:﴿ مَا يَأْتِيهِمْ ﴾. أي: ما يأتيهم رسول في حال من أحوالهم إلا في حال استهزائهم به.وتقديم ﴿ بِهِ ﴾ على ﴿ يَسْتَهْزِءُونَ﴾؛ للاهتمام بالرسول المشعر باستفظاع الاستهزاء به، مع تأتِّي الفاصلة بهذا التقديم،فحصل منه غرضان من المعاني، ومن البديع.
هذا هو المثل الذي ضربه الله عز وجل للمشركين الذين واجهوا دعوة الإسلام في بدايتها بالتكذيب، ضربه لهم في قصة أصحاب القرية المكذبين الذين انتهى أمرهم فجأة بصيحة واحدة أخمدت أنفاسهم، وجعلتهم نسيًا منسيًّا. ويبدأ الحديث بعدها بالتعميم في موقف المكذبين بكل ملة ودين، ويعرض صورة البشرية الضالة على مدار القرون، وينادي على العباد نداء الحسرة وهم لا يتعظون بمصارع الهالكين الذين يذهبون أمامهم، ولا يرجعون إلا يوم الدين.

يمكن مرسالة المؤلف على الإيميل التالي:


( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:30 PM
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1202742928800px-torah_and_jad_%28custom%29.jpg
صورة للتوراة وهي الكتاب المقدس لدى اليهود
قال الله عز وجل في حق اليهود :﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾( الجمعة : 5 )
أولاً- هذا مثل ضربه الله تعالى لأحبار بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد به عموم اليهود، مَثَّلهم فيه في حملهم للتوراة، وعدم انتفاعهم بها بحمار يحمل أسفارًا. فكما أن الحمار لا ينتفع بما في تلك الأسفار من العلوم النافعة، ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ؛ كذلك اليهود لم ينتفعوا بما في التوراة من العلوم النافعة ؛ لأنهم نبذوها وراء ظهورهم، وتركوا العمل بها، واقتنعوا من العلم بأن يحملوها دون فهم، وهم يحسبون أن ادخار أسفارها، وانتقالها من بيت إلى بيت كافٍ في التبجح بها، وتحقير من لم تكن بين أيديهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾( آل عمران : 187 ).
ووجه ارتباط الآية بما قبله أنه تعالى، لمَّا أثبت في الآيات السابقة التوحيد والنبوة، وبيَّن سبحانه في النبوة أنه ﴿ هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾( الجمعة : 2 )، أخذت اليهود ذلك ذريعة لإنكار سعة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى العرب خاصة، ولم يبعث إليهم، فعند ذلك نزلت الآية.
والمشهور عن اليهود أنهم كانوا ينتظرون مبعث الرسول منهم ؛ ليجمعهم بعد فرقة، وينصرهم بعد هزيمة، ويعزهم بعد ذل، ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾( البقرة : 89 ). أي : يطلبون الفتح بذلك النبي المنتظر، ويقولون : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث،﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾( البقرة : 89 ).
وهكذا اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون ذلك النبي المنتظر من العرب، لا من اليهود. فقد علم الله تعالى أن اليهود قد فرغ عنصرهم من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية، وأنهم لم يعودوا يصلحون لحمل الأمانة ؛ لأنهم زاغوا وضلوا بعدما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة والهداية، فأزاغ الله قلوبهم، فلم تعد صالحة للهدى، وكتب عليهم الضلال أبدًا لفسقهم. وفي ذلك يقول الله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾( الصف : 5 ).
وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله تعالى، وانتهى دورهم في حمل أمانته، فلم يعودوا يصلحون لهذا الأمر، وهم على هذا الزيغ والضلال، ولم تعد لهم قلوب تحمل هذه الأمانة، التي لا تحملها إلا القلوب الحيَّة، البصيرة، المدركة، الواعية، المتجردة، العاملة بما تحمل، والعالمة لما تحمل ؛ ولذلك مثَّلهم الله تعالى بالحمار الذي يحمل أسفارًا.
ثانيًا- وقوله تعالى :﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ مثل، وقوله :﴿ مَثَل الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ مثل آخر، وبين المثلين وجه شَبَهٍ، دلَّت عليه كاف التشبيه ؛ وهو عدم الانتفاع بما من شأنه أن يُنتفَع به انتفاعًا عظيمًا لسمو قيمته، وجلال منزلته.. وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف ؛ ولذلك ذُيِّل بقوله تعالى :﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾.
وقد أوضح الله تعالى هذا المعنى في موضع آخر، فقال :﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾(البقرة : 146 ). فأخبر سبحانه أنهم يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم بالأوصاف المذكورة في كتابهم بأنه النبي الموعود ؛ كما يعرفون أبناءهم، بحيث لا يلتبس عليهم أشخاصهم بغيرهم. وهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية في أن كلاً منهما يتعذر الاشتباه فيه، ومع ذلك فقد جحد فريق منهم رسالته، ولم تنفعهم معرفتهم به.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:31 PM
فبنوا إسرائيل﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ﴾. أي : كُلِّفوا أن يقوموا بحقها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾. أي : لم يفوا بما كلفوا به، ولم يعملوا بموجبه ؛ لأن حملَ التوراة يبدأ أولاً بالفهم والفقه والإدراك، وينتهي ثانيًا بالعمل ؛ لتحقيق مدلولها في عالم الضمير، وعالم الواقع، ولكن سيرة بني إسرائيل- كما عرضها القرآن الكريم، وكما هي في حقيقتها- لا تدل على أنهم قدَّروا هذه الأمانة حقَّ قدرها، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها. ومن ثَمَّ كان مثلهم في ذلك ؛ كمثل الحمار يحمل أسفارًا.. بل كانوا أسوأ حالاً من حال ذلك الحمار ؛ لأن الحمار لا فَهْمَ له ولا فقه ولا إدراك، فهو لا يدري : أسفرٌ على ظهره، أم صخر، أم غير ذلك ؟ وهؤلاء القوم لهم قلوب وعقول ؛ ولكنهم لم يستعملوها فيما ينفعهم ؛ بل استعملوها فيما يضرهم، فأوَّلوا التوراة، وبدلوا فيها، وحرفوا ؛ ولهذا كانوا :﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾( الأعراف : 179 ).
وفي التعبير عن تكليفهم العمل بما في التوراة، وعن تركهم لذلك التكليف بقوله تعالى :﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ إشعارٌ بأن هذا التكليف منه جل وعلا لهم، كان عهدًا مؤكدًا عليهم، حتى لكأنهم تحملوه ؛ كما يتحمل الإنسان شيئًا قد وضع فوق ظهره، أو كتفيه، ولكنهم نبذوا هذا العهد، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده.
فقوله تعالى :﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ﴾ ليس من الحِمل على الظهر، وإن كان مشتقًّا منه ؛ وإنما هو من الحَمالة، بفتح الحاء، بمعنى : الكفالة والضمان. ومنه قيل للكفيل : الحَميل. و﴿ ثُمَّ ﴾ في قوله تعالى :﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ أداة عطف للتراخي الرتبي ؛ فإن عدم وفائهم بما عُهِدَ إليهم أعجب من تحملهم لهذه العهود ؛ ونحو ذلك قوله تعالى :﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾( الأحزاب : 72 ).
والأسفار واحدها : سِفْرٌ، بكسر السين، وهي الكتب الكبار الجامعة للعلوم النافعة، على ما تشعر به صيغة التنكير﴿ أَسْفَارًا ﴾. وأوثر لفظ السِّفر، لما فيه من معنى الكشف. وقد قيل : سُمِّيَ السِّفر سِفرًا ؛ لأنه إذا قرىء يسفِر يسفر عن الحقائق. أي : يبيِّنها ويوضِّحها. وقيل : يعني كتابًا، بلغة كنانة. وقيل : الكتاب بالنبطية يسمَّى : سِفْرًا. والسَّفَرَةُ، محركةً : الكَتَبَةُ، جمع : سافِر، وهو بالنَّبَطِيَّة : سافرا. والسَّفَرَةُ : كتَبَةُ الملائكة الذين يحصون الأعمال. قال الله تعالى :﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾( عبس : 15 ). وما بأيديهم هو الأسفار.
وجملة ﴿ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ حال من الحمار ؛ لكونه معرفة لفظًا. أو صفة له ؛ لأن تعريفه ذهني، فهو في معنى النكرة، فيوصف بما توصف به على الأصح. ونسب أبو حيان للمحققين تعيُّنَ الحالية في مثل ذلك. ويؤيد الوصفية قراءة ابن مسعود :﴿ كَمَثَلِ حِمَارٍ ﴾، بالتنكير.
ثالثًا- ولسائل أن يسأل : لماذا قال تعالى :﴿ كَمَثَلِ الحِمَارٍ ﴾، فمثَّلهم بالحمار، ولم يمثِّلهم بالإبل، فيقول :﴿ كَمَثَلِ الإِبِلِ ﴾، مع أن المشهور عن العرب أنهم يستعملون الإبل في حمل أثقالهم وأمتعتهم، وكانوا يسمُّونها : سفينة الصحراء ؟ ويجاب عن ذلك بأن الله تعالى جعل الإبل آية من آياته، ودعا إلى النظر في خلقها نظر تأمل وتفكر واعتبار، فقال سبحانه :﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾( الغاشية: 17 )، وجعلها أيضًا من شعائر دينه، فقال سبحانه :﴿ الْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾( الحج : 36 ). وأهل الكفر والضلال لا يحسُن أن يمثَّلوا بما جعله الله تعالى آية من آياته، وشعيرة من شعائره ؛ وإنما يمثَّلون بما هو مَثَلٌ للسَّوْء، وليس هناك مثلٌ أسوأ من مَثَل الحمار في هذا المقام، يمثَّلون به، فكان هذا التمثيل إشعارًا بكبر مقت الله تعالى لهم، وغضبه عليهم.
وأما لفظ ﴿ الْحِمَارِ ﴾ فيقع على الذكر والأنثى، ويجمع على : حمير، وحُمُر. ويستخدم منذ القدم فــي حمل الأمتعة وحرث الأرض، وهو شديد التحمل والصبر. وتخصيصه- هنا- بالتمثيل به ؛ لأنه كالعلَم في الجهل والبَلَه والضلال، وأنه مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك هو في استعمال العرب، والحديث الشريف. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا ».
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1200582818clip_9.jpg
لقد شبه الله تعالى الذين كلفوا بالتوراة (وهم اليهود) ولم ويحملوا هذه الأمانة بالحمار الذي يحمل فوق ظهر كتباً دون أن يفهم ما فيها أو يستفيد منها

وإنما شبِّه هذا المتكلم بالحمار يحمل أسفارًا ؛ لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع، وقد تكلف المشقة، وأتعب نفسه في حضور الجمعة. والمشبه به كذلك فاته الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه. فالجامع بينهما هو عدم الانتفاع.
وعن علي بن الجعد قال :« سمعت شعبة، يقول : مَثَل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية، مَثَل الحمار عليه مِخْلاةٌ، لا عَلَفَ فيها ». وقال حماد بن سَلمَة :« من طلب الحديث، ولم يتعلم النَّحْوَ. أو قال : العربية، فهو كمَثَل الحمار تُعلَّق عليه مِخْلاةٌ، ليس فيها شعير ».
ومن تجنُّب العرب لذكر الحمار مجردًا أنهم يكنون عنه، ويرغبون عن التصريح باسمه، فيقولون : الطويل الأذنين. وقد عُدَّ في مساوىء الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولى المروءة. ومن العرب من لا يركبه استنكافًا، وإن بلغت منه الرِّجلة. وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعًا، وتذللاً لله تبارك وتعالى. وقالوا في وصف الحمار : إذا وقفته أدلى، وإن تركته ولَّى، كثير الرَّوْث، قليل الغَوْث، لا تَرْقَأُ به الدماء، ولا تُمْهَر به النساء. وقالوا : الحمار حيوان وقِح شهْواني شبِق لدرجة أنه لا يرعوي عن مواقعة أنثاه في قارعة الطريق، على عكس غيره من الحيوانات ؛ كالجمل والخروف.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:33 PM
ويشتهر الحمار من بين الحيوانات كلها بصوته العالي الذي يُعَدُّ من أقبح الأصوات وأوحشها، ويسمَّى صوته : نهيقًا، وأوله شهيق، وآخره زفير. وقد وصفه القرآن الكريم بأنه أنكر الأصوات على الإطلاق ؛ لما يسببه من إزعاج وأذى. قال تعالى على لسان لقمان الحكيم يعظ ابنه :﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾( لقمان : 19 ).
والغضُّ من الصوت هو التنقيص من رفعه وجَهارته، وهو أوفر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه، ورفعه يؤذي السمع، ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرق الغشاء داخل الأذن. وقد شبِّه الرافعون أصواتهم في الآية السابقة بالحمير وأصواتهم، ولم يؤت بأداة التشبيه ؛ بل أخرج ذلك مخرج الاستعارة. وهذا أقصى المبالغة في الذم، والتنفير من رفع الصوت.
وكانت العرب في الجاهلية تفتخر بجهارة الصوت، وتمدح به. قال الحسن رضي الله عنه :« كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات، فرُدَّ عليهم بأنه لو كان خيرًا، فُضِّل به الحمير ». وقال سفيان الثوري رضي الله عنه :« صياح كل شيء تسبيح ؛ إلا نهيق الحمير ». وعن صهيب- رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :« إذا نهق الحمار، فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم ». وفي الصحيحين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« إذا سمعتهم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله ؛ فإنها رأت ملكًا. وإذا سمعتم نهيق الحمار، فتعوذوا بالله من الشيطان ؛ فإنه رأى شيطانًا ».
قيل : إن سبب قبحه يكمن في قلة حركته وعدوه، خلافًا للحصان الذي اشتهر بكثرة حركته، وشدة عدوه، وخفة صوته ؛ ولهذا سمِّيَ صوت الحمار نهيقًا، وسمِّيَ صوت الحصان صهيلاً. قال تعالى :﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾( العاديات : 1 ). والضَّبْحُ هو صوتٌ بين الصهيل والحمحمة، لا يزعج الإنسان ؛ كما يزعجه النهيق. وقد اكتسبه الحصان بفضل عدوه ؛ لأن العدو يذيب الشحوم المتراكمة حول الأحبال الصوتية، بعد أن تتعرض تلك الأحبال للإحْماء والشدِّ من خلال رياضة العدْو، فيَشْبَه ذلك شدَّ أوتار المعازف ؛ لكي تحصل على صوت عالٍ ذي نبرة رفيعة جميلة.
وأما صورة الحمار فهي صورة كريهة في القرآن والسنة، ولكراهتها حرِّمت علينا لحومها. جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله :« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل ». وروي عنه أيضًا :« أكلنا زمن خيبر الخيل، وحُمًر الوحش، ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي ». وفي مجمع الزوائد عن بن مسعود- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« إن نفس المؤمن تخرج رشحًا، وأن نفس الكافر تسيل ؛ كما تخرج نفس الحمار ».
رابعًا- فهل بعد ذلك كله يوجد مَثَلٌ أسوأ من هذا المَثَل الذي مَثَّل الله تعالى به أولئك اليهود في جهلهم وضلالهم وتكذيبهم بالتوراة والقرآن ؟ ولهذا ذُيِّل بقوله تعالى :﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾. و﴿ بِئْسَ ﴾ لفظ جامع لأنواع الذمِّ كلها، وهو ضد ﴿ نِعْمَ ﴾ في المدح، وهما جامدان، لا يتصرفان ؛ لأنهما أزيلا عن موضعهما. فنِعْم منقول من قولك : نَعِم فلان، إذا أصاب نعمة. وبِئْس منقول من بَئِس فلان، إذا أصاب بؤسًا. فإذا قلت : بِئْس الرجل، دللت على أنه قد استوفى الذم الذي يكون في سائر جنسه. وإذا قلت : نِعْم الرجل، دللت على أنه قد استوفى المدح الذي يكون في سائر جنسه. وعليه فإن هذا المثل قد دل على أنه استوفى الذم الذي يكون في سائر أمثال السَّوْء. وفيه تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب، أن يتعلم معانيه، ويعلم ما فيه، ويعمل بما فيه من أمر ونهيٍ ؛ لئلا يلحقه من الذم ما لحق أولئك اليهود. فهو تنديد باليهود، وفي الوقت نفسه تحذير لعامة المسلمين من أن يكونوا كاليهود، في عدم الانتفاع بما فيه دواء من كلِّ داء، وشفاء لما في الصدور.
ومن هنا قيل : هذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن، أو العلم، فترك العمل به، ولم يؤده حقه، ولم يرعه حق رعايته.. روي عن ميمون بن مهران أنه قال :« يا أهل القرآن ! اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم »، ثم تلا هذه الآية.
وقوله تعالى :﴿ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ فاعل ﴿ بِئْسَ ﴾، وقد أغنى ذكره عن ذكر المخصوص بالذم لحصول العلم بأن المذموم هو مثل القوم المكذبين، فلم يسلك في هذا التركيب طريق الإِبهام على شرط التفسير ؛ لأنه قد سبقه ما بيَّنه بالمثَل المذكور قبله في قوله :﴿ كَمَثَلِ الحِمَارٍ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾، فصار إعادة لفظ المثل ثقيلاً في الكلام أكثر من ثلاث مرات. وهذا من أساليب القرآن البديعة وتفنُّنانه في النظم.
وقوله تعالى :﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ إخبار عنهم بأن سوء حالهم، لا يرجَى لهم منه انفكاك ؛ لأن الله تعالى حرَمَهم اللطف والعناية بإنقاذهم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بتكذيبهم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم دون نظر، وجحودهم لآيات الله تعالى دون تدبر.
قال السيوطي في الدر المنثور :« أخرج ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم إسلامَ كعب، فقال : أسلم كعبٌ في زمان عمر. أقبل، وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر، فقال : يا كعبُ ! أسلم. قال : ألستم تقرؤون في كتابكم :﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾، وأنا قد حملت التوراة. فتركه، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلاً من أهلها، يقرأ هذه الآية :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ﴾( النساء : 47 ).
فقال كعب : يا رب آمنت ! يا رب أسلمت ! مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع، فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين ».
خامسًا- بقي أن نشير إلى أن أكثر المفسرين يجعل التشبيه في هذا المثل من قبيل التشبيه المفرد، وأن وجه الشبه فيه مفرد، وهو عدم الانتفاع بالمحمول ؛ كالتشبيه في قول الشاعر :
كالعيس في البَيْداء يقتلها الظما ** والماء فوق ظهورها محمول
والظاهر مما تقدم أنه من قبيل التشبيه التمثيلي المركب ؛ فهو تشبيه صورة مركبة من عدة أجزاء بصورة أخرى مثلها، ووجه الشبه مركب أيضًا من مجموع كون المحمول كتبًا نافعة، وكون الحامل لها حمار لا علاقة له بها، بخلاف ما في البيت السابق ؛ لأن العيس في البيداء يمكن أن تنتفع بالماء، لو حصلت عليه. أما الحمار فلا ينتفع بالأسفار، ولو نشِرت بين عينيه. وفي ذلك إشارة أيضًا- كما تقدم- إلى أن من موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل كليَّة أنهم وصلوا إلى حد الإياس من انتفاعهم بأمانة التبليغ والعمل بها، فنقلها الله تعالى إلى قوم أحق بها وبالقيام بأعبائها.
محمد إسماعيل عتوك
باحث
في الإعجاز البياني للقرآن
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:33 PM
القرآن الكريم لا يُقاس بغيره

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1200928581274798914_85f4f76579.jpgلبديع الزمان سعيد النورسي
إن القرآن الكريم لا يمكن أن يقاس بأي كلام آخر، إذ إن منابع علو طبقة الكلام وقوته وحسنه وجماله أربعة:
الأول: المتكلم. الثاني: المخاطب. الثالث: المقصد. الرابع: المقام. وليس المقام وحده كما ضل فيه الأدباء.
فلابد من أن تنظر في الكلام إلى: مَن قال؟ ولمن قال؟ ولِمَ قال؟ وفيمَ قال؟ فلا تقف عند الكلام وحده وتنظر إليه.
ولما كان الكلام يستمد قوته وجماله من هذه المنابع الأربعة، فبإنعام النظر في منابع القرآن تُدرك درجة بلاغته وحسنها وسموها وعلوها.
نعم إن الكلام يستمد القوة من المتكلم، فإذا كان الكلام أمراً ونهياً يتضمن إرادة المتكلم وقدرته حسب درجته. وعند ذاك يكون الكلام مؤثراً نافذاً يسري سريان الكهرباء من دون إعاقة أو مقاومة. وتتضاعف قوة الكلام وعلوه حسب تلك النسبة.
فمثلاً: (يا أرضُ ابلعي ماءكِ ويا سماءُ أقلعي) (هود:44) و (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين). (فصلت:11)
فانظر إلى قوة وعلو هذه الأوامر الحقيقية النافذة التي تتضمن القوة والإرادة. ثم انظر إلى كلام إنسان وأمره الجمادات الشبيه بهذيان المحموم: اسكني يا ارض وانشقي يا سماء وقومي أيتُها القيامة!
فهل يمكن مقايسة هذا الكلام مع الأمرين النافذين السابقين؟ ثم أين الأوامر الناشئة من فضول الإنسان والنابعة من رغباته والمتولدة من أمانيه.. وأين الأوامر الصادرة ممن هو متصف بالآمرية الحقة يأمر وهو مهيمن على عمله؟!
نعم! أين أمر أمير عظيم مطاع نافذ الكلام يأمر جنوده بـ : (تقدّم) وأين هذا الأمر إذا صدر من جندي بسيط لا يُبالى به؟ فهذان الأمران وإن كانا صورة واحدة، إلاّ أن بينهما معنىً بوناً شاسعاً،كما بين القائد العام والجندي.
ومثلاً: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) (يس:82) و (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) (البقرة:34) انظر إلى قوة وعلو الأمرين في هاتين الآيتين. ثم انظر إلى كلام البشر من قبيل الأمر. ألا تكون النسبة بينهما كضوء اليراع أمام نور الشمس الساطعة؟
نعم! أين تصوير عامل يمارس عمله، وبيان صانع وهو يصنع، وكلام مُحسن في آن إحسانه، كلٌ يصور أفاعيله، ويطابق فعله قوله. أي يقول: انظروا فقد فعلت كذا لكذا، افعل هذا لذاك، وهذا يكون كذا وذاك كذا… وهكذا يبين فعلَه للعين والأذن معاً، فمثلاً:
(أفلم ينظروا إلى السماءِ فوقَهم كيف بنيناها وزيّناها ومالَها من فروج * والأرضَ مددناها وألقينا فيها رواسيَ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تَبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيب * ونزّلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جناتٍ وحبّ الحصيد * والنخلَ باسقاتٍ لها طلعٌ نـضيد * رزقاً للعباد وأحيينا به بلدةً ميتاً كذلك الخروج) (ق:6-11).
أين هذا التصوير الذي يتلألأ كالنجم في برج هذه السورة في سماء القرآن؛ كأنه ثمار الجنة، وأين كلام الناس على وجه الفضول عن أفعال لا تمسهم إلاّ قليلاً؟ فلا تكون نسبته إليه إلاّ كنسبة صورة الزهرة إلى الزهرة الحقيقية التي تنبض بالحياة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:34 PM
إن بيان معنى هذه الآيات من قوله تعالى (أفلم ينظروا) إلى (كذلك الخروج) على وجه أفضل يتطلب منا وقتاً طويلاً فنكتفي بالإشارة إليه ونمضي إلى شأننا:
إن القرآن يبسط مقدّمات ليرغم الكفار على قبول الحشر، لإنكارهم إياه في مستهل السورة. فيقول: أفلا تنظرون إلى السماء فوقكم كيف بنيناها، بناءً مهيباً منتظماً.. أوَلا ترون كيف زيّناها بالنجوم وبالشمس والقمر دون نقص أو فطور..؟ أوَلا ترون كيف بسطنا الأرض وفرشناها لكم، وثبتنا فيها الجبال لتقيها من مّد البحار واستيلائها؟ أوَلا ترون أنا خلقنا فيها أزواجاً جميلة متنوعة من كل جنس من الخضراوات والنباتات، وزيّنا بها أرجاء الأرض كافة؟ أوَلا ترون كيف أُرسلُ ماءً مباركاً من السماء فاُنبتُ به البساتين والزرع والثمرات اللذيذة من تمر ونحوه واجعله رزقاً لعبادي؟ أوَلا يرون أنني أُحيي الأرض الميتة، بذلك الماء. وآتي ألوفاً من الحشر الدنيوي. فكما اُخرج بقدرتي هذه النباتات من هذه الأرض الميتة، كذلك خروجكم يوم الحشر؛ إذ تموت الأرض في القيامة وتبعثون انتم أحياء.
فأين ما أظهرته الآية في إثبات الحشر من جزالة البيان - التي ما أشرنا إلا إلى واحدة من الألف منها - وأين الكلمات التي يسردها الناس لدعوى من الدعاوى؟
إن نسبة سائر الكلام إلى آيات القرآن، كنسبة صور النجوم المتناهية في الصغر التي تتراءى في المرايا، إلى النجوم نفسها.
نعم! أين كلمات القرآن التي كل منها تصوّر الحقائق الثابتة وتبينها، وأين المعاني التي يرسمها البشر بكلماته على مرايا صغيرة لفكره ومشاعره؟
أين الكلمات الحية حياة الملائكة الأطهار.. كلمات القرآن الذي يفيض بأنوار الهداية وهو كلام خالق الشمس والقمر.. وأين كلمات البشر اللاذعة الخادعة بدقائقها الساحرة بنفثاتها التي تثير أهواء النفس.
نعم! كم هي النسبة بين الحشرات السامة والملائكة الأطهار والروحانيين المنوّرين؟ إنها هي النسبة نفسها بين كلمات البشر وكلمات القرآن الكريم. وقد أثبتتْ هذه الحقيقة مع الكلمة الخامسة والعشرين جميع الكلمات الأربع والعشرين السابقة. فدعوانا هذه ليست ادعاء وإنما هي نتيجة لبرهان سبقها.
نعم! أين ألفاظ القرآن التي كل منها صدف درر الهداية ومنبع حقائق الإيمان، ومعدن أسس الإسلام، والتي تتنـزل من عرش الرحمن وتتوجه من فوق الكون ومن خارجه إلى الإنسان، فأين هذا الخطاب الأزلي المتضمن للعلم والقدرة والإرادة، من ألفاظ الإنسان الواهية المليئة بالأهواء؟
نعم! إن القرآن يمثل شجرة طوبى طيبة نشرت أغصانها في جميع أرجاء العالم الإسلامي، فأورقت جميع معنوياته وشعائره وكمالاته ودساتيره وأحكامه، وأبرزت أولياءه وأصفياءه كزهور نضرة جميلة تستمد حسنها ونداوتها من ماء حياة تلك الشجرة، وأثمرت جميعَ الكمالات والحقائق الكونية والإلهية حتى غدت كل نواة من نوى ثمارها دستور عمل ومنهج حياة.. نعم أين هذه الحقائق المتسلسلة التي يطالعنا بها القرآن بمثابة شجرة مثمرة وارفة الظلال وأين منها كلام البشر المعهود. أين الثرى من الثريا؟
إن القرآن الحكيم ينشر جميع حقائقه في سوق الكون ويعرضها على الملأ أجمعين منذ أكثر من ألف وثلاث مائة سنة وإن كل فرد وكل أمة وكل بلد قد أخذ من جواهره ومن حقائقه، وما زال يأخذ.. على الرغم من هذا فلم تخل تلك الألفة، ولا تلك الوفرة، ولا مرور الزمان، ولا التحولات الهائلة، بحقائقه القيمة ولا بأسلوبه الجميل، ولم تشيّبه ولم تتمكن من أن تفقِدهُ طراوته أو تسقط من قيمته أو تطفئ سنا جماله وحسنه.
إن هذه الحالة وحدها إعجاز أي إعجاز.
والآن إذا ما قام أحدٌ ونظم قسماً من الحقائق التي أتى بها القرآن حسب أهوائه وتصرفاته الصبيانية، ثم أراد أن يوازن بين كلامه وكلام القرآن بغية الاعتراض على بعض آياته وقال: لقد قلت كلاماً شبيهاً بالقرآن. فلا شك أن كلامه هذا يحمل من السخف والحماقة ما يشبه هذا المثال:
إن بنّاءً شيد قصراً فخماً، أحجاره من جواهر مختلفة، ووضع تلك الأحجار في أوضاع وزينها بزينة ونقوش موزونة تتعلق بجميع نقوش القصر الرفيعة، ثم دخل ذلك القصر من يقصر فهمه عن تلك النقوش البديعة، ويجهل قيمة جواهره وزينته. وبدأ يبدّل نقوش الأحجار واوضاعها، ويجعلها في نظام حسب أهوائه حتى غدا بيتاً اعتيادياً. ثم جمّله بما يعجب الصبيان من خرز تافه، ثم بدأ يقول: انظروا إن لي من المهارة في فن البناء ما يفوق مهارة باني ذلك القصر الفخم، ولي ثروة أكثر من بنّاء القصر! فانظروا إلى جواهري الثمينة!
لا شك أن كلامه هذا هذيان بل هذيان مجنون ليس إلا.
من كتاب الكلمات (الكلمة الخامسة والعشرون) لبديع الزمان سعيد النورسي، رحمه الله.
ترجمة الأستاذ إحسان قاسم الصالحي.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:35 PM
قصة ابن المقفع ومحاولة تقليد القرآن الكريم

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1199395782546507237_62a7a839cb_m.jpgيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )[الإسراء : 88].
إن أول خاصة يتنبه إليها الباحث في العلوم القرآنية هو ذلك التحدي الصريح إلى الناس كافة، منذ أربعة عشر قرنا، وبخاصة أولئك الذين ينكرون رسالة القرآن، ولم يستطع أحد من عباقرة البشر أن يرد التحدي إلى الآن. لقد أعلن القرآن بصوت عال، لا إبهام فيه ولا غموض :
قال تعالى :(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة : 23].
إنه أغرب تحد في التاريخ، وأكثره إثارة للدهشة، فلم يجرؤ أحد من الكتاب في التاريخ الإنساني – وهو بكامل عقله – أن يقدم تحديا مماثلا، فإن مؤلفا ما لا يمكن أن يضع كتابا، يستحيل علي الآخرين أن يكتبوا مثله، أو خيرا منه.. فمن الممكن إصدار مثيل من أي عمل إنساني في أي مجال، ولكن حين يدعي أن هناك كلاما ليس في إمكان البشر الإتيان بمثله ثم تخفق البشرية علي مدي التاريخ في مواجهة هذا التحدي، حينئذ يثبت تلقائيا أنه كلام غير إنساني وأنها كلمات صدرت عن صميم المنبع الإلهي Divineorigin، وكل ما يخرج من المنبع الإلهي لا يمكن مواجهة تحدياته.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:35 PM
وفي صفحات التاريخ بعض الوقائع، غر أصحابها الغرور فانطلقوا يواجهون هذا التحدي.ومن هذه الوقائع قصة ابن المقفع(1) فقد أوردها المستشرق (ولاستن) في كتابه وعلق عليها قائلا:
(. . . إن اعتداد محمد بالإعجاز الأدبي للقرآن لم يكن علي غير أساس، بل يؤيده حادث وقع بعد قرن من قيام دعوة الإسلام(2).
والحادث كما جاء عن لسان المستشرق هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير القرآن الكبير في عامة الناس فقرروا مواجهة تحدي القرآن، واتصلوا لإتمام خطتهم بعبد الله بن المقفع(727م)، وكان أديبا كبيرا وكاتبا ذكيا. يعتد بكفائته فقبل الدعوة للقيام بهذه المهمة. . وأخبرهم أن هذا العمل سوف يستغرق سنة كاملة واشترط عليهم أن يتكفلوا بكل ما يحتاج إليه خلال هذه المدة. .
ولما مضي علي الاتفاق نصف عام عادوا إليه، وبهم تطلع إلي معرفة ما حققه أديبهم لمواجهة تحدي رسول الإسلام ؛ وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل، وجدوه جالسا والقلم في يده وهو مستغرق في تفكير عميق، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه علي الأرض، بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة كتبها ثم مزقها.
لقد حاول هذا الكاتب العبقري أن يبذل كل مجهود عساه أن يبلغ هدفه، وهو الرد علي تحدي القرآن المجيد... ولكنه أصيب بإخفاق شديد في محاولته هذه، حتي اعترف أمام أصحابه، والخجل والضيق يملكان عليه نفسه أنه، علي الرغم من مضي ستة أشهر حاول خلالها أن يجيب علي التحدي، فإنه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن ! وعندئذ تخلي ابن المقفع عن مهمته مغلوبا مستخذيا. (3).
المصدر: نقلا عن كتاب الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان.
الهوامش:
(1) أبو محمد عبدا الله المعروف بابن المقفع، مؤلف وكاتب من البصرة تقول بعض المصادر أن والده كان من أصل فارسي مجوسي لقب أبوه بالمقفع لأنه اتهم بالاختلاس لمال الخراج، فضرب على يده فتشنجت
(2)Mohammad:His Life & Doetrinep.143
(3) وردت فى التاريخ أمثلة أخرى حاول أصحابها مواجهة هذا التحدى , غير أنهم أخفقوا إخفاقا ذريعا ومن هؤلاء مسيلمة بن حبيب الكذاب , وطلحة بن خويلد الأسدى والنضر بن الحارث وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندى , وأبو الطيب المتنبى , وأبو العلاء المعرة , صاحب كتاب " الفصول والغايات فى مجاراة السور والآيات " أنظر للتفصيل كتاب الرافعى : إعجاز القرآن ـ المترجم .

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:37 PM
من أغراض القصة في القرآن الكريم

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1198704025136404621_cbef3e22ff_m.jpgبقلم سيد قطب رحمه الله
_ كان من أغراض القصة إثبات الوحي والرسالة. فمحمد _ صلى الله عليه وسلم _ لم يكن كاتباً ولا قارئاً، ولا عرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى؛ ثم جاءت هذه القصص في القرآن _ وبعضها جاء في دقة وإسهاب كقصص إبراهيم ويوسف وموسى وعيسى. فورودها في القرآن اتخذ دليلاً على وحي يوحى... والقرآن ينص على هذا الغرض نصَّاً في مقدمات القصص أو في أعقابها.
جاءت في أول سورة "يوسف": "إنا أنزلناه قرآنا عربيَّاً لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنتَ من قبله لمن الغافلين".
وجاء في سورة القصص" قبل عرض قصة موسى: "نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون". وبعد انتهائها "وما كنتَ بجانب الغرْبيّ إذ قضينا إلى موسى الأمرَ، وما كنتَ من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قروناً فتطاوَلَ عليهمُ العمرُ، وما كنت ثاوياً في أهل مَدْيَنَ تتلو عليهم آياتنا، ولكنا كنا مرسلين. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا, ولكنْ رحمةً من ربك، لتنذرَ قوماً ما أتاهم من نذير منْ قبلكَ لعلهم يتذكرون".
وجاء في سورة "آل عمران" في مبدأ عرضه لقصة مريم: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنتَ لديْهم إذ يُلقون أقلامَهم أيهم يكفلُ مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون".
وجاء في سورة "ص" قبل عرض قصة آدم: "قل هو نَبأ عظيمُ. أنتم عنه معرضون. ما كان ليَ منْ علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون. إنْ يُوحى إليَّ إلا إنَّما أنا نذير مبين. إذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بَشراً من طين...".
وجاء في سورة "هود" بعد قصة نوح: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك،ما كنتَ تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا".
2 _ وكان من أغراض القصة: بيان أن الدين كله من عند الله، من عهد نوح إلى عهد محمد. وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع، وكثيراً ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في صورة واحدة، معروضة بطريقة خاصة، لتؤيد هذه الحقيقة. ولما كان هذا غرضاً أساسياً في الدعوة، وفي بناء التصور الإسلامي فقد تكرر مجيء هذه القصص، على هذا النحو، مع اختلاف في التعبير، لتثبيت هذه الحقيقة وتوكيدها في النفوس.
نضرب لذلك مثلاً ما جاء في سورة "الأنبياء":
"ولقد آتينا موسى وهارونَ الفُرقان وضياء وذكراً للمتقين، الذين يخشوْن ربهم بالغيب، وهم من الساعةُ مشفقون. وهذا ذكرٌ مبارَك أنزلناه أفأنتم له منكرون؟
"ولقد آتينا إبراهيمَ رُشْدَه من قبلُ، وكنا به عالمين. إذ قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا: وجدْنا آباءنا لها عابدين" إلى قوله: "وأرادوا به كيْداً فجعلناهم الأخسرين، وَنجيَّناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. ووهبنا له إسحاق ويعقوبَ نافلةً وكلاً جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمةً يَهدوُن بأمرنا، وأوحينا إليهم فعلَ الخيرات، وإقامَ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانوا لنا عابدين.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:38 PM
3 _ وكان من أغراض القصة بيان أن الدين كله موحد الأساس _ فضلاً على أنه كله من عند إله واحد _ وتبعاً لهذا كانت ترد قصصَ كثير من الأنبياء مجتمعة كذلك. مكررة فيها العقيدة الأساسية، وهي الأيمان بالله الواحد على نحو ما جاء في سورة "الأعراف":
"لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا اللهَ ما لَكم من إله غيره... إلخ".
"وإلى عاد أخاهم هوداً" يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره... إلخ"
فهذا التوحيد لأساس العقيدة، يشترك فيه جميع الأنبياء في جميع الأديان، وترد قصصهم مجتمعة في هذا السياق. لتأكيد ذلك الغرض الخاص.
4 _ وكان من أغراض القصة بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة؛ وأن استقبال قومهم لهم متشابه _ فضلاً على أن الدين من عند إله واحد، وأنه قائم على أساس واحد _ وتبعاً لهذا كانت ترد قصص كثير من الأنبياء مجتمعة أيضاً، مكررة فيها طريقة الدعوة. على نحو ما جاء في سورة "هود".
"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه: إني لكم نذير مبين. ألا تعبدوا إلا الله. إني أخاف عليكم عذابَ يوم أليم. فقال الملأ الذين كفروا من قومه، ما نَراك إلا بَشراً مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذُلنا باديَ الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين"... إلى أن يقول: "ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله، وإلى أن يقولوا له: " يا نوحُ قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، فائتنا بما تعدُنا إن كنت من الصادقين"... إلخ.
"وإلى ثمودَ أخاهم صالحاً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا إليه. إن ربيً قريبٌ مجيب. قالوا: يا صالحُ، قد كنتَ فينا مَرْجُواً قبل هذا. أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، وإننا لفي شكّ مما تدعونا إليه مريب"... إلخ.
5 _ وكان من أغراض القصة بيان الأصل المشترك بين دين محمد ودين إبراهيم بصفة خاصة، ثم أديان بني إسرائيل بصفة عامة؛ وإبراز أن هذا الاتصال أشد من الاتصال العام بين جميع الأديان. فتكررت الإشارة إلى هذا في قصص إبراهيم وموسى وعيسى:
"إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى". "أم لم يُنبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفي. ألا تَزرُ وازرةٌ وزْرَ أخرى". "إن أوْلى الناس بابراهيمَ للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا". "ملةَ أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل". "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين..." إلى أن يقول: "وأنزلنا إليك الكتابَ بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومُهيمناً عليه".
6 _ وكان من أغراض القصة بيان أن الله ينصر أنبياءه في النهاية ويهلك المكذبين، وذلك تثبيتاً لمحمد، وتأثيراً في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان : "وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادَك. وجاءك في هذه الحق وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين". وتبعاً لهذا الغرض كانت ترد قصص الأنبياء مجتمعة، مختومة بمصارع من كذبوهم. ويتكرر بهذا عرض القصص كما جاء في سورة "العنكبوت":
"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فَلبثَ فيهم ألفَ سنة _ إلا خمسين عاماً _ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فأنجيناه وأصحابَ السفينة، وجعلناها آية للعالمين".
وإبراهيمَ إذ قال لقومه: اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون..." إلى أن يقول: "فما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرّقوه. فأنجاه الله من النار. إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون"... إلخ.
"فكلاً أخذْنا بذنبه. فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحةُ، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا. وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يَظلمون". وتلك هي النهاية الواحدة للمكذبين.
7 _ وكان من أغراض القصة تصديق التبشير والتحذير، وعرض نموذج واقع من هذا التصديق، كالذي جاء في سورة "الحجر":
"نَبئ عبادي أني أنا الغفورُ الرحيمُ، وأن عذابي هو العذاب الأليم..." فتصديقاً لهذا وذلك، جاءت القصص على النحو التالي:
"ونبَئهم عن ضيف إبراهيم، إذ دخلوا عليه، فقالوا: سلاماً. قال: إنَّا منكن وجلون. قالوا: لا توْجَلْ. إنا نبشرك بغلام عليم"... إلخ. وفي هذه القصة تبدو "الرحمة".
ثم: "فلما جاء ألَ لوط المرسلون. قال إنكم قومٌ منكرون. قالوا: بل جئناك بما كانوا فيه يَمترون، وأتيناك بالحق وإنا لَصادقون. فأسرِ بأهلك بقطع من الليل، واتبّعْ أدبارهم، ولا يلتفتْ منكم أحدٌ، وامضوا حيث تُؤمرون. وقضينا إليه ذلك الأمرَ: أن دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مٌصبْحين..." وفي هذه القصة تبدو "الرحمة" في جانب لوط، ويبدو "العذاب الأليم" في جانب قومه المهلكين.
8 _ وكان من أغراض القصة بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه، كقصص سليمان وداود وأيوب وإبراهيم ومريم وعيسى وزكريا ويونس وموسى، فكانت ترد حلقات من قصص هؤلاء الأنبياء تبرز فيها النعمة في مواقف شتى، ويكون إبرازها هو الغرض الأول، وما سواه يأتي في هذا الموضع عرضاً.
9 _ وكان من أغراض القصة، تنبيه أبناء أدم إلى غواية الشيطان، وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم آدم، وإبراز هذه العداوة عن طريق القصة أروع وأقوى، وأدعى إلى الحذر الشديد من كل هاجسة في النفس تدعو إلى الشر، وإسنادها إلى هذا العدو الذي لا يريد بالناس الخير!
ولما كان هذا موضوعاً خالداً، فقد تكررت قصة آدم في مواضع شتى.
10 _ وكان للقصة أغراض أخرى متفرقة: منها:
بيان قدرة الله على الخوارق: كقصة خلق آدم، وقصة مولد عيسى. وقصة إبراهيم والطير الذي آبَ إليه بعد أن جعل على كل جبل منه جزءاً. وقصة "الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها". وقد أحياه الله بعد موته مائة عام.
وبيان عاقبة الطيبة والصلاح، وعاقبة الشر والإفساد. كقصة ابني آدم. وقصة صاحب الجنتين. وقصص بني إسرائيل بعد عصيانهم. وقصة صد مأرب. وقصة أصحاب الأخدود.
وبيان الفارق بين الحكمة الإنسانية القريبة العاجلة، والحكمة الإلهية البعيدة الغيبة. كقصة موسى مع "عبد من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدُنا علماً" وسنعرضها بالتفصيل في مناسبة أخرى.
إلى آخر هذه الأغراض التي كانت تساق لها القصص فتفي بمغزاها.
----------------------------------
المصدر : التصوير الفني في القرآن

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:39 PM
البلاغة في القرآن الكريم - قل سيروا في الأرض

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1190577563photo3.gifالشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله
قال تعالى : ( قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام : 11] .. لماذا لم يقل الله : قل سيروا على الأرض .. هل أنا أسير في الأرض .. أو على الأرض .. حسب مفهوم الناس جميعا .. فأنا أسير على الأرض .. ولكننا نجد أن الله قد استخدم كلمة في .. ولم يستخدم كلمة على .. يقول : سيروا في الأرض ( ففي ) تقتضي الظرفية .. والمعنى يتسع لأن الأرض ظرف المشي .. ومن هنا فإن التعبير جائز .. ولكن ليس في القرآن كلمة جائز .. فالتعبير بقدر المعنى تماما .. والحرف الواحد يغير المعنى وله هدف .. وقد تم تغييره لحكمة لكن ما هي حكمة استخدام حرف ( في ) بدل من حرف ( على ) .. ؟ عندما تقدم العلم وتفتح وكشف الله أسرار الأرض وأسرار الكون .. عرفنا أن الأرض ليس مدلولها المادي فقط .. أي أنها ليست الماء والأرض .. أو الكرة الأرضية وحدها .. ولكن الأرض هي بغلافها الجوي .. فالغلاف الجوي جزء من الأرض يدور معها ويلازمها .. ومكمل للحياة عليها .. وسكان الأرض يستخدمون الخواص التي وضعها الله في الغلاف الجوي في اكتشافاتهم العلمية .. والدليل على ذلك أنك إذا ركبت الطائرة فإنها ترتفع بك 30 ألف قدم مثلا عن سطح الأرض .. ولكنك تقول أنت تطير في الأرض .. متى تخرج من الأرض علميا وحقيقة .. عندما تخرج من الغلاف الجوي للكرة الأرضية مادمت أن في الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية .. فأنت في الأرض .. وليست خارج الأرض .. فإذا خرجت من الغلاف الجوي .. فأنت في هذه اللحظة التي تخرج فيها خارج الأرض .. الغلاف الجوي متمم للأرض .. وجزء منها .. ويدور معها نعود إلى الآية الكريمة ونقول : لماذا استخدم الله سبحانه وتعالى لفظ في ولم يستخدم لفظ على .. ؟ لأنك في الحقيقة تسير في الأرض .. وليس على الأرض .. هذه حقيقة علمية لم يكن يدركها العالم وقت نزول القرآن .. ولكن الله سبحانه وتعالى هو القائل .. وهو الخالق يعرف أسرار كونه .. يعلم أن الإنسان يسير في الأرض .. أنه يسير على سطح الأرض .. ومن هنا فهو يسير في الأرض التي هي جزء آخر .. وهكذا نجد دقة التعبير في القرآن في حرف .. ونجد معجزة القرآن في حرف

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:40 PM
وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1185857311300px-helium_atom_qm.svg.png
صورة مكبرة لذرة الهليوم بواسطة المجهر الإلكتروني

قال الله تعالى:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(يونس: 61)
وقال جل جلاله:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(سبأ: 3)
أولاً- الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين هي خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وهو شامل لأهل الأرض جميعهم في كل زمان ومكان. وسياقها في تقرير الوحي، وإلزام المنكرين له من المشركين بالدليل العقلي. ومناسبتها لما قبلها أن الله تعالى، لما ذكر جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم، والرد عليهم ومحاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وذكر فضله تعالى على الناس، وأن أكثرهم لا يشكره على فضله، أخبر سبحانه عن عظيم اطلاعه على الخواطر، وما يجري في الضمائر، فذكر اطلاعه على أحوالهم، وحال الرسول صلى الله عليه وسلم معهم في مجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى شاهد على جميع أعمالهم، لا يخفى عليه جل شأنه خاطر، ولا ضمير، ولا يغيب عنه عمل من الأعمال. ثم أخبر جل وعلا عن سلطان علمه الواسع لكل شيء، وإحاطته بكل شيء، على سبيل الاستغراق والشمول، مقرِّرًا بذلك سبحانه أن كل شيء في الأرض والسماء صغر أو كبر، لا يخرج عن دائرة علمه، خاضع لرقابته، محفوظ برعايته.
وأما الآية الثانية فتحكي إنكار الذين كفروا للساعة، وكفرهم بنعمة الآخرة، وردَّ الله تعالى عليهم بتوكيد مجيئها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قد أخبرهم عن وقوع البعث، فأنكروه، ونفوه بقولهم:﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾، على سبيل القطع والجزم، مع جهلهم بالغيب؛ لأن البعث كان عندهم من المحال، فجاء الرد عليهم قويًا بقوله تعالى:﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾، وهو تأكيد لإتيان الساعة على أتم الوجوه وأكملها. وجاء القسم بالرب جل وعلا، للإشارة إلى أن إتيان الساعة من شؤون الربوبية، وأتى به مضافًا إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليدل على شدة القسم. ثم عقَّب سبحانه على ذلك بقوله:﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾؛ ليعلم الناس جميعًا أن إتيان الساعة من الغيب، الذي تفرَّد به الله، الذي يعلم ببواطن الأمور دقيقها وجليلها؛ وكأنه قيل: وربي العالم بوقت قيامها، لتأتينكم، وأكد سبحانه ذلك زيادة تأكيد بأن علمه جل وعلا محيط بجميع الأشياء من الكليات والجزئيات على سبيل الاستغراق والشمول؛ وذلك لأنه سبحانه، إذا كان عالمًا بجميع الأشياء، فعلمه بأجزاء الأحياء، وقدرته على جمعها من باب أولى.
ويتضح مما تقدَّم أن الغرض من نفي العزوب عن الله جل وعلا في الآيتين هو إقامة الدليل على أن علم الله تعالى محيط بكل شيء من الكليات والجزئيات، على سبيل الاستغراق والشمول، وأنه ما من شيء في هذا الكون إلا وواقع في دائرة علمه، خاضع لرقابته، محفوظ برعايته سبحانه. وقد جاء ذلك موضحًا في آيات أخرى؛ كقوله تعالى:
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾، ﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾، ﴿ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾، سبحانه وتعالى!
ثانيًا- وقرأ الجمهور:﴿ يَعْزُبُ ﴾، في الآيتين، بضم الزاي فيهما، وقرأ الكسائي:﴿ يَعْزِبُ ﴾، بكسر الزاي، وهما لغتان. يقال:{ عزَب الشيء يعزُب، ويعزِب }، مثل:{ عكَف يعكُف، ويعكِف }. ومعناه، على قراءة الضم: يعزُب عزوبًا قويًّا، وعلى قراءة الكسر: يعزِب عزوبًا ضعيفًا.
وأصل العزوب: البعد مع تنحٍّ وشرود. قال ابن فارس:” العين والزاء والباء أصل صحيح، يدل على تباعدٍ وتنَحٍّ. يقال: عَزَب يعزُبُ عُزُوبًا. والعَزَب: الذي لا أهلَ له. وقد عَزَبَ يَعْزُبُ عُزوبَةً.. يقال: عَزَب حلْم فلان. أي: ذهب. وأعْزَبَ الله حلْمَه. أي: أذهَبَه. والعازب من الكلأ: البَعِيد المَطْلَب.. وكلُّ شيء يفوتُك لا تَقْدِر عليه فقد عَزَب عنك “.
ويقال: عزب الرجل بإبله، إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل. وسمِّي الرجل عزبًا لبعده عن الأهل، وعزب الشيء عن علمي، إذا بعد. وفي الحديث:” من قرأ القرآن في أربعين يومًا، فقد عزَب “. أي: بعُد عهدُه بالختمة. أي: أبطأ في تلاوته.
فعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى:﴿ مَا يَعْزُبُ ﴾: ما يبعد ، وما يندُّ. وكذلك قوله:﴿ لَا يَعْزُبُ ﴾ معناه: لا يبعد ، ولا يندُّ. وقيل: معناهما: ما يغيب، بلغة كنانة. وقيل: ما يخفى؛ كقوله تعالى:
﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(النمل: 75)
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾(آل عمران: 5)
والفرق بينهما، وبين العزوب، أن الشيء قد يكون غائبًا عنك، أو خافيًا عليك، وهو قريب منك، وليس كذلك العزوب.
ونفي ذلك كله عنه سبحانه مستلزم لثبوت علمه، ومتضمِّن لكماله. وإذا كان كذلك، فهو صفة مدح له جل وعلا. والنفي لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوتًا؛ وإلا فالنفي المحض لا مدح فيه.. وهكذا كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده؛ كقوله تعالى:﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾(البقرة: 255)، فنفي أخذ السَّنَة والنوم له سبحانه مستلزم لثبوت صفة حياته وقيوميته، ومتضمِّن لكمالهما. وقوله تعالى:﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾(ق: 38) مستلزم لثبوت صفة قدرته، ومتضمِّن لكمالها. وقوله تعالى:﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾(الكهف: 49) مستلزم لثبوت صفة عدله، ومتضمِّن لكمالها.. ونظائر ذلك كثيرة.
ومثقال كل شيء ميزانه من مثله. ومثقال ذرة، أو حبة. أي: وزنهما. قال تعالى:﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(النساء: 40).
وقال تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾(الأنبياء: 47)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:41 PM
ومن وصية لقمان لابنه قوله:﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾(لقمان: 16)
وفي الدُّرِّ المنثور للسيوطي: أخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر “.
والمثقال- في الأصل- اسم آلة لما يعرف به مقدار ثِقَل الشيء، أيَّ شيء كان من قَلِيل، أو كثير. والناس يُطْلقونه في العُرف على الدّينار خاصَّة وليس كذلك. ووزنه: مِفعال، من الثِّقَل، كالمقدار من القدْر. وعبَّر سبحانه عن ذلك بالمثقال، ولم يعبر عنه بالمقدار ونحوه، للإشارة بما يفهم منه من الثقل، الذي يعبر به عن الكثرة والعظم؛ كما في قوله تعالى:﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه ﴾(القارعة: 6). ويطلق المِثقال على مطلق المقدار، وهو المراد هنا. ويطلَق على المقدار المعلوم، الذي لم يختلف جاهلية وإسلامًا. وقيل هو في الشرع أربعة وعشرون قيراطًا، أخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر. قال الألوسي:” والصحيح أنه لم يختلف جاهلية وإسلامًا، فقد نقل الجلال السيوطي عن الرافعي أنه قال: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية، ولا في الإسلام “.
والذرة في قول أكثر اللغويين والمفسرين هي النملة. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله:﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾، قال: نملة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله:﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾، قال: رأس نملة خضراء. وقيل: هي بيضة النملة، التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء. وقيل: الذرة هي الخردلة.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” يا أيها الناس ! لا تغتروا بالله؛ فإن الله، لو كان مغفلاً شيئًا، لأغفل البعوضة، والذرة، والخردلة “، فدل على أن الذرة غير الخردلة.
وأخرج هنَّاد عن ابن عباس في قوله:﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، وقال: كل من هؤلاء مثقال ذرة.
وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان، قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين، وفي يده عنقود من عنب، فناوله منه حبة، وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة.
وأخرج سعد عن عطاء بن فروخ أن سعد بن مالك أتاه سائل، وبين يديه طبق عليه تمر، فأعطاه تمرة، فقبض السائل يده، فقال سعد: ويحك ! تقبل الله منا مثقال الذرة والخردلة، وكم في هذه من مثاقيل الذر !
وقد أثبت العلم أخيرًا أن الذرة هي إحدى الوحدات الأساسية، التي تساهم في بناء المادة، وأن كل شيء في هذا الكون مكوَّن من بلايين الذرات، وهي جسيمات دقيقة جدًا، يستحيل على المرء أن يراها، حتى باستخدام أقوى الميكروسكوبات.
وقد كان الاعتقاد السائد قديمًا أن الذرة هي أصغر شئ يتصور عقلُ الإنسان وجودَه من المادة، وأنه لا شئ أصغر منها حجمًا ووزنًا، وأنها غير قابلة للتجزئة، وقد ظل هذا الاعتقاد سائدًا إلى القرن التاسع عشر. وفي أوائل القرن العشرين حول كثير من علماء الطبيعة اهتمامهم إلى دراسة الذرة، وخواصِّها، وإمكانية تجزئتها، فظهر لهم أن بعض المواد، كالراديوم واليورانيوم، تتجزأ من تلقاء نفسها، وتخرج منها جسيمات ذات كهرباء موجبة تسمى:{ ألفا }، وجسيمات ذات كهرباء سالبة تسمى:{ بيتا }، وأشعة تسمى:{ جاما }. وتبين لهم أن الذرة، تلك الشئ الضئيل، الذى لا يمكن أن يرى بالعين المجردة، مادة قابلة للتجزئة، وأنها تحتوي على الدقائق التالية: الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات. وهذا ما يجعل منها قوة رهيبة، يمكن استخدامها لدمار العالم، أو عماره.
ونقرأ قوله تعالى:﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾، فنجد في لفظ ﴿ أَصْغَر ﴾ تصريحًا واضحًا بإمكان تحطيم الذرة وتجزئتها. كما يشير قوله تعالى:﴿ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾ إلى أن خواص الذرات الموجودة في الأرض هي خواص الذرات الموجودة في الشمس والنجوم والكواكب نفسها. أي: أنها تحتوي على الأنواع، التي ذكرناها آنفًا. كل ذلك وغيره مثبت في علم الله تعالى، أو في اللوح المحفوظ، الذي اشتمل على معلومات الله تعالى.
ثالثًا- وفي قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ في الآية الأولى، وقوله تعالى:﴿ عَالِِمِِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ في الآية الثانية ما يسأل عنه: لماذا جاء النفي في الجملة الأولى بـ{ مَا }، وفي الجملة الثانية بـ{ لَا } ؟ وهل من فرق بينهما ؟
ولم أر أحدًا من المفسرين، أو النحويين- قديمًا وحديثًا- تعرض للإجابة عن هذا السؤال سوى الدكتور فاضل السامرائي في كتابه:( لمسات بيانية )، ويتلخَّص بما يأتي:
أولاً- الفرق بين { ما يعزب }، و{ لا يعزب }:
في آية يونس استخدم ( ما )، أما في سورة سبأ استخدمت ( لا )، والسبب أن في الأولى جاء سياق الكلام عن مقدار إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، كما جاء في أول الآية:( وما تكون في شأن ). أما في الآية الثانية في سورة سبأ فالسياق في التذييل والتعقيب على الساعة.
في آية سبأ:( لا تأتينا الساعة ) نفوا شيئًا مستقبليًّا، فرد عليهم بـ( لا ): ( لا يعزب )، ثم إنه أقسم بقوله:( بلى وربي )، جوابه في المضارع:( لتأتينكم )، وجوابه في النفي:( لا ).. إذن اقتضى المقام كله النفي بـ( لا )، فناسبت الآية( لا ) من كل جهة: الاستقبال. والقسم المتقدم إثباته وجوابه.. أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل، بل عن الحال، فناسب أن يأتي بـ( ما ).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:42 PM
ثانيًا- وأما عن الفرق بين{ من مثقال }، و{ مثقال } فأجاب بأن( من ) هذه هي من الزائدة الاستغراقية، التي تفيد الاستغراق والتوكيد.. وسبب مجيئها في الأولى دون الثانية: أن آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة.. أما سورة يونس فالكلام أصلاً عن سعة علم الله عز وجل، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء.. وسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد، والإتيان بـ( من ) الاستغراقية.
هذا ملخَّص لما أجاب به الدكتور فاضل، وقد سبق أن ذكرت في الفقرة الأولى من هذا المقال أن الغرض من نفي العزوب عن الله جل وعلا في الآيتين هو إقامة الدليل على إحاطة علم الله جل وعلا بكل شيء، من الكليات والجزئيات، على سبيل الاستغراق والشمول، وأنه ما من شيء في هذا الكون إلا وواقع في دائرة علمه، خاضع لرقابته، محفوظ برعايته سبحانه. فلو كان سبب نفي العزوب في آية يونس بـ{ ما } أنها جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم، لوجب أن ينفى العزوب في آية سبأ بـ{ ما } أيضًا، كما نفي بها في آية يونس. ولوجب أن تؤكد آية سبأ بـ{ من } الاستغراقية، كما أكدت سورة يونس بها.
وإذا كان التركيز الأكبر في سورة يونس على قضية العقيدة والوحي، وإنكار المشركين له، فإن التركيز الأكبر في سورة سبأ على قضية البعث والجزاء، وعلى إحاطة علم الله تعالى وشموله، ودقته ولطفه. وتتكرر الإشارة في السورة إلى هاتين القضيتين المترابطتين بطرق منوعة، وأساليب شتى، وتظلل جو السورة كله من البدء إلى النهاية.
فعن قضية البعث والجزاء ورد قوله تعالى:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾(سبأ: 3) ، وقوله تعالى:﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾(سبأ: 4)
وعن قضية العلم الإلهي الشامل ورد قوله تعالى في مطلع السورة:﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾(سبأ: 2). وورد قوله تعالى تعقيبًا على التكذيب بمجيء الساعة:﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.. ﴾(سبأ: 3). وورد قوله قرب ختام السورة:﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾(سبأ: 48).
فكيف يقال بعد هذا:” آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة. الكلام في التعقيب على الساعة.. أما سورة يونس فالكلام أصلًا عن سعة علم الله عز وجل، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء.. فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد، والإتيان بـ( من ) الاستغراقية “ ؟!
أليس الكلام على الساعة هو من الكلام على الغيب، والعلم بها من العلم بالغيب ؟! ألم يأت نفي العزوب في آية سبأ:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ عقب قوله تعالى:﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾(سبأ: 3). ثم ألم تأت هذه الآية عقب قوله تعالى:﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾(سبأ: 2). ألا يدل ذلك كله على أن السياق في سورة سبأ هو سياق إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، على سبيل الاستغراق والشمول ؟!
وأما القول بأن { لا } مطلقة، تكون للاستقبال، وقد تكون للحال، وأن { ما } تكون للحال، فهو قول جمهور النحاة والمفسرين. وكان الزمخشري، ومعظم المتأخرين قد نصّوا على أن { ما }، إذا دخلت على المضارع، أخلصته للحال، وأن { لا }، إذا دخلت عليه، أخلصته للاستقبال، وهو ظاهر قول سيبويه في ( باب نفي الفعل ) من كتابه:” إذا قال: هو يفعل. أي: هو في حال فعل، فإنَّ نفيه: ما يفعل. وإذا قال: هو يفعل، ولم يكن الفعل واقعًا، فنفيه: لا يفعل. وإذا قال: ليفعلنَّ، فنفيه: لا يفعل؛ كأنه قال: والَّله ليفعلنَّ، فقلت: والَّله لا يفعل “.
وذهب الأخفش، والمبرد، وتبعهما ابن مالك إلى أن ذلك ليس بلازم؛ بل قد يكون المنفي بـ{ لا } للحال؛ كقولهم:{ جاء زيد لا يتكلم }. وعلى ذلك حملوا آيات؛ منها قول سليمان عليه السلام:﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾(النمل: 20).. وذهب ابن مالك إلى أن المنفي بـ{ ما } قد يكون مستقبلاً على قلة؛ كقوله تعالى آمرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم:﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي ﴾(يونس:15).
وأجيب عن الجمهور بأنهم إنما جعلوا{ ما } مخلصة للحال، و{ لا } مخلصة للاستقبال، إذا لم يوجد قرينة غيرها، تدل على غير ذلك. وأجيب عن سيبويه بأنه إنما نبَّه إلى الأوْلى، في رأيه، والأكثر في الاستعمال.
وتحقيق القول في هذه المسألة أن بناء المضارع لا يدل بصيغته على الحال، أو الاستقبال، إذا لم يوجد معه قرينة تقيده بأحدهما، وتقصره عليه؛ وإلا فإنه يدل على الدوام والاستمرار، بلا انقطاع؛ لأنه موضوع لما هو كائن، لم ينقطع. ويستوي في ذلك المثبت، والمنفي فإذا قلت:{ فلان يعطي، ويمنع }، فمعناه: أنه في حالة عطاء، ومنع دائمين مستمرين، غير منقطعين. وإذا قلت في النفي:{ ما يعطي، ولا يمنع }، دل على دوام نفي العطاء والمنع واستمرارهما، بلا انقطاع. ولا فرق في ذلك بين المنفيِّ بـ{ ما }، والمنفيِّ بـ{ لا }.
تأمل قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾(المدّثر: 3)، كيف نفى سبحانه العلم بجنوده عن مخلوقاته بـ{ ما }، وأثبته لنفسه سبحانه على سبيل الحصر. ثم تأمل قوله تعالى في آية أخرى:﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾(النمل: 65)، كيف نفى سبحانه العلم بالغيب عن مخلوقاته بـ{ لا }، وأثبته لنفسه سبحانه على سبيل الحصر. ثم استأنف تعالى قوله:﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾(النمل: 65)، فنفى سبحانه عن الكافرين، أو معبوداتهم شعورهم بوقت بعثهم بـ{ ما }.
ولما كان بناء الماضي المثبت لا يدل بصيغته على الديمومة والاستمرار، عُدِلَ عن منفيه إلى المضارع المنفي، في نحو قوله تعالى:﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾(الأنفال: 21). أي: لا تكونوا كالذين يدَّعون السماع، وهم لا يسمعون.
قال أبو حيان:” وجاءت الجملة النافية على غير لفظ المثبتة؛ إذ لم تأتِ{ وهم ما سمعوا }؛ لأن لفظ المضيِّ لا يدل على استمرار الحال، ولا ديمومته، بخلاف نفي المضارع. فكما يدل إثباته على الديمومة في قولهم:{ هو يعطي، ويمنع }، كذلك يجيء نفيه “.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:42 PM
وأما قوله عقب ذلك:” وجاء حرف النفي { لا }؛ لأنها أوسع في نفي المضارع من { ما }، وأدلُّ على انتفاء السماع في المستقبل “ فليس كما قال؛ لأن { لا }، وإن كانت أوسعَ من { ما } في نفي المضارع، وأدلَّ على انتفاء السماع في المستقبل، فإن المراد من الآية نفي السماع عنهم على الدوام والاستمرار، بلا انقطاع. وإذا كان كذلك، فليس من فرق بين نفي المضارع بـ{ ما }، وبين نفيه بـ{ لا }.
وقد كان من حقِّ النفي في قوله تعالى:﴿ وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ أن يأتي بـ{ ما }، فيقال:{ وهم ما يسمعون }؛ لأنه من مواضعها، فهو جواب عن دعوى، وهو قولهم:﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾. أي: ادَّعوا السماع؛ ولكن عدل عنه إلى{ لا }؛ لأن هذه تدل على شمول النفي، واستغراقه لكل جزء من أجزاء الزمن بدون قرينة تصحبها، خلافًا لـ{ ما }، فإنها لا تدل على الشمول والاستغراق إلا بوجود قرينة؛ كأن يقال مثلاً:{ وهم ما يسمعون من شيء }.. فتأمل.
وقد اجتمع النفي، والإثبات في قوله تعالى:﴿ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾(البقرة: 185). فالأول يدل على إثبات الإرادة في الحالة الدائمة المستمرة ، التي لا تتقيَّد بزمن معيَّن، والثاني يدل على نفيها في الحالة نفسها. قال أبو حيان في تعقيبه على هذه الآية:” قالوا:{ يريد }- هنا- بمعنى:{ أراد }، فهو مضارع أريد به المُضيُّ. والأوْلى أن يراد به الحالة الدائمة هنا؛ لأن المضارع هو الموضوع لما هو كائن، لم ينقطع “.
وما قيل في:{ يريد }، يقال مثله في:{ لا يريد }، وفي:{ ما أريد }، من قوله تعالى:﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾(الذاريات: 57). أي: ما أريد منهم عطاءً أنتفع به، ولا أن يطعمون فأنتفع بإطعامهم.
وجاء نفي الإرادة الأولى بـ{ ما }؛ لأن الآية مستأنفة. والاستئناف هو ابتداء كلام آخر، مبيِّن لما قبله ومؤكِّد له، فحكمه حكم الابتداء. و{ ما } النافية لها صدر الكلام مطلقًا بإجماع البصريين، بخلاف { لا }؛ فإنها لا تقع في صدر الكلام إلا في جواب القسم. وأما الإرادة الثانية فجاء نفيها بـ{ ما }؛ لأنها معطوفة مع ما بعدها على ما قبلها. وإنما جاز ذلك؛ لأن الفاعل واحد في المعطوف، والمعطوف عليه. ولولا ذلك، لوجب العطف بـ{ لا }؛ كأن يقال:{ وما أريد منكم... ولا تريدون مني }. وعلى هذا جاء النفي في قوله تعالى:
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ.. ﴾(يونس: 61).
فقوله تعالى:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ كلام مستأنف، وهو عبارة عن خطابين للرسول صلى الله عليه وسلم: الأول منهما عام بجميع شؤونه عليه الصلاة والسلام. والثاني منهما خاص؛ لكنه مندرج تحت عموم الأول. وإنما خُصَّ من العموم؛ لأن القرآن الكريم هو أعظم شؤونه عليه الصلاة والسلام. والغرض منهما بيان الحالة الدائمة المستمرة، التي كان- عليه الصلاة والسلام- عليها في الماضي، والحاضر، والتي يكون عليها في المستقبل؛ ولهذا عطف الثاني على الأول بـ{ ما }.
ومثلهما في ذلك قوله تعالى:﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ إلا أن الخطاب به عام، يشمل أهل الأرض جميعهم، ويدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون دخولاً أوليًّا. والغرض منه بيان الحالة الدائمة المستمرة، التي كان أهل الأرض عليها في الماضي والحاضر، والتي يكونون عليها في المستقبل.
ولأجل ما تقدَّم من نفي الديمومة والاستمرار في الأفعال الثلاثة السابقة، على سبيل الاستغراق والشمول، صيغت تلك الأفعال بصيغ المضارع المنفي، فعمَّ النفي فيها كل جزء من أجزاء الزمن، دون قيد يقيِّده بزمن معيَّن. ويدلك على ذلك الاستثناء في قوله تعالى:﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ فهو استثناء مفرغ من عموم الأحوال، التي اقتضاها عموم الشأن، وعموم التلاوة، وعموم العمل. والمراد: أنه تعالى شاهد- أي: رقيب- على أهل الأرض جميعهم بما كان منهم، وبما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع، يحصي عليهم أعمالهم؛ وكأنه قيل:{ وما كنت وتكون في شأن، وما تلوت، وما تتلو فيه من قرآن، وما عملتم، وما تعملون من عمل؛ إذ أفضتم وتفيضون فيه، إلا كنا عليكم شهودًا }.
ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث، المتعلقة بتلك الأفعال، والواقعة في سياق النفي، أن ما حصل في الماضي، وما يحصل في الحال، والمستقبل من تلك الأفعال سواء، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز.
ولما كان قوله تعالى:﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ فيه تحذير وتنبيه، عدل عن خطاب الخصوص في قوله:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ إلى خطاب العموم بقوله:﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾، وقد روعي في كل من المقامين ما يليق به، فعبَّر في مقام الخصوص في الأول بالشأن؛ لأن عمل العظيم عظيم، وعبَّر في مقام العموم في الثاني بالعمل العام للعظيم والحقير.
ثم واجه تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالخطاب وحده بقوله:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ.. ﴾، تشريفًا له وتعظيمًا. وجاء به منفيًّا بـ{ ما } على سبيل الاستغراق والشمول؛ لأنه استئناف مبيِّن لما قبله ومؤكِّد له.
وقد كان من آثار اختلاف هذا الخطاب خصوصًا وعمومًا، ثم خصوصًا، اختلاف النفي بـ{ ما } في الفعلين:{ ما تكون، وما تتلو }، وبـ{ لا } في الفعل:{ ولا تعملون }، وبـ{ ما } في فعل العزوب:{ وما يعزب }.
وجاء الخطاب في قوله تعالى:{ ولا تعملون } منفيًّا بـ{ لا } بعد الواو العاطفة، دون{ ما }؛ ليدخل فيه الخطابان الأولان. ولو نفي بـ{ ما }، فقيل:{ ما تكون، وما تتلو، وما تعملون }، لكان خطابًا مستأنفًا غير معطوف على ما قبله، وحينئذ لا يصح دخول الخطابين الأولين فيه.
وجاء الخطاب في قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾؛ لأنه استئناف مؤكِّد لما قبله، خلافًا لمن ذهب إلى أنه معطوف؛ لأنه لا يجوز عطف نفي على آخر إلا بـ{ لا }. ولو كان معطوفًا، لوجب أن يقال:{ ولا يعزب عن ربك من مثقال ذرة }؛ كما قيل قبله:﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾. ولما جاء منفيًّا بـ{ ما }، علم أن المراد به الاستئناف، خلافًا لقوله تعالى في آية سبأ:﴿ عَالِمِ الغيب لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾.
وقد سبق أن ذكرت أن قوله تعالى:﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾ جاء تعقيبًا على جملة القسم:﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾؛ ليعلم الناس جميعًا أن إتيان الساعة من الغيب، الذي تفرَّد به الله، الذي يعلم ببواطن الأمور دقيقها وجليلها. فقوله تعالى:﴿ قُلْ بَلَى ﴾ رد لقولهم:﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾، وإثبات لما نفوه. وقوله تعالى:﴿ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ تكرير لإِيجابه، مؤكَّدًا بالقسم، مقرِّرًا لوصف المقسم به بصفات تقرِّر إمكانه، وتنفي استبعاده؛ وكأنه قيل:
{ قل، وربي، العالم بوقت قيامها، لتأتينكم، لا يعزب عنه مثقال ذرة }
فقوله تعالى:﴿ عَالِمِ الغيب لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ هو من جملة الردِّ على قولهم:﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾؛ ولهذا جاء منفيًّا بـ{ لا }؛ لأن من مواضع { لا }- على ما سيأتي- أن تكون ردًّا على كلام سابق.
والفرق بين:﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾، و ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾: أن الأول نفي لإتيان الساعة في المستقبل؛ لأنه مقيَّد بقرينة تدل على ذلك، وهي أنهم أخبروا عن إتيان الساعة في المستقبل؛ لأن إتيانها لا يكون في الحال. وأما الثاني فهو نفي للعزوب في الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنه مطلق، لم يقيَّد بقرينة تدل على حصره في زمن معيَّن.
فإذا تأملت ذلك، تبيَّن لك أنه لا فرق بين قوله تعالى:﴿ مَا يَعْزُبُ ﴾، وقوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ ﴾، من حيث دلالة كل منهما على دوام نفي العزوب واستمراره، على سبيل الاستغراق والشمول، دون قيد يقيِّده بزمن معيَّن.
وأما القول بأن { مَا يَعْزُبُ } هو نفي للعزوب في الحاضر بدليل نفيه بـ{ ما }، وأن { لَا يَعْزُبُ } هو نفي للعزوب في المستقبل بدليل نفيه بـ{ لا }، فهو قول فاسد؛ لأنه يلزم من كل منهما نفي العزوب عن الله سبحانه في زمن، وإثباته له سبحانه في زمن آخر، وهذا باطل.
ومن هنا لا يصح حصر النفي الأول في الحال، والثاني في الاستقبال، إلا بوجود قرينة تقيِّده بأحدهما؛ كأن يقال:{ ما يعزب الآن، ولا يعزب غدًا }. أما إذا قيل:{ ما يعزب، ولا يعزب }، على الإطلاق، فليس للنفي فيهما من دلالة سوى نفي العزوب على الدوام والاستمرار دون قيد.
وإلى نحو هذا أشار الزركشي بقوله:” وقد يُنفَى المضارع مُرادًا به نَفْيُ الدوام؛ كقوله تعالى:﴿ عَالِمِ الغيب لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ “. ثم قال في معرض حديثه عن{ لا }:” وقيل يُنفَى بها الحاضر على التشبيه بـ{ ما }؛ كقولك في جواب من قال:{ زيد يكتب الآن: لا يكتب } “.
ففرَّق بين نفي الدوام، الذي لا يتقيَّد بزمن معيَّن، وبين نفي الحاضر، فالأول مطلق، والثاني مقيَّد. وبذلك يعلم أن أداة النفي ليست بقرينة على معنى الزمن؛ لأن ذلك ليس من وظائفها، وإنما هو من وظائف القرائن اللفظية والمعنوية، التي تصحب الفعل؛ ولهذا تسمَّى قيودًا على الفعل؛ لأنها هي التي تحدِّد علاقته بالزمان.
تأمل قوله تعالى:﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾(إبراهيم: 25)، كيف قيَّد إتيان الشجرة أُكُلَها بالظرف { كل حين }. ولو قيل:{ تؤتي أكلها } على الإطلاق، لدل ذلك على أن هذه الشجرة تؤتي أكلها على الدوام والاستمرار، بلا انقطاع، وهو خلاف المراد.
ثم تأمل قوله تعالى في سورة الجن:﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾(الجن: 9)، كيف قيَّد الجن استماعهم بالظرف { الآن }، فدل على الحال، رغم تعليقه بأداة الشرط. ولو قيل:{ فمن لا يستمع الآن، لا يجد له شهابًا رصدًا }، لما كان بينه، وبين الإثبات فرق، من حيث دلالة كل منهما على الحال.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:43 PM
وأما من ذهب إلى أن { الآن } معناه هنا: القرب مجازًا، فيصح مع الماضي والمستقبل. أو أنه ظرف للحال، واتُّسِع فيه، فاستعمل للاستقبال، فليس بشيء؛ لأن قولهم:﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ ﴾ نصٌّ على الاستماع في الحال، بدليل قولهم قبله:﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ﴾. وكذلك قوله تعالى:﴿ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾(البقرة: 187) هو أمر بمباشرة الفعل في الحال، وإن كان مستقبلاً؛ ولهذا عقَّب تعالى عليه بقوله:﴿ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾(البقرة: 187).
وأما قول سليمان عليه السلام:﴿ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾(النمل: 20) فإنه يدل على نفي الرؤية في الحال؛ لأن المراد: ما لي لا أرى الهدهد الآن. بدليل قوله تعالى قبله:﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ ﴾(النمل: 20). ودلالته على الحال ليست بمستفادة- على ما قيل- من أداة النفي{ لا }؛ بل هو مستفاد مما تضمنه قوله:{ ما لي لا أَرَى } ؟ من الدلالة على الحال. فهو استفهام عن شيء، حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد. والمعنى: أغاب عني الآن، فلم أره في حالة التفقد ؟
ونحو ذلك قول صاحب ياسين:﴿ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾(يس: 22). أي: وما لي لا أعبد الآن الذي فطرني ؟ أي: لا شيء يمنعني من ذلك؛ وكأنه يرد بذلك على قومه، الذين أنكروا عليه عبادته للذي فطره؛ لأن صيغة:{ ما لي لا أفعل } ؟ صيغة استفهام إنكاري، يوردها المتكلم في الردِّ على من أنكر عليه فعلاً. أو ملكه العجب من فعله؛ كما في آية الهدهد.
ونحو ذلك قوله تعالى آمرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم:﴿ قُُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾(الكافرون: 1- 2). أي: لا أعبد الآن ما تعبدون، بدليل مقابلته بقوله:﴿ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾(الكافرون: 3).
ولما كان أكثر النحاة والمفسرين على القول بأن { ما } لا تدخل على مضارع إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، فسَّر الزمخشري قوله تعالى:﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾(الحجر: 11) على أنه حكاية حال ماضية، وفسَّره الألوسي على أن المراد به الاستقبال، مع أن دلالته على دوام النفي واستمراره ظاهرة، بدليل قوله تعالى:﴿ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾؛ فإنه يدل على تكرر ذلك منهم، وأنه سنتهم، وسجيَّة لهم. فقوله:{ كَانُواْ } دل على أنه سنتهم، وسجية لهم، وقوله:{ يَسْتَهْزِئُونَ } دل على تكرره منهم. والمعنى: ما يأتيهم من رسول في حال من الأحوال، وزمن من الأزمان، إلا كانوا مستهزئين به لاهين عنه.
نخلص مما تقدم إلى أن نفي العزوب في قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾، وقوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ لا يدل على الحال، والاستقبال، إلا بوجود قرينة تقيِّده بأحد الزمانين. ولما كانت هذه القرينة غير موجودة، كانت دلالة نفي العزوب في الآيتين على الدوام والاستمرار، على سبيل الاستغراق والشمول هي المرادة، ولا ينبغي لأحد العدول عنها إلى غيرها إلا بوجود قرينة. وأنه ليس من فرق بين نفيه بـ{ ما }، ونفيه بـ{ لا }، وإن كانت الثانية- على ما يقال- أرسخ قدمًا في النفي من الأولى، وأوسع منها في نفي المضارع، وأدلَّ على انتفائه في المستقبل.
وإذا ثبت ذلك، فالسؤال الذي ينبغي أن يسأل هنا: متى ينفى بـ{ ما }، ومتى ينفى بـ{ لا } ؟ والجواب عن ذلك يكون بمعرفة ما بين الأداتين من فرق في الاستعمال. ويبدو هذا الفرق من وجوه:
الوجه الأول: أن { ما } تكون جوابًا عن دعوى، وأن { لا } تكون جوابًا عن استفهام، وهذه تحذَف الجمل بعدها كثيرًا، بخلاف الأولى. يقال لك:{ أتقول كذا } ؟ فتجيب بقولك:{ لا }. والأصل:{ لا، أقول }، فتذكر أداة النفي مستغنيًا بها عن الفعل. وعلى ذلك يحمل قوله تعالى:﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾(الأعراف: 187).
فقوله تعالى:﴿ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ جملة مستأنفة جاءت تكملة للإخبار عن وقت حلول الساعة؛ فهو من جملة الجواب عن سؤالهم عن وقت مجيء الساعة ولهذا جاء منفيًّا بـ{ لا }.
ويقال لك:{ فلان يقول كذا }. أي: يدِّعي أنه يقول كذا، فيكون الجواب:{ ما يقول }. ولا يجوز أن تجيب بقولك:{ لا أقول }. وعلى ذلك يحمل قوله تعالى:﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ ﴾(الجاثية: 32).
فأجابوا بقولهم:﴿ مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ ﴾؛ لأنهم اعتبروا قوله تعالى:﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾ مجرد ادعاء، لا صحَّة له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا !
والوجه الثاني: أن { لا } تكون ردًّا لكلام سابق؛ لأنه ينفى بها في أكثر الكلام ما قبلها، فيكون ما بعدها في حكم الوجوب، فيقال لمن أثبت لزيد قيامًا، فقال:{ يقوم زيد }، يقال له:{ لا }. أي:{ لا، يقوم }، فيوقف عليها كما يوقف عليها في جواب السؤال، ثم يستأنف الكلام بعدها. ولا يجوز ذلك في { ما }؛ لأنه لا ينفى بـ{ ما } أبدًا إلا ما بعدها. تأمل قوله تعالى:
﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾(النساء: 65)
كيف جاءت { لا } بعد الفاء ردًّا لكلام سبق. أي: فلا يكون الأمر كما زعموا أنهم يؤمنون. ثم استؤنف القسم بعدها بقوله تعالى:﴿ وَرَبِّكَ ﴾، وأجيب عنه بقوله:﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾. ولا يجوز أن يقال:{ فما، وربك لا يؤمنون }، للسبب الذي تقدم ذكره.
ومما يحمل على ذلك قول عمر رضي الله عنه، وقد أفطر يومًا في رمضان، فظن أن الشمس قد غربت، ثم طلعت: ” لا، نقضيه ما تجانفنا الإثم فيه “؛ وذلك أن قائلاً قال له: قد أثمنا، فقال: لا، نقضيه. فقوله:{ لا } ردٌّ لكلامه:{ قد أثمنا }، ثم استأنف فقال:{ نقضيه }.
ونحو ذلك قوله تعالى:﴿ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ تأمل كيف نفى عليه الصلاة والسلام عبادة ما يعبد المشركون بـ{ لا }، ولم ينفه بـ{ ما }، مع أنه يريد نفي العبادة في الحاضر. والمعنى: لا أعبد الآن ما تعبدون. والسر في ذلك أن { لا } ردٌّ لما قبلها؛ ألا ترى أنهم قالوا:” يا محمد ! هَلُمَّ، فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه ! فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾، إلى آخر السورة ؟

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:45 PM
والوجه الثالث: أن { لا } ينفَى بها الجنس على سبيل الاستغراق والشمول؛ سواء كان المنفي اسمًا؛ كقوله تعالى:﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾(البقرة:2)، أم كان فعلاً؛ كقوله تعالى:﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾(الأنعام: 103)، وقوله تعالى:﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾(الإسراء: 88)، وقوله تعالى:﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾(الجمعة: 7)، وقوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾(آل عمران: 5).
تأمل كيف جاء النفْيُ في ذلك كله بـ{ لا } نفيًا دائمًا على سبيل الاستغراق والشمول. ومثله في ذلك قوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾.
وأما { ما } فيحتمل النفي بها استغراق الجنس كله، ويحتمل نفي فرد واحد من أفراده؛ ولهذا يجوز أن تقول:{ ما يوجد في الدار رجل، بل رجلين }، ولا يجوز ذلك في { لا }. فإذا أريد نفي الجنس بـ{ ما } على سبيل الاستغراق والشمول، وجب أن تصحبها { من } الاستغراقيَّة، فتقول:{ ما يوجد من رجل في الدار }؛ ونحو ذلك قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾(فاطر: 13). ومثله قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾. ومن هنا يخطىء كل من يقول بزيادة { من } في هذه الآية، ونحوها، كما يخطىء كل من يقول: إن قوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾، ونحوه لا يفيد معنى الاستغراق.
بقي أن تعلم أن الفرق بين قول الذين كفروا:﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾(سبأ: 3)، وقولهم:﴿ مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ ﴾ ؟ هو أن الأول قالوه على سبيل القطع والجزم؛ إما جهلاً، وإما تعنُّتًا. وأما الثاني فقالوه على سبيل الظن، بدليل تعقيبهم عليه بقولهم:﴿ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾(الجاثية: 32).
والوجه الرابع: إذا كان الكلام منفيًّا بـ{ ما }، أو بـ{ لا }، وعطف عليه كلام آخر، وجب أن يكون المعطوف منفيًّا بـ{ لا }، إلا إذا كان الفاعل في المعطوف والمعطوف عليه واحدًا، أو كان المعطوف من جنس المعطوف عليه. ومثال الأول ما تقدم من قوله تعالى::﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾(يونس: 61).
ومثال الثاني قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾، وقوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾. فعطف قوله:﴿ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾، وقوله:﴿ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ على ما قبلهما.
وجمهور النحاة والمفسرين على القول بأن { لا }- هذه- جيء بها بعد الواو العاطفة زائدة، توكيدًا للنفي، وهي ليست كذلك؛ لأنه لو قيل:
{ ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، والسماء }، بدون { لا }، احتمل أن يكون المراد: نفيُ العزوب عنه سبحانه في كل من الأرض، والسماء على كل حال. أو نفيه عنه سبحانه في أحداهما، دون الأخرى. فلما جيء بـ{ لا } بعد الواو العاطفة، صار الكلام نصًّا في المعنى الأول، ولم يبق للاحتمال الثاني أيُّ جود.
ومثلهما في ذلك قوله تعالى:﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(الأنعام: 59). وقوله تعالى:﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾(البقرة: 255).
رابعًا- وممَّا يسأل عنه أيضًا في هاتين الآيتين: لمَ قدِّم لفظ { الأرض } على لفظ { السماء } في قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾، وأخِّر عن لفظ { السموات } في قوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ ؟
ويجاب عن ذلك بأن حق { السماء } أن تقدم على { الأرض }؛ إلا أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى شهادته على أحوال أهل الأرض، وأعمالهم بقوله:﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾، وأعمالهم إنما تكون في الأرض، ثم وصل بذلك قوله سبحانه:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾، ناسب ذلك كله تقديم لفظ ﴿ الْأَرْضِ ﴾ على لفظ ﴿ السَّمَاءِ ﴾. وهذا بخلاف الآية الثانية؛ إذ قدِّم فيها لفظ ﴿ السَّمَاوَاتِ ﴾ على لفظ ﴿ الْأَرْضِ ﴾؛ لأنها تنتظم في سياق علم الغيب.
وفي الحكمة من ذلك قال ابن قيِّم الجوزيَّة:” وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى؛ وهو أن السموات والأرض تذكر غالبًا في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته.. وأما تقديم الأرض عليها في قوله:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾، وتأخيرها عنها في ( سبأ )، فتأمل كيف وقع هذا الترتيب في ( سبأ ) في ضمن قول الكفار:﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾، كيف قدم السموات هنا؛ لأن الساعة إنما تأتي من قبلها، وهي غيب فيها، ومن جهتها تبتدئ وتنشأ. وأما تقديم الأرض على السماء، في سورة ( يونس ) فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر، وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها، وأنه لا يغيب عنه منها شيء، اقتضى ذلك ذكر محلهم، وهو الأرض قبل ذكر السماء “.
خامسًا- ولما ذكر تعالى أنه ما يعزب، ولا يعزب عنه أدق الأشياء، التي لا يعرف المخاطبون أصغر منها، وهي الذرة، بدأ سبحانه وتعالى بذكرها أولاً، ثم أبان لهم بالعطف عليها أنه يوجد ما هو أصغر منها. وهنا ينطلق الذهن في المصغرات إلى مقدار، يستحيل عليه تصوره. ثم عطف عليه بعد ذلك ما هو أكبر. وهنا ينطلق الذهن إلى الأشياء الكبيرة العظيمة، التي لا يستطيع التصور الإحاطة بها، فشمل النص كل شيء. ومعلوم أن من علم أدق الأشياء وأخفاها، كان علمه متعلقًا بأكبر الأشياء وأظهرها.
وقرأ الجمهور:﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾، بفتح الراء في { أصغرَ }، و{ أكبرَ }، عطفًا على ﴿ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾، باعتبار لفظه؛ إلا أن لفظهما غير منصرف، فكان مفتوحًا.
وقرأ حمزة:﴿ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ ﴾، بضم الراء فيهما، عطفًا على ﴿ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾، باعتبار محله؛ لأنه فاعل. ونظيره على القراءتين قولك:{ ما أتاني من أحد عاقلٌ، وعاقلٍ }، بضم اللام في عاقل، وكسرها. وكذا قوله تعالى:﴿ مَالَكُمْ مّنْ إلهٍ غَيْرُهُ ﴾(الأعراف:59)، بضمِّ الراء في غيره، وكسرها.
ويقوي العطفَ على القراءتين أنه لم يقرأ في قوله تعالى:﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾، إلا بالضم.
وقيل: لو صح هذا العطف، لصار تقدير هذه الآية: وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا أصغرَ من ذلك وأكبرَ، إلا في كتاب فيعزب، وحينئذ يلزم أن يكون الشيء، الذي في الكتاب، خارجًا عن علم الله تعالى، وهذا مشكل.
ولهذا ذهب الزمخشري تابعًا لاختيار الزجاج إلى أن قوله تعالى:﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ جملة مستقلة عما قبلها، وليست معطوفة عليه. والوجه النصب على نفي الجنس، والوجه الرفع على الابتداء. والخبر على الوجهين:﴿ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾.
ويرد على ذلك بنحو قوله تعالى:﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(الأنعام: 95)؛ إذ لا يمكن أن يحمل ذلك على نفي الجنس.
أما الجرجاني فقد ذهب إلى أن الكلام قد تمَّ وانقطع عند قوله تعالى:﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾، ثم وقع الابتداء بكلام آخر؛ وهو قوله:﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾. أي: وهو أيضًا في كتاب مبين. قال: والعرب تضع { إلا } موضع { واو النسق } كثيرًا، على معنى الابتداء “.
وهذا الوجه- على ما قال الرازي- في غاية التعسف. والإنصاف- على ما قال الألوسي- أنه لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى العزيز على ذلك، ولو اجتمع الخلق إنسهم وجنهم على مجيء { إلا } بمعنى:{ الواو }.
وأجاب بعضهم بأن الإشكال في الآية الكريمة إنما يكون على تقدير اتصال الاستثناء، وأما على تقدير انقطاعه، فيصير التقدير:{ ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبر؛ لكن هو في كتاب مبين }. وبهذا التقدير يزول الإشكال، وإليه ذهب أبو البقاء العكبري.
وأجاب بعضهم الآخر على تقدير اتصال الاستثناء بأنه على حدِّ قوله تعالى:﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ﴾(الدخان: 56). فالمعنى: لا يبعد عن علمه شيء إلا ما في اللوح، الذي هو محل صور معلوماته، تعالى شأنه، بناء على تفسير الكتاب المبين به. أو: إلا ما في علمه، بناء على تفسير الكتاب المبين بالعلم. فإن عُدَّ ذلك من العزوب، فهو عازب عن علمه. وظاهرٌ أنه ليس من العزوب قطعًا، فلا يعزب عن علمه شيء قطعًا.
ونقل عن بعض المحققين قوله في دفع هذا الإشكال بأن العزوب عبارة عن مطلق البعد، وأن الأشياء المخلوقة على قسمين: قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير وساطة؛ كالملائكة والسموات والأرض. وقسم آخر أوجده الله تعالى بوساطة القسم الأول؛ مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون.. ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود. فالمعنى: ما يبعد عن مرتبة وجوده من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو في كتاب مبين، وهو كتاب كتبه الله تعالى، وأثبت صور تلك المعلومات فيه. ومتى كان الأمر كذلك، فقد كان عالمًا بها، محيطًا بأحوالها.
وإثبات العزوب بمعنى: البعد عنه تعالى في سلسلة الإيجاد- على ما قال الألوسي- لا محذور فيه، وهو وجه دقيق، إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء، وإن خالف ما هم عليه في الجملة.. ويؤيده أن سورة ( سبأ ) جاءت مستهلة بالحمد لله تعالى على نعمة الإيجاد الثاني، وهو البعث.
وذكر المفسرون أجوبة أخرى غير التي ذكرتها، لا تخلو من التكلف. ويبدو مما تقدم أن أقل الأقوال تكلفًا على ما قال الألوسي:” القول بانقطاع الاستثناء في الآية، وأجلها قدرًا، وأدقها سرًّا القول باتصاله، وإخراج الكلام مخرج قوله تعالى:
﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾(النساء: 23)
ونظائره الكثيرة، نثرًا ونظمًا، ولا عيب فيه، إلا أن الآية عليه أبلغ، فليفهم“.
وقال ابن عاشور:” وجوز أن يكون استثناء متصلاً من عموم أحوال عزوب مثقال الذرة، وأصغرَ منها وأكبرَ. وتأويله أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. والمعنى: لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، إلا في حال كونه في كتاب مبين. أي: إلا معلومًا مكتوبًا. ويعلم السامع أن المكتوب في كتاب مبين، لا يمكن أن يعزب، فيكون انتفاء عزوبه حاصلاً بطريق برهاني “.
فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله تعالى، وأن مخلوقًا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذه الحكم والأسرار أبدًا !
الأستاذ: محمد إسماعيل عتوك
الباحث
في الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى ) ( ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى ) )

روابط ذات صلة:
1- آيات ولمسات. (http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=537&select_page=9)
2- الذرة ومكنونها في القرآن الكريم . (http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=1060)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:46 PM
معجزة الترتيل في بيان المعاني والأحكام

http://www.55a.net/firas/ar_photo/118455438626362354_a3e90a730511.jpgإعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
القرآن الكريم كتاب الله المعجز يجب أن يقرأ بالوجه المخصوص الذي أنزله الله به.
قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 18]
وقال تعالى: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزّمِّل: 4]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل).
لذا فإنه يجب علينا أن نقرأ القرآن كما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكما قرأه الرسول عليه الصلاة والسلام على أصحابه بتؤدة واطمئنان وتأن وترسل مع إعطاء الحروف حقها من المخارج والصفات. ومستحقها من المد والغنّة والإظهار والإدغام والإخفاء والتفخيم والترقيق وتجويد الحروف ومعرفة الوقف والابتداء ..الخ.
وفي هذه الدراسة الموجزة يتبين لنا أن قراءة القرآن الكريم وتلاوته طبقاً لما أنزل وحسب أحكام التلاوة تظهر لنا المعاني الحقيقية للنص القرآني بآفاقها الواسعة.. بل إننا يمكن لنا أن نستنتج منها أحكاماً في قضايا معينة.
إن هذا الموضوع يجب أن يهتم به أهل الفكر الإسلامي في كل بقاع الدنيا لأنه يحتاج إلى دراسات وأبحاث مستفيضة..
إنه وجه عظيم من أوجه معجزات القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه.. لا يمكن لفرد أو لأفراد أن يحيطوا بعلمه...
ولكن يجب عليهم المحاولة والتدبر والتفقه.
إن هذه الدراسة الموجزة تعتبر مقدمة أو مدخلاً لهذا الموضوع المذهل وهو بيان معاني وأحكام القرآن الكريم من خلال أحكام التلاوة.
1- أمثلة في بيان المعنى من خلال مد بعض الحروف
إن المد في القراءة لبعض أحرف الكلمة القرآنية يعتبر ظاهرة من ظواهر زيادة أحرفها، وكما سبق أن ذكرنا في هذه الدراسة أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى .. لذا فإن ظاهرة المد لبعض حروف كلمات القرآن مدّاً زائداً على المد الأصلي الطبيعي حين التلاوة يدل على تفخيم هذه الكلمة وزيادة معناها ..
ونستعرض فيما يلي أمثلة من الكلمات القرآنية التي يجب مدّ بعض حروفها مداً زائداً لنعرف أن هذا المدّ لم يأت عبثاً، وإنما جاء لبيان أهمية هذه الكلمة وأنها تدل على شيء مخصوص وغير عادي .
ومثل هذه الكلمات كثيرة جداً في القرآن الكريم إنما سنذكر بعضها حسب الآتي إنما سنذكر بعضها حسب الآتي:
الطامة: { فَإِذَا جَاءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى } [النازعات: 34].
السماء: { وَالسَّمَآءَ بِنَاءً } [البقرة: 22].
جان: { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } [الرحمن: 39].
الطائفين: { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } [البقرة: 125].
حينما تنظر إلى هذه الكلمات نجد أن كل منها يدل على لشيء عظيم غير عادي . لذا جاء المد ليزيد المعنى .. وحينما نقارن المدّ في كلمة (الطآمة) بعدم وجوده في كلمة قرآنية أخرى قريبة في المعنى وهي (القارعة) نجد أن عدم وجود المد في القارعة مطلوب بشدة لتحقيق معناها وهو أنها (تقرع) آذان الناس وهو شيء لا يسلتزم زمناً فهو لحظي ليدل على الفجاءة .. ولا يحتاج مدّاً أو مدة ..

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:47 PM
كذلك فإننا حينما نتدبر سورة (الكافرون)..
نجد أنه حينما يذكر القرآن (ما تعبدون) و(ما عبدتم) فإنه لا يوجد مدّ على كلمة (ما) للدلالة على تحقير ما يعبدون غير أنه حين يذكر (ما أعبد) وقد جاءت مرتين نجد أنه يوجد مدّ على كلمة (ما) لتدل على عظمة ورفعة ما يعبده الرسول صلى الله عليه وسلم ...
حينما نرجع إلى أحكام التلاوة في المد نجد أن المد قد جاء لأن الحرف الذي تلا المد هو (الهمزة) ..
وهذا الحكم يوضح إعجاز القرآن في اختيار الحروف التي تبدأ بها الكلمات القرآنية لتبين المعنى على أكمل وجه .. كذلك فإننا حينما نتكلم عن المد الجائز المنفصل (مد الصلة الطويلة) وهو المد المتولد من هاء الضمير المكسورة أو المضمومة الواقعة بين متحركين ثانيهما همز نذكر المثالين الآتيين:
- { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } [البقرة: 131].
وجاء مد الصلاة الطويلة ليدل على عظمة الرب سبحانه .
- { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الأنعام: 91].
جاء مد الصلة الطويلة ليدل على عظمة قدر الله سبحانه .
وبالنسبة للمد اللازم المثقل (لوجود التشديد بعد حرف المد) نذكر المثال الآتي:
- { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } [الفاتحة: 7].
نجد أن كلمة (الضالين) ممدودة مداً لازماً مثقلاً مقداره ست حركات .. على عكس كلمة (المغضوب عليهم) بدون مد ..
ويدل مدّ كلمة (الضالين) على كثيرة هؤلاء الضالين ووفرتهم وهم (النصارى) وذلك بالمقارنة (بالمغضوب عليهم) وهم اليهود حيث جاءت بدون مد لتدل قلة عددهم..
الاستثناء في مد صلة (الهاء) لضمير المفرد الغائب
ورد في مصحف المدينة النبوية في اصطلاحات الضبط ما يلي: (والقاعدة أن حفصاً عن عاصم يصل كل هاء ضمير للمفرد الغائب بواو لفظية إذا كانت مضمومة .. وياء لفظية إذا كانت مكسورة بشرط أن يتحرك ما قبل هذه الهاء وما بعدها). وقد استثنى من ذلك ما يأتي:
(1) الهاء من لفظ (يرضه) في سورة الزمر فإن حفصاً ضمها بدون صلة .
(2) الهاء من لفظ (أرجه) في سورتي الأعراف والشعراء فإنه سكّنها .
(3) الهاء من لفظ (فألقه) في سورة النمل فإنه سكنها أيضاً .
وحينما نتدبر سبب هذا الاستثناء يتجلى ذلك حين نرجع إلى الآيات الكريمة التي وردت فيها هذه الألفاظ حسب الآتي:
- كلمة (يرضه) وردت في الآية 7 من سورة الزمر: { وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ } [الزمر: 7] ولم ترد هنا الصلة حتى توحي بفورية رضا الله عن شكر عباده .
- كلمة (أرجه) وردت في الآية 11 من سورة الأعراف والآية رقم 36 من سورة الشعراء عن موسى وهارون عليهما السلام { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } ولم ترد هنا الصلة حتى توحي بتقليل شأنهما عليهما السلام في نظر ملأ فرعون حيث كانوا يعتبرونهما ساحرين .
- كلمة (فألقه) وردت في الآية 28 من سورة النمل { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ } [النمل: 28] ولم ترد هنا الصلة لتوحي بتقليل شأن قوم سبأ في نظر سليمان عليه السلام وكذلك بطلب سرعة إلقاء الكتاب .
ومن خلال ما سبق تتبين لنا الحكمة في الاستثناء في مد صلة (الهاء) لضمير المفرد الغائب في بعض الآيات القرآنية لتوضح المعنى المراد أجمل وأدق توضيح وبيان .. وأن ترتيل القرآن كما أنزل له فائدة كبرى في توضيح المعاني وإبرازها بجلاء .
2- أمثلة في بيان المعنى من خلال صفات الحروف:
من المعروف في أحكام التلاوة أن لكل حرف مخرجاً يخرج منه وكيفية تميزه في المخرج وهذه الكيفية في صفة الحرف ...
وسنعرض في هذا الموضوع لأمثلة من إعجاز القرآن في مسألة التلاوة والتي تساعد في توضيح المعاني المقصودة ...
حروف الاستعلاء:
حرف (س) ليس من حروف الاستعلاء ..
وحرف (ص) من حروف الاستعلاء في الارتفاع ..
وحينما نتلو الآيتين الكريمتين التاليتين:
- {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [صـ : 9].
- { لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } [الغاشية: 22].
إن كلمة (مصيطر) وكذلك كلمة (المصيطرون) في الأصل تكتب بحروف (س) أي (مسيطر)، (المسيطرون) ولكن حيث أن حرف (س) ليس من حروف الاستعلاء .. فإنه لن يؤدي المعنى المراد وهو التحكم والسيطرة والقوة والاستعلاء.. لذا جاءت تلاوة القرآن لهذه الكلمة باستخدام حرف (ص) وهو حرف من حروف الاستعلاء .. وذلك ليؤكد المعنى وتكون التلاوة موضحة أعظم توضيح للمعنى المراد ...
- حروف القلقة وحرف الامتداد:
القلقة تعني التحريك أي: إبراز صوت زائد للحرف بعد ضغطه .. ما يجعل اللسان يتقلقل بها عند النطق .. وحروف القلقة خمسة هي (ق، ط، ب، ج، د) .
أما حرف الامتداد فهو حرف واحد هو (ض) ويعني الامتداد هو امتداد الصوت من أول اللسان إلى آخره.. ويعني الامتداد أيضاً (القبض) على الحرف حتى لا يتحرك أو يتقلقل .. في حالة السكون .
وحينما نقرأ الآيات التي وردت بها حروف قلقلة خاصة القلقلة الكبرى وهي حالة إذا ما سكنت حروف القلقلة آخر الكلمة نجد أن هذه القلقلة تعطي معنى واسعاً للكلمة تعتبر كأنها زادت حروفها حرفاً وزيادة مبنى الكلمة وحي بزيادة معناها .. ونضرب فيما يلي أمثلة في هذا المجال:
- قال تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق: 1-2] .

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:48 PM
وقلقلة (ق) في كلمة (خلق) تعطي معنى واسعاً لخلق الله حيث أنه لا يوجد حدود للخلق .. كذلك كلمة (علق) فهي توحي بالأعداد الكبيرة العالقة من مَنْيِ الذكر ..
كذلك حينما ترد الكلمات القرآنية (أولو الألباب – العذاب – الحق – الأسباط – الأحزاب – أزواج – الميعاد .... الخ) فإن هذا يزيد في معنى هذه الكلمات ويحفزنا على إعطاء الآيات الواردة بها مزيداً من العناية والتدبر ..
أما بخصوص حرف (ض) في حالة سكونه فإنه يجب الإمساك به بقوة حتى لا يتقلقل أثناء التلاوة .. ومثال ذلك:
- قال تعالى: { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } [الفرقان: 46].
ويدل سكون حرف (ض) وعدم قلقلته على تأكيد معنى كلمة (القبض) التي ورد بها هذا الحرف .. وعدم إمكانية تحريك هذا القبض أو زحزحته ...
حروف التفخيم والترقيق:
تفخيم بعض الحروف أثناء التلاوة يزيد في توضيح معاني الكلمات القرآنية والآيات الواردة بها ..
كذلك فإن ترقيق الحروف الأخرى يساعد أيضاً في بيان المعاني المقصودة .. ويأتي ذلك حسب الحالة .. وحروف التفخيم هي نفسها حروف الاستعلاء (خ، ص، ض، غ، ط، ق، ظ).
وكذلك حرف (ر) في بعض الأحوال حسب التفاصيل الواردة في أحكام التلاوة ..
كذلك فإن (لام) لفظ الجلالة (الله) تفخم إذا سبقتها حروف بفتح أو ضم .. (مثل قل هو الله أحد) .. يفعل الله ما يشاء ..
وترقق اللام في لفظ الجلالة إذا سبقتها حروف بكسر مثل (بسم الله بالحمد لله) أما باقي الحروف فتأتي في حالة ترقيق ..
وأعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسات واسعة في أصول الحروف والكلمات المتكونة منها .. وأرجو أن يكون هناك متسع لاستكمال هذه الدراسة ..
أمثلة في بيان المعنى من خلال إدغام المتماثلين والمتجانسين والمتقاربين:
إدغام المتماثلين: هو أن يتحد الحرفان مخرجاً وصفة .
إدغام المتجانسين: هو أن يتفق الحرفان مخرجاً ويختلفان صفة .
إدغام المتقاربين: هو أن يتقارب الحرفان مخرجاً ويختلفان صفة .
كما سبق أن ذكرنا فإن الإدغام الكامل بدون غنّة يدل على التصاق الكلمتين التصاقاً كاملاً مما يوحي بقطعية الأمر وعدم وجود أي فاصل أو مسافة زمنية وكذلك يدل على العجلة الفائقة .
ونضرب فيما يلي أمثلة لكل نوع من أنواع هذا الإدغام لنتبين المعنى الذي أضافه وبينه:
أ- إدغام المتماثلين:
- قال تعالى: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } [النساء: 78].
حين تلاوة كلمة (يدرككم) نجد أن الكاف الساكنة الأولى قد أدغمت في الكاف الثانية فأصبحت حرفاً واحداً مشدداً وأصبحت تقرأ (يدركَم) والإدغام يوحي بنقص أحرف الكلمة مما يدل على سرعة الموت في إدراك من قضى عليه الموت...
- قال تعالى: { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ } [النمل: 28].
إدغام حرفي (الباء) يدل على السرعة التي طلب بها سليمان عليه السلام من الهدهد أن يطير بها إلى ملكة سبأ والذي يؤكد ذلك أن الآية رقم 29 التي تلت هذه الآية: { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } [النمل: 29]. أي: أنه لم يظهر هناك أي زمن بين أمر سليمان للهدهد واستلام الملكة للكتاب ..
ب- إدغام المتجانسين:
وذلك للحروف (ت، د، ط) وللحروف (ت، ذ، ظ) وللحروف (ب، م) .
- قال تعالى: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256].
إدغام (الدال) في (التاء) يدل على قطعية بيان الرشد .
- قال تعالى: { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } [يونس: 89].
إدغام (التاء) في (الدال) يدل على سرعة استجابة الله لدعوة موسى وهارون على فرعون وملئه بالا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ..
ج- إدغام المتقاربين:
وذلك للحروف (ل، ر) وللحروف (ق، ك)
- قال تعالى: { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [طـه: 114].
إدغام اللام الساكنة في الراء المتحركة وينطق بهما راء مشددة .. ويأتي هذا الإدغام ليبين ضرورة التعجيل في دعاء الله بزيادة العلم وإبراز قيمة العلم ..
قال تعالى: { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [النساء: 158].
إدغام اللام الساكنة في الراء المتحركة .. ويدل هذا الإدغام على سرعة رفع الله لعيسى عليه السلام وإنقاذه من اليهود والحاكم الروماني ..
د- الإشمام
الإشمام في التلاوة هو ضم الشفتين كمن يريد النطق (بضمة) ولكنه في الحقيقة ينطقها (فتحة) .
وقد جاء هذا الحكم في تلاوة قوله تعالى: { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَـنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } [يوسف: 11]. وقراءة الميم قبيل النون المشددة في كلمة (تأمنا) هي ما يسمى بالإشمام ..
وحين نقرأ الميم في هذه الكلمة بالفتحة وشفتانا مضمومتان فينتج عن ذلك نطق يدل على التردد وعدم الثقة في إجابة الطلب .. وهو بالفعل ما كان عليه إخوة يوسف حينما طلبوا من أبيهم أن يرسله معهم لأنهم كانوا يكيدون لأخيهم وكانوا في ريبهم يترددون .. لذا كان هذا الحكم في التلاوة ليوضح المعنى أصدق توضيح ..
باقي الأحكام التلاوة:
إن هذا الموضوع يحتاج مزيداً من البحث والتدبر وفي هذا متسع لجميع الباحثين والذين أرجو الله أن يوفقهم للتفقه في علوم القرآن الكريم الذي لا ينضب معينه.
أرجو أن يوفقني الله لمزيد من الدراسة إنه على كل شيء قدير.
يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )
موبايل: 0020101692635

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:49 PM
كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة

بقلم أ. د. مصطفى مُسلم
ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد، ويقال للسطر من النخيل أسلوب، والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، والأسلوب الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه.
وفي اصطلاح البلاغيين:هو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو هو العبارات اللفظية المنسّقة لأداء المعاني.
فالأسلوب القرآني:هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه[1]، ولقد تواضع العلماء قديماً وحديثاً على أن للقرآن أسلوباً خاصاً به مغايراً لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف.
وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه [2] (أن أُنَيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك، يزعُمُ أن الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال : يقولون شاعر، كاهن، ساحر ـ وكان أنيس أحد الشعراء ـ قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون).
ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام، فمن هذه الميزات:
أولاً: المرونة والمطاوعة في التأويل:
نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانة راضية.
فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكرة، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه.
وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرناً قد عراها كثير من التغير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالداً بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطورة كثيراً من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين، وفي علم الله ما يكون من بعد.
والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان نصاً في معناه كان أدنى إلى البلاغة، وكيفما قلبته رأيته وجهاً واحداً وصفةً واحدة لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين، وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه.
لقد فهم علماء السلف رضوان الله عليهم الآيات الكريمة : (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ)[سورة القيامة:3]،(والأرض بعد ذلك دحاها)[النازعات:30]، غير ما فهمه العلماء المتأخرين بعد تطور العلوم الطبية والفلكية ولم يبعد عن الصواب من قال: (الزمن خير مفسر للقرآن). وما ذاك إلا لأن القرآن كتاب الإنسانية الخالدة الذي لا يستطيع جيل من الأجيال استفراغ ما فيه من كنوز العلوم والحكم والحقائق.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:50 PM
ثانياً: اعتماد الأسلوب القرآني الطريقة التصويرية في التعبير:
من السمات البارزة للأسلوب القرآني هو اعتماده الطريقة التصويرية للتعبير عن المعاني والأفكار التي يريد إيضاحها، وساء كانت معاني ذهنية مجردة، أو قصصاً غابرة، أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات.
إن الأسلوب القرآني يحمل تاليه إلى أجواء الصور وكأنه ينظر في تفصيلات الصورة المجسّمة أمامه، وكأن المشهد يجري أمامه حيّاً متحرّكاً، ولا شكل أن الفكرة أو المعنى الذي يراد إيضاحه يكون أقرب إلى الفهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجرّداً من تلك الصور الحية، ويكفي لبيان هذه الميزة أن نتصور هذه المعاني كلها في صورها التجريدية ثم نقارنها بالصورة التي وضعها فيها القرآن الكريم، فمثلاً:
أ‌- معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان: إذا أردنا أن نتصور هذا المعنى مجرّداً في الذهن يمكن أن نقول: إنهم ينفردن أشد النفرة من دعوة الإيمان فيتملّى الذهن وحده معنى النفور في برودة وسكون، ولنمعن النظر في الأسلوب القرآني وهو يصوّر لنا هذا المعنى في هذه الصور الغريبة (فما لهم عن التذكرة معرضون* كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة )[المدثر:49ـ 51].
فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال وانفعال السخرية وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان، والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة تشرد فيه الحمر تيبعها قسورة، فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نُقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1183005997lionzebra.jpg
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/lion.jpg
لقد شبه الله تعالى فرار الكفار عن تذكرة النبي صلى الله عليه وسلم كفرار حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدُعون إلى الإيمان، أنظر أخي إلى جمالية هذا التشبيه الرائع الذي لا يصدر إلا عن إله عالم بخبايا النفس الإنسانية طبعاً هذا التشبيه له عدة مدلولات منها شدة فرارهم من النبي، وسخرية من سلوكم الغير مبرر

ب‌- ومعنى عجز الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله ! يمكن أن يؤدي في عدة تعبيرات ذهنية مجردّة، كأن، يقول إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء فيصل المعنى إلى الذهن مجرَّداً باهتاً.
ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[الحج: 73].
فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصور المتحركة المتعاقبة:
(لن يخلقوا ذُباباً)درجة (ولو اجتمعوا له) وهذه أخرى، (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذه ثالثة، والاقتران بين الطالب والمطلوب(ضعف الطالب والمطلوب)وهي الرابعة.
إن الضعف المزري الذي يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين، ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟
كلا فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة (لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:50 PM
والذباب صغير حقير ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل، إنها معجزة الحياة يستوي فيها الجسيم والهزيل.
فليست المعجزات هي خلق الهائل من الأحياء إنما هي خلق الخلية الحية كالهباء. والصورة الفنية هنا هي الربط بين قدسية الآلهة المزعومة حيث وُضعت في أذهان معتنقيها في أقدس صورة والربط بينها وبين مخلوق حقير. ولم يكتف بهذا الربط بل حشد لهذا المخلوق جموعأً ضخمة فعجزوا عن خلقه، ثم في الصورة التي تنطبع في الذهن من طيرانهم خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وفشلهم مع اتباعهم عن هذا الاستنقاذ.
ت‌- ومعنى انتهاء الكون ثم محاسبة الناس على أعمالهم ودخول المحسنين الجنة والمسيئين النار، ولذة أهل النعيم والترحيب بهم وشقاء أهل العذاب وتبكيتهم: كل ذلك يمكن أن يفهمها الإنسان مجردة وهي حقائق لم تقع بعد. فالتعبير عنها بكلمات مجردة تنقل الفكرة إلى الذهن باهتة.
ولكن التعبير القرآني وضع لنا هذه الحقائق في إطار زاهٍ حافل بالحركة وكأن المرء ـ حين يقرؤها ـ يعيش أجوائها، وتنقبض النفس لمشاهدة الأهوال وتخضع لقوة الجبار وتتشوّق لمرافقة السعداء.
فهذا مشهد يوم القيامة قال تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {67} وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ {68} وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ {69} وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ {70} وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71} قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ {72} وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ {74} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {75}‏[سورة الزمر:66ـ75].
إنه مشهد رائع حافل، يبدأ متحركاً ثم يسير وئيداً حتى تهدأ كل حركة ويسكن كل شيء ويخيّم على الساحة جلال الصمت ورهبة الخشوع.
ويبدأ المشهد بالأرض جميعاً في قبضة ذي الجلال، وها هي السماوات جميعاً مطوّيات بيمينه.
إنها صورة يرتجف لها الحسّ ويعجز عن تصويرها الخيال، ثم ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقياً على ظهرها من الأحياء. ولا نعلم كم مضى من الوقت حتى انبعثت الصيحة الثانية (فإذا هم قيام ينظرون). و يغير ضجيج وعجيج، تجتمع الخلائق. فعرض ربك هنا تحف به الملائكة فما يليق الصخب في مثل هذا المقام.
(أشرقت الأرض بنور ربها) أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض، أشرقت بالنور الهادئ (بنور ربها) فإذا هي تكاد تشفّ من الإشراق، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء)، وطوي كل خصام وجدال في هذا المشهد خاصة (وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ).
فلا حاجة إلى كلمة واحدة تقال ولا إلى صوت واحد يرتفع.
وهكذا تجمل هنا عملية الحساب والجزاء، لأن المقام مقام روعة وجلال.
وإذا تم الحساب وعرف المصير وجّه كل فريق إلى مأواه(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) حتى إذا وصلوا إليها بعيداً هناك استقبلتهم حزنتها بتسجيل استحقاقهم لها وتذكيرهم بما جاء بهم إليها (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالموقف موقف إذعان واعتراف وتسليم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى).
وكذلك وجه الذين اتقوا ربهم إلى الجنة حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) وارتفعت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ).
ثم يختم الشريط المصور بما يلقي في النفس روعة ورهبة وجلالاً تتسق مع المشهد كله وتختمه خير ختام(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثالثاً: طريقة الأسلوب القرآني المتميزة في المُحاجة والاستدلال:
لقد أورد القرآن الكريم من أفانين القول في سياق محاجّة الكفار وتصحيح زيغ المحرّفين والوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ما يخرج عن طوق البشر الإحاطة بمثل هذه الأساليب في أوقات متقاربة أو متباعدة، فالنفس الإنسانية لا تستطيع التحول في لحظات عابرة في جميع الاتجاهات بل تتأثر بحالة معينة.
ولا تستطيع التحول عنها إلى أتجاه معاكس إلا ضمن بيئة ملائمة.
أما الأسلوب القرآني فيلاحظ فيه الانتقال في شتى الاتجاهات في لحظات متقاربة متتالية، وأحياناً تكون مترادفة. فمن مشرّع حكيم يقر الدساتير والأنظمة في تؤدة وأناة ورويّة، إلى وعيد وتهديد لمن يرغب عن التشريعات ويريه سوء المصير، إلى غافر يقبل توبة العبد إذا تاب وأناب، إلى معلم يعلم كيفية الالتجاء إلى الخالق سبحانه وتعالى بأدعية لا تخطر على البال، إلى مقر لحقائق الكون الكبرى، ومن مرئيات الناس ومألوفاتهم والتدرج بهم إلى أسرار سنن الله في الكون
لنتأمل قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {68} فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنفال:67 ـ 69].
هاتان الآيتان نزلتا بعد إطلاق أسرى بدر وقبول الفداء منهم . وقد بدأتا بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمتا بإقرارها وتطييب النفوس بها بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها.
فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام ـ لو كان عن النفس مصدره ـ يمكن أن يصدر عنها آخره ولمّا تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب وبين ابتسامة الرضى والاستحسان ؟ إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضراباً عن الأول ماحياً له ولرجع آخر الفكر وفقاً لما جرى به العمل.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:51 PM
فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر المحمود وتسجيله على ما فيه من تقريع علني وتغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالاً طيبة ؟
إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا شخصيتين منفصلتين وان هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أخطأت ولكني عفوت عنك وأذنت لك[3].
ومن الأمور المميزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه . تامل في قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ {57} أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ {58} أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ {59} نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ {60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ {61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ {62} أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ {70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ {71} أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ {72} نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ{73} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الواقعة: 57ـ74].
ومثل هذه الإشارات ترد كثيراً في القرآن الكريم لتجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، يقرر بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير وحياة للأرواح والقلوب ويقظة في المشاعر والحواس.
إن هذه الظواهر هي حقائق ضخمة ولكن الإلف والعادة بلّدت حواس الناس فلا تشعر بدلالاتها.
إن الأنفس من صنع الله، وما حول الناس من ظواهر الكون من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده، وهذا القرآن قرآنه. ومن ثمّ يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم، يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لديهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها لأنهم غافلون عن مواضيع الإعجاز فيها.
يمسهم الأسلوب القرآني بهذه اللفتات الاستفهامية المتتالية ليفتح عيونهم على السر الهائل المكنون، سرّ القدرة العظيمة وسرّ الوحدانية المفردة ليثير في فطرتهم الإقرار الأول في عالم الذر .. (ألست بربكم )[الأعراف: 172].
إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره إنها المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريق بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق.
والقرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل، الزرع، الماء، النار، الموت.
وأي إنسان علي ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي إنسان مهما كان بدائياً لم يشهد نشأة جنينية ونشأ حياة نباتية ومسقط ماء وموقد نار ولحظة وفاة؟
إن انفراد الأسلوب القرآني بهذه الميزات لهو دليل مصدره الإلهي فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.
فالحذّاق من الكتّاب عندما يقرأون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيراً من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة.
ولا شكل أن هذا إدراك شيء أعظم وأرقى من العلوم الظاهرة والتي تقف بأصحابها عند جودة الأسلوب ومتانته وقوة السبك ورصانته، فإذا كان الأدباء وأهل البلاغة يدركون هذه الحقائق بعد العلوم الاكتسابية التي تعلّموها ومارسوها فإن العربي الذوّاقة مواطن الجمال في الكلام، لا شك أنه كان من أعرف الناس بما وراء الألفاظ والكلمات وكان يدرك بنظرته السليمة وسليقته الصافية حقيقة الذات التي وراء الأسلوب.
إن العربي الذواقة لجمال القول أدرك أسلوب القرآن المتميز وعرف أن سبب هذا التميز هو أن القرآن من مصدر غير مصادر كلام البشر ومن ذات غير مخلوقة لذا تميز الأسلوب عن أساليب المخلوق، فما دامت قوة الخلق والإبداع من العدم ليس في مقدور البشر بل وكل المخلوقات فلن يستطيع أحد منهم إيجاد أسلوب يشبه أو يقارب الأسلوب القرآني.
ولعل هذا الإدراك هو الذي منع العقلاء وأهل الفصاحة واللسن من سائر العرب من محاكاة القرآن. ومن تعرّض لمحاكاته صار أضحوكة بين الناس لأنه حاول أن يخرج عن طبيعته وذاته ونفسيته إلى محاكاة الذات الإلهية. أورد الإمام ابن كثير في تفسيره قال : (.. سألت الصدّيق بعض أصحاب مسيلمة الكذاب بعد أن رجعوا إلى دين الله أن يقرأوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة.
فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرأوا عليهم شيئاً منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه قوله : (والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً واللاقمات لقماً إهالة وسمناً، إن قريشاً قوم يعتدون)، وقوله : (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ويحكم أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل ـ أي إله)[4]
لقد أدرك الصدّيق رضي الله عنه بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها، إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق سبحانه وتعالى.
فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق.
المصدر :كتاب مباحث في إعجاز القرآن بقلم أ.د . مصطفى مسلم 143 ـ154



[1] " مناهل العرفان " للزرقاني 2/199
[2] صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة 7/153
[3] انظر هذا وغيره من الأمثلة في كتاب " النبأ العظيم " للدكتور محمد عبد الله دراز ص 19
[4] انظر تفسير ابن كثير 2/411.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:52 PM
من أسرار الإعجاز البياني في القرآن

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1182306817199257978_8db486dee61.jpgإعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
هناك من العلماء من يرى أن القرآن لا يحتاج إلى تفسير إلا في بعض الألفاظ الغريبة على القارئ وهذا يستدعي توضيحاً له أو تقريباً. وإلا في بعض آيات الأحكام والمجملات المبينة بالسنة وما عدا ذلك لا يحتاج إلى تفسير ولا إلى بيان أو توضيح.
ويستدل أصحاب هذا الرأي بآيات القرآن الكريم التي تدل على أنه كتاب مبين وأن آياته بينات. وأنه أنزل ليبين للناس ما اختلفوا فيه.
فكيف يحتاج هو إلى بيان وهو في حد ذاته بيان؟(1) قال تعالى:
(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)[المائدة: 15].
وقال تعالى : (طس تلك آيات الكتاب وقرآن مبين)[الحجر: 1].
وقال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر)[القمر: 17].
ويقول ابن كثير في تفسيره: فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر.
فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. وإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة.
إن القرآن يشرح ذلك بوضوح (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)[النساء: 82].
إننا نجد في هذه الآيات المقياس الواضح الذي يبين أنه لا شيء في القرآن يتعارض مع شيء آخر فيه. فإذا وجدنا أن تفسيراً ما للقرآن يتعارض مع جزء آخر فيه. فذلك دليل في حد ذاته على أن ذلك التفسير ليس من عند الله بل من عند غير الله بكل تأكيد.
فالمقياس القرآني القطعي لاختيار أي تفسير هو أن يكون مطابقاً للدين كله كمجموعة. أما إثبات نظرية أو رأي ما باستخدام نوع معين من الآيات دون النظر إلى الآيات الأخرى أو إذا وجدت أن تفسيراً ما للدين لا يوافق القرآن كله فتأكد أنه ليس تفسيراً للقرآن. وإنما هو تفسير لأفكار ذاتية(2).
قال تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكَّر إلا أولوا الألباب)[آل عمران: 7].
إن أية قضية أو نظرية أو تفسير يجب عرضه على القرآن كله وليس على مجموعة آيات منه وتدبر مدى توافق هذا التفسير مع القرآن ككل مع الإستناد إلى السنة وأقوال الصحابة: " إن وجدت".
ونورد فيما يلي محاولة لفهم معاني بعض الألفاظ والجمل والآيات القرآنية بعد عرضها على القرآن الكريم ككل باستخدام جهاز الكمبيوتر.
وهي محاولة لفهم القرآن بالقرآن. ولقد روعي في هذه الدراسة البحث عن تكرار اللفظ أو الجملة القرآنية في القرآن كله بالإضافة إلى معرفة جو ومعاني الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ أو الجملة وكذلك الآيات التي قبلها والتي بعدها حتى يمكن الإلمام بالمعنى من جميع جوانبه.
1- الإسراء (بعبده)... والمعراج (بصاحبكم)
وردت معجزة الإسراء في آية واحدة في القرآن، وجاءت كلمة (أسرى) مرة واحدة في القرآن وكلمة (بعبده) مرة واحدة في القرآن الكريم كله.
{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الإسراء: 1].
وقد وصف الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في الإسراء بالعبودة الكاملة لله (بعبده).
ووردت معجزة المعراج في سورة واحدة هي سورة النجم:
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } [النجم: 1-18].

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:53 PM
وقد وصف الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في المعراج، بـ(صاحبكم).
حينما نتدبر كلمة (بعبده) فإنها تعني أنه (بشر) مثلكم تعرفونه وتصاحبكم.
في حالة الإسراء ذكر الله { لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا } وفي حالة المعراج ذكر الله { لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى }.
إن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أنه رغم (بشرية) الرسول فقد عرج به إلى السماوات العلى ووصل إلى سدرة المنتهى وبلغ الأفق الأعلى ثم دنا وتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى من الحضرة الإلهية، (كما سيأتي بيانه لاحقاً) ورأى من آيات ربه الكبرى.
إن بشرية الإنسان لا تنفي أنه بسلطان من الله فإنه يصل إلى أعلى عليين.
{ { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } [الرحمن: 33].
ولقد نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو من الإنس) من أقطار السماوات والأرض بسلطان من الله.
أما بالنسبة للإسراء فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ولم يقل بنبيه أو برسوله وإنما كان كذلك لأنه أراد أن يفتح باب السريان (الإسراء) للتابعين، فأعلمنا بأن الإسراء من بساط العبودية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له كمال العبودية، فكان له كمال الإسراء، أُسري بروحه وجسمه وظاهره وباطنه، والأولياء لهم قسط من العبودية فلهم قسط من الإسراء يسري بأرواحهم لا بأجسادهم (من كتاب لطائف المنن لابن عطاء السكندري).
كذلك فإن الله لم يختم آية الإسراء بالقدرة أو بالعزة أو القوة وإنما ختمها بأنه (هو السميع البصير) وهي تعني أن الله سبحانه وتعالى قد سمع دعاء محمد صلى الله عليه وسلم وبَصُر بحالته حينما آذاه الناس وهان عليهم فأكرهم اله بمعجزة الإسراء فإن كان الناس قد بعدوا عنه فقد اقترب هو من الله.
وتعني الآية أيضاً فتوحات الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين كلما صبروا على البلاء واستقاموا على الطريقة، فإنه هو السميع البصير يقربهم إليه نجيّاً ويريهم من آياته إنه هو السميع البصير.
2- غلام حليم و غلام عليم
بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم هو إسماعيل عليه السلام ثم بشرته بغلام عليم هو إسحاق ومن ورائه يعقوب (إسرائيل).
يقول الله سبحانه وتعالى في شأن البشرى بولادة إسماعيل عليه السلام: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } [الصافات: 101].
أي: أن صفة إسماعيل عليه السلام المميزة أنه (حليم) وهي صفة والده إبراهيم عليه السلام حيث يقول الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } [هود: 75].
ويقول الله سبحانه وتعالى في شأن البشرى بولادة إسحاق عليه السلام: { وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } [الذاريات: 28].
أي: أن صفة إسحاق عليه السلام المميزة هو أنه (عليم).
إسماعيل عليه السلام هو جد محمد صلى الله عليه وسلم.
وإسحاق عليه السلام هو جد بني إسرائيل.
حلم إسماعيل:
والحلم الذي هو الصفة المميزة لإسماعيل عليه السلام يعني: الصبر والإرادة والسكون والعقل السليم، وهو ضد الطيش ولو جمعنا كل مناحي الحلم فإنه يكون (التقوى) بكل معناها من حب الله وخشيته والصفح الجميل.
يصف الله إسماعيل عليه السلام في سورة مريم آية: 54، 55: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا }.
إسماعيل عليه السلام كان صادق الوعد، حينما أسلم وجهه له ساعة الذبح راضياً بقضاء الله{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 102].
إن ذلك كان منتهى الإيمان بالله من الأب المحسن إبراهيم عليه السلام ومن الابن الصابر إسماعيل عليه السلام.
علم إسحاق ومن ورائه يعقوب (إسرائيل)
وصف الله سبحانه وتعالى إسحاق بالعلم والذي ورثه بنو إسرائيل (بنو يعقوب بن إسحاق)، وكان من المفترض أن يستخدم بنو إسرائيل هذا العلم الوراثي في حسن عبادتهم لله والتفكر في آياته.. غير أن أكثرهم استغل هذا العلم في ماديات صرفة ولم يتوجهوا إلى الله سبحانه وتعالى، بل أغرقوا أنفسهم في الماديات وظلموا أنفسهم وقد قال الله في شأن إبراهيم عليه السلام، وشأن ذريته: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ } [الصافات: 109-113].
كذلك قال الله سبحانه وتعالى في شأن ذرية إبراهيم عليه السلام:
{ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } [البقرة: 124].
إن الله سبحانه وتعالى بين لإبراهيم عليه السلام أن ذريته لن تكون كلها من الصالحين وأن ذلك يعتم على استجابتهم لما يحييهم بما أنزله على رسله إليهم من البينات والزبر والكتاب المبين، امتحن الله بني إسرائيل (فضلهم على العالمين) واختارهم على علم على العالمين، فكيف كانت استجابتهم لله ؟... ظلم بنو إسرائيل أنفسهم على مدى التاريخ.
وكانوا يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعصون الله فيما أمرهم وينقضون ميثاقهم مع الله... إنهم يحاربون كل من يقول لهم توجهوا بقلوبكم إلى الله واتركوا الحب الشديد لماديات وآمنوا بالله الذي ليس كمثله شيء...
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه... يتحايلون على أوامر الله حينما قال لهم لا تعتدوا في السبت، ويتشددون في أي أمر حينما قال لهم موسى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } [البقرة: 67] فاشتطوا في الأمر... استكبروا بالعلم الذي أورثوه.. ولم يؤمنوا إلا بالأشياء المادية أما الناحية الروحية... أما الحلم فقد بعدوا عنه لدرجة أنه من فرط ماديتهم قالوا لموسى عليه السلام: { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ } [الأعراف: 138] كذلك فإنهم طلبوا إلهاً مادياً يلمسونه بأيديهم وصنعوا عجلاً جسدياً مادياً.. لم يقبلوا بأن ينزل لهم المن والسلوى من السماء.. ولكنهم فضلوا طعام الأرض... كل توجههم كان للأرض ولم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء... { { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } [البقرة: 61] لقد استبدلوا الأرض بالسماء استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.. وكان هو ذلك مبدأهم وحتى الآن.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:53 PM
إن العلم الوراثي الذي وهبه الله لبني إسرائيل واختارهم على العلامين به { { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الدخان: 32].
وامتحنهم الله به ليعلم هل يشكرون أم يكفرون فلم يرعوا هذا العلم واتجهوا به فقط إلى الماديات وبالرغم من أنهم أصبحوا بهذا العلم الوراثي أساطين في الاقتصاد إلا أنهم استغلوه في إفساد الأرض وإفساد الذمم والربا والمكر والألاعيب وإشعال الحروب. فغضب اله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً شديداً.
وبعد اختبار الله لبني إسرائيل بهذا العلم... وإظهارهم للعالمين بأنهم قوم سوء... شاء الله أن يكون خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل عليه السلام ذرية الحلم والتقوى ووهب الله له العلم المباشر من الله سبحانه وتعالى... قرآناً كريماً غير ذي عوج.. فكان المسلمون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله.. { { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110].
الأجر مرتين والعذاب ضعفين... للقمم
يقول الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 165 من سورة الأنعام: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }.
وضع الله للناس درجات في الحياة الدنيا لتستقيم عمارة الأرض لأنه لا يمكن أن يكون الناس كلهم في درجة واحدة.. لا يمكن أن تستقيم عمارة الأرض بجعل الناس كلهم قادة.. أو كلهم علماء.. أو كلهم في وظيفة واحدة.. لا بد من وظائف متعددة ودرجات متفاوتة.. وقد أوضح الله سبحانه وتعالى هذه المسألة في قوله في الآية 32 من سورة الزخرف:
{ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } [الزخرف: 32].
غير أن هذا التمييز لدرجات ادنيا ليس هو تكريم وإنما هو ابتلاء واختبار { لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ } [المائدة: 48]. وتكون النتيجة كما يذكرها الله سبحانه وتعالى في الآيات من 37 حتى 41 من سورة النازعات: { فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }.
إلا أن وضع الناس على درجات مختلفة في الحياة الدنيا يجعل من ذوي السلطة منهم وذي الشأن والملأ والشهرة تأثيراً كبيراً في حياة عامة الناس... فهم أولو القوة والسلطة والبطش.. كما أن أصحاب الشهرة منهم يمثلون لعامة الشعب قدوة وأنموذجاً يتطلعون إليه. فيتحدثون عنهم في مجالسهم.. ويروون القصص والحكايات.. ويتتبعون أخبارهم وكل ما يدور حولهم... ويكونون على رأس كل موضوعاتهم واهتماماتهم...
إن تأثير أي واحد من أولي الشهرة وأصحاب القمم في أي مجال يساوي تأثير آلاف أو ملايين الناس العاديين... لذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يعاملهم معاملة الناس العاديين.. إن الحسنة من الواحد منهم لا تعادل الحسنة من المرء العادي وكذلك السيئة منه لا تعادل السيئة من المرء العادي..
إن خطأ الكبير كبير... وحسنة الكبير كبيرة..
لقد وضع الله سبحانه وتعالى ميزاناً دقيقاً في آيات القرآن الكريم، إنه ميزان العدل المطلق { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } [الرحمن: 7-9].
وكان الوزن هو مقياس الأجر.. والوزن هو قيمة العمل وتأثيره.
وتأتي آيات كثيرة في القرآن الكريم توضح مسؤولية ووزن أصحاب القمم والسلطة والشهرة والقيادة والأجر المقابل.. ونورد هذه الأمثلة:
نساء النبي:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب الآية 30، 31:
{ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا }.
إن نساء النبي هن أمهات المؤمنين.. هن القمم.. وأحد مراجع السنة.. تأثيرهن ليس كتأثير النساء العاديات: { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ } [الأحزاب: 32].
لذلك فقد كان الأجر مرتين.. والعذاب ضعفين.
المنافقون:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة الآية 101:
{ { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } [التوبة: 101].
إن المنافقين تأثيرهم ووزنهم ليس تأثيراً عادياً.. إنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.. إنهم يشوّهون العقيدة ويخدعون المؤمنين.. ويضربون الأمثال السيئة للذين لم يؤمنوا بعد.. إنهم وبال على الإيمان لذلك كان لا ب من عذابهم مرتين مرة بسبب الكفر ومرة بسبب إظهار إيمان غير حقيقي.....
اليهود والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة القصص الآيات 52-54:
{ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }.
إن اليهود بوجه عام متعنتون في الدين.. يعلمون الحق ولا يتبعونه.. يقولون سمعنا وعصينا لذلك جاء الأمر مرتين لهؤلاء الذين جاهدوا هذه الطبيعة السيئة وانتصروا على أنفسهم.. وخرجوا من أمر اليهودية المتعنتة وصبروا على أذى بقية قومهم... واصبحوا قمماً إيمانية تبين كذاب بني إسرائيل وإصرارهم على الباطل... وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم.
القمم والكبراء في الضلال:
يقول الله سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء القسم في الضلال والإضلال:
{ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ } [هود: 20].
{ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } [الأحزاب: 67-68].
{ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 38].
إن هؤلاء القمم في الضلال والإضلال يستحقون العذاب ضعفين بما لهم من تأثير في باقي الناس المعاديين وبما لهم من سطوة وقوة وقهر وبريق وإعلام وإعلان وشهرة...
قمم الضلال والإضلال... وجزاء التوبة
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفرقان الآيات 68-70:
{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }.
هؤلاء القمم الذين ضلوا وأضلوا وأفسدوا في الأرض.. أشركوا بالله.. وقتلوا النفس التي حرم الله بغير الحق، وزنوا.. ثم أفاقوا واهتدوا إلى الحق وجاهدوا أنفسهم وشهرتهم وسطوتهم وانتصروا على كل الهالات والبريق الذي يحوطهم وعلى كل الشلل والأصحاب والأخدان وحاشية السوء.. وتابوا إلى الله وأنابوا إليه وعملوا الصالحات وانتقلوا بزاوية مقدارها 180 درجة من الشمال إلى اليمين.. غفر الله لهم ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم.. ونقل أعمالهم وسيئاتهم من الشمال إلى اليمين.. فتبدلت السيئات إلى حسنات وتضاعف أجرهم جزاء بما صبروا على شهوات النفس.... وجزاء على ما يحدثه هذا التبدل كما أفاق هؤلاء القمم.. ويرجع الناس وينيبوا إلى الله ويسلموا له... كما أسلم الكبراء...
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.. فقد كان في أول الدعوة يرجو إسلام عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام (أبو جهل) بما لهم من أثر في الناس العاديين..

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:54 PM
الملوك والقياصرة والأكاسرة وقمم السلطة:
في رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القياصرة والأكاسرة والتي دعاهم فيها إلى الإسلام كان صلب الرسالة هو الآتي: ( أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أثر الإسلام هؤلاء القمم في شعوبهم... وأنهم حينما يسلمون فإنهم يساعدون في إزالة الغشاوة عن أعين الناس العاديين.. ويلفتونهم إلى الحق لهم من قوة جذب وبريق.. هذا بالإضافة إلى انتصار هؤلاء القمم على أنفسهم وكبريائهم وسلطاتهم وعروشهم ومساواتهم بعامة الناس حب مبادئ الإسلام.. لذلك كان الأجر مرتين..
الأجر مرتين.. للصابرين
عندما صبر سيدنا إبراهيم عليه السلام على البلاء المبين بذبح ابنه الوحيد إسماعيل عليه السلام، بشره الله بإسحاق نبياً من الصالحين.
{ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [الصافات: 112].
وبذلك أعطاه اله أجراً مرتين بما صبر على البلاء العظيم بفقد ابنه الوحيد.. فأعطاه ابناً آخر نبياً من الصالحين..
كذلك فإنه عندما صبر أيوب عليه السلام على النصب والعذاب وعلى فقد أهله وهبه الله أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لأولي الألباب.. لقد منحه الله الأجر مرتين..
{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } [ص: 43].
القمم بوجه عام في المجتمع:
إن القرآن الكريم يزخر بالأمثلة والنماذج التي توضح لنا عدالة الله سبحانه وتعالى في الجزاء.. إنها تحث هؤلاء القمم في السلطة وفي الإعلام وفي الإعلان وفي كافة نواحي المسؤولية.. على الانتصار على نوازع النفس البشرية والتحول إلى أصحاب اليمين ويؤجرهم مرتين لما لهم من تأثير على عامة الناس... وهذا الأجر مرتين يعني ضعف أقصى أجر يمنحه الله للناس المؤمنين العاديين.. وقد ذكر القرآن الكريم أن الله يضاعف هذا الأجر العادي أضعافاً مضاعفة. كما أن هناك رضوان من الله أكبر وبذلك يكون الأجر مرتين هو ضعف هذه المضاعفات جميعاً.. هناك أمر آخر.. إن القمم مستويات.. وأي مسؤول له تأثير في موظفيه يعتبر قمة في هذا النوع من المسؤولية كما أن أي شخص في أي مكان له أي تأثير على شخص أو أشخاص آخرين هو قمة في الموقف.. وكذلك الحال بالنسبة للأب أو الأم في الأسرة.. والمدرس في الفصل.. والمدير في الإدارة.. والرئيس في المرؤوسين.. والكاتب الذي ينشر فكره.. والممثل الذي يؤدي دوراً.. والإعلامي.. والصحفي.. والفنان.. والفنانة. والعالم والفقيه والواعظ.. الخ.
إن هؤلاء جميعاً يؤتون أجرهم مرتين حسب نصر القرآن إذا صبروا وآمنوا ورعوا الله في مسؤولياتهم.. ويضاعف لهم العذاب إذا ضلوا وأضلوا.. كما أن هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض.. ثم عرفوا الحق وتابوا إلى الله ورجعوا عن غوايتهم وإغوائهم للناس.. فإن الله يبدل سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً..
أما هؤلاء الناس لا يملكون مصيرهم.. وليس لهم من الأمر شيء مثل (ما ملكت أيمانكم) فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب: { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [النساء: 25].
أنزل – نزّل
أنزل: تعني الإنزال مرة واحدة أو جملة واحدة.
نزل: تعني الإنزال على مراحل أو أجزاء متفرقة.
والقرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى جملة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان إلى السماء الدنيا حسب الروايات المتعددة في هذا المجال وحسب ما توحي به نصوص الآيات الكريمة التي وردت في نزول القرآن الكريم.. ثم نزله سبحانه وتعالى تنزيلاً على محمد صلى الله عليه وسلم متفرقاً خلال ثلاث وعشرين سنة هي مدة الرسالة وذلك لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك للرد على أسئلة وأمثلة المشركين وأهل الكتاب، وفي هذا يقول سبحانه وتعالى في الآية 32 والآية 33 من سورة الفرقان: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا }.
وإنزال القرآن الكريم جملة واحدة في ليلة واحدة ورد في الآيتين الكريمتين:
- { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1].
- { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } [الدخان: 3].
وفي تحديد الشهر الذي أنزل فيه القرآن جملة واحدة ورد ذلك في الآية الكريمة:
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ } [البقرة: 185].
كذلك فإن ما يؤكد إنزال القرآن الكريم جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم تنزله على مراحل من السماء الدنيا إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو ما ذكرته الجن في سورة الجن عن نزول القرآن الكريم:
{ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } [الجن: 8-9].
وهذا الوصف يوضح العناية والحفظ الذي هيأه الله سبحانه وتعالى للقرآن الكريم أثناء تنزله من السماء الدنيا إلى الأرض.
كذلك فإن الله سبحانه وتعالى يذكر في الآية 210 من سورة الشعراء: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ }. والكلام هنا عن التنزيل بين السماء الدنيا والأرض حيث توجد الشياطين.
كما يقول سبحانه وتعالى في الآية 9 من سورة الحجر:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9].
وقد استخدم القرآن كلمة (نزلنا) بدلاً من أنزلنا) ليبين لنا أن هذا الذكر قد حفظه الله من الشياطين أثناء فترة تنزله من السماء الدنيا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم طوال ثلاث وعشرين سنة. كما أنه سيحفظه من شياطين الإنس والجن إلى قيام الساعة..

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:54 PM
أما في إنزال القرآن الكريم جملة واحدة من عند الله إلى السماء الدنيا فهناك الملأ الأعلى والملائكة المطهرون ولا يحتاج الأمر إلى ذكر الحفظ لأنه لا توجد شياطين في منطقة الملأ الأعلى...
السنة والعام والحول
القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.. وإحكام الآيات يعني إحكام الألفاظ والكلمات.. إن كل كلمة قرآنية تؤدي معناها (تماماً على الذي أحسن) في الجملة القرآنية والجملة القرآنية تؤدي معناها (تماماً على الذي أحسن) في الآية القرآنية وهكذا... ليكون القرآن الكريم كتاب محكم الآيات لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
وكثير من الناس لا يجدون فرقاً في استخدام كلمات السنة والعام والحول ويعتقدون أنها كلمات مترادفة.. لو استبدلت مواقعها لما تغير معناها..
غير أن القرآن الحكيم يحدد المعنى للكلمة القرآنية بكل دقة ويوحي إلينا هذا المعنى من خلال سياق الجملة القرآنية، الآية والسورة.. وكذلك من خلال ربط الآيات القرآنية ببعضها.. فما أوجز من معنى في مكان.. يفسره الله سبحانه وتعالى لنا في مكان آخر..
وكما سبق لي أن أوضحت في هذه الدراسة أن هناك آيات قرآنية أو جملاً قرآنية يرد فيها لؤلؤة أو مفتاحاً لبيان معنى معين قد يكون معلقاً على الفهم العام وبتدبر هذه الآية القرآنية وبربطها مع الآيات القرآنية الأخرى ذات العلاقة يظهر المعنى واضحاً جلياً..
ولنتدبر بعض الآيات التي تعتبر مفاتيح لمعنى السنة والعام والتي تربط بين السنة والعام:
قال الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 14 من سورة العنكبوت:
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } [العنكبوت: 14].
وقال سبحانه وتعالى في الآيات 47-49 من سورة يوسف:
{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }.
في الآيات السابقة نجد أنه حيثما ترد السنة أو السنين فذلك يعني الشدة والتعب والدأب والظلم والطول.. وعلى العكس حيثما يرد العام فذلك يعني السهولة واليسر والرخاء وقصر المدة.
ففي المثال الأول والخاص بمدة الرسالة التي قضاها نوح عليه السلام في قومه بما فيها من شدة ونصب وتكذيب واستهزاء.. ثم ما كان من يسر ورجاء لنوح عليه السلام بعد الطوفان الذي أغرق الكافرين وبعد أن عاش مع المؤمنين.. فقد ذكر القرآن الكريم أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً..
أي أنه لبث في الشدة 950 سنة وفي الرخاء بعد إهلاك الكافرين الطوفان خمسين عاماً.
وفي المثال الثاني من سورة يوسف فقد جاءت{ سبع سنين } مع العمل الدءوب والجهد والتعب ثم جاءت (سبع شداد) وهي صفة للسنين مع الضنك والجدب..
أما لفظ (العام) فقد جاء مع (الغيث) و(المطر) وكثرة العلة واليسر والرخاء..
{ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }.
السنة:
حينما نرجع إلى جميع آيات القرآن الكريم التي وردت فيها (سنة) و(سنين) لوجدنا صفة الشدة والطول هي الغالبة على المعنى وقد وردت في القرآن الكريم 20 مرة نذكر بعض الأمثلة منها:
{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ } [الأعراف: 130].
{ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } [الكهف: 11].
{ { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } [الشعراء: 205].
{ { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } [الشعراء: 18].
{ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } [طـه: 40].
وهذه الآية فيها لفتة عظيمة حيث تدل على الأجل الذي قضاه موسى عليه السلام في مدين وأن هذا الأجل هو عشر حجج حينما خيّره والد الفتاة { { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } [القصص: 27].
وقد جاءت الآية بأن موسى عليه السلام قد لبث سنين في أهل مدين وبالمعنى الخاص بالسنين وهو طول المدة فإن ذلك يعني أن موسى عليه السلام قد قضى أطول الأجلين أي عشرة سنوات.. وبالطبع فإن هذه خصوصية النبوة وهي إتمام الخير.. لاحظ معي أيها القارئ الكريم هذه الدقة في القرآن وأن أي كلمة لا تأتي عفواً.. وإنما هي الحكمة..
العام:
وردت كلمة عام وعامين في القرآن الكريم 10 مرات وهي تعني اليسر والرخاء وقلة المدة أو قصرها حسب الحالة النفسية للشخص أو الأشخاص.. ونذكر فيما يلي أمثلة من ذلك:
{ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [التوبة: 126].
وتعني: قصر المدة التي تتم خلالها الفتنة.
{ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } [يوسف: 49].
وهي تعني اليسر والرجاء.
{ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14].
وهي تعني الحب والفرح بالوليد خلال فترة الرضاعة.
الحول:
الحول يعني العام الذي يتم فيه فعل الشيء بلا انقطاع فمعناه يختف عن معنى السنة ويختلف كذلك عن معنى العام لأن السنة والعام هي فترات زمنية يأتي خلال أي جزء منها الحدث أو الفعل وليس شرطاً أن يكون الحدث أو الفعل مستمراً خلالها، أما الحول فيكون الحدث أو الفعل فيه مستمراً بدون انقطاع.. ونذكر الآيتين اللتين ورد فيهما الحول:
{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } [البقرة: 240].
وهي تعني أن يكون المتاع طوال العام مستمراً بدون انقطاع.
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233].
وهي تعني أن الرضاعة مستمرة بلا انقطاع طوال العامين.. { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14].
من الدراسة السابقة يتبين لنا الفروق الجوهرية بين معنى السنة ومعنى العام ومعنى الحول وأنها يجب أن يتم فهمهما على النحو الصحيح حتى نتدبر آيات القرآن ونفهمها على أحسن وجه.
يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )
موبايل: 0020101692635
(1) من تقديم الدكتور سعد عبد المقصود ظلام لتفسير ابن كثير.
(2) حكمة الدين ـ وحيد الدين خان

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:56 PM
من أسرار الرسم القرآني ـ إبدال بعض الحروف والزيادة

http://www.55a.net/firas/ar_photo/118192969110502329_d1d413c204_m.jpgإعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
نواصل حديثنا عن إعجاز الرسم القرآني ونتكلم عن الإعجاز في إبدال بعض الحروف والزيادة
أ- إبدال التاء المربوطة تاء مبسوطة
نعمة – نعمت
* وردت (نعمة) بالتاء المربوطة 25 مرة في القرآن الكريم.
* ووردت (نعمت) بالتاء المفتوحة 11 مرة في القرآن الكريم.
نعمة:
ونلاحظ حين تدبرنا للآيات الكريمة التي وردت فيها نعمت بالتاء المربوطة أنها تتحدث إما عن نعم الله الظاهرة للعيان وهي النعم العامة للبشر جميعاً... أو تتحدث عن أقل شيء يطلق عليه (نعمة) مثل:{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [النحل: 53]، أي أن ما بكم من أقل شيء يطلق عليه (نعمة) فهو من الله وليس أي مخلوق بقادر على أن ينعم عليكم بأقل نعمة... وطبيعي أن تأتي كلمة (نعمة) في هذا المجال بالتاء المربوطة لأنها محدودة ومربوطة..
نعمت:
أما حينما تأتي (نعمت) بالتاء المفتوحة فإنها تدل على النعمة الخاصة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من عباده... كما أنها تدل على النعم المفتوحة التي لا يمكن إحصاء عددها...
وجدير بالذكر أنه حينما تذكر (نعمت) في أي آية من القرآن الكريم فيكون ذلك من أجل لفت انتباه قارئ القرآن لتدبر هذه الآية وما حولها من آيات واستخلاص الحكمة والعبرة.
ونذكر فيما يلي بعض الآيات الواردة فيها (نعمة) و(نعمت) كاملة:
(نعمة)
- { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ } [آل عمران: 171].
- { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ } [المائدة: 7].
- { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ } [آل عمران: 174].
(نعمت)
- { وَاذْكُرُوا نِعْمتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } [آل عمران: 103].
- { وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34].
- { فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ } [الطور: 29].
وقد وردت (نعمت) كذلك في الآيات الآتية:
231 من سورة البقرة، 11 من سورة المائدة، 28 من سورة إبراهيم، 73 من سورة النحل، 83 من سورة النحل، 114 من سورة النحل، 21 من سورة لقمان، 3 من سورة فاطر.
ب- الزيادة
الربوا
وردت كلمة (الربوا) على هذا الشكل في القرآن الكريم 7 مرات...
ووردت كلمة (ربا) مرة واحدة فقط في القرآن الكريم كله...
وقد جاءت كلمة (الربوا) بهذا الشكل لتلفت النظر إلى خطورة استخدام الربا في معاملات الناس، وأن الله قد حرم الربا، وأن الله يمحق الربا ويربي الصدقات.
أما كلمة (ربا) فقد جاءت مرة واحدة وهي خاصة بأقل شيء يطلق عليه ربا فهو لا يربوا عند الله:
{ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [الروم: 39].
ونلاحظ أيها القارئ الكريم أن كلمة (يربوا) تزيد حرف (الألف) في آخرها لتوحي بمعنى الربا وهي الزيادة.
اسطاعوا – استطاعوا
قال تعالى في الآية 97 من سورة الكهف عن السد الذي أقامه ذو القرنين ليحجمز عن القوم إفساد يأجوج ومأجوج:
{ { فَمَا اسْطَـعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } [الكهف: 97].
وقد استخدم القرآن الكريم كلمة (اسطاعوا) ناقصة حرف (التاء) في الظهور على السد ليوحي بعجلتهم في صعود السد والقفز من فوقه خاصة وأن مبنى السد من الحديد والنحاس أي: أنهم عرضة للانزلاق الأمر الذي يتطلب سرعة في التسلق...
أما في حالة نقب السد فإن الأمر يستلزم زمناً وتراخياً في الوقت لذا فقد تم استخدام كلمة (استطاعوا) العادية بدون أن نقص في أحفرها.
وذلك ليكون مبنى الكلمة موحياً ومبنياً للمعنى المطلوب.
العلمؤا
وردت كلمة (العلمؤ) مرتين في القرآن الكريم كله.. ولم ترد إلا بهذه الصورة الخاصة لتدل على المكانة العظيمة والمنزلة الكبيرة للعلماء وأنهم ليسوا سواء مثل باقي الناس: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9]. وهي في محل (رفع):

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:56 PM
- { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَـؤُا بَنِي إِسْرَائِيلَ } [الشعراء: 197].
- { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَـؤُا } [فاطر: 28] وفي هذا الآية يتبين لنا من هذه الصورة الخاصة (العلمؤا) وهي التي لا تأتي إلا في محل رفع دقة وعظمة القرآن للرد على هؤلاء الذين يقولون إن العلماء مفعول به أي في محل نصب.
3- الإعجاز في الوصل والفصل
فأن – أفإين
وردت كلمة (فإن) بشكلها العادة مرات عديدة موزعة على آيات القرآن الكريم...
غير أنه حينما تعرض القرآن الكريم لذكر موت الرسول صلى الله عليه وسلم فقد خصه بكلمة (أفإين) بشكلها غير العادي حيث أنها زادت حرف (الياء).
وذلك ليلفت النظر إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيموت مثل البشر جميعاً... وعلى المسلمين ألا ينقلبوا على أعقابهم بعد موته... وألا يصيبهم ذلك الحدث بالذهول وعدم الاتزان... وإنما يتماسكوا ويعلموا أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل لأحد من قبله الخلد.. وقد كان موقف سيدنا أبي بكر الصديق عظيماً حيث ذكر هذه الآية الكريمة التي أعادت للناس رشدهم والتي احتوت كلمة (أفإين) بشكلها غير العادي، كذلك احتوت آية كريمة أخرى هذه الكلمة بشكلها غير العادي وكانت خاصة أيضاً بموت الرسول صلى الله عليه وسلم.
علماً بأنه لم يرد في القرآن كله هذا الشكل غير العادي لهذه الكلمة إلا في هذين الموضعين:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144].
وفيما يلي أمثلة لكلمة (إن) وملحقاتها والتي وردت في القرآن كلمة بدون (الياء):
- { وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } [آل عمران: 158].
- { فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } [البقرة: 240].
- { فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ } [البقرة: 137].
ألم يروا – أولم يروا
في سورة يس.. وردت ألم يروا في الآية 31:
- {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ }.
وهي تعني (ألم تعلموا بالدليل والحجة) وهي تقع موقع الرؤية، والشهادة.. فالدليل والحجة يكون في أحيان كثيرة أقوى من الرؤية البصرية.. وتبين هذه الآية الكريمة قدرة الله على إهلاك القرون الأولى.. كما تبين أن الحدث كان في الماضي فقط.
أما حينما يذكر الله سبحانه وتعالى قدرته على الخلق والإنشاء فإن الأمر يختلف في استخدام التعبير لأنه في مقياسنا البناء أصعب من الدم، كذلك فإن الخلق متجدد، والحدث يقع في الماضي والحاضر والمستقبل، أي أن زمن الحدث متسع.. لذا فقد استخدم القرآن الكريم كلمة (أولم يروا) بزيادة حرف (و) ليدل على زيادة المعنى وعظمته وذلك في الآية الكريمة رقم 71 من سورة نفس السورة:
- {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ }.
كذلك فإن زيادة حرف (و) توحي بضرورة الانتظار والتهدئة للفكر في خلق الله وعدم العجلة في القراءة...
فانظر يا أخي القارئ الكريم إن كل حرف في القرآن يأتي زائداً أو ناقصاً فإن له فائدة....
ونعزز هذا القول بما ورد في الآية الكريمة رقم 77 من نفس السورة والتي تتكلم عن خلق الإنسان فقد استخدم القرآن الكريم كلمة (أولم ير) وكذلك في الآية الكريمة رقم (81) والتي تتكلم عن خلق السماوات والأرض فقد استخدم (و) زائدة..
- { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ }.
أما في الأحداث الماضية فقد ورد:
- { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } [الفيل: 1].
- و{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } [الفجر: 6].
أيها – أيه
وردت كلمة (أيها) بشكلها المعتاد في القرآن الكريم كل 150 مرة غير أنها وردت بشكل مختلف (أيه) بنقص الألف التي في آخرها في ثلاث مواضع فقط وهي:
- { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّه الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور: 31].
وقد جاءت بهذا الشكل بنقص أحرف الكلمة لتوحي بالإسراع في التوبة... وأنه يجب على أي مؤمن أن يتوب عن أي خطأ يرتكبه بأقصى سرعة وألا يتوانى في ذلك.
- { وَقَالُوا يـأَيُّه السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ } [الزخرف: 49].
وقد جاءت بهذا الشكل لتوحي بالعجلة التي تطلبها فرعون وملئه من موسى عليه السلام لرفع العذاب عنهم...
كما أنه من الممكن بأن توحي أيضاً بأن فرعون وملئه يحاولون التقليل من شأن موسى عليه السلام.
- { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّه الثَّقَلَانِ } [الرحمن: 31].
جاءت (أيه) بهذا الشكل ناقصة الألف لتوحي بالتهوين من أمر (الثقلين) وهما الإنس والجن لدى الله سبحانه وتعالى...
فمال هؤلاء القوم
حينما يريد الله سبحانه وتعالى للناس أن يتفكروا ويتفقهوا يأتي بسياق الآية الكريمة التي تمهل وفصل للكلمات والحروف وبتأن شديد يساعد على التدبر.... ونضرب لذلك مثالاً هذه الآية الكريمة:
قال تعالى: { فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } [النساء: 78].
جاء هناك فصل بين حرف (ل) وكلمة هؤلاء كما جاءت كلمة (لا يكادون) لتزيد من التمهل والتدبر والتفقه...
يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )
موبايل: 0020101692635

المراجع:
القرآن الكريم
1 - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج2 في تفسير الآية 185 من سورة البقرة.
2 - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي في تفسير الآيات الثلاث الأولى من سورة الزخرف.
3 - كتاب مناهل العرفان للزرقاني.
4- ((كتاب تأملات في إعجاز الرسم القرآني وإعجاز التلاوة والبيان )) للمهندس: محمد شملول.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:57 PM
مثل نوره جل جلاله

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1180578387180px-wazir-mosque-allah-muhammad.jpgقال الله جل جلاله:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (النور:35)
أولاً- هذه الآية الكريمة تتحدث عن سلطان الله جل جلاله في هذا الوجود، وامتلاكه لناصية كل موجود فيه. ففيها يخبر سبحانه وتعالى عن نفسه بأنه نور السموات والأرض، ثم يضرب لنوره مثلاً بنور مصباح، قد اجتمعت فيه أسباب الإضاءة كلها على أحسن وجه وأكمله، فبدا نوره صافيًا قويًّا متلألأً، ينير كل ما حوله. ثم أخبر سبحانه أنه يهدي لنوره من يشاء من عباده، وأن مشيئته سبحانه تابعة لحكمته وعلمه بالأشياء كلها دقيقها وعظيمها، صغيرها وكبيرها، لا يغيب من ذلك شيء عن علمه سبحانه.
وقد سبق ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾(النور: 34)
وهو تعقيب لما سبقه في هذه السورة الكريمة، التي سمَّاها الله تعالى: سورة النور، ووصفها بقوله:﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾(النور: 1)
فدل ذلك على أنها جملة من الحدود والأحكام والحكم والآداب، والأخلاق، والمواعظ، قد فرضت فرضًا على سبيل القطع والإلزام، لما في ذلك من تطهير للمجتمع من الفساد والفوضى، واختلاط الأنساب، والانحلال الخلقي، ومن حفظ للأمة من عوامل التردي في بؤرة الإِباحية والفساد، التي تُسبب ضياع الأنساب، وذهاب الشرف والأعراض، وبناء مجتمع فاضل، يقوم على العدل والحق والخير.
والإخبار عن هذه السورة بلفظ النكرة هكذا:﴿ سُورَةٌ ﴾، ثم وصفها بما تلاه من صفات:﴿ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾، فيه من الفخامة من حيث الذات، ومن حيث الصفات ما لا يخفى، فكان من المناسب جدًّا أن يأتي الله سبحانه بعد ذلك بهذا التعقيب، الذي ضمَّنه هذا الوصف الجليل للقرآن الكريم، الذي تضمن هذا التقسيم الثلاثي لما جاء فيه، فبيَّن سبحانه وتعالى:
1- أنه آيات مُبيِّنات:﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ﴾. أي: مُوضِّحات لأحكام الدين وحدوده، لا تدع مجالاً للشك، أو الغموض، والتأويل, والانحراف عن منهج الله القويم. ويدخل في عموم هذه الآيات المبيِّنات الآيات البيِّنات، التي أخبر الله تعالى عن إنزالها في هذه السورة:
﴿ وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾
فهذه بيِّنات في أنفسها، وتلك مع كونها بيِّنات في أنفسها مُبيِّنات لغيرها.
2- أنه مثل من الذين خَلَوْا من قبلنا:﴿ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾، وهو المراد بما ذكره الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الغابرة وقصصهم، التي يعتبر بها، ويقاس عليها أحوال الأمم المستقبلة؛ كما قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾(يوسف: 111)
ومن هذه القصص- التي فيها العبرة لمن أراد أن يعتبر- ما أخبر الله تعالى عنه في هذه السورة المباركة من قصة مريم، التي رماها قومها بالفاحشة، فبرَّأها الله تعالى. فهذه القصة فد جعلها الله تعالى مَثَلاً لكل قصة تماثلها؛ كقصة عائشة- رضي الله عنها- التي رماها أهل الإفك من قومها بما لا يليق بها، فأظهر الله تعالى براءتها في هذه السورة المباركة.
3- أنه ﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾، الذين تستشعر قلوبهم رقابة الله، فتخشى وتستقيم، وكذلك هو موعظة للكفرة الضالين. وإنما خَصَّ المتقين بالذكر؛ ليبين أنهم هم الذين اتعظوا، وانتفعوا بتلك المواعظ. ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ ﴾(يس: 11)
وقد كان عليه الصلاة والسلام منذرًا لكل الناس؛ ولكنه خصَّ الذين اتبعوا الذكر، وخشوا الرحمن بالغيب؛ لأنهم هم الذين انتفعوا بالإنذار. ثم تلا ذلك قول الله جل وعلا:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾(النور: 35)
فبين سبحانه وتعالى أن كل ما أنزله من آيات بيِّنات، ومُبيِّنات، وما فرضه من أحكام، وما حَدَّه من حدود، وما ذكره من أحوال الأولين والآخرين وقصصهم، وما ذكره من أوامرَ، ونواهٍ، ومواعظَ، في هذه السورة المباركة خاصة، وفي القرآن الكريم عامة؛ إنما هو نور مستمد من نوره سبحانه؛ ولهذا سمَّى هذه السورة:{ سورة النور }. وهكذا تتناسق الآيات مع بعضها البعض في سلك رفيع من النظم بديع !
ثانيًا- قوله تعالى:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
يقتضي ظاهره أنه سبحانه وتعالى في نفسه نور. ولما كان النور- في لغة العرب- يعني الضوء المدرَك بالبصر، حمل جمهور المفسرين إسناده إلى الله عز وجل على المجاز. وإسناده- عندهم- على اعتبارين:
إما على اعتبار أنه بمعنى: اسم الفاعل. وعليه يكون التقدير:
﴿ اللَّهُ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
أو على اعتبار حذف مضاف، تقديره:
﴿ اللَّهُ ذُو نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
أما كونه بمعنى اسم الفاعل فهو مروي عن الحسن وأبي العالية والضحاك. وعليه جماعة من المفسرين، ويؤيده قراءة بعضهم:﴿ مُنَوِّرُ ﴾، وكذا قراءة علي- رضي الله عنه- وأبي جعفر، وغيرهما:﴿ نَوَّرَ الأرضَ ﴾ فعلاً ماضيًا، ومفعولاً به.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:58 PM
وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه فسَّر نور السماوات بهادي أهل السماوات والأرض. وبمدبِّر الأمر فيهما، وروي ذلك عن مجاهد أيضًا.
وجعل ذلك بعضهم من التشبيه البليغ، ووَجْهُ الشَّبَه كونُ كل من التدبير والنور سبب الاهتداء إلى المصالح، ويؤيده ما أخرجه الطبري عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- من قوله:” إن إلهي يقول: نوري هُدَايَ “. فشبَّه سبحانه وتعالى نوره بهداه.
وهذا- كما قال ابن قيِّم الجوزية- إنما يرجع إلى فعله سبحانه، وإلا فالنور، الذي هو وَصْفٌ من أوصافه جل وعلا قائمُ به، ومنه اشْتُقَّ له اسم النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى. فهذا اسمه، وذاك فعله، ولا تَنافِيَ بين الاسم والفعل، وقد عُلِمَ أن كل ما هو نورٌ فهو مُنَوِّرٌ لغيره، فهما متلازمان.
وكان بعض العارفين يرى أن النور هو اسم الله الأعظم. وفي( لسان العرب ) لابن منظور:” في أسماء الله تعالى النُّورُ. قال ابن الأثير: هو الذي يبصِر بنوره ذو العَمايَة، ويرشُد بهداه ذو الغِوايَة. وقيل: هو الظاهر، الذي به كلُّ ظهور. والظاهرُ في نفسه، المُظْهِرُ لغيره يسمَّى: نورًا.. قال أبو منصور: والنور من صفات الله عز وجل “.
وقال ابن قيِّم الجوزية:” إن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول، وأثبتوه في أسمائه الحسنى، ولم ينكره أحد من السلف، ولا أحد من أئمة أهل السنة. ومحالٌ أن يسمِّي نفسه نورًا، وليس له نور، ولا صفة النور ثابتة له؛ كما أن من المستحيل أن يكون عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا، ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحةُ هذه الأسماء عليه مستلزمةٌ لثبوت معانيها له، وانتفاءُ حقائقها عنه مستلزمةٌ لنفيها عنه، والثاني باطل قطعًا فتعين الأول “.
فكونُ النور اسمًا من أسمائه تعالى، أو وَصْفًا من أوْصَافه، لا يمنع أن يكون منوِّرًا لغيره، ومُدَبِّرًا لأمره، وهاديًا له؛ لأن من معاني كونه- سبحانه- نورًا أن يكون مُنَوِّرَ السمواتِ والأرضِ، ومُدَبِّرَ الأمر فيهما، وهاديَ أهلهما بنوره، الذي منه قِوامُهُمَا، ومنه نِظامُهُمَا؛ فهو الذي يهَبُهُما جوهرَ وجودهما، ويودِعُهُما ناموسَهُما، ويقيم كل موجود في هذا الوجود في مكانه الصحيح، ويوجِّهه الوِجْهةَ، التي يأتلف فيها مع الوجود، ويتناغم مع الموجودات؛ فكأن كل ذرة من ذرات هذا الوجود تعمل في نور، فلا تضلُّ طريقَها أبدًا.
وقد كان من عادة الصحابة- رضوان الله عليهم- أن يذكروا في تفسيرهم بعض صفات المفسَّر من الأسماء، أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية صفات المسمَّى. وإلى هذا أشار الشيخ ابن تيمية بقوله:” ثم قول من قال من السلف: هادي أهل السماوات والأرض، لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا؛ فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفَسَّر من الأسماء، أو بعض أنواعه. ولا ينافي ذلك ثبوت بقية صفات المسمَّى؛ بل قد يكونان متلازمين “.
ويدل على ذلك ما أخرجه الطبراني عن سعيد بن جبير- رضي الله عنه- من قوله:” كان ابن عباس يقول: اللهم! إني أسألك بنور وجهك، الذي أشرقت له السموات والأرض، أن تجعلني في حِرْزِك وحفظك وجوارك وتحت كنفك “.
وأخرج الطبراني أيضًا عن عبد الله بن مسعود قوله في تفسير الآية:” إن ربكم ليس عنده ليل، ولا نهار، نورُ السماوات والأرض من نور وجهه “.
وقد أخبر الله جل جلاله أن الأرض تشرق بنور ربها يوم القيامة، إذا جاء لفصل القضاء بين عباده، فقال سبحانه:
﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾(الزمر: 69)
وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عائد من الطائف نافض كفيه من الناس:” أعوذ بنور وجهك، الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك“
وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي في ( الأسماء والصفات ) عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا تهجد في الليل يدعو:” اللهم لك الحمد، أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيُّوم السموات والأرض ومن فيهن “.
قال ابن قيِّم الجوزية:” إن الحديث تضمن ثلاثة أمور، شاملة عامة للسموات والأرض؛ وهي: ربوبيتهما، وقيوميتهما، ونورهما. فكونه سبحانه ربًا لهما، وقيومًا لهما، ونورًا لهما أوصاف له، فآثار ربوبيته، وقيوميته، ونوره، قائمة بهما.
وصفة الربوبية مقتضاها هو المخلوق المنفصل. وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان، والخير، والنعمة، والعقوبة، آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه. وهكذا علمه القائم به هو صفته. وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته “.
فإذا ثبت بهذه النصوص كلها أن الله سبحانه هو نور السموات والأرض ومن فيهن، وأن كل شيء في هذا الوجود إنما يشرق بنور وجه ربه جل وعلا، ولنوره، وأن كل نور إنما هو من نوره سبحانه، فكيف لا يكون هو سبحانه في نفسه نورًا؛ كما كان سبحانه وتعالى ربًّا، وقيُّومًا، وهاديًا ؟!
وأما من قال: إن الله سبحانه، لو كان نورًا في نفسه، لما جازت إضافته إليه في قوله:﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾، وكذا في قوله:﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، بمعنى: أن المضاف لا يكون عَيْنَ المضاف إليه، فلا يقال: نورُ النورِ، ولا حقُّ الحقِّ؛ وإنما يقال: نورُ اللهِ، وحقُّ اليقين، فالجواب عنه: أن النور يضاف، أو يسند إلى الله سبحانه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يسند إسناد الخبر إلى المبتدأ؛ كما في قولنا: اللهُ نورٌ. وبهذا وصفه النبي عليه الصلاة والسلام. ففي الحديث الثابت عن أبي ذرٍّ- رضي الله عنه- أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال:” نورٌ! أنَّى أراه ؟ “.. وفي الرواية الأخرى:” هل رأيت ربك ؟ فقال: رأيت نورًا “.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:58 PM
فأخبر صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه نورٌ، وهو لفظ يفيد التعظيم. ثم نفى رؤيته لربه سبحانه بقوله:” أنَّى أراه ؟ “ أي: كيف أراه، ومن أين لي أن أراه، وهو نور؟ أما النور الذي رآه عليه الصلاة والسلام- كما جاء في الرواية الثانية- فهو حجابه الذي احتجب به عن خلقه سبحانه وتعالى. ويدل على ذلك ما جاء في حديث الإسراء، من أنه- عليه الصلاة والسلام- لما قرُب من سدرة المنتهى، غَشِيَ السدرة من النور ما حجب بصره عن النظر إليها، أو إليه سبحانه.
ففي صحيح مسلم (1/161) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، فقال:” إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور“.
وفي رواية أخرى:” حجابه النار، أو النور، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه “.
وسُبُحاتُ وجهه سبحانه: هي جلاله وبهاؤه، ونوره، الذي حجبه عن خلقه بحجاب من نور، أو نار. وقد نقل الإمام النووي اتفاق شُرَّاح الحديث على أن معنى” سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه.
وعقَّب الشيخ ابن تيمية على الحديث بقوله:” فهذا الحديث فيه ذكر حجابه، فإن تردَّد الراوي في لفظ النار والنور، لا يمنع ذلك؛ فإن مثل هذه النار الصافية، التي كلم بها موسى، يقال لها: نارٌ، ونورٌ؛ كما سمَّى الله نارَ المصباح نورًا، بخلاف النار المظلمة؛ كنار جهنم، فتلك لا تسمَّى نورًا “.
ودلالة الحديث- كما هو ظاهر- قاطعة في ثبوت صفة النور لله عز وجل لمن تأمله، وسلم من مرض التعطيل والتأويل. وهي كغيرها من الصفات، التي تثبت لله تعالى مع التنزيه، على حدِّ قوله سبحانه:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾(الشورى: 11)
فليس النور الثابت له سبحانه كنور الشمس والقمر، أو غيرهما من الأنوار المخلوقة؛ بل هو نور يليق به سبحانه، لا يماثل نور المخلوق، فلكل ذات ما يناسبها من الصفات..
﴿ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(النحل:60)
والوجه الثاني: أن يسند النور إليه سبحانه إسناد الصفة إلى موصوفها، أو إسناد الاسم إلى مسمَّاه، ومنه ما أخبر الله تعالى عنه بقوله:
﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾
فهذا إشراق الأرض يوم القيامة بنور ربها سبحانه وتعالى، إذا جاء لفصل القضاء بين عباده. والمعنى المراد: وأشرقت الأرض بنور ربها الموصوف بهذه الصفة، على اعتبار أن النور وصف قائم به سبحانه. أو بنور ربها المسمَّى بهذا الاسم، على اعتبار أن النور اسم من أسمائه الحسنى.
ومن المعلوم أن الصفة غير الموصوف، والاسم غير المسمَّى. وقد نصَّ سيبويْه على أن الاسم غير المسمَّى، فقال:” تقول: سمَّيت زيدًا بهذا الاسم؛ كما تقول: علَّمته بهذه العلامة “.
وإلى هذا ذهب الشيخ السهيلي- رحمه الله- فقال بعد أن بسط القول في هذه المسألة:” فقد تبين لك- في أصل الوضع- أن الاسم ليس هو المسمَّى؛ وذلك أنك تقول: سمَّيت زيدًا بهذا الاسم؛ كما تقول: حلَّيته بهذه الحلية. والحلية- لا محالة- غير المحلَّى؛ فكذلك الاسم غير المسمَّى “.
وعقَّب ابن قيِّم الجوزيَّة- رحمه الله- على كلام الشيخ السهيلي بقوله:” فهنا ثلاث حقائق: اسم ومسمَّى وتسمية؛ كحلية ومحلَّى وتحْلية؛ وعلامة ومعلَّم وتعليم. ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها. وإذا جعلت الاسم هو المسمَّى، بطل واحد من هذه الحقائق الثلاث، لا بد “.
فثبت بذلك أن النور المضاف إلى الله عز وجل في قوله:﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ليس هو عين المضاف إليه؛ لأن الأول هو الوَصْفُ، الذي اشتُق منه اسم النور. والثاني- وهو ضمير الكناية- هو المسمَّى ذاته؛ وهو الله جل جلاله. والأول غير الثاني. ومن تتبع هذا النوع من الإضافة في القرآن الكريم، وجده كثيرًا.. وإذ علم ذلك، فلا داعي لتكلف تقدير: الله ذو نور السموات والأرض.
والوجه الثالث: أن يسند إسناد المفعول إلى فاعله؛ ومنه قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾(الحديد: 12)
فهذا النور المضاف إلى المؤمنين؛ إنما هو في الحقيقة نور من نور الله جل وعلا، وخلق من خلقه. وليس من نور في هذا الوجود إلا هو خلق من خلق الله، ومن ذلك قولنا: نور المصباح، ونور الشمس، ونور القمر؛ ونحو ذلك مما هو صفة لأعيان قائمة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 05:59 PM
وهذا النور المسند إلى الله عز وجل إسناد المفعول إلى فاعله، والذي هو صفة لأعيان قائمة هو ضد الظلمة؛ وكلاهما مجعول لله تعالى؛ كما أفاد ذلك قوله تعالى:﴿ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾(الأنعام: 1)
وهو- كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته- ضربان: دنيوي، وأخروي: أما الأخروي فهو ضرب واحد؛ ومنه قوله سبحانه:
﴿ يسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾(الحديد: 12)
وأما الدنيوي فهو ضربان: أحدهما: معقول بعين البصيرة؛ وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل، ونور الإيمان، ونور القرآن، ومنه قوله تعالى:
﴿ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾(المائدة: 15)
والثاني: محسوس بعين البصر؛ وهو ما انتشر من الأجسام النيرة كالشمس والقمر والنجوم، ومنه قوله جل وعلا:
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً ﴾(يونس: 5)
فثبت مما تقدم أن الأنوار ثلاثة:
أولها: النور الذي هو وصف من أوصاف الله جلا وعلا، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى.
وثانيها: النور الذي هو حجابه جل جلاله، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.. تأمل ذلك في قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً ﴾(الأعراف: 143)
وثالثها: النور الذي هو خلق من خلق الله سبحانه، وهو نور الوجود كله، وهو المراد بقوله جل وعلا:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾.
وإلى هذه الأنوار الثلاثة أشار الشيخ ابن تيمية بقوله:” النصُّ في كتاب الله، وسنةُ رسوله قد سمَّى الله نورَ السماوات والأرض، وقد أخبر النصُّ أن الله نورٌ، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور.. فهذه ثلاثة أنوار في النص “.
وقد علم مما تقدم أن كون الله سبحانه نور السموات والأرض يعني: أنه سبحانه في نفسه نور؛ لأنه سبحانه، لو لم يكن في نفسه نورًا، فكيف يكون منوِّرًا لغيره ؟ وليس غريبًا بعد هذا أن نجد كثيرًا من الناس يعترضون على تسمية الله تعالى نفسه نورًا، وتسمية رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام له بالنور؛ وذلك لأنهم لم يميزوا بين نور ، ونور .
قال عبد الكريم الخطيب في كتابه تفسير القرآن للقرآن:” ونحن إذا نظرنا اليوم بعين العلم، رأينا الوجود كله نورًا. فالأجسام جميعُها مكونة من ذرَّاتٍ. والذرَّاتُ هي- كما عرف العلم- نورٌ من نورٍ. فكل ذرة مجموعة من الشموس، تدور في فلك النواة، التي للذرة. فهذه الأجسام المعتمة، وغير المعتمة في هذا الكون الفسيح هي نورٌ مُجَسَّد مُتكاثِفٌ، إذا انْحَلَّ إلى ذرَّاتٍ، كان كُتلاً من النور الوهَّاج.
فالعالم الماديُّ- كما يبدو في مرآة العلم الحديث- هو شُموسٌ، تستمد نورها من نور الله، الذي أضاء الوجود كله. ومع ذلك فهو بالإضافة إلى نور الله جل جلاله ظلام، لا تتجلَّى حقيقته إلا على ضوء نور الله سبحانه؛ كما تتجلَّى حقائق الأشياء، التي تقع في محيط المشكاة، وما يشعُّ المصباح الذي فيها من أضواء “.
وأضاف قائلاً:” ولا بد من الإشارة إلى أن التعبير عن قيوميَّة الله سبحانه وتعالى وسلطانه القائم في الوجود بالنور؛ إنما هو لما في النور من لطف، بحيث لا يتجسَّد أبدًا؛ بل إنه في هذا على عكس الأشياء كلها. فالأشياء اللطيفة- كالزجاج الرقيق مثلاً- كلما علت طبقة منه طبقة أخرى زادت كثافته، ثم لا تزال شفافيته تقل، كلما تكاثرت طبقاته، حتى يصبح جسمًا معتمًا.. أما النور فإنه كلما، تضاعفت أشعته، ازداد شفافية وقدرة على كشف المرئيات، التي يقع عليها، من دون أن يشكل حيِّزًا في المكان، الذي ينيره، أو يحدث خلخلة في الهواء.
ومن جهة أخرى فإن النور- مع شفافيته ومع زيادة هذه الشفافية كلما كثر وقوي- هو من أكثر ظواهر الطبيعة سرعة؛ بحيث لا يكاد يقيَّد بزمن، فالشعاعة من الضوء تنتقل من طرف الأرض إلى طرفها الآخر في لمَحة بصر، لا تتجاوز جزءًا من الثانية.
فالنور- كما ترى- لا يتحيَّز في مكان، ولا يكاد يتقيد بزمن، والله سبحانه وتعالى لا يحويه مكان ، ولا يحده زمان.. فإذا كان الله نور السموات والأرض، كان معنى هذا أنه- سبحانه وهو القيوم على الوجود- ليس حالاً في الموجودات، ولا متحيِّزًا فيها، ولا محجوزًا في مكان منها دون مكان “.
نخلص من ذلك كله إلى أن نور الله سبحانه هو الذي يمسك هذا الوجود على نظامه، الذي أقامه الله تعالى عليه؛ إذ على هذا النور يدور كل موجود في فلكه متناغمًا متجاوبًا مع دورة الموجودات كلها في فلك الوجود. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾(النور: 40). وقوله تعالى:
﴿ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾(المائدة: 15)
وفي المسند الجامع لأبي الفضل النوري عن عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل “.
وعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ كل ما أودعه الله جل جلاله في الموجودات من سنن، وما ركَّبَه في المخلوقات من قوى، وما بعث في الناس من رسل، وما أنزل إليهم من كتب ودلائل، ففي كل هذا نور من نور الله جل وعلا!
ثالثًا- وبعد أن جلا الله سبحانه هذا الأفق المترامي لنوره، الذي يضيء الوجود كله، شرع في ضرب مثل لهذا النور العظيم، يقربه إلى العقول، ويدنيه من المدارك والتصورات، ويخرجه من عالم ما وراء الحس إلى عالم المحسوس؛ وإلا فإن نور الله تعالى في ذاته لا يمكن لبشر أن يتصوره حقيقة، أو خيالاً؛ لأنه- كما قدمنا- صفة من صفاته سبحانه. وكما لا تدرك ذات الله جل وعلا، فكذلك لا تدرك صفاته. وأقرب مثل لهذا النور، الذي لا يعرف كنهه أحد، ولا يدرك سره أحد في تصورنا، هو النور المنبعث من مصباح في زجاجة درِّيَّة، داخل مشكاة، هي أشبه بالوجود، الذي يستضيء بنور الله؛ وذلك قوله تعالى:
﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾
وظاهر قوله:﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أن يعود ضمير الكناية على الله سبحانه، وليس في الكلام ما يدل على أنه يعود على المؤمن، أو على القرآن الكريم، أو على محمد صلى الله عليه وسلم.
فالذي تدل عليه الآية صراحة أن المراد بـ﴿ نُورِهِ ﴾: نورُ الله جل وعلا، المضافُ إليه إضافةُ الصفة إلى الموصوف. أو إضافةُ الاسم إلى المسمَّى، وأن التمثيل هو تمثيل لهذا النور، الذي يضيء الوجود كله، وليس تمثيلاً لنوره، الذي ألقاه سبحانه في قلب المؤمن، أو في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، أو لنوره، الذي هو وحيُه المنزل في كتابه الكريم.
روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قوله في مناسبة نزول الآية:” إن اليهود قالوا: يا محمد ! كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ؟ فضرب الله تعالى ذلك مَثَلاً لنوره “.
وأما على ما روي عن أُبَيّ أنه قرأ:﴿ مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ ﴾. أو:﴿ مَثَلُ نُورِ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾، فيكون الضمير عائدًا على المؤمن، ويكون التمثيل تمثيلاً لنور المؤمن. وهذا التأويل لا يجوز على القراءة المشهورة.
ومن أغرب ما قرأت في تفسير قوله تعالى:﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ تفسيرًا للمرحوم الشيخ عبد الرحمن حسن حبنَّكة الميداني في كتابه( أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع )، قال فيه:” مَثَلُ بعض نوره، الذي تستهدون به من خلال تدبر آياته، وما تشعُّه في قلوب المؤمنين، الصادقين في الطلب والبحث والتدبر. أو: نَموذجُ نورِه ممَّا يدرك الناس منه. وهذا النموذجُ هو بعضُ نور الله العظيم “.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:00 PM
الله تعالى يقول:﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾، والشيخ- رحمه الله- يقول:” مَثَل بعض نوره “. أو:” نموذج نوره ممَّا يدرك الناس منه. وهذا النموذج هو بعض نور الله العظيم “.
رحم الله هذا الشيخ الجليل، وجعل مثواه الجنة ! فلست أدري من أين أتى بلفظ ( بعض )، وحشره بين لفظ ( مَثَلٍ )، ولفظ ( نُورِهِ ) ؟ وهل في الكلام ما يدل على هذا البعض ؟
ثم من أين أتى بلفظ ( نموذج ) ؟ وكيف يكون تفسير قوله تعالى:﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ بـ( نموذح نوره ) مقبولاً، أو مستساغًا عند من يتحدث عن صور من أدب القرآن الرفيع ؟
وليت شعري ماذا يقولون في قول الله تعالى:
﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾(التوبة: 32) ؟
أيقولون: يريدون أن يطفئوا بعض نور الله ؟ أو نموذج نور الله ؟ أو يقولون: يريدون أن يطفئوا نور الله الذي ألقاه في صدر المؤمن أو قلبه ؟ أم ماذا يقولون، وإضافة النور إلى الله جل وعلا ظاهرة ظهور هذا النور ؟
ورحم الله النجاشي، الذي فهم ببصيرته النافذة ما لم نفهمه نحن المسلمون. لقد فهم أن الإنجيل والقرآن الكريم يخرجان من مشكاة واحدة، وهما نور من نور الله جل وعلا، فقال مشيرًا إلى ما سمع من كلام الله:” إن هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة “.
﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾.
واختلفوا في هذا التشبيه: أهو تشبيه جملة بجملة، لا يقصَد فيها إلى تشبيه جزء بجزء، ومقابلة شيء بشيء، أو هو ممَّا قصِد به ذلك ؟ والأول هو الأحسن، وعليه يكون المعنى: مَثَلُ نورِ الله تعالى كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر.
فالمشبَّه هو مثل نور الله جل وعلا. والمشبّه به هو المصباح في زجاجة داخل المشكاة. وبين المشبَّه، والمشبَّه به وجْهُ شَبَهٍ، دلَّت عليه كاف التشبيه.
والقاعدة في التشبيه أن يشبه الأدنى بالأعلى في مقام المدح، وأن يشبه الأعلى بالأدنى في مقام الذم. وكذا في مقام السلب؛ ومنه قوله تعالى:
﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾(ص: 28)
أي: في سوء الحال. أي: لا نجعلهم كذلك.
وقد اعترض على ذلك بقوله تعالى:﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾؛ فإنه شُبِّهَ فيه الأعلى بالأدنى، لا في مقام السلب.
والله قد ضرب الأقلَّ لنوره ** مثلاً من المشكاة والمصباح
وأجيب عنه بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين؛ إذ لا أعلى من نوره سبحانه وتعالى، فيشبه به. وقد قيل: يمكن أن يكون المشبه به- هنا- أقوى من المشبه؛ وذلك لكونه في الذهن أوضح؛ إذ الإحاطة به أتم.. فتأمل ذلك !
وقد دل وجود لفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه، دون وجوده في طرف المشبه به على أن المشبه ليس هو ذات نور الله سبحانه؛ وإنما هو مَثَلُهُ المطابقُ له في تمام أوصافه، المشارِ إليها بقوله تعالى:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، وهو منتزع من مجموع هذه الصفات، وأن المشبه به هو نور المصباح داخل المشكاة. والأول موجود معلوم في الذهن، والثاني موجود معلوم خارج الذهن.
ولهذا لا حاجة بنا إلى تقدير لفظ ﴿ مَثَل ﴾ عقب كاف التشبيه؛ كما ذهب إليه المفسرون، فقالوا: التقدير:﴿ كَمَثَلِ مِشْكَاةٍ ﴾. وكذلك لا حاجة إلى تقدير مضاف محذوف عقب الكاف؛ كأن يقال:﴿ كَنُوْرِ مِشْكَاةٍ ﴾؛ لأن المشبه به ليس هو نور المشكاة وحدها؛ وإنما هو ما اجتمع من نور المشكاة، ونور المصباح، ونور الزجاجة، ونور الزيت؛ ولهذا وصفه الله تعالى بقوله:
﴿ نُوْرٌ عَلَى نُوْرٍ ﴾.
ومن اللطائف البديعة أن النور، حيثما وقع في القرآن، وقع مفردًا، خلافًا للظلمة فإنها، حيثما وقعت، وقعت مجموعة. ولعل السبب- على ما قيل- هو أن النور واحد؛ كما أن الله تعالى واحد، وأن الظلمة متعددة؛ كما أن الآلهة الباطلة متعددة. تأمل ذلك في نحو قوله تعالى:
﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾(البقرة: 257)
وقيل: المِشْكَاةُ هي الكُوَّةُ غير النافذة بلغة الحبشة، يوضع فيها المصباح، فتحصر نوره وتجمعه، فيبدو قويًا متألقًا، وهذا هو وجه تخصيصها بالذكر دون غيرها. ومنهم من فرق بين الكُوَّةُ والمِشْكَاةِ؛ كقول أحدهم يمدح آخر:
نورُ حَقٍّ بنفسه قامَ، مَا احْتا ** جَ إلى كُوَّةٍ، ولا مِشْكاةِ
فدلَّ ذلك على أن الكُوَّةَ أعمُّ من المِشْكَاةِ، وكلُّ مِشْكَاةٍ كُوَّةٌ، وليس كلُّ كُوَّةٍ مِشْكَاةً. وأصلُ المِشْكَاة: الوِعَاءُ يجعل فيه الشيء؛ ومنه قول الشاعر:
كأن عينيه مشكاتان في جحر
وقيل: المشكاة: صندوق زجاجي، يوضع فيه المصباح.
وقال الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه:” ما وقع في القرآن من نحو المِشْكاة، والقِسْطاس، والإستبرق، والسجِّيل، لا نُسَلِّم أنها غيرُ عربية؛ بل غايتُه أنَّ وَضْعَ العرب فيها وافق لغةً أخرى كالصابون، والتنّور؛ فإن اللغات فيها متفقة “.
وزعم بعض أهل المعاني: أن التشبيه في هذا التمثيل هو من التشبيه المقلوب، وأن المعنى: مَثَلُ نوره كمصباح في مشكاة؛ لأن المشبه به هو الذي يكون مَعْدِنًا للنور ومَنْبَعًا له؛ وذلك هو المصباحُ، لا المِشْكَاةُ. وما تقدم من تفسير لمعنى المِشْكَاةِ يدل على أنها هي الوِعَاءُ، الذي يجمع النور، ويجعله قويًا، وبدونها يبدو ضعيفًا عاجزًا عن كشف المرئيات؛ ولهذا كانت أحقَّ بالتقديم من المصباح. وهذا هو أحد أوجه الإعجاز البياني في هذه الآية الكريمة.
ويتضح لنا ذلك، إذا علمنا أن المرادَ بالمِشْكَاِة الذاتُ الإلهية المقدَّسة مَعْدِنُ الأنوار كلِّها، ومَنْبَعُها، الذي لا ينفد. تأمَّل ذلك في قول النجاشي، الذي تقدَّم ذكره:” إن هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة “.. ثم تذكَّر أن ضارب المثل هو الله جل وعلا، وفي القرآن أمثلة كثيرة ضربها الله تعالى لصفاته، التي لا تشبهها صفة، فضلاً عن أن تماثلها..
﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(الروم: 27) ، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾(الشورى: 11)
أما المصباح فهو السراج، وأصله من الضوء، ومنه الصبح.وما انعكس من شعاعه وسطوعه على الأجسام الصقيلة المعتمة هو نوره. وقد شُبِّهَ به مَثَلُ نورِ الله جل وعلا، في الوضوح، والظهور، والإنارة، والتنوير، والهداية.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:00 PM
وكلا النورين: مَثَلُ نور الله جل وعلا، ونورُ المصباح يوصف بأنه نار ونور. حكى الراغب الأصفهاني في ( المفردات في غريب القرآن ) عن بعضهم قوله:” النار والنور من أصل واحد، وكثيرًا ما يتلازمان؛ لكن النار مَتاع للمقوين في الدنيا، والنور مَتاع لهم في الآخرة. ولأجل ذلك استعمل في النور الاقتباس؛ كقوله تعالى:
﴿ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾(الحديد: 13) “.
والمراد بالنار- هنا كما ذكرنا سابقًا- النار الصافية، التي كلَّم الله تعالى بها موسى عليه السلام. فمِثْلُ هذه النار يقال لها: نارٌ ونورٌ، بخلاف النار المظلمة؛ كنار جهنم. فتلك لا تسمى نورًا. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(النمل: 7- 9)
جاء في التفسير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن المراد بقول الله تعالى﴿ مَنْ فِي النَّارِ ﴾: الله جل جلاله. وأن المراد بالنار: نوره سبحانه. وأن المراد بقوله تعالى:﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾: الملائكة.
هذا قول ابن عباس، وليس قول زيد، أو عبيد حتى يعترض عليه المعترضون ! ويدل عليه تنزيه الله تعالى نفسه عقب ذلك بقوله:
﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
ثم إخباره جل وعلا عن نفسه بقوله:
﴿ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
ويتضح لنا ذلك، إذا علمنا أن النور المضاف إلى الله سبحانه يقع على ذاته المقدسة، ويقع على صفاته القدسية القديمة. ومثله في ذلك نور المصباح.
وكما أن إضافة النور إلى الله سبحانه هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ فكذلك إضافة النور إلى المصباح هي من إضافة الصفة إلى الموصوف. وبيان ذلك: أن الأصل في قولنا: نور الله، ونور المصباح: اللهُ تعالى النورُ، والمصباحُ النورُ. فالاسم الأول منهما موصوفٌ، والثاني صفةٌ ملازمةٌ له، قد أُخْبِِرَ بها عنه. وقد أضيف الثاني منهما إلى الأول بعد أن جرِّد من الألف واللام، لإرادة معنى التخصيص. أي: تخصيص الصفة بموصوفها؛ ونحو ذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾(الواقعة: 95)
وأصل الكلام: إن هذا لهو الحقُّ اليقينُ. ثم قيل: حقَُ اليقين، بإضافة الأول إلى الثاني.
والعرب إنما تفعل ذلك في الصفة المعرفة اللازمة لموصوفها لزوم اللقب للأعلام؛ كقولهم:{ زيدُ بطَّةٍ }. وأصل الكلام:{ زيدٌ بطَّةٌ }. أما الصفة، التي لا تثبت ولا تلزم موصوفها، فلا تضاف إلى الموصوف، لعدم الفائدة المخصِّصة، التي لأجلها كانت هذه الإضافة. وهذا يؤكِّد ما ذكرناه أولاً من أن النور وَصْفٌ من أوصاف الله تعالى، قائمٌ به، وملازمٌ له، لا يفارقه أبدًا كنور المصباح.. وبهذا يظهر لك سِرُّ تشبيه مثل نوره جل وعلا بنور المصباح دون غيره من الأنوار.
ثم وصف سبحانه هذا المصباح، فقال:
﴿ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾
والزجاجة هي القنديل من البِلَّوْر الشَّفَّاف الصافي، جعل فيها المصباح؛ لأن الضوء في الزجاج أظهر وأبين منه في كل شيء. ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفَّاف يظهر فيه النور أكمل ظهور.
ثم وصف الزجاجة، فقال:
﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٍّ ﴾
هذه الزجاجة لصفاء جوهرها، وحسن منظرها، كأنها كوكب دريٌّ. أي: كوكب مضيء متلألىء، يشبَه الدرَّ في صفائه، ولونَ نوره.
وأهدأُ النور، وأجملُه هو ذو اللون الدرِّيِّ. وذهب الجمهور إلى أن المراد بالكوكب الدري- هنا- كوكب من الكواكب المضيئة؛ كالزهرة والمشتري، والثوابت، التي في العظم الأول. ودَرَارِيُّ الكواكب- على ما قيل- عِظامُها.
وفي ذكر المصباح، والزجاجة منكَّرين، ثم إعادتهما معرَّفين، والإخبار عنهما بما بعدهما، مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري، من تفخيم شأنهما، ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، ما لا يخفى حُسْنُه وبَهاؤُه.
ويسمِّي بعض علماء البديع هذا اللون من الأسلوب: طباق التَّرْديد. وعدَّه السيوطي من محاسن الفصاحة، وجعله أبلغَ من التأكيد بتكرير اللفظ، خلافًا لبعض من غلط. وكان قد ذكر من فوائد التكرير: التقرير، والتعظيم، والتهويل. ثم قال:” ومنه ما كان لتعدد المتعلَّق بأن يكون المكرَّرُ ثانيًا متعلقًا بغير ما تعلق به الأول. وهذا القسم يسمَّى بالترديد؛ كقوله:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾.
وقع فيه الترديد أربع مرات “.
وفرَّق زكيُّ الدين بْنُ أبي الأصبع بين الترديد، والتكرير بأن اللفظة، التي تكرَّر في الكلام، ولا تفيد معنى زائدًا، تكون تَكْريرًا للأولى. أما اللفظة التي تُرَدَّدُ في الكلام، وتفيد معنى غير معنى الأولى تكون تَرْديدًا لها.
وبعد أن شبَّه الله تعالى الزجاجة، وفيها المصباح، بالكوكب الدريِّ المتلألىء، عاد سبحانه ثانية إلى المصباح، فأخبر أنه:
﴿ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ ﴾
أحسنُ ما يمكن أن يقال في وصفها أنها شجرة:
﴿ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ ﴾.
و﴿ زَيْتُونَةٍ ﴾ بدل من﴿ شَجَرَةٍ ﴾. والمعروف أن شجر الزيتون من أفضل الأشجار؛ لأن كل ما فيه هو ممَّا ينفع الناس: زيته، وخشبه، وورقه، وثمره. أما نور زيته فهو أصفى نور يعرفه المخاطبون بهذا المثل؛ ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذه الشجرة من بين الشجر؛ وإنما لكونها شجرة
﴿ مُبَارَكَةٍ ﴾
ولهذا قدِّم لفظ ﴿ مُبَارَكَةٍ ﴾ على لفظ ﴿ زَيْتُونَةٍ ﴾.
وقيل: إنما وصفت بهذه الصفة؛ لأنها تنبت في الأرض، التي بارك الله تعالى فيها للعالمين؛ وهي أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ ﴾(المؤمنون:20)
وفي إبهام الشجرة، ووصفها بأنها مباركة، ثم الإبدال منها، تفخيم لشأنها. وقد جاء في الحديث مدح الزيت؛ لأنه منها. ومن ذلك ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه من أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:” ائتدموا بالزيت، وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة “. وهو في حدِّ ذاته ممدوح، ففي الحديث:” أنه مصحة من الباسور“. وقد ذكر له الأطباء منافع كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها.
وقد دل تنكير لفظ ﴿ شَجَرَةٍ ﴾- أيضًا- على أنها ليست شجرة مخصوصة بعينها. وكذلك دل وصفها بأنها:﴿ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ﴾ على أنها ليست متحيزة إلى جهة، دون جهة؛ وإنما هي بين شرقية، وغربية. هذا ما يدل عليه اللفظ، ونظير ذلك قوله تعالى في وصف البقرة:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:01 PM
﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ﴾(البقرة:68)
ثم قال:﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾(البقرة:68)
وعن ابن زيد قال:” ليست من شجر الشرق، ولا من شجر الغرب؛ لأن ما اختص بإحدى الجهتين كان أقلَّ زيتًا، وأضعفَ ضوْءًا؛ لكنها من شجر الشام، وهي ما بين المشرق والمغرب، وزيتونُها أجودُ ما يكون “.
أما زيتها فإنه ليس زيتًا من هذا الزيت المشهود المحدود؛ وإنما هو زيت آخر عجيب، يكاد من شدة صفائه وإشراقه يضئ بغير احتراق..
﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ ﴾
فهو في الصفاء والإشراق بحيث يضيء بنفسه، على الرَّغم من عدم مساس النار له أصلاً.
و﴿ يَكَادُ ﴾ يدل على قرب وقوع الخبر، وأنه لم يقع. والشائع في خبره أن يكون فعلاً مضارعًا، غير مقترن بـ( أن ) المصدرية الاستقبالية.
أما كونه مضارعًا فلدلالته على الحال المناسب للقرب؛ حتى كأنه لشدة قربه وقع. وأما كونه غير مقترن بـ( أن ) فلمنافاتها لما قصدوا من دلالته على الحال. فلو قيل: يكاد زيتها أن يضيء، لدلَّ ذلك على بعد وقوع الخبر؛ لأنه إن وقع، فسيكون وقوعه في المستقبل، وهذا خلاف المراد.
وأما﴿ لَوْ ﴾ فهي أداة شرطية، جعلت مع ما بعدها﴿ لَمْ تَمْسَسْهُ نار ﴾ شرطًا للجملة قبلها، وقيدًا لها. ويطلق على مجموعهما مصطلح: عبارة شرطية. وهذه العبارة الشرطية؛ إما أن تكون مجردة من الواو؛ كما في قولنا: يعطَى السائلُ، لو كان فقيرًا. أو تكون مقرونة بالواو؛ كما في قولنا: يعطَى السائل، ولو كان غنيًا.
فالإعطاء الأول في الجملة الأولى مشروط بكون السائل فقيرًا، وليس كذلك الإعطاء الثاني في الجملة الثانية. والفرق بينهما: أن الأول يجري بوجود الشرط؛ لأن كون السائل فقيرًا يناسب أن يعطَى. ولهذا يُسمَّى هذا النوع من الشرط: إيجابيًّا. وأما الإعطاء الثاني فيجري رَغْمَ وجود الشرط؛ لأن كون السائل غنيًَّا لا يناسب أن يعطَى، بخلاف الأول؛ ولهذا يُسمَّى هذا النوع من الشرط: سلبيًّا.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى:
﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾
أي: يكاد يضيء رَغْمَ عدم مساس النار له.
وفي قوله تعالى:﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾ إشارة إلى أن الضوء ما يكون للشيء لذاته؛ كما للشمس، والنار، والسراج، والزيت، بخلاف النور، الذي لا يكون إلا من غيره؛ كما للقمر، ومصداق ذلك قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِيْ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوْرًا ﴾(يونس: 5)
والجمهور من علماء اللغة والتفسير لا يفرقون بين الضوء، والنور؛ بل يعتبرونهما لفظين مترادفين على معنى واحد، فيعرِّفون الضوء بأنه النور، الذي تدرك به حاسة البصر الأجسام المعتمة. والله سبحانه وتعالى قد فرق بينهما تفريقًا دقيقًا، ففي الآية السابقة وصف أشعة الشمس بالضياء، ووصف أشعة القمر بالنور، وأصل كل منهما الضوء المنبعث من السراج. وهذا ما يشير إليه سبحانه وتعالى بقوله:
﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾(الفرقان: 61) ، وقوله تعالى:
﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴾(النبأ: 13)
فشبه الشمس بالسراج، والسراج هو المصباح، الذي يضيء بالزيت، أو بالكهرباء، أو بأي نوع آخر من أنواع الوقود، وشعاع ضوئه، وسطوعه على الأجسام المعتمة هو الذي يسمَّى نورًا. ولهذا وصف سبحانه وتعالى القمر بأنه منير، ولم يصفه في أيٍّ من الآيات بأنه مضيء. والسر في ذلك أن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس، ثم يعكسه، فيبدو لمن يراه مضيئًا.
هذا وقد اشتهر- في العرف- أن الضوء ينتشر من المضيء إلى مقابلاته، فيجعلها مستضيئة. والمعروف عادة أن مصادر الضوء تقسم إلى نوعين: مصادر مباشرة كالشمس والنجوم والمصباح والشمعة وغيرها. ومصادر غير مباشرة كالقمر والكواكب. والأخيرة هي الأجسام، التي تستمد نورها من مصدر آخر، مثل الشمس، ثم تعكسه علينا.
فإذا عرفنا بعد ذلك أن الشمس والمصباح يشتركان في خاصية واحدة، وهي أنهما يعتبران مصدرًا مباشرًا للضوء، أدركنا سر تشبيه الله سبحانه الشمس بالمصباح، دون القمر.
ومما تجدر الإشارة إليه- هنا- أن شركة أمريكية كانت قد أعدت فيلمًا سينمائيًّا عن الجهود الأمريكية لغزو القمر، عنوان هذا الفيلم:( خطوة عملاقة لاكتشاف جيولوجيا القمر ). والفلم من أوله إلى آخره يعرض كيف تمكن العلماء الأمريكان بوسائلهم العلمية من أن يكتشفوا أن القمر كان من قبل كتلة مشتعلة، ثم بردت، أو انطفأ ضوؤها. وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله:
﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾(الإسراء: 12)
وآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، وقد محا الله تعالى الآية الأولى، وأبقى الثانية مبصرة. ولولا ذلك المحو، لم يعرف ليل من نهار، ولا نهار من ليل. وفيه دليل على أن القمر، الذي هو آية الليل، كان كتلة مشتعلة ثم بردت، وكان مضيئًا ثم انطفأ ضوؤه. وكونه منيرًا بعد المحو يعني أنه يستمد نوره من انتشار ضوء الشمس، وسطوعه عليه.
ويؤكد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن سلام، حين سأله عن السواد، الذي في القمر:” كانا شمسين، فقال الله:
﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْل ﴾(الإسراء: 12)
فالسواد الذي رأيت من المحو “.
وبذلك فسره ابن عباس- رضي الله عنهما- بعد أن قال:” كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار “.
وإذا كان الله سبحانه قد شبَّه الشمس بالسراج الوهَّاج، فإنه سبحانه قد شبَّه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالسراج المنير الهادىء الوديع، الذي يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير العقول، ويهدي القلوب؛ وذلك في قوله جل وعلا:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾(الأحزاب: 45- 46)
أما نوره الذي ينير الوجود كله، ويقوم عليه نظام الكون كله فقد شبهه سبحانه بنور سراج- أي: مصباح- في مشكاة، اجتمعت له أسباب الإضاءة كلها؛ ولهذا أخبر الله تعالى عنه بقوله:
﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾
أي: نور متضاعف، تعاون عليه المشكاة البلورية، والزجاجة الصافية صفاء الكوكب الدري، والزيت، الذي يكاد من شدة إشراقه يضيء، فلم يبقَ ممَّا يقوِّي النورَ، ويزيده إشراقًا شيءٌ؛ لأن المصباح، إذا كان في مشكاة، كان أجمع لنوره، وإذا كان في زجاجة درية، كان أعون على زيادة نوره، وكذلك إذا كان وقوده الزيت النقي الصافي.
وهذا النور هو أقصى ما كان يمكن أن تحصل عليه الإنسانية، أو تتشهى الحصول عليه عند نزول القرآن الكريم. أما ما جدَّ بعد ذلك من نور الكهرباء فلا يَنقُضُ هذا النور، ويُنقِصُ من جلاله وروعته؛ لأنه نور وديع هادىء لطيف، على حين نور الكهرباء زاعق صارخ. ولعل هذا هو السر، أو بعض السر في ضَرْبِ المَثَل بهذا النور، دون نور الشمس، وهو أبهى بهاء، وأقوى قوة من كل نور تعرفه البشرية. وهنا تم المثل.
وبعد أن بلغ هذا النور، الذي ضربه الله تعالى لنوره مثلاً، إلى هذا الحد في الظهور والوضوح والكمال، الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾
فأشار بذلك إلى أن النور، الذي يملأ الوجود؛ إنما هو نفحة من النور العلوي، وأن هذه النفحة موجودة في كل موجود. ومع ذلك، فإن لله سبحانه ألطافًا بعباده، فيصِلُ نورهم بنوره، ويفتح لهم بهذا النور طريقًا إلى عالم الحق والخير.
فالوجود كله، وإن كان نورًا من نور الله- بالإفاضة والخلق- فإن هناك نور الهداية، الذي يضيء البصائر، ويشرح الصدور، ويجلي العقول. والله سبحانه يهدي لهذا النور من يشاء من خلقه، ممن يفتحون قلوبهم لهذا النور، الذي لا ينقطع، ولا يحتبس، ولا يخبو. فحيثما توجه إليه القلب رآه، وحيثما تطلع إليه الحائر هداه، وحيثما اتصل به وجد الله عز وجل.
أما قوله تعالى:﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
فهو إشارة إلى أن هذا النور، الذي صوَّره سبحانه بصورة المشكاة والمصباح والزجاجة الدرية؛ إنما هو مَثَلٌ، يقرب للإدراك المحدود طبيعة هذا النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير. ويرسم له هذه الصورة المصغرة، التي يتأملها الحس، حين يقصر عن تملي الأصل؛ وإلا فإن نور الله سبحانه وتعالى لا يمكن إدراكه، ولا يمكن وصفه. وهو سبحانه العليم بطاقة البشر، وأن علمه محيط بالأشياء كلها صغيرها، وكبيرها، لا يغيب عن علمه شيء من ذلك.
نسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا لنوره، ويسهل لنا السبيل للوصول إلى مرضاته، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، إنه قريب سميع الدعاء مجيب، والحمد لله رب العالمين.
الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
أستاذ لغة عربية في مدارس حلب
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:02 PM
من أسرار الإعجاز اللغوي والبياني في سورة المدثِّر

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1180471007bighira_%28custom%29_%282%29.jpgصورة لغار حراء الذي كان يتعبد به النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
قال الله عز وجل:﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾(المدثر:26-31).
هذه الآيات الكريمة من سورة المدثِّر، وهي مكية بالإجماع، وقد اختلفت الروايات في سبب ومناسبة نزولها. فهناك روايات تقول: إنها أول ما نزل في الرسالة بعد سورة العلق. ورواية أخرى تقول: إنها نزلت بعد الجهر بالدعوة، وإيذاء المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم. وعن الزهري: أول ما نزل من القرآن قوله تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾(العلق: 1)إلى قوله تعالى:﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾(العلق: 5)
فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل- عليه السلام- فقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة، وقال: دثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزل قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾(المدثِّر: 1)
وأيًا ما كان السبب والمناسبة، فقد تضمنت السورة الكريمة في مطلعها ذلك النداء العلوي بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلَل، أمر الدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله، وإنذار البشر من عذابه وعقابه، وتوجيهه إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان، مع توجيهه عليه الصلاة والسلام إلى التهيؤ لهذا الأمر العظيم، والاستعانة عليه بهذا الذي وجهه الله تعالى إليه.
﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾(المدثِّر: 1- 7)
وقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يعم الأمة عند جمهور العلماء، خلافًا لأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأصحابهما في قولهم: إنه يكون خطابًا للأمة، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق.
وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال:”يا: نداء النفس. وأيُّ: نداء القلب. وها: نداء الروح “. وعلماء النحو يقولون:”يا: نداءُ الغائب البعيد. وأيُّ: نداءُ الحاضر القريب. وها: للتنبيه “.. وشتَّان ما بين القولين !
و﴿ الْمُدَّثِّرُ ﴾: المتدرِّع دِثاره. وأصله: المتدثر فأدغم. يقال: دثرته، فتدثر. والدِّثار: ما يتدثر به من ثوب وغيره.
وقوله تعالى:﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾. أي: قم نذيرًا للبشر. أي: تهيَّأ لذلك.. والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب، الذي يترصد الغافلين السادرين في الضلال، وهم لا يشعرون. وواضح من ذلك أن المراد بهذا الإنذار العموم، دون تقييده بمفعول محدد، ويدل عليه قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾(سبأ: 28)
والفاء في قوله تعالى:﴿ فَأَنْذِرْ ﴾، مع كونها عاطفة للترتيب، فإنها تدل على وجوب إيقاع الإنذار بتبليغ الرسالة، عَقِبَ التهيؤ له مباشرة، دون مهلة. وفي ذلك دليل على أن الإنذار فرض واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، لا بدَّ منه، وهو فرض على الكفاية، فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إلى الرسول، وأن ينذروا كما أنذر. قال تعالى:
﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾(التوبة: 122)
ثم إن في قوله تعالى:﴿ فَأَنْذِرْ ﴾إشارة إلى قوله تعالى:
﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾(الإسراء: 15)
والتهيؤ للإنذار المعبَّر عنه بصيغة الأمر﴿ قُمْ ﴾لا يكون إلا بفعل ما تلا هذه الآية من توجيهات للرسول صلى الله عليه وسلم. فبعد أن كلفه سبحانه وتعالى بإنذار الغير، شرع سبحانه بتوجيهه في خاصَّة نفسه، فوجهه أولاً إلى توحيد ربه، وتنزيهه عمَّا لا يليق بجلاله وكماله. ووجهه ثانيًا إلى تطهير قلبه ونفسه وخلقه وعمله. ووجهه ثالثًا إلى هجران الشرك وموجبات العذاب. ووجهه رابعًا إلى إنكار ذاته بعدم المَنِّ بما يقدمه من الجهد في سبيل الدعوة، ووجهه خامسًا وأخيرًا إلى الصبر لربه.
أولاً-أما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى توحيد ربه، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله فهو المراد بقوله تعالى:﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾(المدثر: 3)
وذلك لأن الرب وحده هو المستحق للتكبير؛ لأنه الأكبر من كل كبير. وهو توجيه يقرِّر الله جل وعلا فيه معنى الربوبية والألوهية، ومعنى التوحيد، والتنزيه من الشريك. وبيان ذلك: أن تكبير الرب جل وعلا يكون بقولنا: الله أكبر. فقولنا: اللههو إثبات لوجوده عز وجل. وقولنا: أكبرهو نفيٌ لأن يكون له شريك؛ لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر، فيما يكون فيه الاشتراك.
وبهذا يظهر لنا أهميَّة هذا التوجيه الإلهي للرسول الكريم، الذي انتدبه ربه لأن يكون نذيرًا للبشر؛ فإن أول ما يجب على المرء معرفته هو معرفة الله تعالى، ثم تنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله، وإثبات ما يليق به جل وعلا.
وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام:” الله أكبر“. فكبرت معه خديجة، وفرحت، وأيقنا معًا أنه الوحي من الله عز وجل، لا غيره. وفي التعبير عن لفظ الجلالة بعنوان الربوبية، وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، من اللطف ما لا يخفى !
وقيل: الفاء في قوله تعالى:﴿ فكبِّر ﴾، وفيما بعده، لإفادة معنى الشرط؛ وكأنه قال: ومهما يكن من أمر، فكبر ربك، وطهِّر ثيابك، واهجر الرجز، واصبر لربك. فالفاء على هذا جزائية. ويسميها بعضهم: الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدَّر.
والحقيقة أن هذا تجنٍّ منهم على هذه الفاء؛ لأن ما نسبوه إليها من الدلالة على ذلك الإفصاح المزعوم؛ إنما هو من فعلهم هم، لا من فعل هذه الفاء؛ لأنهم لمَّا رأوها متوسطة بين ما يسمونه عاملاً، ومعموله المقدم عليه- وكان جمهورهم قد أجمع على أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها- لجئوا في تأويل الآية الكريمة إلى هذا التأويل، الذي لا يتناسب مع بلاغة القرآن، وأسلوبه المعجز في التعبير. فأين قول الله جل وعلا:
﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾من قولهم في تأويله:
مهما يكن من شيء، فكبر ربك ؟
ولهذا قال بعضهم: إن هذه الفاء دخلت في كلامهم على توهم شرط، فلما لم تكن في جواب شرط محقق، كانت في الحقيقة زائدة، فلم يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها لذلك.
وكلا القولين فاسد، لما فيه من إخلال بنظم الكلام ومعناه. أما إخلاله بالنظم فظاهر. وأما إخلاله بالمعنى فإن الغرض من تقديم قوله تعالى:﴿ وَرَبَّكَ ﴾هو التخصيص، وربطه بما بعده، وهو قوله تعالى:﴿ كَبِّرْ ﴾. ولجعل هذا الأمر واجبَ الحدوث دون تأخير، جيء بهذه الفاء الرابطة، فقال سبحانه:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:02 PM
﴿ وَرَبَّكَ فكَبِّرْ ﴾
هذا المعنى لا نجده في قولهم: مهما يكن من شيء، فكبر ربك؛ لأن الشرط مَبناه على الإبهام. والمبهم يحتمل الحدوث، وعدم الحدوث. فإذا قلت: إن جاءك زيد فأعطه درهمًا، فإن الأمر بإعطاء الدرهم- وإن كان مستحقًا بدخول الفاء- فإنه مرتبط بمجيء زيد، ومجيء زيد ممكن الحدوث، وغير ممكن.
ولهذا لما أراد الله تعالى أن يجعل الأمر بالتسبيح، والاستغفار الواقعين جوابًا للشرط أمرًا واجب الحدوث، استعمل من أدوات الشرط ﴿إِذَا ﴾، التي تدل على أن ما بعدها محقق الحدوث لا محالة، ثم أدخل الفاء الرابطة على الجواب؛ وذلك قوله تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾(النصر: 1- 3)
ثانيًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى تطهير قلبه ونفسه وخلقه وعمله فهو المراد بقوله تعالى:﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾(المدثر: 4)
وطهارة الثياب- في استعمال العرب- كناية عن طهارة القلب والنفس والخلق والعمل.. إنها طهارة الذات، التي تحتويها الثياب، وكل ما يلمُّ بها، أو يمسُّها. يقال: فلان طاهر الذيل والأردان، إذا كان موصوفًا بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق. ويقال: فلان دنس الثياب للغادر، ولمن قبح فعله. وكان العرب، إذا نكث الرجل ولم يفِ بعهد، قالوا: إن فلانًا لدنس الثياب. وإذا وفى وأصلح، قالوا: إن فلانًا لطاهر الثياب. وطهارة ذلك كله يستلزم طهارة البدن والثياب؛ لأن من كان طاهر القلب والنفس والعمل، فمن باب أولى أن يكون طاهر الجسم والثياب !
وبعد.. فالطهارة بمفهومها العام هي الحالة المناسبة لتلقي الوحي من الملأ الأعلى؛ كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا، وذلك ضرورية لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدعوة في وسط التيارات المختلفة، والأهواء المتنازعة، وما يصاحب ذلك ويلابسه من أدران الشرك وشوائبه. وذلك يحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة كي يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث، وملابسة المدنسين من غير أن يتدنس.
ثالثًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى هجران الشرك وموجبات العذاب فهو المراد بقوله تعالى:﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾(المدثر: 5)
أي: فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك، وغيره من القبائح. والرُّجزُ- في الأصل- هو العذاب، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب. وأصله الاضطراب، وقد أقيم مقام سببه المؤدي إليه من المآثم والقبائح؛ فكأنه قيل: اهجر المآثم والمعاصي وكل ما يؤدي إلى العذاب.
وقرأ الأكثرون: الرِّجز، بكسر الراء، وهي لغة قريش. ومعنى المكسور والمضموم واحد عند الجمهور. وعن مجاهد: أن المضموم بمعنى: الصَّنم، والمكسور بمعنى: العذاب. وفي معجم العين للخليل: الرُجْزُ، بضم الراء: عبادة الأوثان، وبكسرها: العذاب.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان هاجرًا للشرك ولموجبات العذاب قبل النبوة. فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات السخيفة، وذلك الرجس من الأخلاق والعادات. فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خَوْض الجاهلية. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة وإعلان التميُّز، الذي لا صلح فيه، ولا هوادة؛ فهما طريقان مفترقان لا يلتقيان. كما يعني هذا التوجيه التحرُّز من دنس ذلك الرجز. وقيل: الكلام هنا، وفيما قبله من باب: إياك أعني، واسمعي يا جارة ! والصواب هو الأول، والله تعالى أعلم !
رابعًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى إنكار ذاته بعدم المَنِّ بما يقدمه من الجهد في سبيل الدعوة استكثارًا له، واستعظامًا فهو المراد بقوله تعالى:﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾(المدثر: 6)
وهو نَهْيٌ عن المنِّ بما سيبذله من الجهد والتضحية في سبيل الدعوة إلى ربه. وفيه إشارة إلى أنه سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء؛ ولكن ربه تبارك وتعالى يريد منه ألاَّ يمتنَّ بما يقدمه، وألاَّ يستكثره.
فهذه الدعوة لا تستقيم في نفسٍ تُحِسُّ بما يُبذَل فيها من تضحيات. فالبذل فيها من الضخامة، بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه؛ بل حين لا تستشعره من الأصل؛ لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضل الله تعالى، ومن عطاياه. فهو فضل يمنحها إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها لنيله، وهو اختيار واصطفاء وتكريم، يستحق الشكر لله، لا المنَّ والاستكثارَ. وهذا معنى قول الحسن والربيع:” لا تمنن بحسناتك على الله تعالى، مستكثرًا لها “. أي رائيًا إياها كثيرة، فتنقص عند الله عز وجل.
وقرأ الحسن، والأعمش:﴿ تَسْتَكْثِرَ ﴾، بالنصب، على إضمار: أن. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه:﴿ أَنْ تَسْتَكْثِرَ ﴾، بإظهار: أن. فالمنُّ بمعنى الإعطاء، والكلام على إرادة التعليل. أي: ولا تعطِ لأجل أن تستكثر. أي: تطلب الكثير ممن تعطيه. وعلى هذا المعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما:”لا تعطِ مستكثرًا “. أي: طالبًا للكثير ممن تعطيه. فهو نهي عن الاستغزار؛ وهو أن يهب شيئًا، وهو يطمع أن يتعوَّض من الموهوب له أكثر مما وهب له.
قال الفرَّاء في معاني القرآن معقبًا على قراءة ابن مسعود:”فهذا شاهد على الرفع في﴿ تَسْتَكْثِرُ ﴾. ولو جزم جازم على هذا المعنى، كان صوابًا“.
والجزم قراءة الحسن- أيضًا- وابن أبي عبلة. وخرِّجت قراءتهما؛ إما للوقف. أو الإبدال من﴿ تَمْنُنْ ﴾؛ كأنه قيل: ولا تمنُنْ، لا تستكثرْ، على أنه من المنِّ، الذي في قوله تعالى:
﴿ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾(البقرة: 262)
لأن من يمُنُّ بما يعطي، يستكثره، ويعتد به.
خامسًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى الصبر لربه فهو المراد بقوله تعالى:﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾(المدثر: 7)
أي: اصبر لربك على أذى المشركين. والأحسن حمله على العموم، فيفيد الصبر على كل مصبور عليه، ومصبور عنه. ويدخل فيه الصبر على أذى المشركين؛ لأنه فرد من أفراد العام، لا لأنه وحده هو المراد.
والصبر بمفهومه العام هو الوصية، التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة، أو تثبيت، وهو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة، معركة الدعوة إلى الله تعالى، وهي معركة طويلة عنيفة، لا زاد لها إلا الصبر، الذي يُقصَدُ فيه وجه الله جل وعلا، ويُتَّجَهُ به إليه احتسابًا عنده وحده.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء الفرائض وله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله تعالى وله ستمائة درجة، وصبر على المصائب عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:03 PM
وذلك لشدته على النفس، وعدم التمكن منه، إلا بمزيد اليقين؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:” أسألك من اليقين ما تهون به عليَّ مصائب الدنيا“.
وللصبر المحمود فضائل، لا تحصى، ويكفي في ذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾(الزمر: 10)
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:” قال الله تعالى: إذا وجهت إلى العبد من عبيدي مصيبة في بدنه، أو ماله، أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانًا، أو أنشر له ديوانًا“.
فإذا ما انتهى هذا التوجيه الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم، اتجه سياق الآيات إلى بيان ما ينذر به الكافرين، في لمسة توقظ الحس لليوم العسير، الذي ينذر بمقدمه النذير، فقال سبحانه:
﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير ﴾( المدثر: 8-10 )
إنه التهديد، والوعيد للمكذبين بالآخرة بحرب الله المباشرة. والنقر في الناقور هو ما يعبر عنه بالنفخ في الصور؛ ولكن التعبير هنا أشد إيحاء بشدة الصوت ورنينه؛ كأنه نَقْرٌ يُصَوِّت، ويُدَوِّي. وأصله القَرْعُ، الذي هو سببه. ومنه منقار الطائر؛ لأنه يقرع به. والصوت الذي، ينقر الآذان- أي: يقرعها قرعًا- أشد وقعًا من الصوت، الذي تسمعه الآذان؛ ولذلك وصف الله تعالى ذلك اليوم، الذي ينقر فيه بالناقور بأنه:
﴿ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾،
ثم أكَّده سبحانه بنفي كل ظِلًّ لليسر فيه:
﴿ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير ﴾
فهو عسرٌ كله، لا يتخلله يسرٌ أبدًا.
والفاء في قوله تعالى:﴿ فَذَلِكَ ﴾رابطة لجواب الشرط. و﴿ ذَلِكَ ﴾إشارة إلى وقت النقر المفهوم من قوله تعالى:
﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾
أي: فذلك اليوم، الذي ينقر فيه بالناقور يوم عسير على الكافرين، غير يسير.
وفي الإشارة بـ﴿ ذَلِكَ ﴾الدالة على معنى البعد، مع قرب العهد لفظًا بالمشار إليه، إيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة. ثم ترك هذا اليوم مع وصفه هكذا مجملاً منكرًا ﴿ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾، يوحي بالاختناق والكرب والضيق والهول العظيم. فما أجدر الكافرين، وغيرهم من المؤمنين الغافلين أن يستمعوا للنذير، قبل أن ينقر في الناقور، فيواجههم ذلك اليوم العسير!
وقوله تعالى:﴿ غَيْرُ يَسِير ﴾. أي: غير سهل، ويفيد تأكيد عسره على الكافرين، فهو يمنع أن يكون عسيرًا عليهم من وجه دون وجه، ويشعر بتيسُّره على المؤمنين؛ كأنه قيل: عسير على الكافرين، غير يسير عليهم، كما هو يسير على أضدادهم المؤمنين. ففيه جمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم، وبشارة المؤمنين وتسليتهم.
ومع هذه البشارة للمؤمنين وتسليتهم، فإن قلب المؤمن لا يخلو من الخوف من هذا اليوم العسير. روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: لما نزلت:﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
”كيف أنعَم، وصاحب الصور قد التقم القرن، وحَنَى جبهته، يستمع متى يؤمر؟قالوا: كيف نقول يا رسول الله ؟ قال: قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، وعلى الله توكلنا “.
واختلف في أن المراد به يوم النفخة الأولى، أو الثانية. والحق أنها النفخة الثانية؛ إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين، وأما النفخة الأولى فحكمها، الذي هو الاصعاق يعمُّ الجميع، على أنها مختصة بمن كان حيًّا عند وقوعها.
وينتقل السياق بنا من هذا التهديد العام إلى مواجهة فرد بذاته من الكافرين المكذبين، يبدو أنه كان له دور كبير في التكذيب والتبييت للدعوة. قيل: إنه الوليد بن المغيرة المخزومي. فيرسم الله تعالى مشهدًا من مشاهد كيده؛ وذلك قوله تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾(المدثر: 11- 15)
أي: ذرني مع من خلقته وحيدًا فريدًا، لا مال له، ولا ولد، ثم جعلت له مالاً كثيرًا مبسوطًا- ما بين مكة والطائف- يعتزُّ به، وبنين حضورًا، يتمتع بمشاهدتهم، لا يفارقونه للتصرف في عمل، أو تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم. أو حضورًا في الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم- قيل: كان له عشرة بنين. وقيل: ثلاثة عشر. وقيل: سبعة، كلهم رجال- وهيَّأت له الرياسة والجاه العريض تهيئة، يتبطَّر بهما ويختال، حتى لقِّب بريحانة قريش. ثم هو بعد ذلك كله يطمع في المزيد. فذرني معه، أكفيك أمره، ولا تشغل بالك بمكره وكيده.
وقوله تعالى:﴿ وَحِيدًا ﴾- على ما تقدم- حال من العائد المحذوف في قوله تعالى:﴿ خَلَقْتُ ﴾. وقيل هو حال من الياء في﴿ ذَرْنِي ﴾. أي: ذرني وحدي معه، فإني أكفيكه في الانتقام منه. وقيل هو حال من التاء في﴿ خَلَقْتُ ﴾. أي: خلفته وحدي، لم يشركني في خلقه أحد. والقول الأول أجمع الأقوال الثلاثة.
أما قوله تعالى:﴿ ذَرْنِي ﴾فهو من: وَذََرَ يَذَرُ؛ كوَدَعَ يَدَعُ، إلا أن وَذَرَ ، لم يستعمل في كلامهم، بخلاف: وَدَعَ. قال سيبويه: ولا يقال: وَذََرَ ، ولا وَدَعَ، استغنوا عنهما بـ{ تَرَكَ }. وهذا إنما يخرَّج على الأكثر في: وَدَعَ.
ففي القرآن ورد قوله تعالى:﴿ مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ ﴾، بالتخفيف، وهي لغة كلغة التشديد، وليست مخففة منها كما يقال. ثم هي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة عروة بن الزبير.
وفي صحيح مسلم: أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” لينتهيَّن أقوام عن ودَعهم الجُمُعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين “.
وفي كشف الخفاء للعجلوني عن أبي داود عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم:” دعوا الحَبَشَة ما ودَعوكم واتركوا التُّرْكَ ما تركوكم“.
ويقال: يَذَرُ الشيءَ ؛ كما يقال: يَدَعُ الشيء. ومعناهما متقارب، إلا أن الأول يستعمل في مقام التهديد والوعيد، لما فيه من معنى الدفع والقذف، أما الثاني فيستعمل في مقام الكره والبغض، لما فيه من معنى التوديع.
تأمل معنى الأول في قوله تعالى:
﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾(الأعراف: 127)، وقوله تعالى:
﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾(الطور: 45)
وتأمل معنى الثاني في قوله تعالى:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:04 PM
﴿ مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى ﴾(الضحى: 3)
والتشديد فيه للمبالغة؛ لأن من ودَّعك مفارقًا، فقد بالغ في تركك.
أما قوله تعالى:﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾فهو استبعاد لطمعه وحرصه على الزيادة، واستنكار لذلك. هذا ما دلت عليه﴿ ثُمَّ ﴾. وإنما استبعد ذلك منه، واستنكر؛ لأنه أعطي المال والبنين، وبسط له الجاه العريض، والرياسة في قومه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، فلا مزيد على ما أعطي وأوتي. أو لأن طمعه في الزيادة لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم؛ ولذلك ردعه الله تعالى ردعًا عنيفًا عن ذلك الطمع، الذي لم يقدم طاعة ولا شكرًا لله، يرجو بسببه المزيد؛ بل عاند دلائل الحق، ووقف في وجه الدعوة، وحارب رسولها، وصد عنها نفسه وغيره، وأطلق حواليها الأضاليل فقال سبحانه وتعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴾(المدثر: 16)
فقوله تعالى:﴿ كَلاَّ ﴾ ردعٌ وزجرٌ له، وردٌّ لطمعه الفارغ، وقطعٌ لرجائه الخائب.
وقوله تعالى:﴿ إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴾ تعليل لذلك الطمع على سبيل الاستئناف؛ فإن معاندة آيات المنعم مع وضوحها، وكفران نعمه مع سبوغها، مما يوجب إزالة النعمة المانعة عن الزيادة والحرمان منها بالكلية؛ وإنما أوتي هذا المعاند ما أوتي، استدراجًا له. قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده، حتى هلكوا.
ثم يعقِّب الله تعالى على هذا الردع والزجر بالوعيد، الذي يبدل اليسر، الذي جعِل فيه عسرًا، والتمهيد الذي مهِّد له مشقة، فيقول سبحانه وتعالى:
﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾(المدثر: 17)
وهو مثل لما يلقى منالعذاب الصعب، الذي لا يطاق، يصور حركة المشقة. فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقًا. فإذا كان دفعًا من غير إرادة من المصعد، كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقًا. وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة. فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر، يندبُّ في طريق وعر شاق مبتوت، ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق؛ كأنما يصعد في السماء، أو يصعد في وعر صلد، لا ريَّ فيه ولا زاد، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق !
وفي الترغيب والترهيب للمنذري عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في قوله تعالى﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾:” جبل من نار يكلَّف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، يصعد سبعين خريفًا، ثم يهوي كذلك“. رواه( أحمد والحاكم والترمذي ).
ثم يرسم الله تعالى لهذا الرجل المكذب المعاند صورة منكرة، تثير الهزء والسخرية من حاله وملامح وجهه ونفسه، التي تبرز من خلال الكلمات؛ كأنها حية شاخصة متحركة الملامح والسمات، فيقول سبحانه:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾(المدثر: 18- 25)
فالرجل يكد ذهنه، ويعصر أعصابه، ويقبض جبينه، وتكلح ملامحه وقسماته. كل ذلك ليجد عيبًا يعيب به هذا القرآن العظيم، وليجد قولاً يقوله فيه. وبعد هذا المخاض كله يلد الجبل فأرًا، وبعد هذا الحَزق كله، لا يُفتح عليه بشيء، فيولي عن النور مدبرًا، ويصد عن الحق مستكبرًا، ويقول:
﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾!
وقوله تعالى:﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾ تعليلٌ للوعيد، واستحقاقه له. أو هو بيان لعناده لآيات الله تعالى.
وقوله تعالى:﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ تعجيبٌ من تقديره ورميه الغرض، الذي كانت تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به. أو هو حكاية لما كرروه من قولهم: قتل كيف قدَّر، تهكمًا بهم، وبإعجابهم بتقديره، واستعظامهم لقوله.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:05 PM
أما قوله تعالى:﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ فهو تكرير للمبالغة. و﴿ ثُمَّ ﴾ للدلالة على أن ما بعدها أبلغ مما قبلها.
أما في قوله تعالى:﴿ ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴾ فهي باقية على أصلها من الدلالة على التراخي الزماني. أي: ثم نظر في القرآن مرة بعد مرة، ثم قطَّب وجهه، لمَّا لم يجد فيه مطعنًا، ولم يدر ماذا يقول. وقيل: نظر في وجوه الناس، ثم لمَّا عسُر عليه الرد، قطَّب وجهه وبسَر. أي: كلح، ثم أدبر عن الحق، واستكبر عن اتباعه،﴿ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾. أي: يروَى ويتعلَّم.
وإنما عطف هذا بالفاء بعد أن عطف ما قبله بـ﴿ ثُمَّ ﴾، للدلالة على أن هذه الكلمة، لما خطرت بباله، لم يتملك أن نطق بها من غير تلعثم وتلبث. ثم أكَّدَ ذلك بقوله:﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾؛ ولذلك لم يوسِّط بين الجملتين بأداة العاطف.
وقد روي عنه- أي: عن الوليد بن المغيرة- أنه قال لبني مخزوم:” والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، وما يعلى. فقالت قريش: صَبَأ، والله الوليد. والله لتصبأن قريش كلهم. فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد عنده حزينًا، وكلمه بما أحماه، فقام، فأتاهم، فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن ؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط ؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب ؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو ؟ ففكر، فقال: ما هو إلا ساحر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، وولده ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يرويه عن أهل بابل، ويتعلمه منهم. فارتجَّ النادي فرحًا، وتفرقوا معجبين بقوله، متعجبين منه “.
ولهذا يصور له التعبير القرآني المعجز هذه اللمحات الحيَّة، التي يثبتها في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة، وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار، فتدع صاحبها سخريةَ الساخرين أبد الدهر، وتثبت صورته الزَّرِيَّة في صلب الوجود، تتملاها الأجيال بعد الأجيال !
فإذا ما انتهى الله تعالى من عرض هذه اللمحات الحيَّة الشاخصة لهذا المخلوق المضحك، عقَّب عليها بالوعيد المفزع، والتهديد الساحق، فقال سبحانه:
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾(المدثر: 26)
وهو بدل من قوله تعالى:
﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾
و﴿ سَقَرَ ﴾ هي- على ما قيل- الدرك السادس من النار، ومنِع لفظها من التنوين للتأنيث. وقيل: إنه اسم أعجمي. والأول هو الصواب؛ لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف، انصرف، وإن كان متحرك الأوسط. وأيضًا فإنه اسم عربي مشتق، يقال: سَقَرَته الشمس، إذا أحرقته. والسَّاقُورُ: حديدة تُحْمَى، ويُكْوَى بها الحمار.
وزاد هذا التهديد، وذلك الوعيد تهويلاً تنكير﴿ سَقَرَ ﴾، ثم تكرارها في جملة استفهامية، يزيد من تهويل أمرها؛ وهي قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾(المدثر: 27)
يريد: أيُّ شيء أدراك ما سقر؟ أي: لم تبلغ درايتك غاية أمرها وعظم هولها؛ لأنها شيء أعظم وأهول من الإدراك!
وقيل: كل ما في القرآن من قوله تعالى:﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾، فقد أدراه، وما فيه من قوله:﴿ وَمَا يُدْريكَ ﴾، فلم يدره؛ كقوله تعالى:
﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾(الأحزاب: 63)
والدليل على الأول قوله تعالى:
﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾
فقد أدراه ما سقر؟ ومثله قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾(القارعة: 3)
ثم أدراه ما القارعة، فقال سبحانه:
﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾(القارعة: 4)
﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾(القارعة: 5)
ولما كان قوله تعالى:
﴿ مَا سَقَرُ ﴾؟ و﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ ؟
سؤالاً عن الماهيَّة، لم يجز فيه الجمع بين الاسم، وضميره، كما يفعل ذلك كثير من علماء وكتَّاب اليوم. فلا يقال:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:05 PM
ما هي سقر ؟ وما هي القارعة ؟ وإنما يقال كما قال الله تعالى:
﴿ مَا سَقَرُ ﴾ ؟ و﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ ؟
أو يقال: ما هي ؟ إذا تقدم ذكر لها في الكلام، فيقال:
سقرٌ ما هي ؟ والقارعة ما هي ؟ كما قال تعالى:
﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾(القارعة: 9- 10)
فتأمل ذلك في القرآن، تجده على ما ذكرت، إن شاء الله !
ثم عقَّب الله تعالى على هذا تجهيل سقر، وتهويل أمرها بذكر شيء من صفتها أشد هولاً وأعظم، جوابًا عن السؤال السابق:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾(المدثر: 27)، فقال سبحانه:
﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾(المدثر: 28)
أي: لا تبقي شيئًا فيها إلا أهلكته، وإذا هلك، لم تذره هالكًا حتى يعاد. أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، حتى تهلكه. فكل شيء يطرح فيها هالك لا محالة، وكأنها تبلعه بلعًا، وتمحوه محوًا.
وللدلالة على هذا المعنى جيء بـ﴿ لَا ﴾ مكررة بعد الواو العاطفة؛ لأنه لو قيل: لا تبقي وتذر، احتمل وقوع النفي على أحد الفعلين، دون الآخر.
ثم هي بعد ذلك:﴿ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾(المدثر: 29)
أي: مغيِّرة لهم، أو محرقة، بلغة قريش. يقال: لاحته الشمس، ولوَّحته،إذا غيرته. ويقال: لوحَّت الشيءَ بالنار: أحميته بها. وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- وجمهور العلماء: معناه: مغيِّرة للبشرات، ومحرقة للجلود، مسودة لها. فالبشر- على هذا- جمع بشرة.
وقال الحسن وابن كيسان:﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ بناء مبالغة من لاح يلوح، إذا ظهر. فالمعنى: أنها تظهر للناس- وهم البشر- من مسيرة خمسمائة عام؛ وذلك لعظمها وهولها وزفيرها. وقرىء:﴿ لَوَّاحَةً ﴾، بالنصب على الاختصاص، للتهويل.
ثم إن:﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾(المدثر: 30)ملكًا هم خزنة جهنم، المحيطون بها، المدبرون لأمرها، القائمون على تعذيب أهلها، الذين إليهم جماع أمر زبانيتها، باتفاق العلماء جميعهم.
وهكذا تتلاحق الآيات سريعة الجريان، منوعة الفواصل والقوافي، يتئد إيقاعها أحيانًا، ويجري لاهثًا أحيانًا، وبخاصة عند تصوير المشهدين الأخيرين: مشهد هذا المكذب، وهو يفكر، ويقدر، ويعبس، ويبسر.. ومشهد سقر، التي لا تبقي ولا تذر، ملوحة للبشر!
وواضح من ذلك كله أن الغرض من نزول هذه السورة الكريمة هو تكليف محمد صلى الله عليه وسلم بأن يكون نذيرًا للبشر من عذاب الله تعالى. والإنذار يحتاج إلى دليل تقام به الحجة. والدليل- هنا- هو المعجزة. والمعجزة في قوله تعالى:
﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾(المدثر: 30)
وروي أنه لما نزلت هذه الآية، قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابنَ أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهر! أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ؟ فقال أبو الأشدِّ بن أسيد بن كلدة الجُمَحِيِّ، وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله تعالى قوله:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ﴾(المدثر: 31)
وأصحاب النار هم التسعة عشر ملكًا. والجمهور على أن المراد بهم النقباء، الذين إليهم جماع زبانيتها- كما تقدم- وإلا فقد جاء:” يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها“.
وكان ظاهر الكلام يقتضي أن يقال:﴿ وَمَا جَعَلْنَاهم ﴾؛ ولكنه وضع الاسم الظاهر موضع الضمير؛ وكأن ذلك لما في هذا الاسم الظاهر من الإشارة إلى أنهم المدبرون لأمرها، القائمون بتعذيب أهلها ما ليس في الضمير. وفي ذلك إيذان بأن المراد بسقر: النار مطلقًا، لا طبقة خاصة منها، وعليه يكون المعنى: وما جعلناهم إلا ملائكة، لا يطاقون، فهم من ذلك الخلق المغيَّب، الذي لا يعلم طبيعته، وقوته إلا الله تعالى، وقد وصفهم الله سبحانه بقوله:
﴿ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾(التحريم: 6)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:06 PM
فقرر سبحانه وتعالى: أنهم غلاظ شداد، يطيعون ما يأمرهم به الله، وأن بهم القدرة على فعل ما يأمرهم؛ فهم- إذًا- مزودون بالقوة، التي يقدرون بها على كل ما يكلفهم الله تعالى به. فإذا كان قد كلفهم القيام على سقر، فهم مزودون من قبله سبحانه بالقوة المطلوبة لهذه المهمة، كما يعلمها الله، فلا مجال لقهرهم، أو مغالبتهم من هؤلاء البشر! وما كان قول الكافرين عن مغالبتهم إلا وليد الجهل الغليظ بحقيقة خلق الله، وتدبيره للأمور.
وقيل: لم يجعلهم الله تعالى بشرًا؛ بل جعلهم ﴿ مَلَائِكَةً ﴾؛ ليخالفوا جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم؛ ولأنهم أقوم من البشر بحق الله عز وجل، وبالغضب له تعالى، ولأنهم أشد الخلق بأسًا وأقواهم بطشًا.
وعن عمرو بن دينار:” واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر “. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في وصفهم:” كأن أعينهم البرق، وكأن أفواهم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرمي بهم في النار، ويرمي بالجبل عليهم“.
ثم أخبر تعالى عن الحكمة التي جعل من أجلها عدتهم تسعة عشر، فقال سبحانه:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾(31).
أي: ما جعلنا عددهم تسعة عشر إلا فتنة للذين كفروا، ووسيلة إلى استيقان الذين أوتوا الكتاب، وزيادة في إيمان الذين آمنوا، وحفظًا من ارتياب أهل الكتاب والمؤمنين، وداعيًا إلى تقوُّل أهل الكفر والنفاق:
﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾
فهذه خمس حكم من جعل عددهم: تسعة عشر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يكون هذا العدد المخصص بـ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾فتنة للذين كفروا، ووسيلة إلى استيقان الذين أوتوا الكتاب، وازدياد الذين آمنوا إيمانًا، وحفظًا من ارتياب أهل الكتاب والمؤمنين، وداعيًا إلى تقول أهل النفاق والكفر ما قالوا ؟!
فأما كون هذا العدد فتنة وابتلاء للذين كفروا فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الذين كفروا يستهزئون، ويقولون: لمَ لمْ يكونوا عشرين، أو ثمانية عشر مثلاً ؟ وذلك لأن حال هذا العدة الناقصة واحدًا من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته، ويعترض ويستهزىء، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة.
والوجه الثاني: أنهم يقولون: كيف يكون هذا العدد القليل وافيًا بتعذيب أكثر الخلق من الجن والإنس، من أول خلق آدم إلى يوم القيامة ؟
وأما كونه وسيلة إلى استيقان الذين أوتوا الكتاب فلأنه مطابق لما عندهم في التوراة والإنجيل. فإذا سمعوا به في القرآن، استيقنوا أنه منزل من عند الله تعالى، ومصدق لما بين يديهم. وهذا مما يشهد لقومهم على صدق ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وما ادعاه لإيمانهم وتصديقهم !
وأما كونه وسيلة إلى ازدياد الذين آمنوا إيمانًا فإن المؤمنين كلما جاءهم أمر عن ربهم، صدقوه، وإن لم يعلموا حقيقته، اكتفاء بأنه من عند الله تعالى؛ لأن قلوبهم مفتوحة موصولة تتلقى الحقائق تلقيًا مباشرًا. وكل حقيقة ترد إليها من عند الله تزيدها أنسًا بالله، وتزيد قلوبهم إيمانًا، فتستشعر بحمكة الله في هذا العدد، وتقديره الدقيق في الخلق .
ولمَّا أثبت الله تعالى بذلك العدد الاستيقان لأهل الكتاب، وزيادة الإيمان للمؤمنين، جعله حفظًا لهم من الوقوع في الريبة، فجمع لهم بذلك: إثبات اليقين، ونفي الريب. وإنما فعل ذلك؛ لأنه آكد وأبلغ لوصفهم بسكون النفس، وثلج الصدر؛ ولأن فيه تعريضًا بحال من عَداهم؛ كأنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر.
وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب؛ حيث لم يقل: ولا يرتابوا، للتنبيه على تباين النفيين حالاً؛ فان انتفاء الارتياب من أهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود، ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الإيمان، ولا يخفى ما بينهما من الفرق.
والتعبير عن المؤمنين باسم الفاعل ﴿ الْمُؤْمِنُونَ ﴾، بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾، للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم فيه.
وأما كونه داعيًا إلى تقوُّل أهل النفاق والكفر:﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾؟ فإن هذه السورة الكريمة مكية، ولم يكن بمكة يومئذ نفاق؛ وإنما نجم النفاق بالمدينة، فأخبر الله تعالى أن النفاق سيحدث في قلوب هؤلاء في المدينة بعد الهجرة. وعلى هذا تصير هذه الآية الكريمة معجزة؛ لأنها إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر، فكان معجزًا.
وتعقيبًا على قولهم هذا قال الزمخشري:” فإن قلت: قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان، وانتفاء الارتياب، وقول المنافقين والكافرين ما قالوا، فهب أن الاستيقان، وانتفاء الريب يصح أن يكونا غرضين، فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضًا ؟ قلت: أفادت اللام معنى العلة والسبب، ولا يجب في العلة أن تكون غرضًا؛ ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد مخافة الشر ؟ فقد جعلت المخافة علة لخروجك، وما هي بغرضك “.
أراد اللام التي في قوله تعالى:
﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ ﴾.
قال الألوسي:”وفي الحواشي الشهابية: إنما أعيدت اللام فيه، للفرق بين العلتين؛ إذ مرجِّح الأولى الهداية المقصودة بالذات، ومرجِّح هذه الضلال المقصود بالعرض الناشيء من سوء صنيع الضالين “.
وقولهم:﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾؟ إنما سموه مثًُلآ- على ما قال الزمخشري- لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه مما غرُب من الكلام وبدُع، استغرابًا منهم لهذا العدد، واستبعادًا له.
وقيل: لمَّا استبعدوه، حسبوه مثلاً مضروبًا؛ كما حسبه كذلك بعض الباحثين المعاصرين، ممن ألفوا في أمثال القرآن. والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب ؟ وأي غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر، لا عشرين سواء ؟ ومرادهم: إنكاره من أصله، وأنه ليس من عند الله، وأنه لو كان من عند الله، لما جاء بهذا العدد الناقص.
وهكذا تترك الحقيقة الواحدة أثرين مختلفين في القلوب المختلفة. فبينما الذين أوتوا الكتاب يستيقنون، والذين آمنوا يزيدون إيمانًا، إذا بضعاف القلوب، والذين كفروا في حيرة يتساءلون:
﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾؟
فهم لا يدركون حكمة هذا الأمر الغريب، ولا يسلمون بحكمة الله المطلقة في تقدير كل خلق، ولا يطمئنون إلى صدق الخبر، والخير الكامن في إخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
ولهذا أشاروا إليه بقولهم:﴿ هَذَا ﴾ استحقارًا للمشار إليه، واستبعادًا له؛ كقولهم:﴿ أهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ﴾(الفرقان:41)
وهذا هو حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا.
وهنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء ما سمَّوْه:﴿ مَثلاً ﴾من تقدير وتدبير؛ وذلك قوله تعالى:
﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾(المدثر: 31)
وهو إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهداية. أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهداية يضل المنافقين والكافرين حسب مشيئته، ويهدي المؤمنين حسب مشيئته.فكل أمر مرجعه في النهاية إلى مشيئة الله تعالى المطلقة، التي ينتهي إليها كل شيء. ومشيئته سبحانه تابعة لحكمته.
وقد جاء هذا المعنى موضحًا في آيات أخر؛ منها قوله تعالى:
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾( إبراهيم: 27)
أي: يفعل ما توجبه الحكمة؛ لأن مشيئة الله تعالى تابعة للحكمة من تثبيت الذين آمنوا، وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم، والتخلية بينهم، وبين شأنهم عند زللهم.
ففعله تعالى كله حسن؛ لأنه مبني على الحكمة والصواب. فأما المؤمنون فيسلمون بحكمة الله تعالى، ويذعنون لمشيئته، لاعتقادهم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وحكمة، فيزيدهم ذلك إيمانًا. وأما الكافرون فينكرون أفعاله سبحانه، ويشكون فيها؛ لأنهم لا يدركون حكمة الله تعالى فيها، فيزيدهم ذلك كفرًا وضلالاً.
وفي وضع الفعلين ﴿ يُضِلُّ, ويَهْدي ﴾موضع المصدر إشعار بالاستمرار التجددي. والمضارع يستعمل له كثيرًا؛ ففي التعبير به- هنا- إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان.
وقال تعالى:﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾(المدثر:31)؛ لأن علم ذلك من الغيب. والمراد: علم حقيقتها، وصفاتها، ووظائفها، وأعدادها. والله تعالى يكشف عما يريد الكشف عنه من أمر جنوده، وقوله هو الفصل في شأنهم.
وليس لقائل بعده أن يجادل، أو يحاول معرفة ما لم يكشف الله تعالى عنه؛ إذ فلا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، ولو إجمالاً، فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها، من كم وكيف ونسبة !
وروى أن إبراهيم- عليه السلام- لما خرج من النار، أحضره نمرود، وقال له في بعض قوله: يا إبراهيم! أين جنود ربك الذي تزعم ؟ فقال له عليه السلام: سيريك فعل أضعف جنوده. فبعث الله تعالى على نمرود وأصحابه سحابة من بعوض، فأكلتهم عن آخرهم ودوابهم؛ حتى كانت العظام تلوح بيضاء، ودخلت منها بعوضة في رأس نمرود، فكان رأسه يضرب بالعيدان وغيرها، ثم هلك منها.
قال الألوسي:”وهذه الآية وأمثالها من الآيات والأخبار تشجع على القول باحتمال أن يكون في الأجرام العلوية جنود من جنود الله تعالى، لا يعلم حقائقها وأحوالها إلا هو عز وجل. ودائرة ملك الله جل جلاله أعظم من أن يحيط بها نطاق الحصر، أو يصل إلى مركزها طائر الفكر “.
وقوله تعالى:﴿ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَر ﴾(المدثر: 31)
إما أن يعود على:﴿ جُنُود رَبِّكَ ﴾. أو يعود على:﴿ سَقَرَ وَمَنْ عَليْهَا من جنود ربك ﴾. أي: وما جنود ربك، أو: وما سقر، ومن عليها إلا ذكرى للبشر. وذكراها للبشر؛ إنما جاء، للتنبيه والتحذير، لا ليكون موضوعًا للجدل ! والقلوب المؤمنة هي التي تتعظ بالذكرى، أما القلوب الضالة فتتخذها جدلاً.
وقد يكون فيما قاله علماء الإعجاز العددي في تفسير هذه الآية الكريمة ما يكشف عن حقيقة هذا العدد.. والله تعالى أعلم، له الحمد في السموات والأرض، وهو بكل شيء عليم !
الأستاذة: رفاه محمد علي زيتوني
مدرسة لغة عربية- حلــــب
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:07 PM
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1179076568250px-firstsurahkoran.jpgقال تعالى:﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾(البقرة:23-24)
أولاً-بعد أن قرَّر الله تعالى في مكة المكرمة عجز الإنس والجن مجتمعين عن الإتيان بمثل القرآن العظيم في قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾(الإسراء: 88)
وتحدَّى الخلق عامة، والمكذبين خاصة أنيأتوا:
﴿ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾(يونس: 37)
و﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾(هود: 13)
و﴿ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾(الطور: 34)
أعاد سبحانه وتعالى هذا التحدي في المدينة المنورة بعد الهجرة، فأمر الناس جميعهم عامة، والمرتابين في القرآن الكريم من كفار العرب، ومشركيهم خاصة أن يأتوا بسورة واحدة من هذا المِثل للقرآن، وأسجل عليهم إسجالاً عامًا إلى يوم القيامة، أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا ذلك أبدًا، فليتقوا النار، التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين، من أمثالهم.
ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال، هي وصف الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبودية لله الواحد القهار. ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة:
فهو أولاً تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى، دلالة على أن مقام العبودية لله جل وعلا هو أسمى مقام، يدعى إليه بشر، ويدعى به كذلك.
وهو ثانيًا تقرير لمعنى العبودية في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده, واطِّراح الأنداد كلها من دونه. فها هو ذا النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الوحي- وهو أعلى مقام- يدعَى بالعبودية لله الخالق, ويشرَّف بهذه النسبة في هذا المقام.
وقيل في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في جميع الكفار. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أنها نزلت في اليهود. وسبب ذلك أنهم قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي، وإنا لفي شك منه. والأظهر هو القول الأول.
ومناسبة الآية لما قبلها: أن الله عز وجل بعد أن فرغ من تقرير الإلهية والوحدانية، شرع سبحانه في تقرير النبوة، واحتج بهذه الآية الكريمة على صدق نبوة رسوله عليه الصلاة والسلام، وصحة ما جاء به من القرآن، وأنه من عنده وكلامه، الذي يتكلم به، وأنه ليس من صنعة البشر، ولا من كلامهم.
وتقرير الإلهية والوحدانية،وتقرير النبوة توأمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. فالآية، وإن سيقت لبيان الإعجاز، إلا أن الغرض من هذا الإعجاز إثبات النبوة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:08 PM
ثانيًا- قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾
تنبيه على أن القرآن، الذي نزَّله الله تعالى على عبده، لا رَيْبَ فيه؛ كما قال تعالى في أول السورة:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾(البقرة: 2)
فنفى جنس الرَّيب فيه على سبيل الاستغراق.
وتنكير الرَّيْب، للإشعار بأن حقه- إن كان- أن يكون ضعيفًا قليلاً، لسطوع ما يدفعه، وقوة ما يزيله. ومثله في ذلك قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ ﴾(الحج: 5)
والرَّيْب- في اللغة- أن تتوَّهم بالشئ أمرًا مَّا، فينكشف عمَّا تتوَّهمه. وحقيقته: قَلَقُ النفس. يقال: رابني الشيء، وأرابني. وقيل: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الشك ريبة، وإن الصدق طمأنينة. والرِّيبةُ: اسم من الرَّيْب. والارتيابُ يجرى مجرى الإرابة. وقد أثبت الله تعالى وقوع الارتياب من الكافرين والمشركين والمنافقين، فقال:
﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ ﴾(الحديد: 14)
ونفاه تعالى من الذين أوتوا الكتاب، والمؤمنين، فقال:
﴿ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾(المدّثر: 31)
وقوله تعالى:﴿ رَيْبَ الْمَنُونِ ﴾(الطور: 30)، سمَّاه رَيْبًا، لا أنه مُشكَّكٌ في كونه؛ بل من حيث تشكُّكٍ في وقت حصوله. فالإنسان أبدًا في رَيْبِ المنون، من جهة وقته، لا من جهة كونه.
وقال تعالى هنا:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 23)، وقال في يونس:
﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي﴾(يونس: 104)
فاستعمل الرَّيْب في الأول، والشَّكَّ في الثاني. والسرُّ في ذلك أن الشَّكَّ هو تردُّدُ الذهن بين أمرين على حدٍّ سواء. أماالرَّيْبُ فهو شَكٌّ بتهمة، وهو من قولهم: رَابَ: حقَّق التهمة. قال الشاعر:
ليس في الحق يا أميْمةُ رَيْبٌ **إنما الرَّيبُ ما يقول الكذوب
ولما كان المشركون، مع شكِّهم في القرآن، يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذي افترى القرآن، وأعانه عليه قوم آخرون، نفى الله تعالى عنه أولاً جنس الرَّيب على سبيل الاستغراق بقوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾(البقرة: 2)
ثم نبَّه ثانيًا على أنه لا ريب فيه بقوله :
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 23)
وأما قوله تعالى:﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾(يونس: 104) فيمكن أن يكون الخطاب مع أهل الكتاب، أو غيرهم ممَّن كان يعرف النبي صلى الله عليه وآله بالصدق والأمانة، ولا ينسبه إلى الكذب والخيانة.
فإن قيل: كيف نفى سبحانه وتعالى أن يكون في القرآن رَيْبٌ، ثم خاطب المشركين بقوله:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 23) ؟
فالجواب: أنه لا تنافيَ بين كونهم في رَيْبٍ من القرآن، وبين نفي الرَّيب عن القرآن؛ لأن نفيَ الرَّيب يدل على نفي الماهيَّة. أي: ليس ممَّا يحلُّه الرَّيْبُ، ولا يكون فيه، ولا يدل على نفي الارتياب فيه؛ لأنه قد وقع ارتياب فيه من ناس كثيرين.
ولا يردُّ على ذلك بقوله تعالى:﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ﴾، لاختلاف في الحالِّ والمحلول فيه. فالمحلول فيه هنا هم المخاطبون، والرَّيْبُ هو الحالُّ فيهم. والحالُّ في قوله تعالى:﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾مَنفيُّ، والمحلُّ هو الكتاب، فلا تنافي بين كونهم في رَيْبٍ من القرآن، وكون الرَّيْب منفيًّا عن القرآن.
ووجهُ الإتيان بـ﴿ فِيْ ﴾الدالة على الظرفية هو الإشارةُ إلى أنهم قد امتلكهم الريب، وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. واستعارة﴿ فِيْ ﴾لمعنى الملابسة شائعة في كلام العرب؛ كقولهم:”هو في نعمة “.
وفي قوله تعالى:﴿ نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾التفات؛ لأنه انتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم؛ لأن قبله قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾(البقرة: 21)، وقوله تعالى:
﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾(البقرة: 22)
فلو جرى الكلام على هذا السياق، لكان نظم الكلام هكذا:
﴿ مِمَّا أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِه ﴾
لكن في هذا الالتفات من التفخيم للمنزَّل، والمنزَّل عليه ما لا يؤدِّيه ضمير غائب، لا سيَّما كونه أتى بـ{ نَا }المشعرة بالتعظيم التام، وتفخيم الأمر. ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَمِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾(الأنعام:99)
وفي تعدي ﴿ نَزَّلَ ﴾بـ﴿ عَلَى ﴾إشارة إلى استعلاء المنزَّل على المنزَّل عليه، وتمكُّنه منه، وأنه قد صار كالملابس له، بخلاف﴿ إِلَى ﴾؛ فإنها تدل على الانتهاء والوصول؛ كما في قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ ﴾(الأنعام: 111)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:08 PM
ولما كانوا في ريب من القرآن حقيقة، وكانت﴿ إِنْ ﴾ الشرطية؛ إنما تدخل على المُمْكن، أو المحقَّقِ المبهمِ زمانُ وقوعه، ادَّعى بعضهم أنَّ﴿ إِنْ ﴾ هنا معناها:﴿ إِذَا ﴾؛ لأن﴿ إِذَا ﴾ تفيد مضيَّ ما أضيفت إليه. ومذهب المحققين أنَّ ﴿ إِنْ ﴾ لا تكون بمعنى:﴿ إِذَا ﴾. والذي قالوه: إن الواقع- ولا بد- يعلق بـ﴿ إِذَا ﴾. وأما ما يجوز أن يقع، وأن لا يقع، فهو الذي يعلق بـ﴿ إِنْ ﴾ ، وإن كان بعد وقوعه متعيِّن الوقوع.
وقوله تعالى:﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾أمرٌ من الإتيان، وهو المجيء بسهولة، كيفما كان. يقال: أتى بالشيء من مكان كذا إلى مكان كذا، إذا جاء به بسهولة ويسر. وهذا لا يقدر عليه إلا من آتاه الله تعالى بسطة في الجسم، أو العقل والعلم. تأمل قوله تعالى:
﴿ قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ*قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾
(النمل: 39- 40 )
كيف نبَّه تعالى على أن الذي عنده علم من الكتاب، وهو رجل من أهل الحكمة، اقتدر على الإتيان بعرش بلقيس، وتغلب على العفريت، مع ما فيه من قوة وشدة، بقوة العلم !
وصيغة الأمر﴿ فَأْتُوا ﴾للتهكم، ومذهب جمهور المفسرين أنها للتعجيز؛ لأن المراد بها ليس طلب ذلك منهم، بل المراد بها إظهار عجزهم.
والمعروف أن الأمر ضد النهي، وهو طلب الفعل، وصيغته: افعل، وليفعل. وهي حقيقة في الإيجاب؛ نحو قوله تعالى:
﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ﴾(البقرة: 43)، وقوله تعالى:
﴿ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾(النساء: 102). ومثل ذلك قوله تعالى:
﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾- ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾
فالأمر فيهما باقٍ على حقيقته، بدليل أن الله تعالى لم يطلب ذلك منهم مطلقًا؛ بل إنما قال عقب كل منهما:
﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
ومثل ذلك قوله تعالى:
﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾(آل عمران: 93)
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(القصص: 49)
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾(الأحقاف: 4)
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(الصافات: 157)
﴿ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ﴾(القلم: 41)
وعلى هذا التقدير، ووجود ذلك الشرط، يجب الإتيان بالشيء المأمور به.
أما أمر التعجيز في كلام الله تعالى فمثاله قوله إبراهيم- عليه السلام- لنمرود الكافر:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(البقرة: 258)
والتنوين في ﴿ ِسُورَةٍ ﴾ للتنكير. أي: ائتوا بسورة مَّا، وهي القطعة من القرآن، التي أقلها ثلاث آيات. وفيه من التبكيت والتخجيل لهم في الارتياب ما لا يخفى.
واختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله:﴿ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ على قولين:
أحدهما:أنه يعود على قوله تعالى:﴿ مِمَّا نَزَّلْنَا ﴾. أي: على القرآن. والثاني:أنه يعود على قوله تعالى:﴿ عَبْدِنَا ﴾. أي: على النبي صلى الله عليه وسلم. والصواب هو القول الأول، وهو قول أكثر المفسرين.
واختلفوا في المراد بالمثلية على كون الضمير عائدًا على القرآن على أقوال هي إلى التأويل البعيد أقرب منها إلى التفسير الصحيح؛ لأنها مبنيَّة على فهم غير صحيح لمعنى المثل أولاً. وأن قائلوها لم يفرقوا بين الإتيان بالشيء، وقوله ثانيًا. وكلاهما أوضح من أن ينبَّه عليه، أو يشار إليه، وهذه الأقوال هي كما ذكرها أبو حيَّان:
الأول:من مثله، في حسن النظم، وبديع الرصف، وعجيب السرد، وغرابة الأسلوب وإيجازه وإتقان معانيه.
الثاني:من مثله، في غيوبه من إخباره بما كان، وبما يكون.
الثالث:من مثله، في احتوائه على الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحكم والمواعظ، والقصص والأمثال.
الرابع:من مثله، في صدقه وسلامته من التبديل والتحريف.
الخامس:من مثله، أي: من كلام العرب، الذي هو من جنسه.
السادس:من مثله، في أنه لا يخلق على كثرة الرد، ولا تمله الأسماع، ولا يمحوه الماء، ولا تفنى عجائبه، ولا تنتهي غرائبه.
السابع:من مثله، في دوام آياته، وكثرة معجزاته.
الثامن:من مثله، أي: في كونه من كتب الله المنزلة على من قبله، تشهد لكم بأن ما جاءكم به ليس هو من عند الله.
ومذهب أكثر المفسرين أن ذكر المِثل في قوله:﴿ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ هو على سبيل الفرض. ومذهب بعضهم أن المراد به: كلام العرب، الذي هو من جنسه، فيكون ذكره ليس على سبيل الفرض.
ثم اختلفوا في معنى ﴿ مِنْ ﴾، فقيل: هي للتبعيض، وهو مذهب الجمهور. وقيل: هي لبيان الجنس، وإليه ذهب الشيخ ابن عطية والمَهدَويُّ، وغيرهما. وذهب بعضهم إلى أنها زائدة؛ ولهذا حذفت في قوله تعالى:
﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾(يونس: 38)
أما كون ﴿ مِنْ ﴾لبيان الجنس فلا يجوز على مذهب البصريين. وأما كونها زائدة في هذا الموضع فلا يجوز على مذهب الكوفيين، وجمهور البصريين. وليس في قوله تعالى:
﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾(يونس: 38)
دليل على زيادتها؛ لأن المراد به: فأتوا بكلام مثل القرآن. أو بقرآن مثل القرآن. وإذا كان كذلك، فلا وجه لدخول﴿ مِنْ ﴾فيه.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:09 PM
وأما قوله تعالى:﴿ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾(البقرة: 23) فالمراد به: فأتوا بسورة واحدة من مثل القرآن، طويلة كانت، أو قصيرة؛ لأن لفظ ﴿ سُورَة ﴾ يعمُّ كل سورة في القرآن؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فتعمُّ؛ كما هي في سياق النفي.وعليه فإن﴿ مِنْ ﴾ فيه لابتداء الغاية، وهي متعلقة بقوله:﴿ فَأْتُوا ﴾.
وأما المراد بالمثليّة هنا فهو كالمراد بها في قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾(الإسراء: 88)
وهذا ما فصَّلت القول فيه في مقالي السابق:﴿ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾، المذكور على هذا الرابط:
فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
ثالثًا- لما طالب سبحانه وتعالى المشركين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن- على تقدير حصولهم في ريب من كون هذا القرآن من عند الله- لم يكتف بقولهم ذلك بأنفسهم، حتى طلب منهم أن يدعو شهداءهم على الاجتماع على ذلك، والتظافر والتعاون والتناصر، فقال سبحانه:
﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
وصيغة الأمر هنا:﴿ ادْعُوا ﴾للإباحة، بخلاف صيغة الأمر قبلها، فتلك للتهكم بهم؛ لأنهم غير قادرين على ذلك. وفسر بعضهم الدعاء- هنا- بطلب الغوث. يقال: دعا فلانًا: استغاث به. وبالاستحضار. يقال: دعا فلان فلانًا إلى الحاكم، استحضره إليه.
والشهداء في قوله تعالى:﴿ شُهَدَاءَكُمْ ﴾مقيَّد بلفظه، وهو جمع: شهيد، بمعنى: شاهد، من شهد، إذا حضر. وجيء به على: فعيل، لما فيه من المبالغة؛ وكأنه تعالى أشار إلى أن يأتوا بشهداء بالغين في الشهادة، يصلحون أن تقام بهم الحجة. والشهيد كما قال الراغب: كل من يُعتَدُّ بحضوره ممن له الحل والعقد؛ ولذا سمُّوا غيره: مُخلِفًا.
وقوله تعالى:﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾عبارة شرطية، جيء بها قيْدًا على الجملة قبلها. وفيها إثارة لحماسهم، أو تهكم بهم. والمعنى المراد: إن كنتم صادقين، فأتوا بسورة من مثله.
رابعًا- ولما كان أمره تعالى إياهم بالإتيان بسورة من مثله أمر تحدٍّ وتهكم؛ لأنهم غير قادرين على ذلك، انتقل سبحانه إلى إرشادهم، فقال لهم:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾(البقرة: 24)، فذكر أمرين:
أحدهما:أنهم لم يفعلوا.
والثاني:أنهم لن يفعلوا أبدًا؛ لأنهم ليسوا بقادرين على ذلك.
ولذلك أمرهم تعالى باتقاء النار، التي أعدَّها للكافرين من أمثالهم.
وأتى بـ﴿ إِنْ ﴾ الشرطية، التي تدل على إمكان ما بعدها وعدم إمكانه، ولم يأت بـ﴿ إِذَا ﴾، التي تدل على تحقق ما بعدها زيادة في التهكُّم بهم؛ كما يقول القائل: إن غلبتك، لم أبق عليك، وهو يعلم أنه غالب.
و﴿ لَنْ ﴾ لنفي المستقبل، فثبت الخبر أنهم فيما يستقبل من الزمان، لن يأتوا ﴿ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾؛ وذلك مبالغة في التحدي، وإفحامًا لهم. ولو كان في طاقتهم تكذيبه، ما توانوا عنه لحظة واحدة.
وقال تعالى:﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾، ولم يقل سبحانه:﴿ فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا وَلَنْ تَأْتُوا ﴾؛ لأن{ فَعَلَ } عامٌّ في الأفعال كلها، ويجري مجرى الكناية، فيعبَّر به عن كل فعل، إيجازًا واختصارًا، وحيث أطلق في كلام الله تعالى، فهو محمول على الوعيد الشديد؛ كقوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾(الفيل: 1). وقوله تعالى:
﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ﴾(إبراهيم: 45)
وجملة ﴿ لَنْ تَفْعَلُوا ﴾ اعتراضية بين الشرط وجوابه، وفيها من تأكيد المعنى ما لا يخفى؛ لأنه لما قال تعالى:﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾، وكان معناه: نفي في المستقبل، مخرجًا ذلك مخرج الممكن، أخبر أن ذلك لن يقع، وهو إخبار صدق، فكان في ذلك تأكيد على عجزهم. وفي ذلك إثارة لهممهم؛ ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وأبدع، وفيه أيضًا دليلان على إثبات النبوة:
أحدهما:صحة كون المتحدَّى به معجزًا، وأنه من عند الله تعالى.
والثاني:الإخبار بالغيب من أنهم لن يفعلوا في المستقبل.
ولما كان الفعل المنفي بـ﴿لَمْ ﴾ في قوله تعالى:﴿ وَلَمْ تَفْعَلُوا ﴾مرادًا به الاستقبال، لدخول أداة الشرط عليه، حسُن تأكيده بقوله:﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾. وكان من حقه أن يؤكَّد بقول:﴿ وَلَا تَفْعَلُون ﴾، فيقال:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَا تَفْعَلُون ﴾؛ لأن قبله في أول السورة:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾(البقرة: 2)
و﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ نفيٌ لجنس الريب عن القرآن الكريم على سبيل الاستغراق والشمول. وهذا النفي يناسبه أن يقال:﴿ وَلَا تَفْعَلُون ﴾؛ كما قال تعالى في آية الإسراء :
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾(الإسراء: 88)
والسر في هذا العدول من النفي بـ﴿ لَا ﴾ إلى النفي بـ﴿ لَنْ ﴾ أن العرب تنفي بـ﴿ لَنْ ﴾ ما كان ممكنًا عند المخاطب، مظنونًا أنه سيكون، فتقول: لن يكون، لما يمكن أن يكون؛ لأن ﴿ لَنْ ﴾ فيها معنى﴿ أَنْ ﴾. و﴿ أَنْ ﴾ تدل على إمكان الفعل، دون الوجوب والاستحالة. وإذا كان الأمر عندهم على الشك، لا على الظن: أيكون، أم لا يكون ؟ قالوا في النفي: لا يكون.
وقوله تعالى:
﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾
جواب للشرط. ولقائل أن يقول: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ والجواب: إذا ظهر عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار. فاتقاء النار يوجب ترك العناد. فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله:﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ قائمًا مقام قوله:{ فاتركوا العناد }. وهذا هو الإيجاز، الذي هو أحد أبواب البلاغة. وفيه تهويل لشأن العناد؛ لإنابة اتقاء النار منابه، متبعًا ذلك بتهويل صفة النار.
و﴿ النَّاسُ ﴾يراد به: الخصوص ممَّن شاء الله دخولهم هذه النار، وإن كان لفظه عامًا. و﴿ الْحِجَارَةُ ﴾يراد بها: الأصنام. وقد جعل كلاهما وقودًا لهذه النار، فدل على أنها نار ممتازة من النيران، بأنها لا تتَّقد إلا بالناس والحجارة؛ وذلك يدل- أيضًا- على قوتها من وجهين:
الأول:أن سائر النيران، إذا أريد إحراق الناس بها، أو إحماء الحجارة، أوقدت أولاً بوقود، ثم طرح فيها ما يراد إحراقه، أو إحماؤه. وهذه توقد بنفس ما تحرق.
والثاني:أنها لإفراط حرِّها تتَّقد في الحجر.
والوَقود، بفتح الواو، هو ما يلقى في النار لإضرامها؛ كالحطب ونحوه، كما قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾(الجن: 15)
وإنما قرن الله سبحانه الناس بالحجارة، وجعلها معهم وقودًا؛ لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصنامًا، وجعلوها لله أندادًا، وعبدوها من دونه سبحانه. وإلى ذلك أشار تعالى بقوله:
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾(الأنبياء: 98- 99).
وهذه الآية مفسرة لها، فقوله تعالى:
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ في معنى: ﴿ النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾
وقوله:﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾في معنى:﴿ وَقُودُهَا ﴾ .
ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء، الذين يستشفعون بهم، ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكًا بهم، وجعلها الله عذابهم، قرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغًا وإغرابًا في تحسرهم.
ونحو ذلك ما يفعله تعالى بالكافرين، الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة، فشحوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يُحمَى عليها في نار جهنم، فتُكوَى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم؛ كما أخبر بذلك سبحانه وتعالى بقوله:
﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾(التوبة: 35)
وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، لقوله تعالى:﴿ أُعِدَّتْ ﴾.أي: أرصدت وهيئت. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك؛ منها:” تحاجَّت الجنة والنار “.
ومنها:” استأذنت النار ربها، فقالت: ربِّ ! أكل بعضي بعضًا، فأذنَ لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف “.
ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه:” سمعنا وجبة، فقلنا ما هذه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حجر ألقي به من شفير جهنم، منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها “.
وغير ذلك من الأحاديث المتواترة، التي تؤكد على أن النار، التي أعدَّها الله تعالى للكافرين، وجعل وقودها الناس والحجارة، موجودة، نسأل الله تعالى أن يعيذنا منها برحمته الواسعة !
بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:18 PM
الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول

http://www.55a.net/firas/ar_photo/11779753606566.jpgَتَأْلِيفُ د/ مُحَمَّد السَّيِّد مُوسَى
أستاذ البلاغة والأدب كلية الآداب- جامعة المنصورة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه والتابعين لهم بالإحسان إلي يوم الدين.
وبعد، فاٍن من أسرار البلاغة العربية وذوقها أن تساير الأساليب المختلفة وتتماشى مع المواقف والسياقات حسبما يتطلب المقام اللغوي والنفسي, " والبلاغة الحق – إضافة إلي كونها الكلام المكتوب أو المسموع, هي التي تقدر الظروف والمواقف, وتعطي كل ذي حق حقه, سواء أكانت شعرًا أم نثرًا, مقالا أم قصة, مسرحية أم حكاية, مديحا أم هجاء, غزلا أم استعطافا" [1]
والقرآن الكريم له نظمه العجيب وتركيبه الفريد الذي يأخذ بالألباب ويسوق إليه أعناق البيان " فكان من إعجاز القرآن أنه أقام أبنية من النظم الكلامي غير مستندة إلا علي ما بينها من تناسق هندسي, وتجاذب روحي، احكمه الحكيم العليم, وقدره اللطيف الخبير، في القرآن الكريم صور كثيرة من هذا النظم الذي يعتمد علي تجاذب الكلمات وتعانق الآيات, فيكون ذلك رباطها الذي يمسك بها ويشد بعضها إلي بعض في وثاقة وإحكام [2].
ومن المعلوم أن سياقات الكلام تختلف باختلاف المقام, فتختلف الألفاظ والجمل تبعا لذلك, وما يصلح من لفظ في سياق لا يصلح في غيره، ولا يؤدي نفس المعنى والدلالة.
وكذا الشأن في استدعاء النص للجملة الاسمية أوالفعلية التي تدل علي الحدث وتشتمل علي دلالتها وفاعلها الذي قد يحذف من الجملة لدواع يقتضيها المقام: " بعضها لفظي, كالرغبة في الاختصار في مثل: لما فاز السّباق كوفئ, أي كافأت الحكومة السّباق, مثلا، وكالمماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع, نحو: من حَسُن عملُه عُرف فضلُه، وكالضرورة الشعرية، وبعضها معنوي, كالجهل بالفاعل, وكالخوف منه, أوعليه وما يصلح لكل واحد من الثلاثة قولنا: قُتِلَ فلان, من غير ذكر اسم الفاعل وكإبهامه, أوتعظيمه بعدم ذكر اسمه علي الألسنة صيانة له, أوتحقيره بإهماله, وكعدم تعلق الغرض بذكره, حين يكون الغرض المهم هوالفعل، وكشيوعه ومعرفته في مثل: جُبلت النفوس علي حب من أحسن إليها، أي: جبلها الله وخلقها ".[3]
ومقامات الكلام وسياقاته هي التي تحمل دلالة تلك الأغراض السابقة التي تختلف من موضع لآخر, فليس الغرض متعلقا أو دالا من حيث لفظته المفردة, ولكنه يأتي من النظر في التركيب وتعلق الألفاظ ببعضها, وتفسير هذا كما يذكر عبد القاهر الجرجاني " أنه ليس إذا راقك التنكير في سؤدد " [4] من قوله: تنقل في خلقي سؤدد وفي دهر من قوله: فلو إذ بنا دهر [5] فانه يجب أن يروقك أبدا وفي كل شئ, ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله وأنكر صاحب, {لم يقل: أنكرت صاحبا}, فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته من استحسانك ههنا؛ بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع, أو بحسب المعنى الذي تريد, والغرض الذي تؤم " [6] .
وقد تحدث البلاغيون القدامى عن الفعل الذي لم يسم فاعله ونظروا في دلالته ومواقعه المتباينة, وهي وإن كانت نظرات إشارية تعد بمثابة اللمحة الخاطفة لا التحليلية العميقة, إلا أنها تدل علي ذوقهم البلاغي وحسهم المرهف بمواقع الكلام وأدوات التعبير, وإذا " كانت التيارات الجديدة قد شغلت نفسها بتحليل أدوات اللغة بكل طاقاتها التأثيرية والاٍقناعية, وبكل مهامها الانفعالية, فاٍن المهمة نفسها قد شغلت البلاغة القديمة, وقد أفاد منها – بلا شك – الخطاب الأدبي التراثي, وسوف يفيد – بلا شك أيضا – الخطاب الأدبي الحديث"[7].
وإذا كانت نظرة النحاة والبلاغيين قد اشتركت في تعيين أغراض عدم تسمية الفاعل, من العلم به أوتعظيمه أوصيانته عن الابتذال والامتهان أو مناسبة الفواصل أو مناسبة ما تقدم, أوكما ذكر السيوطي من أغراض للاختصار أو التنبيه علي أن الزمان يتقاصر علي الإتيان بالمحذوف أوأن الاشتغال بذكره يفضي إلي تفويت المهم. [8]
فاٍنه ينبغي النظر إلي الروح السارية أوالحياة النابضة الآخذة بلب السياق؛ لأن السياق قد يحمل أكثر من غرض لعدم تسمية الفاعل, أويبرز غرضًا أساسيًا أو جوهريًّا حاملاً معه من الأغراض ما يتطلبه المعنى ويقتضيه المقام.
وقد نظر الزركشي إلي بناء الفعل طبع للمجهول في سياقه نظرة التناسب مع ما تقدم, وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ}[التوبة86 – 87]
فصدر الآية الكريمة جاء بالبناء للمفعول أُنْزِلَتْ سُورَةٌ, فتناسق الختام مع البدء وجاء الفعل طبع مبنيا –أيضًا – للمجهول, وهذا بخلاف قوله تعالى ما بعدها: وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ, فاٍنه لم يقع قبلها ما يقتضي البناء, فجاءت على الأصل. [9]
فهذا الغرض وإن كان كذلك, إلا أنه ينبغي النظر إليه من ناحية أخرى, حيث استخدم هذا الفعل في مقام الذم وقدح الكافرين فقط, ولم يأت هذا الفعل مبنيا للمجهول إلا في موضعين فقط, وقد تمت الإشارة إلي ذلك في موضعها من البحث.
وقد وقف ابن الأثير مع هذه الروح السارية في النص, عندما وقف مع الالتفات في بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أوتكلمه في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ, بعد أَنْعَمْتَ, ولم يقل غير الذين غضبت عليهم؛ لأن اسم المفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول،.

فاعتبر ذلك عطفًا علي الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه, فلما صار إلي ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب, فأسند النعمة إليه لفظا, وزَوَي عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا ".[10]
هذا وإن الفاعل عندما يحذف من الجملة فإنما ينوب عنه " في رَفْعِه وعُمْديته ووجوب التأخير عن فعله, واستحقاقه للاتصال به, وتأنيث الفعل؛ لتأنيثه واحدٌ من أربعة: الأول: المفعول به نحو: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود44].
والثاني المجرور نحو: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف149], والثالث: مصدر مختص, نحو: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}[الحاقة13], والرابع: ظرف متصرف مختص, نحو: صيم رمضان, وجُلس أمام الأمير.[11]
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَالتَّصْوِيرِ
يقصد بالتصوير هنا ما يقوم به الفعل المبنى للمجهول من تصوير لأحداث المشهد الغيبي الذى غابت دقائقه عن المتلقى أو خفى عن ذهنه وخياله.
أَوَّلاً: المشَاهِدُ الغَيْبِيَّةُ
تعمل الأساليب القرآنية في المشاهد الغيبية عملا حيا يساعد نفس الملتقي علي تلقي كينونة المشهد بمعناه العميق؛ ليتدارك خياله ما قصرت عنه حواسه المادية, فتتغاير الأفعال والجمل بتغاير الأحداث والوقائع والأشخاص، فنجد فعلا بعينه يدور في المواضع الكثيرة مبينا للمعلوم ليقرر الحقيقة دامغة واقعة شاخصة للعيان, لا جدال فيها ولا مراء, وذلك كالفعل رزق مثلا الذي جاء معلوما في كل المواضع القرآنية إلا أربعة مواضع, كقوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل 64].
وكقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة 16].
وقد تغاير هذا الفعل من المعلوم إلي البناء للمفعول؛ لحكمة يقتضيها السياق كما في قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ} [البقرة25]
رُزِقُو هنا بمعنى: أطعموا, قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ أي: أطعمنا من قبل.1
وهذه اللوحة من مشاهد الجنة الغيبية, فلا تعلم حقيقة الرزق فيها، ولا حقيقة الإتيان وَأُتُو, فيضم المشهد حدث الفعل من الرزق مع المتمتع به, وكذا الإتيان مع المنتفعين به، وفي بناء الفعل للمفعول رُزِقُوا - رِزْقاً - وَأُتُوا دلائل أخرى وهي أن هذا الرزق يأتيهم دون جهد أوعناء أوبحث أوشقاء, وقد شاع في جو الآية جرس موسيقي أحدث إيقاعا متناغما من تكرار الرزق: رُزِقُوا - رِزْقاً - رُزِقْنَا، الوارد في سياق النكرة المفيدة للعموم من ثمرة رزق.
ومثله ما جاء في سياق مشهد الآخرة الغيبي وهو من مشاهد الجنة في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر40].
وقد جاء فعل الرزق مبنيا لمفعوله في موضع ثالث من قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون َ} [آل عمران169].

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:19 PM
فهي حياة خاصة مغايرة للحياة المعهودة, ولذلك خصصها بقوله عِنْدَ رَبِّهِمْ وبني الفعل يُرْزَقُون للمفعول؛ إشارة لاختلاف هذه الحياة، وأنها من نوع خاص يجري الرزق عليهم ويأتي إليهم, كما يجري الرزق لأهل الدنيا، فهي إذا قد وردت قي سياق المشهد الغيبي من حياة الدار الآخرة.
وقد جاء فعل الرزق مبينا لمفعوله في موضع رابع من قوله تعالى: {قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}[يوسف37].
طعام ما على العموم والشمول كما دلت النكرة في سياق النفي, وقد زاد ذلك في إبراز إعجاز الموقف الغيبي الذي تطلب بناء الفعل تُرْزَقَانِهِ للمفعول, وذلك أن يوسف عليه السلام " وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء, وهوالإخبار بالغيب, وانه ينبئهما – وهما الفتيان اللذان دخلا معه السجن – بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما, ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت, فيجدانه كما أخبرهما".[12] وفي سياق الحديث عن الجنة والنار وهي من مشاهد القيامة الغيبية الخفية، مجهولة العالم أوالواقع الملموس؛ جاء التعبير عنها بالفعل المبني لمفعوله, وذلك معرض ذكر الجنة مقابل ذكر النار, وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين َ} [البقرة24].
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[آل عمران 131].
وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران133].
وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد21].
فلفظ الإعداد هنا بمعناه اللغوي الموحي بالمتانة والإتقان, وبما لحق اللفظ من تضعيف وبناء للمفعول, يعمل علي إحضار المشهد " ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أوالحركة المتجددة, فإذا المعني الذهني هيئة أوحركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي, وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية ".[13]
وقد جاء الفعل نفسه مبينا للمعلوم عند الحديث عن اسم أوصفة أومعنى من معاني الجنة والنار أو كالأجر والعذاب والسعير وجهنم, كقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ} [التوبة89], فهي جنان ودرجات داخل الجنة التي أعلاها الفردوس الأعلى.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا} [الأحزاب35].
{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} [الأحزاب64].
فالسعير اسم من أسماء النار ومن دركاتها
{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [الفتح6] وجهنم –عياذا بالله – من دركات النار, ومنها الدرك الأسفل, كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا} [النساء145].
فيتضح مما سبق أن لفظ أَعَدَّ بصيغة البناء للمفعول لم ترد إلا في معرض الحديث عن الجنة والنار باسمها العام الذي يمثل الإطار العام للجنة والنار.
وفي سياق الحديث عن الجنة جاء الفعل يُطَافُ مبنيا للمجهول مرة، ومبنيا للمعلوم مرة أخرى, يقول تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} [الإنسان15], ويقول جل شأنه: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُورًا} [الإنسان19].
فهذه المغايرة من المجهول إلي المعلوم لحكمة اقتضاها السياق, وتدخلت الصيغة اللغوية لتصوير المشهد, فالطواف في كلا المشهدين خاص بأهل النعيم من الجنة عَلَيْهِمْ ولكن " ذكر الأول بلفظ مجهول لأن المقصود ما يطاف به لا الطائفون, ولهذا قال: {بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ} ثم ذكر الطائفين فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}. [14]
وفي مجال العلم جاء الفعل علم في القرآن الكريم معلوما؛ ليظهر حقيقة الفاعل في وضوح وجلاء, ويتسلط الضوء عليه ويبرز الاهتمام به, كقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد17], فالبشر واوالجماعة في اعْلَمُو هم المعنيون بالعلم؛ ليصل بهم إلي الإيمان والتوحيد.
وقوله جل شأنه: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَونَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف21]، فيظهر فاعل العلم – سبحانه وتعالى – ليتحقق جانب النبوة عند يوسف عليه السلام وبعثته لقومه.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:20 PM
وقد جاء الفعل علم مبينا لمفعوله في أربعة مواضع لحكمة اقتضاها السياق في تقريب المعني الخفي وحقيقته التي توارت خلف الستار، يقول تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}[الأنعام91] فالأفعال الواردة في هذه الآية كلها جاءت مبنية للمعلوم وَمَا قَدَرُوا - مَا أَنْزَل َ- أَنْزَلَ - تَجْعَلُونَهُ – تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ، وجاء هذا الفعل عُلِّمْتُمْ وحيدًا فريدًا مبينًا لمفعوله في وسط هذا المشهد المعلوم, ولعل ذلك يشير إلي حكمة بليغة وهي لفت الذهن إلي مصدر هذا العلم, وهومصدر غيبي خفي عن الأبصار وماديات الحياة الدنيا المتعارف عليها, فهومن عند الله تعالى, " والخطاب لليهود, أي علمتم علي لسان محمد "صلى الله عليه وسلم" مما أوحي إليه ما لم تعلموا أنتم, وأنتم حملة التوراة, ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم, {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}النمل:76, وقبل الخطاب لمن آمن من قريش ".[15]
وفي مجال هذا العلم الخفي, غير المتاح لكل أحد, وإنما هوعلم غيبي يصدر عن المولي عز وجل, جاء فعل العلم مبينا لمفعوله في موضع ثان من قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف66], وهنا يطلب بني موسي عليه السلام من هذا العبد الصالح أن يتبعه ليتعلم من علمه الذي علمه إياه, وهذا توجيه من الله – تعالى- لموسى أن يفعل ذلك ويتبع هذا العبد الصالح, بعد أن سئل موسي عليه السلام, كما أوردت كتب التفاسير, هل في الأرض من هو أعلم منك؟ فقال: لا.
واستعملت عَلَى في قوله تعالى: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} استعمال أدوات الشرط, فكان معني الكلام معها: هل أتبعك بشرط أن تعلمني؛ فإن لم تعلمني لا أتبعك, ووجه دلالة على هنا على الشرط بعض الأئمة بأن معناها العام هوالإلزام، ومعني الشرط الإلزام فبين المعنيين تناسب من هذه الجهة، وهي دلالة عَلَى على الشرط حقيقة أومجاز؟ خلاف غير متكافئ والأصح أنه مجاز " [16] .
والموضع الثالث في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوالْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل16].
لم يقل علمن أوأتانا كل شئ , وإنما جاءت الصيغتان بالبناء للمفعول, وحذف لفظ الفاعل للعلم به, كما هو متبادر في مثل هذه السياقات، فالذي علمه هذا العلم الغيبي الخفي, وآتاه من كل شئ هو الله تعالى – فهذا من " التمكين العظيم, حتى اٍنه سخر له الإنس والجن والطير, وكان يعرف لغة الطير والحيوان – أيضا -, وهذا شئ لم يعطه أحد من البشر – فيما علمناه – مما أخبر الله به ورسوله " [17] .
وهذه المواقف التعجيزية التي تظهر فيها الخصوصية للموقف والمشهد وصاحبه, تستلزم سياقا خاصا ونسيجا لغويا له دلالته, ولذلك جاءت تتمة المشهد بفعلين مبنيين للمفعول: يقول تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل17], فهذا التسخير في حُشِرَ - يُوزَعُونَ لا ينبغي لأحد من البشر سوى نبِيّ الله سليمان عليه السلام وهو تسخير يأتيه من قبل الله عز وجل لا طاقة له به, فهوقوة غيبية مصدرها المباشر من الله تعالى.
ويمثل الموضع الرابع للفعل المبني للمفعول مشهدا غيبيا من نوع آخر، اٍنه يمثل القيمة الأخلاقية التي تمثل الصفات والطهر في النفس والمجتمع المحيط.
يقول تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ أَوآبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوأَبْنَائِهِنَّ أَوأَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوإِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَونِسَائِهِنَّ أَومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوالتَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور31].
فهذه الآية الكريمة حملت العديد من الأفعال, وهي كلها مبنية للمعلوم إلا هذا الموضع لِيُعْلَمَ والشئ الخفي أو الواجب هو إخفاؤه هو زينة المرأة التي يجب عليها أن تخفيها إلا ما جاء به الاستثناء في الآية الكريمة لاثني عشر شخصًا.
ولعل السر في كون هذا الوضع الوحيد في الآية كلها فعلا مبنيا للمجهول, هوتعلقه بالسماع ومخاطبة حاسة الأذن, فيهتز القلب تطلعا لهذه الزينة الصادرة عن ضرب المرأة للأرض برجلها وما تلبسه من خلخال أوما يقوم بمهمته ودوره بتطوير الأزمان والأحوال، يؤيد ذلك ما قاله الزجاج: " سماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ".[18]
وقد جاء الفعل مبينا لمفعوله لتصوير المشهد بوقائعه غير المرئية وإبراز عنصر الخفاء وأثره الانفعالي على من واجهه, يقول تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ َياُ موسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل8 -10]
وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص:30-31].
وباستقراء هذه الأفعال التي تأتي مبنية للمجهول نجدها تأتي – أيضا – في مشاهد القيامة, وهما من مشاهد الغيب البعيدة عن الملموس المادي, فهويمثل المشهد بخفاياه ودقائقه, ويعمل علي إبراز فخامته أورهبته، يقول تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [النحل111]
فيتحضر الذهن مشهد الوفاء توفي ولم تأت تسمية الفاعل للعلم به, ولينصَبَّ الاهتمام علي مشهد وفاء الأعمال بهيبته ورهبته, وقد زاد من رهبة المشهد مجئ صدر الآية الكريمة بكلمة يَوْمَ نكرة؛ لتؤدي دورها الحيوي في إبراز الموقف الخفي عن الأبصار, لتظهر الأشخاص في مشهد جلي, لا يهتم كل شخص إلا بنفسه، " فكل نفس لا يشغلها إلا نفسها, وقد جاءت منفردة, وهي في وسط هذا الخضم من المحشورين لا تحس بشيء إلا بذاتها, فهي تجادل عن نفسها, تدافع أو تحاول الدفاع, وتروم الخلاص, ولا مجال هناك للخلاص ".[19]
وفي مشهد آخر يتم تصوير دهس المعرضين المنكرين, ويظهر مدي ندمهم, كما لو كان دهسوا وسووا الأرض لكان أهون عليهم من هذا الإعراض, يقول تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء41 – 42].
فتصدير المشهد بالاستفهام عن الحال كَيْفَ فيه إبراز لجو الفزع والرعب, وإيحاء بنوعية العذاب الهائل الذي لا يوصف, ولذلك جاء التعبير بالفعل يَوَدُّ ليكشف عن مكنون القلب واعتمال الحالة النفسية فيما لو كانت الأرض قد سويت لهم، وصاروا جزءًا منها, فيبدو المشهد بحركة المجئ جِئْنَا مِنْ كُلِّ، جِئْنَا بِكَ وإبراز المعاناة النفسية التي تصير فيها تسوية الأرض بهم إلي حد الأمنية الغالية والمودة الغائبة, فيتمنون الدهس والتسوية تُسَوَّى بالبناء للمجهول لدلالة رغبتهم في دهسهم وتسويتهم بالأرض من أية جهة وبأية طريقة " منطقة الخاص وطريقته المميزة في التعبير عن موضوعاته, فقد التفت القرآن عن مخاطبة الذهن البشري إلي مخاطبة الحس والوجدان, وذلك بمنطق التصوير لا التقرير, ولمنطق التصوير وسيلته التي ميزت أسلوب تناول القرآن لمختلف الموضوعات الإلهية التشريعية والعقائدية والتعبير عنها ".[20]
وفي موضع آخر من القران الكريم يأتي الفعل الذي لم يسم فاعله؛ ليؤدي دورا بليغا في سياق المشهد الغيبي من ساحة العرض والحساب.. يقول تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً} [طه102- 103].
فالغرض يتعلق بعلاقة الحدث يُنْفَخُ ووقعه وأثره في الصور لتقع الأهوال, ولا مجال لظهور الفاعل في المشهد حتى لا يشغل حيزا أو مساحة يحتاجها المشهد بجزئياته وخطوطه، ويَوْمَ نكرة للتهويل، وهو" منصوب بإضمار اذكر، ويجوز أن يكون ظرف المضمر حذف للإيذان بضيق العبارة عن حصره وبيانه أو بدلا من يوم القيامة أو بيانا له أو ظرفا ليتخافتون وقرأ أبوعمرو وابن محيصن ننفخ بنون العظمة على إسناد الفعل إلى الأمر به وهوالله – سبحانه وتعالى – تعظيما للنفخ, لأن ما يصدر من العظيم عظيم "[21]
ويقول تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون101].
وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68]
وقوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} [النبأ18].
فهذه أربعة مواضع من مجموع اثني عشر موضعا للفعل نُفِخَ - يُنْفَخُ هي كل ما جاء في القرآن الكريم في مشاهد القيامة الغيبية, وقد غاب لفظ الفاعل لعدم تعلق الغرض به مثل إبراز الفاعل؛ ليتسلط الضوء على الناس وهم يأتون أفواجا, ولكن في نُفِخَ انْصَبَّ الاهتمام على إبراز الحدث بهوله وشدة صوته التي تكاد تسمعها الآذان, ومن الثابت علميا أن الصوت إذا علا وارتفع كان سببا في إصابة الإنسان بالتوتر العصبي وسرعة الغضب والانفعال, فإذا زاد على حده إلى درجة لم يعد يتحملها الإنسان, أصيب بالصمم, فإذا ظل في الارتفاع خرَّ ميتًا! فالسمع له حدود " فلا تدرك الأذن من الأصوات إلا ما كانت ذبذباته في المدى المسمى بالموجات الصوتية, بينما لا تشعر بموجات اللاسلكي ولا الموجات فوق الصوتية, وحساسية الأذن أيضا محدودة لشدة الصوت, فلا تميز الأصوات لوقلت شدتها عن 10120 وات/م2 بداية مقياس الديسيبل, ولا تتحمل الأصوات التي تزيد شدتها عن 200 ديسيبل, ولو زادت لصعق الإنسان ومات على الفور " [22]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:21 PM
ومن إعجاز القرآن الكريم إثبات تلك الحقيقة قرآنا يتلى منذ أكثر من أربعة عشر قرنا, بل تنقلب تلك الصاعقة المميتة إلى ضدها, فتتحول تلك النفخة التي أفنت الخلائق, إلي نفخة بعث وحياة!.
قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68], ثُمَّ أدت إلى معنى التراخي الزمني بين النفختين, وقوله تعالى: أُخْرَى دل على أن النفخ في الصور نفختان، ويحدث التحول السريع المفاجئ عقب إرسال النفخ إلى الموتى؛ إلى القيام والنظر كما دلت إِذَ الفجائية.
أما مشاهد المادة أو الواقع الملموس أو المحسوس, فاٍن الفعل نُفِخَ لم يأت إلا مبنيا للمعلوم, مثل قوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة9].
وقوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم12].
وقوله تعالى: { َرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران49].
وقوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف96].
فالنفخ من روح الله لخلق آدم أو عيسي عليه السلام واقع بشري ملموس, تلمسه البشرية منذ آدم عليه السلام إلي يوم القيامة؛ ليعيش الإنسان بروح الله دون أن يدري لها سرًّا غير أن فاعلها – جل شأنه – متعين بالقدرة والوحدانية, ولذلك جاءت الجملة اللغوية ناصعة التحديد في إبراز الفاعل، وفي آية آل عمران والكهف نجد مشهد عيسي بن مريم – عليه السلام – وذي القرنين يفتقران إلى وجود الفاعل وإبرازه محددا؛ لتجنب اللبس والغموض الذي يؤدي إلى فساد المعنى واختلاط شخوص المشهد.
وقوله تعالى في مشهد القيامة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة 1-6].
فالزلزلة مشهد خفي غيبي, وقد جاءت في سياق بث الفزع والرجفة النفسية والتصدع القبلي، ولم يأت في هذه السورة الكريمة فعل مبني للمجهول إلا زُلْزِلَتِ - لِيُرَوْ فهذا الانقلاب الكوني يمثل الوجه الآخر للمشهد وهو مجسد في رؤية الأعمال التي من أجلها انقلاب هذا الكون واختل نظامه، وإذا كانت إذ للوقت, ومع ذلك قد صدرت بها السورة, فهي بمثابة الإجابة عن سؤال: " متي الساعة فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكن أعينه بحسب علاماته، إن الله تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد, فكأنه قيل: متي يكون ذلك؟ فقال: إذا زلزلت الأرض. [23]
وفي مشهد من مشاهد القيامة في سورة التكوير" الذي قال فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلي يوم قيامة كأنه رأي عين فليقرأ: " إذا الشمس كورت " و" إذا السماء انفطرت " و" إذا السماء انشقت " " [24] . قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْوَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}[التكوير1 – 14].
فالمشهد هنا زاخر بالحركة العنيفة المنفلتة من سياقها ونظامها التي كانت تسير في فلكه منذ أمد بعيد, اٍنه " مشهد انقلاب تام لكل معهود, وثورة شاملة لكل موجود تشترك في الانقلاب والثورة الأجرام السماوية والأرضية, والوحوش النافرة, والدواجن الأليفة, أو نفوس البشر, وأوضاع الأمور، ويبدأ المشهد بحركة جائحة, وثورة ثائرة, وكأنما انطلقت من عقالها المردة المدمرة, فراحت تقلب كل شئ، وتنثر كل شئ، تهييج الساكن, وترويع الآمن، والموسيقى المصاحبة للمشهد سريعة الحركة, لاهثة الإيقاع, تشترك بإيقاعها السريع في تصوير المشهد وتمثيله في الإحساس " [25] .
وقد مثل الفعل الذي لم يسم فاعله دورا بارزا في تصوير الحركة المجهولة في طي الزمان, فالمشهد بدأ بفك الكون وتدميره من أعلى إلى أسفل، بالكائنات غير العاقلة: الشمس, النجوم, الجبال, العشار, الوحوش, البحار, ثم الكائنات العاقلة من النفوس والمؤودة, ثم رجوعها مره أخرى إلى الصحف التي تنشر والسماء التي تكشط, وذلك من الكائنات غير العاقلة؛ ليعود المشهد إلى مظاهره أو كائناته العليا كما بدأ, وكأنه مشهد يكور في دائرة انقلاب وانفلات للنظام في سرعة فجائية صارمة مثلها البدء ب: إِذَ للزمان المفاجئ, ثم تكرارها مع كل حدث مدمر، ومن الملاحظ أن كلمة البحار بالجمع لم تستخدم في القرآن الكريم إلا للحديث عن يوم القيامة، يقول تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير6]. {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار3].
ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي:
فأولا: يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس, فجاء تسلسل الآيتين أولا سُجِّرَتْ وثانيا فُجِّرَتْ, وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة. [26]
وإذا نظرنا إلي هذا المشهد بكائناته وجزئياته, نجد أن التعبير بالفعل الذي لم يسم فاعله هو الأسلوب السائر في كل المشهد عدا جزئية واحدة فقط هي صورة انصباب النجوم وتنافرها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وقد جاء التعبير عن هذا المشهد بالفعل المبني للمعلوم! ولعل السر في ذلك أن النجوم في مراحل انكدارها تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر أو تتكدس على ذاتها فتطمس طمسا كاملا: النجوم الابتدائية ثم العادية ثم العماليق الحمر ثم السدم الكوكبية ثم الأقزام البيض ثم فوق مستعر من الطراز الأول ثم الثاني ثم النجوم النيترونية النابضة وغير النابضة والثقوب السوداء والنجوم المفردة والمزدوجة والمتعددة، والنجوم أفران كونية يتم في داخلها سلاسل من التفاعلات النووية التي تعرف باسم عملية الاندماج النووي. [27]
فيتضح مما سبق أن النجوم تنفرد بخاصية هائلة من طبيعة التكوين والتكون والانتشار والانشطار والانفجار, فلها طبيعتها الكونية التي لا تماثلها طبيعة كونية أخرى فيما عرف من الوجود, وقد أثبت العلم حديثا أن النجوم علي انتشارها الهائل في السماء تشتمل علي درجة حرارة عالية بدرجة مذهلة, وتنقسم تبعا لذلك إلى " نجوم حمراء أقلها حرارة 3200 درجة مطلقة – نجوم برتقالية – نجوم صفراء – نجوم بيضاء مائلة إلي الزرقة – نجوم زرقاء أشدها حرارة 300 ألف درجة مطلقة – الشمس من النجوم الصفراء متوسطة الحرارة, إذ تبلغ درجة حرارة سطحها حوالي ستة آلاف درجة مطلقة ."[28]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:21 PM
ثَانِيًا: المشَاهِدُ الخَفِيَّةُ
يجسد الفعل الذي لم يسم فاعله أجزاء المشهد الذي نري فيه موسي عليه السلام يفاجأ بالنداء الذي يأتيه من حيث لا يدري ولا يحتسب فنراه وقد اعترته الدهشة وهول المفاجأة وأخذ يتلفت هنا وهناك؛ ليقف على حقيقة الصوت يقول تعالى:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} [طه11]
{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل8]
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص30]
وقد تغاير الفعل من أَتَاهَ إلي جَاءَهَ, لأن"أتي" و"جاء" بمعني واحد, لكن لكثرة دور أن لفظ الإتيان في طه نحو: " فأتياه", " فلنأتينك", " ثم أتي"," ثم أتُوا صَفًّا "، " حيث أتي ", كان لفظ أتاه به أليق, ولفظ " جاء " في النمل أكثر نحو: " فلما جاءتهم ", " وجئتك من سبإ ", "فلما جاء سليمان ", كان لفظ جاءه به أليق, وألحق القصص ب: " طه " لقرب ما بينهما – أي القرب اللفظي في هذا الموضع [29]
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَإِفَادَةِ العُمُومِ
يتسم الأسلوب القرآني الكريم – فيما يتسم – بالمرونة والاتساق مع المشاهد واللوحات النابضة بحياة الموقف, حتى إننا لنجد الكلمة بذاتها تأتي في عدة سياقات ولها دلالة مختلفة في كل سياق بحسب ما يقتضيه المعني ويتطلبه المقام, وكلما ازداد الزمان عمرا, وبلغ الدهر شأوا وغاية انبثقت أساليب القرآن وكلماته؛ لتشع بضوئها ونورها؛ لتنطلق كائنات الوجود من جديد بمراميه و دلالته, " وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه, وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة, وتعاوروه من كل ناحية, وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا, ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا, ومراما بعيدا, وصعبا شديدا "[30].
والفعل الذي لم يسم فاعله قد جاء في مواضع كثيرة من القرآن ليدل علي دلالة معينة في كل سياق حسب اقتضاء المعنى الذي ما كان ليبرز في جلاء أو رسم واضح إذا جاء الفعل مبنيا للمعلوم، ومن تلك السياقات المفيدة للعموم ما قام فيه ذلك الفعل الذي لم يسم فاعله بدور بارز في إفادة ذلك المعنى، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوضَعِيفاً أَولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوفَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوكَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة282]
نهي عن التقاعس عن الدعوة وتلبيها للإدلاء بالشهادة أيا كان الداعي إليها والحق المطلوب إثباته سواء كان الداعي من القريب أوالصديق أو غيرهما ممن لا تربطه بالشهيد رابطة ما, ويقول تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51], فالدعوة إلي الله ورسوله عامة, لا تختص بشخص دون شخص, ولا زمان أو مكان دون غيرهما, وإنما يجب الإذعان لله ورسوله وسرعة التلبية، وتصدير الآية بأسلوب القصر إنم والفعل الماضي كان فيه مدح للمؤمنين وإثارة لحمية الإيمان وبعث حفيظته في نفوسهم.
ويقول تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُويُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف7], أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب علي الله, ويجعل له أندادا وشركاء, وهو يدعى التوحيد والإخلاص[31] أيا كان الداعي, وأينما كان؛ ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة9] فهنا خصوصية المنادي عليهم, وهم المؤمنون، وعمومية المنادي أيا كان المنادي, وخصوصية النداء المقيدة ب: الصلاة, فهو نداء محصور فيها، والفعل نودي مقيدة بالشرط إذ, وهي أداة نقلت الفعل من الماضي إلي المستقبل المطلق المقطوع بحدوثه كما دلت إذ، ولهذا جاء التعبير بها دون أن الشرطية التي لا تفيد القطع بوقوع الحدث.
هذا ولوُرُودِ الدعاء والنداء خاصية في القرآن الكريم, فالدعاء في الآيات السابقة بمعنى الدعوة إلي خير كالإدلاء بشهادة أو الدعوة إلى الله عز وجل والنداء يشتمل على البهجة والسرور, كما " أن للنداء في لغة القران خاصية؛ رشحته لأن يكون الله فاعلا له – بلا حرج – كما رشحته ليكون عنوان على طلب الإقبال على الصلاة الآذان, وأن يكون عنوان على طلب الإقبال على الإيمان.
في كل من الدعاء والنداء خير, بيد أن الخير في النداء أخلص وأصغى, وأظهر تفاؤلا, وأنقى معنى " [32] .
وفي مادة ظلم جاء الفعل المبني لمفعوله بصيغه الماضي والمضارع؛ لإفادة العموم –أيضا– يقول تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}[النساء148].
فإطلاق الظلم دون تحديد يعني عمومه لأنواع الظلم، وهذا الاستثناء في الآية لكريمة له دلالة خاصة على إظهار بغض الله – تعالى – للظلم وصاحبه, لدرجة أنه أباح الجهر بالسوء للقضاء على الظلم، وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47].
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئ فجو الآية كلها يوحي بالعموم والشمول, عموم النفي للظلم, أوعموم الظلم المنفي الشامل لكل نفس من النفوس, في شيء ما من الأشياء، والتعبير بالجمع الْمَوَازِينَ والمصدر الْقِسْطَ للدلالة على تناهي العدل المطلق.
وقوله تعالى: { َأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الزمر69] فهذا المشهد يزخر بالحركة المهيبة أو يبعث في النفس جوًّا من الجلال والإشراق، إشراق الحق والعدل.
فالأرض كلها تشرق فتظهر مضيئة بنور ربها وخالقها أي: بعدل ربها, أوبحكم ربها, والمعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وقيل: أن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي[33], ولإبراز صورة الأرض رأي عين, جاء لفظ الإشراق في وعاء الفعل المبني للمعلوم، ثم تغايرت الأفعال وجاءت غير مسماة الفاعل ووضع – وجئ – وقضي – لا يظلمون فينصرف الذهن وتشخص الأبصار إلي أجزاء المشهد, فيتسلط الضوء علي وضع الكتاب وهو كتاب الأعمال – وتمثل صورة النبيين والشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر[34]، أو الذين يشهدون على الأمم من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم [35]، نهاية المطاف وخاتمة مشهد أهل الجزاء والإحسان لهذه الفئة؛ ليتسلط الضوء علي ذلك القضاء أو الوفاء, ولذلك بني الفعل لما لم يسم فاعله وقضى لينفي عنهم الظلم علي إطلاقه أو في جنس من أجناسه وأشكاله.
وفي مادة عف ورد هذا الفعل كثيرا في القرآن الكريم بصيغة الماضي والمضارع المجرد والمسند للضمير, ولكنه لم يرد بصيغة المبني للمجهول إلا في موضع واحد فقط، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة178] فليس المقصود أو الغرض ذكر فاعل العفو, بل هو على إطلاقه, أيا كان، والعفو: القصد لتناول الشئ, يقال عفاه واعتفاه, أي: قصده متناولا ما عنده، وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه, فالمفعول في الحقيقة متروك, وعن متعلق بمضمر, فالعفو هو التجافي عن الذنب[36] .
ومن ذلك العموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [لأنفال2] فليس الغرض متعلقا بمن ذكر الله اوالشخص الذي تلا آيات الله بل هوعلي إطلاقه أيا كان ذلك الشخص وإنما يتسلط الضوء علي الذكر نفسه وعلي التلاوة نفسها وما تحدثه من خشية وإيمان.
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ فِي مَقَامَي الإِنْكَارِ وَالإِيمَانِ
تختلف الكلمات المختارة وتتغير حسب مقامات الكلام وسياقاته، وما بالنا إذا كانت تلك السياقات هي سياقات القرآن الكريم التي تحمل المشاهد والدلالات، فيلقي القارئ أوالسامع آيات الله – تعالى – تتلى عليه بمعنى تألفه نفسه, وكلمات يعرفها ويرددها في قوله, ولكن تبقى الروح التي تسري في الجسد من أجل أن تهبه الحياة والحركة الباعثة.
وعندما حدثنا الله عز وجل عن هؤلاء المعرضين والمنكرين خاطبنا بكلمات لها جرسها وإيقاعها ونغمها اللائق في النفس, فجاء الفعل المبني للمجهول يمثل حالة الإنكار وعدم الاعتراف التي يعيشها هؤلاء الكافرون وينغمسون بها في عالم الطي والكتمان، يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[التوبة16]
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ}[الشعراء146]
{أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}[القيامة36]
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت2]
ورد الفعل ترك في القرآن الكريم كثيرا, ولكنه جاء مبينا للمعلوم في الماضي والمضارع, مسندا للضمير أو مجردا, أو باسم الفاعل للمفرد أو الجمع، ولكنه ما جاء بصيغة الفعل الذي لم يسم فاعله إلا في هذه الآيات السابقة, وكلها بصيغه المضارع, التي جاءت كلها في سياق الاستفهام المفيد للإنكار والتوبيخ، فهو إنكار وعتاب للمؤمنين – كما في آية التوبة – الذين توهموا أن يتركهم الله – تعالى – دون اختبار؛ حتى يتبين الخلص منهم،" وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله, ولم يتخذوا وليجة – أي بطانة – يضادون الرسول والمؤمنين رضوان الله عليهم, ولم معناها التوقع, وقد دلت على أن تبين ذلك, وإيضاحه متوقع كائن "[37]
وفي آية الشعراء إنكار من نبي الله صالح عليه السلام لثمود وقومه الذين أعرضوا عن دعوته وقد غرتهم الدنيا وفتنتهم بملذاتها ومادياتها, وفي قوله تعالى: في ما ها هن " كناية عن قرية صالح عليه السلام، والسر في إيثار اسم الإشارة ها هن لفت أنظارهم لفتا قويا لمظاهر النعم التي كانوا غارقين فيها، آمنين حال من نائب الفاعل – واو الجماعة وهو قسيم الترك في الإنكار, إذ ليس ما سلط عليه الإنكار هو الترك وحده, بل الترك المقرون بالأمن من كل المخاوف ".[38]
وفي آية العنكبوت إنكار علي من توهم من المؤمنين أنه يترك دون امتحان واختبار لمجرد أنه نطق بالشهادة، وفي قوله تعالى: أحسب الناس إيثار الماضي " لأن حسبان الذي سلط عليه الإنكار واقع متحقق, وإيثار حسب على ظن في هذه المواضع هو المناسب بلاغة في مقام الإنكار؛ لأن الحسبان أقوى من الظن, فالنفس مع الحسبان في اطمئنان, ومع الظن في قلق، وفي الناس مجاز مرسل؛ حيث أطلق العام المنتظم لجميع أفراد الناس, ثم أريد الخاص، وهم الذين حسبوا هذا الحسبان من المؤمنين ".[39]
وفي آية الإنسان يأتي الإنكار على من توهم أن يترك سدي, أي: لا يبعث[40]، والمقصود هنا إثبات المعاد, والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد. [41]
تبين مما سبق أن الفعل يترك جاء بصيغة المبني للمجهول؛ لأنه في موضع التوبيخ والإنكار, فيتطلب الذوق البلاغي ألا يذكر لفظ الفاعل تشريفا وتعظيما وتنزيها عن الذكر في مثل هذه المواقف, ومن شأن ذلك – أيضا – أن يتسلط الضوء ويلتفت الذهن إلى الحدث – وهو الترك – وأثره على أهله.
وإذا نظرنا إلي الفعل يتلى, تتلى الذي جاء في القرآن الكريم غير مسمى الفاعل, وجدناه قد جاء في موضع الإنكار والحديث عن المعرضين والمنكرين, وقد جاء – أيضا – في معرض الحديث عن المؤمنين الذين أذعنوا للحق, وأنه قد أتى في حق المنكرين والمعرضين أكثر، يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَونَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[لأنفال31] فالفعل المبني للمجهول يصور إنكارهم وإعراضهم, وكأننا نسمع أصواتهم عالية تقول: نحن نجهل هذا الكلام ومصدره, وقد جاءت كلمة آياتن مضافة إلي الضمير ن لتقريعهم وتبكيتهم، وقد نزلت هذه الآية الكريمة في النضر بن الحارث, " وكان خرج إلي الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة, وكسرى وقيصر, فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى, قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان هذا وقاحة وكذبا, وقيل: أنهم توهموا أنهم يأتون بمثله " [42] وقوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون105]
هؤلاء القوم المخاطبون هم أهل النار, وفيه ترهيب من مصيرهم وتحذير من الوقع في مثل ما وقعوا فيه من جراء إعراضهم وإنكار تلاوة آيات الله عليهم, ولذلك جاء التعبير بصيغة المبني للمجهول تتلى لتصور طبيعة الموقف وما كانوا عليه في دنياهم.
وقد جاءت تلك الصيغة تتلى في سياق الآية المصدرة بالاستفهام المفيد للتقرير والإنذار, وقوله: آياتي كناية عن القرآن, والسر البلاغي في إيثارها على الاسم الصريح, ما فيها من خصوصية الدلالة على المعجزات الباهرة، وأوثر حرف الجر على على حرف اللام فقال: عليكم دون إليكم للرمز بعلو شأن الآية, وما فيها من الإيحاء بمعنى الإلزام والعطف بالفاء في فكنتم بها تكذبون للتشنيع عليهم في سرعة التكذيب. [43] وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم73]
وصدرت الآية الكريمة ب: إذ لأن التلاوة مقطوع بوقوعها, وهي وإن كانت محذوفة الفاعل لعدم تعلق الغرض به, إلا أن ذلك الحذف يوحى بمقام التوبيخ والذم والتبكيت, " وتأويل الكلام؛ وإذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين منا ومنكم أوسع عيشا وأنعم بالا وأفضل مسكنا وأحسن مجلسا وأجمع عددا وغاشيته في المجلس نحن أم أنتم "[44].
وقوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية7- 8] فهوأفاك كذاب, لا يكتفي بالإعراض والتولي, ولكنه يصر على الكبر والاستكبار، هذا ومن الملاحظ أن تلك الآيات ومثيلتها التي جاءت في معرض الحديث عن المعرضين جاء الفعل الذي لم يسم فاعله تتلى – يتلى مقرونا بالكناية عن القرآن الكريم بكلمة الآيات المتصلة بالضمير التفخيمي الدال على عظمة الله – سبحانه – فنزل الآيات, نحو آياتنا – آياتي.
بينما لم يطرد ذلك الاتصال في معرض الحديث عن المؤمنين الموقنين مثل قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوخَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[الحج30] فسياق الآية الكريمة وما قبلها يتحدث عن المؤمنين وأدائهم مناسك الحج, وهم أصحاب عقيدة راسخة وإيمان بالغيب, فلم تكن هناك حاجة لذكر لفظ الفاعل, فلم يعد الغرض متعلقا به بقدر ما يتعلق بحدث التلاوة وما اشتملت عليه من تنبيهات وتعالى خاصة بالمؤمنين, ومنه – أيضا – قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب34]
وربما جاء فاعل التلاوة ظاهر العيان مثبت الوجود سواء كان في معرض الحديث عن المعرضين أو المؤمنين, وذلك حسب ما يقتضيه السياق ويتطلبه المقام, فقد جاء – مثلا – ظاهرا في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوكَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة102].
فتعين هنا بناء الفعل للمعلوم لاقتضاء المقام إظهار ذلك الفاعل الشياطين الذين يحدثون ويتسلون على ملك سليمان, فتظهر تلك التلاوة جلية واضحة متقررة الأثر في الأذهان.
وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة252] بناء الفعل للمعلوم لتحقيق أمر العقيدة وإثبات الوحي من الله تعالى, وتحقيق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينطق عن الهوى, فيظهر ذلك جليا في مثل هذه المقامات خصوصًا، وقوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران58]
وربما يكون من الصواب أن ما لاحظناها في صيغه المبني للمجهول مع الفعل يتلى نجده يطرد في حق المؤمنين والمنكرين في أفعال أخرى كالفعل نزل والفعل أرسل، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}[البقرة4]
جاء الفعل أنزل بصيغة الماضي دون المضارع ينزل مثلا على الرغم من عدم اكتمال الشريعة وقتها؛ لأن " المراد المنزل كله, وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا, تغليبا للموجود على ما لم يوجد, كما يغلب المتكلم علي المخاطب, والمخاطب على الغائب, فيقال أنا وأنت فعلنا، كأن كله قد نزل وانتهى بنزوله, ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} ولم يسمعوا جميع الكتاب ولا كان كله نزولا "[45] .
فهذا مدح للمؤمنين, وإثبات الإيمان لهم أغنى عن ذكر لفظ الفاعل تعظيما ليقينهم يوقنون, " وفي تقديم الآخرة وبناء يؤمنون على هم تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان." [46].
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة67] فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ الرسالة أغنى عن ذكر لفظ الفاعل للعلم والتسليم به، ويقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوالْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة91].
قيل بالبناء للمجهول ولفظ الماضي, لأنه قد ذلك مرارا وتكرارا وليس الغرض متعلقا بالشخص الذي قام بدعوتهم, وإنما تعلق الغرض بالمنزل عند الله – تعالى – وأوثر لفظ الجلالة الله على لفظ الربوبية لأنه مقام عقيدة وتوحيد وإثبات الوحي من السماء، ويقول تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوجَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود12]

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:22 PM
ويقول تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد27]
ويقول تعالى: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [صّ8]
فبناء هذه الصيغ للمجهول ينبئ عن مكنون نفوسهم من نفي الوحي وإنكاره وفي آية هود جاء أنزل بالبناء للمجهول للدلالة على ذلك, ثبت فاعل جاء, جاء معه ملك لإرادتهم رؤيته ومعاينته رأي عين. والله تعالى أعلم.
الماء دليل دامغ علي قدرة الله – تعالى – وسر الوجود: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ}[الأنبياء30]، به أحيا الله الكائنات وبعث فيهم الروح والحياة والحركة الدءوب: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم24] وانزل أنزل الماء من السماء فجعله مصدر الحياة علي الأرض التي ترتوي به فتنبت الزرع والنخل والثمار والجنات: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [قّ9]
لذلك ما جاء في كتاب الله – تعالى – بخصوص إنزال الماء من السماء, جاء بالفعل المبني للمعلوم, سواء في سياق الأسلوب الخبري أو الإنشائي, لتتقرر حقيقة قدرة الله ظاهرة معلومة لكل ذي قلب, آخذة بعنان لبه, واضعة يده على دلالة وجود الله وقدرته.
إذا وقفنا أمام مادة خلف نجد أنها جاءت بصيغة الفعل المبني للمجهول في أربعة مواضع هي قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[التوبة118]
وقوله تعالى:{ َقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً} [طه97]
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود110]
وقوله تعالى:{ َقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [فصلت45]
الاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله, والخلاف أعم من الضد, لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدان ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة قال: فاختلف الأحزاب – ولا يزالون مختلفين – واختلاف ألسنتكم وألوانكم، [47] وهذه الصيغة المبنية للمجهول التي وردت في تلك المواضع السابقة, نجدها قد جاءت في سياق العتاب أو الذم للمنكرين والمعرضين، أما آية التوبة فجاءت في حق الثلاثة الذين خلفوا: كعب بن مالك, ومرارة بن ربيعة العامري, وهلال بن أمية الواقفي، وهم جميعا من الأنصار المؤمنين, وقد جاءت الصيغة في حقهم خلفو دون تخلفو مثلا إشارة إلي قبح ذلك الفعل وفداحة التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن هذا العمل ما كان ليصدر من مؤمن موقن مثلهم, وإنما يصدر من منافق أو منكر جاحد، وبناء الفعل خلفو للمفعول فيه دليل آخر على أن هذا التخليف – هو تأخير قبول التوبة – واقع عليهم دون إرادتهم أو رغبتهم، فيه يعيش هؤلاء الصحابة – رضي الله عنهم – مجاهدة نفسية وآلامًا معنوية؛ انتظارا لتوبة الله عليهم.
وقيل: معني خلفو فسدوا, مأخوذ من خلوف الفم[48] وإذا كان الفعل خلفو قد جاء مبنيا لمفعوله, فقد جاء في سياق الآية نفسها الفعل: ضاقت مبينا للمعلوم ومكررا, في سياق الطباق اللفظي بين ضاقت – رحبت وذلك ليظهر مدى المعاناة والعنت النفسي الذي يعانونه, حتى صارت الأرض الرحبة الواسعة أمام الأعين ضائقة بهم, وهم ضائقون بها, ولذلك جاءت شبه الجملة عليهم مقدما على الفاعل الأرض, وهي نفس الصيغة التركيبية في: وضاقت عليهم أنفسهم.
وفي آية طه جاء الفعل – أيضا – مبنيا لمفعوله, وهذه الآية خطاب من موسي عليه السلام للسامري الذي فتن الناس بالعجل, فكان وعيده بالعذاب يوم القامة جزاء وفاقا لما فعل وضل وأضل.
أما آية هود وآية فصلت فقد جاء الفعل فيهما فاختلف غير مسمي الفاعل, للدلالة – والله أعلم – علي أن هذا الاختلاف ناشئ من خارج ذلك الكتاب – وهو التوراة- الذي آتاه الله موسي عليه السلام, وليس خلافا ناشئا من داخله، وقد وقع الاختلاف " في شأنه وتفاصيل أحكامه, فآمن به قوم، وكفر به آخرون, وعمل بأحكامه قوم, ترك العمل ببعضها آخرون, فلا يضيق صدرك يا محمد صلى الله عليه وسلم بما وقع من هؤلاء في القرآن"[49].
ويصور الفعل المبني للمجهول – أيضا – ذلك الشيء الناشئ أوالطارئ على الحجة أوالبينة التي أتاها الله نوحا عليه السلام يقول تعالى:{ َقالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود28]
فالبينة واضحة بذاتها, ناصعة البيان والبرهان, وإنما قام الفعل المبني للمجهول بتصوير ذلك التطور الطارئ عليها من خارجها, وليس كما ذهب الزمخشري إلى جواز إطلاق العمى على الحجة ذاتها, فيقال: حجة عمياء قياسا على: حجة ظاهرة أو بصيرة، فالفعل المبني للمجهول دل على " أن التعمية واقعة عليها لا منها, وفي عميت حينئذ استعارة تبعية حيث شبه الإخفاء بالتعمية, بجامع عدم الرؤية في كل، هذا هو اللائق بمعجزات الله أو رسالته إذا كان المراد من البينة هي النبوة أو الوحي أو المعجزة, ولوسلمنا بأن المعجزة تكون عمياء إذا لم تهد إلى الحق, لما سلم كتاب سماوي ولا نبوة ولا معجزة من هذه الوصمة "[50]، ويقال عميت عن كذا, وعمي على كذا: إذا لم أفهمه، قيل وهو من باب القلب, لأن البينة أو الرحمة لا تعمي, وإنما يعمي عنها, فهو كقولهم: أدخلت القلنسوة رأسي[51]وهذا الفعل عميت بهذه الصيغة, قد جاء منفردا وحيدا في القرآن الكريم كله.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:23 PM
ويصور الفعل المبني للمجهول – أيضا – في مقام الحديث عن المنكرين والمعرضين الذين يزعمون إنهم مسحورون، يقول تعالى: {وَلَوفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُون َلَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر14-15]
لوحدث هذا لما آمنوا, وإنما يزعمون أنهم سحروا فخرجت أبصارهم عن إرادتهم فأغلقت رغما عنهم، وهذا الفعل سكرت بهذه الصيغة, جاء منفردا وحيدا في القران الكريم كله.
ومما جاء من صيغ بناء للمجهول الفعل قطع وذلك في معرض الحديث عن المنكرين والمعرضين ذما لهم وتقبيحا, قوله تعالى: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الأنعام:45
دابرهم يعني: غابرهم وآخرهم, أصلهم وآخرهم. [52] فينصرف الذهن إلى حدث القطع وظهوره في شكل حسي يتراءى أمام العين مع من يقع عليهم ذلك القطع.
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَويُصَلَّبُوا أَوتُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَويُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة33]
وقوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج19- 20]
بدأت الآية الكريمة بالإجمال هَذَانِ خَصْمَانِ هما الكافرون والمؤمنون, وقال اخْتَصَمُو على معنى الجمع ثم التفصيل الذي بدأ بذكر الذين كفروا, وجاءت الأفعال في حقهم مبنية للمجهول قُطِّعَتْ- يُصَبُّ- يُصْهَرُ- أعيدو للدلالة على الذم والتقبيح وهم في مقام التجهيل والإهمال, فينصرف الذهن لمتابعة الحدث ومعموله, فيتراءى أمام العين مشهد التقطيع بصوته المدوي ولم يقل قطعت بالتخفيف.
ومشهد الثياب المقطعة, ثم يبرز من بعده مشهد صب الحميم وهو الماء المغلي – عافانا الله – فوق الرءوس، وقد تقدم ذكر الرءوس علي الحميم في قوله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ لأن الغرض متعلق بأثر الصب علي الرءوس، ثم يأتي مشهد الصهر ومشهد الإعادة في عنف بعد محاولتهم الهروب وظنهم استطاعة الخروج، فهذا المشهد بأجزائه " مشهد عنيف صاخب, حافل بالحركة المتكررة, مطول بالتخييل الذي يبعثه النسق, فلا يكاد ينتهي الخيال من تتبعه في تجدده" [53] .
وقد يقتضي المقام ذكر الفاعل اسما ظاهرا أو ضميرا يعود على اسم ظاهر؛ لتتمثل الصورة حاضرة في أتم وضوح فتؤدي الغرض الذي من أجله جاء, كقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة166].
وقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوخَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد15] وقد ظهر ذلك جليا كما في الآيتين السابقتين في الحديث عن مشاهد العذاب وما تخلفه من تهويل وترهيب تقشعر منه الجلود والأبدان.
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ فِي مَقَامِ التَّنْزِيهِ عَنِ الذِّكْرِ
قد يأتي المقام مقتضيا عدم ذكر لفظ الفاعل تنزيها له وصيانة وحفظا, ولا سيما أنه معلوم من السياق واضح في الأذهان، وقد جاء ذلك في عدة سياقات من آيات القرآن الكريم, يقول تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} [الفرقان3]
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء28]
{خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء37]
{إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} [المعارج19]
وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق5- 6]
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [لنجم45]
وقوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة37]
فهذه مقامات توجه نظر الإنسان وتدفعه إلي التدبر والتأمل, ليري حقيقة كونه وبداية خلقه وتكوينه من ضعف وهلع وشيء مهين مستقذر!
هذا بخلاف التصريح والبناء للمعلوم للفعل خلق في موضع آخر كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون 12- 14] وقوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} [الصافات11]
وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة58]
وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان2]
فتعين في هذه الآيات بناء الفعل للمعلوم وإظهار الفاعل, لأن هذه الآيات بسياقاتها تمثل مقام إثبات قدرة الله عز وجل وإفراده بالوحدانية خالقا بارئا.
الخَاتِمَةُ
نستطيع -بفضل الله- أن نلخص إلي بعض النتائج المستقاة من تفاعل الكلم القرآني وتعاطفه مع سياق الموقف وسياج المشهد الذي خاطب العقل والقلب وهز الوجدان في تضرع وخشوع؛ ليلقي في الروع ببعض نفحات الإعجاز وهمسات البيان, ومن ذلك:
إن الفعل المبنى للمجهول يتطلب سياقا ذا دلالة خاصة تنبئ عن مكنون المشهد وخفاياه المطوية, فقد يأتي؛ ليصور مجهول النفس وما طوي أو أضمر فيها, كتصويره خبايا النفس وخفي النيات في دروب الباطن, كما في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة27], فَتُقُبِّلَ بعدم تسمية الفاعل إشارة لتعليق قبول العمل علي ما انطوي عليه القلب من إخلاص وتقوى وإيمان، فتقبل الله من أحدهما هابيل لإيمانه وتقواه, ولم يتقبل من الآخر قابيل لكفره وحسده, وهذا وذاك محله القلب.
قد يأتي الفعل المبني للمجهول ليمثل عنصر المفاجأة وليصعد بجو المشهد إلى ذروة الحركة وعنفها, كما في قوله تعالى: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب61] فاللعنة تلاحقهم في كل مكان وجدوا فيه, ثم يأخذون عنوة ويقتلون تقتيلا، ثقفوا، أخذوا، وقتلوا تقتيلا.
إذا جاء الفعل المبني للمجهول في سياق الاستفهام أو النفي أو الشرط أفاد العموم, وقد تبين ذلك من خلال الوقوف على الأفعال: دعي, نودي, ظلم, عفي الواردة في مثل هذه السياقات.
يأتي المبني للمجهول ليسلط الضوء ويلفت الانتباه إلي حقيقته الحدث وطبيعته ومدي علاقته وتعلقه بالمفعول الأصلي, فيحقق الغرض الأساسي من إبراز عناصر المشهد ويتيح لها المجال الأكبر لتأدية دورها في قوة ووضوح, دون مزاحمة لفظية أو حضور لغوي لا يتعلق الغرض به، قد يأتي الفعل المبني للمجهول جاريًا مع سياق الآيات متوافقا على انتظام السياقات وتوافقها اللفظي والمعنوي، كقوله تعالى: {وَلَوأَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوقُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوكُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً}[الرعد 31] فجاءت هذه الأفعال سُيِّرَتْ - قُطِّعَتْ - كُلِّمَ مبنية للمجهول اتساقا مع قوله تعالى حكاية عن قول الكافرين قبل هذه الآية: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد27].
المرَاجِعُ
§ ابن الأثير – المثل السائر – تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت – 1995.
§ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – اختصار وتحقيق: أحمد شاكر وأنور الباز – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 2003.
§ ابن هشام الأنصاري – أوضح المسالك الي ألفية إبن مالك – دار الطلائع – القاهرة – 2004.
§ الألوسي – روح المعاني – في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – دار التراث – القاهرة.
§ د. بكري شيخ أمين – البلاغة العربية في ثوبها الجديد – الطبعة الرابعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1995.
§ د. عبد العظيم المطعني – دراسات جديدة في إعجاز القرآن- الطبعة الأولي – مكتبة وهبة – القاهرة – 1996.
§ د. محمد عبد المطلب – البلاغة العربية – قراءة أخري – الطبعة الأولي – الشركة المصرية العلمية للنشر – القاهرة – 1997.
§ د.أحمد مصطفي متولي – الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية – الطبعة الأولي – دار إبن الجوزي – القاهرة – 2005.
§ د.عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغى للإستفهام في القرآن الكريم – الطبعة الأولي – مكتبة وهبة – القاهرة – 1999.
§ د.عيد يونس – التصوير الجمالي في القرآن الكريم – الطبعة الأولي – عالم الكتب - القاهرة – 2006.
§ الدامغاني – الوجوه والنظائرلألفاظ كتاب الله العزيز – الطبعة الأولي – دار الكتب العلمية – بيروت - 2003.
§ الراغب الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن.تحقيق: وائل عبد الرحمن – المكتبة التوفيقية – القاهرة – 2003.
§ الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم – الطبعة الثانية – دار التراث – القاهرة.
§ الزمخشري – الكشاف – تحقيق: مصطفى حسين – الطبعة الثالثة – دار الريان – القاهرة – 1987.
§ السدي – تفسير السدي الكبير – تحقيق: محمد عطا – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 1993.
§ سيد قطب – التصوير الفني في القرآن - ط14 – دار الشروق – القاهرة – 1993.
§ سيد قطب – مشاهد القيامة في القرآن – ط12 – دار الشروق – القاهرة – 1993.
§ السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – تحقيق: محمد ابوالفضل إبراهيم – دار التراث – القاهرة – 1997.
§ الشوكاني – فتح القدير – تحقيق: دكتور/ عبد الرحمن عميرة – الطبعة الثانية – دار الوفاء – المنصورة – 1997.
§ الطبري – جامع البيان في تفسير القرآن – الطبعة الثانية – دار المعرفة – بيروت – 1972.
§ عباس حسن – النحوالوافي – الطبعة الثانية عشر – دار المعارف – القاهرة – 1995.
§ عبد الدائم الكحيل – التناسق البياني لكلمات القرآن الكريم – موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة – www.55a.net
§ عبد القاهر الجرحاني – دلائل الإعجاز – تحقيق: عبد المنعم خفاجي – مكتبة القاهرة – مصر – 1980.
§ عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر العربى – مصر – 1964.
§ الفخر الرازي – التفسير الكبير – الطبعة الثانية – دار إحياء التراث العربى – بيروت – 1997.
§ القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر – بيروت – 1999.
§ الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – تحقيق: أحمد خاف الله – الطبعة الثانية – دار الوفاء – المنصورة – 1998.
§ مصطفي صادق الرافعي – إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – الطبعة الرابعة – مطبعة الإستقامة – القاهرة – 1945.
الهوامش:
[1] د. بكري شيخ أمين – البلاغة العربية في ثوبها الجديد - الطبعة الرابعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1995 – 1/15.
[2] عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر العربي – مصر – 1964 – 2/269.
[3] عباس حسن – النحوالوافي – الطبعة الثانية عشرة – دار المعارف – القاهرة – 1995 – 2/97..
[4] سؤدد يقصد الشيخ البيت الذي استشهد به من قول البحتري: تنقل في خُلقي سؤدد سماحا مرجًّي وبأسا مهيبا.
[5] هو من البيت الذي استشهد به الشيخ عبد القاهر من قول إبراهيم بن العباس الصولي يمدح محمد بن عبد الملك الزيات:
فلو إذ نبا دهر وأنكرَ صاحب وسلط أعداء وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنجوة ولكن مقادير جرت وأمور
وقد علق الشيخ عبد القاهر علي طلاوة هذا الأسلوب من أجل تقديم الظرف إذا نب علي عامله تكون دون كان وتنكير دهر الذي ساقه في جميع ما أتي به من بعد, وبناء الفعل أنكر للمجهول.انظر دلائل الإعجاز ص126,ص127.
[6] عبد القاهر الجرحاني – دلائل الإعجاز – تحقيق عبد المنعم خفاجي – مكتبة القاهرة – مصر – 1980 – ص 128.
[7] د/ محمد عبد المطلب – البلاغة العربية.قراءة أخري – الطبعة الأولي – الشركة المصرية العالمية للنشر – القاهرة – 1997 ص 7.
[8] السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم – دار التراث – القاهرة – 1997 – 3/170.
[9] الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم – الطبعة الثانية – دار التراث – القاهرة – 3/145.
[10] ابن الأثير – المثل السائر – تحقيق مجمد محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت – 1995 – 2/5.وأنظر البرهان في علوم القرآن – 3/325.
[11] ابن هشام الانصاري – أوضح المسالك إلي ألفية ابن مالك – دار الطلائع – القاهرة – 2004 – 2/120.
[12] الدامغاني – الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز – ط– دار الكتب العلمية – بيروت – 2003 – ص 26.
[13] الزمخشري – الكشاف – ط3 – دار الريان للتراث – القاهرة – 1987 – 2/470.
[14] سيد قطب – التصوير الفني في القرآن– ط 14 – دار الشروق - القاهرة – 1993 – ص 36.
[15] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – تحقيق: احمد خلف الله – ط2 – دار الوفاء – المنصورة – 1998 – ص 319.
[16] الزمخشري – الكشاف – 1987 – 2/44.
[17] د/ عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم – الطبعة الأولي – مكتبة وهبة – القاهرة – 1999 – 2256.
[18] ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – اختصار وتحقيق احمد شاكر وأنور الباز – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 2003 – 2/653.
[19] القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر – بيروت – 1999 – المجلد السادس – 12/181.
[20] سيد قطب – مشاهد القيامة في القرآن – ط 12 – دار الشروق – القاهرة – 1993 – ص 192.
[21] د/عيد يونس – التصوير الجمالي في القرآن الكريم – الطبعة الأولي – عالم الكتب – القاهرة – 2006 – ص129-130.
[22] الألوسي – روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – دار التراث – القاهرة – 16/260..
[23] د/ احمد مصطفي متولي – الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية – الطبعة الأولي – دار ابن الجوزي – القاهرة – 2005 – ص 293.
[24] الفخر الرازي – التفسير الكبير – الطبعة الثانية – دار إحياء التراث العربي – بيروت – 1997 – 11/235
[25] سيد قطب – مشاهد القيامة في القرآن - ص 67.
[26] عبد الدائم الكحيل - التناسق البياني لكلمات القرآن الكريم – موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة www.55a.net.
[27] الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية ص 106.
[28] الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية ص 106.
[29] الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – ص 236.
[30] مصطفي صادق الرافعي – إعجاز القران والبلاغة النبوية - ط4- مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1945 – ص 157.
[31] ابن كثير – تفسير القران العظيم – 3/451.
[32] دكتور عبد العظيم المطعني – دراسات جديدة في إعجاز القران – الطبعة الأولي– مكتبه وهبة – القاهرة – 1996- ص 268.
[33] الشوكاني – فتح القدير – تحقيق دكتور عبد الرحمن عميرة – ط 2 – دار الوفاء – المنصورة – 1997- 4/625.
[34] ابن كثير – تفسير القران العظيم – 3/177.
[35] فتح القدير 4/625.
[36] الراغب الاصفهاني – مفردات في غريب القران – تحقيق وائل عبد الرحمن – المكتبة التوفيقيه- القاهرة -2003- ص 342.
[37] الكشاف – 2/253.
[38] د/عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم – 3/112.
[39] د/عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم - 2/112.
[40] السدي – تفسير السدي الكبير – تحقيق د. محمد عطار – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 1993 – 486.
[41] ابن كثير – 3/541.
[42] القرطبي – 4/285.
[43] التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم 3/ 28- 29.
[44] الطبري – جامع البنيان في تفسير القرآن – الطبعة الثانية – دار المعرفة – بيروت – 1972 – 8/87.
[45] الكشاف 1/42.
[46] الكشاف – 1/42.
[47] الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن – ص162.
[48] الشوكاني – فتح القدير 2/ 584.
[49] فتح القدير 2/734.
[50] د/عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم – 2/102.
[51] الشوكاني – فتح القدير – 2/689.
[52]الدامغاني – الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز – ص 211.
[53] سيد قطب – مشاهد القيامة في القرآن – ص257.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:24 PM
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1175834755large_bonfire.jpgقال الله تعالى في أهل النار:﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾(الزمر: 71)
ثم قال تعالى في أهل الجنة:﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾(الزمر: 73)
فأدخل واو الجمع على جواب ﴿ حَتَّى إِذَا ﴾في آية أهل الجنة، ونزعها منه في آية أهل النار. والسؤال الذي يتردد كثيرًا: لمَ أدخلت هذه الواو في الآية الثانية على الجواب، ونزعت منه في الآية الأولى، والكلام في الموضعين واحد ؟
ولعلماء النحو والتفسير في الإجابة عن ذلك أقوال، أذكر بعضها، وأبدأ بقول الفرَّاء- شيخ الكوفيين- وكان قد علل لدخول هذه اللام في الآية الثانية، وسقوطها من الآية الأولى، فقال:” العرب تدخل الواو في جواب﴿ لَمَّا ﴾، و﴿ حَتَّى إِذَا ﴾، وتلقيها؛ فمن ذلك قول الله:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾، وفي موضع آخر:﴿ وَفُتِحَتْ ﴾، وكلٌّ صواب “. وعلى هذا القول جمهور الكوفيين.
أما سيبويه- شيخ البصريين- فقد حكى لنا رأيَ أستاذه الخليل بن أحمد في الآية الثانية، فقال:”سألت الخليل عن قوله جل ذكره:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾أين جوابها ؟ وعن قوله جل وعلا:
﴿ وََلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾(البقرة: 165)..
فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم، لعلم المخبَر لأي شيء وُضِع هذا الكلام “.
أما الأخفش فحكى عن الحسن- رضي الله عنه- أنه فسر الآية الثانية على إلقاء الواو من قوله تعالى:﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾. ثم قال:”فالواو في مثل هذا زائدة “. وقال في موضع آخر:”وإضمار الخبر أحسن في الآية “. ومراده بإضمار الخبر: حذف الجواب، وهو مذهب الخليل وسيبويه وجمهور البصريين.
فعلى قول الفراء وجمهور الكوفيين يكون جواب﴿ حَتَّى إِذَا ﴾في الآيتين قوله تعالى:﴿ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾، وجوَّزه الإمام الطبري في أحد قوليه.
وعلى قول الخليل وسيبويه وجمهور البصريين يكون الجواب في الآية الثانية محذوفًا لعلم المخاطب. وعلى قول الحسن- رضي الله عنه- يكون الجواب مذكورًا، وهو قوله تعالى:﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾.
وفُسِّر قول الفراء على زيادة الواو، ونسِب ذلك إلى الكوفيين، وفُسِّر قول الخليل وسيبويه على أن الواو عاطفة على ما قبلها، والجواب محذوف ونسِب ذلك إلى البصريين. وإلى ذلك أشار النحاس بقوله:” فالكوفيون يقولون: زائدة. وهذا خطأ عند البصريين؛ لأنها تفيد معنى، وهي للعطف ههنا، والجواب محذوف “.
ثم اختلفوا في موضع هذا الجواب المزعوم حذفه على قولين:أحدهما قبل الواو. والثاني بعد الواو. واختلفوا أيضًا في تقديره على أقوال؛ أشهرها قول الزجاج، ونصه الآتي:” والذي قلته أنا- وهو القول إن شاء الله- أن المعنى: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، دخلوها.. وحذف؛ لأن في الكلام دليلاً عليه “.
واختار الطبري قول الزجاج على أنه أولى الأقوال بالصواب، مع تجويزه لقول الفراء. وقال الزركشي:”ويحتمل أن يكون التقدير: حتى إذا جاؤوها- أذن لهم في دخولها- وفتحت أبوابها“.
ثم اختلفوا في معنى الواو على هذا القول على قولين:أحدهما: أنها واو العطف. والثاني: أنها واو الحال، وإليه ذهب الزجاج، والزمخشري، وأبو حيان، وأجاز الزركشي القولين معًا.
وحكى القرطبي عن أبي بكر بن عياش أنها واو الثمانية، وذكر أن من عادة قريش إذا عدوا، قالوا: خمسة، ستة، سبعة، ثمانية. ولما كانت أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة، أدخلت الواو في آية أهل الجنة، ولم تدخل في آية أهل النار. وقد ضعِّف هذا القول من قبل الكثيرين.. وأخيرًا استقرَّ رأي جمهور المتأخرين على أنها واو الحال، وأن المعنى:
حتى إذا جاؤوها، وقد فتحت أبوابها، دخلوها. أو ما شابه ذلك.
وعدُّوا حذف الجواب من بلاغة القرآن وإعجازه. وعن الحكمة في إثبات الواو في الثاني قال بعضهم:”لمّا قال الله عز وجل في أهل النار:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾
دل على أنها كانت مغلقة.. ولمّا قال في أهل الجنة:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:25 PM
دل على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها “.
وقد وقع هذا القول موقع الإعجاب في نفوس الكثير من الدارسين، والباحثين المعاصرين، من علماء اللغة والنحو والتفسير، أذكر منهم الدكتور فضل حسن عباس، صاحب كتاب ( لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن ). لقد تحدث الدكتور فضل عن هذه الواو، فصال وجال، وأتى بالعجب العجاب، فكان كالمعري، الذي وصف نفسه بقوله:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ***لآت بما لم تستطعه الأوائل
وبدأ حديثه عن هذه الواو بهجومه العنيف على الفراء، واتهمه بسوء النظر والفكر معًا.. ثم زعم أن هذه الواو صاحبة رسالة، مستشهدًا على ذلك بقوله تعالى:﴿ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾(الأنعام: 124)
ثم ذكر مدَّعيًا أن حذف الجواب في الآية من دقائق الإعجاز، وأن حذف جواب ﴿ إِذَا ﴾ مستفيض في القرآن، وكلام العرب؛ ولهذا قال في معنى الآية الكريمة:”حتى إذا جاؤوها، وقد فتحت أبوابها، كان لهم من إكرام الله ما لا يمكن حصره.. أو ما يشابهه “.
ولم يتوقف الدكتور فضل عند هذا الحد؛ بل زعم أن الجواب في آية أهل النار محذوف أيضًا، وأن جملة ﴿ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ استئنافية، وأن المعنى:
حتى إذا جاؤوها، فتحت أبوابها، وجدوا من الهول والحسرة والندامة والأسى ما يعجز عنه الوصف، وقال لهم خزنتها: كذا وكذا.
وانتهى من ذلك إلى القول:” فإن قبلت هذا القول فخذ به، ولكل وجهة هو مولِّيها“.
وفي الإجابة عن ذلك كله أقول بعون الله وتعليمه:
أولاً-للواو في لغة العرب وظيفة لغوية في التركيب، وهي الربط بين مفردين، أو جملتين، ولها معنيان: أولهما: العطف. وثانيهما: الجمع. وكثيرًا ما تُخلَعُ عنها دلالتها على العطف، فتخلص لمعنى الجمع فقط. وهذا ما أشار إليه ابن جني في( باب خلع الأدلة ) من كتابه ( الخصائص )، فقال:”ومن ذلك واو العطف؛ فيها معنيان العطف ، ومعنى الجمع . فإذا وضعت موضع:( مع ) ، خلُصت للاجتماع ، وخلِعت عنها دلالة العطف ؛ نحو قولهم: استوى الماء ، والخشبة “.
ومثل ذلك هذه الواو، التي أدخلت في قوله تعالى:﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ فهي واو أخلِصَت لمعنى الجمع بعد أن خلِعت عنها دلالتها على العطف، فدلت بذلك على اجتماع حدثين في وقت واحد: مجيء المؤمنين إلى الجنة، وفتح الجنة أبوابها لهم؛ كما دلت على الجمع بين استواء الماء، واستواء الخشبة في قولهم: استوى الماء والخشبة. ومثلها في الدلالة على معنى الجمع الواو في قوله تعالى:
﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾(يونس: 71)
أي: فأجمعوا أمركم مع شركائكم. ويحمل على ذلك أيضًا قوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ﴾(الحشر: 9)
أي: تبوَّؤوا الدار الآخرة مع الإيمان.
وأما تفسيرهم لها بالحالية، أو العاطفة فهو محكوم بالقاعدة النحوية، التي تنصُّ على أن جواب الشرط لا يقترن في حالات مخصوصة بغير الفاء، أو إذا الفجائية. فلما اعترضتهم نصوص من القرآن الكريم ولغة العرب، تخالف ما اصطلحوا عليه من قواعد، أخذوا بأعناق تلك النصوص، واخضعوها لقواعدهم، وبذلك ارتضوا القواعد النحوية مركبًا، فقتلوا أنفسهم بذلك، وقتلوا معها النصوص، متجاهلين أن النصوص القرآنية لا تخضع لقواعد النحاة، وتأويلاتهم المنطقية. وإذا أردت أن تعرف ذلك، فاسمع قول أبي حيان صاحب تفسير البحر المحيط:”التأويل إنما يسوغ إذا كانت الجادة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادة، فيُتأَوَّل“.
ويقصد أبو حيان بالجادة-هنا- القواعد النحوية، التي قعَّدها النحاة، فما خرج عنها يجب أن يتأوَّل حتى يعود إليها. وبهذا التأويل، الذي يخضع للجهد الذهني العميق، جعلوا من النصوص القرآنية تبعًا للقواعد النحوية، والعكس هو الذي ينبغي أن يكون.
ثانيًا- إذا ثبت حذف جواب﴿ إِذَا ﴾ و﴿ لََوْ ﴾ في بعض المواضع، فإن حذف جواب ﴿ حَتَّى إِذَا ﴾ لم يثبت أبدًا في أيٍّ من تلك المواضع. وليس من الصواب في شيء أن يقاس جواب ﴿ حَتَّى إِذَا ﴾ على جواب ﴿ إِذَا ﴾، أو جواب ﴿ لََوْ ﴾؛ لأن من شروط القياس المعتبرة في اللغة أن تقاس الظاهرة اللغوية بأمثالها.
ثم إن القياس النحوي لم يصلح يومًا لأن يكون منهجًا للبحث العلمي؛ إنما الذي يصلح لذلك هو الاستقراء اللغوي، وهذا ما فعله الفراء. والدليل على ذلك أنه أنكر، وبأسلوب رقيق مهذب، قول من جعل قول الله تعالى:
﴿ وَأَذِنَتْ ﴾ جوابًا لـ﴿ إِذَا ﴾، في قوله تعالى:
﴿ ِإِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾(الانشقاق: 2)
فقال:”ونرى أنه رأيٌ ارتآه المفسِّرُ، وشبَّهه بقوله تبارك وتعالى:﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ﴾؛ لأنا لم نسمع جوابًا بالواو في ﴿ إِذَا ﴾ مبتدأة، ولا قبلها كلام، ولا في ﴿ فَلَمَّا ﴾، إذا ابتُدِئت؛ وإنما تجيب العرب بالواو في قوله:( حتى إذا كان ) و( فلمَّا أن كانت )، لم يجاوزوا ذلك “.
والفراء راوية ثقة، لا يشك أحد في ما يرويه عن العرب، وقد شهد له بذلك أبو حيان، الذي تقدم ذكره. والشواهد القرآنية، وغيرها تؤيد قوله وتؤكِّده، فمن الشواهد القرآنية نذكر قول الله تعالى:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:26 PM
﴿ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ *وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾(الأنبياء: 96-97)
فقوله تعالى:﴿ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ﴾ جواب قوله:﴿ حَتَّى إِذَا ﴾، وقد جاء مقترنًا بالواو، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، اقترب الوعد الحق.. ويدلك على أن ﴿ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ﴾هو الجواب، أن فتح يأجوج ومأجوج، ونسلهم من كل حدب هو علامة من علامات اقتراب هذا الوعد، الذي هو يوم القيامة، وهو المشار إليه بقوله تعالى:َ
﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾(الكهف: 98)
ومن الشواهد الشعرية، التي أنشدها الفرَّاء نذكر قول الشاعر:
حتى إذا قمِلت بطونُكُمُ *** ورأيتمُ أبناءكم شَــبُّوا
وقلبتمُ ظهرَ المِجََنِّ لنا ***إن اللئيم العاجز الخـبُّ
والمعنى: قلبتم لنا ظهر المجن، بدون واو. والواو جامعة في الموضعين بين حدثين في وقت واحد، أولهما فعل الشرط، والثاني: جواب الشرط.
ثالثًا- واضح من كلام الفرَّاء السابق، أنه لم يقل بزيادة هذه الواو، ولم يذكر نوعها، واكتفى بأن فسَّر لنا هذه الظاهرة اللغوية بقوله:”العرب تدخل الواو في جواب﴿ فَلَمَّا ﴾ و﴿ حَتَّى إِذَا ﴾، وتلقيها “. ولم يقل مثل ذلك في جواب﴿ إِذَا ﴾؛ بل أنكر قول من قال به، وعقَّب عليه بقوله:”ونرى أنه رأيٌ ارتآه المفسِّرُ “. وكان ينبغي على الدكتور فضل حسن عباس أن يفهم كلام الفراء قبل أن يهاجمه، ويتهمه بسوء النظر والفكر، وليته أعاد النظر في قوله.
رابعًا- أما قولهم:”ولمّا قال في أهل الجنة:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾
دل على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها “
فليس كذلك؛ لأن فتح أبواب الجنة يقع مع وقوع مجيئهم إليها، لا بعده، ولا قبله. وهذا ما دلت عليه الواو؛ وذلك لما فيها من معنى الجمع، الذي لا يفارقها أينما وقعت.
ولهذا المعنى، الذي أفادته هذه الواو، لا يجوز القول بأنها عاطفة، أو حالية. أما الأول فلأنها- هنا- مسلوبة الدلالة على العطف. وأما الثاني فلأن واو الحال لا يجوز أن تدخل على الفعل إلا ومعها ( قد ) ظاهرة، لا مقدرة. وجعلها حالية يقتضي تقدير جواب محذوف مع ( قد ). وهذا ما لجئوا إليه، وهو تكلف ظاهر، لا داعي له، لما فيه من إخلال بنظم الكلام، وإفساد لمعناه. وفرق كبير بين أن يقال: حتى إذا جاءوها، فتحت أبوابها مع مجيئهم إليها، وبين أن يقال: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها قبل مجيئهم إليها؛ لأن هذا فيه حذف للجواب، وتقدير( قد ) بين الواو، والفعل. والأول لا حذف فيه، ولا تقدير. وصون النظم الكريم من العبث بالزيادة والتقدير هو الأولى، وهو الذي ينبغي أن يكون.
أما مجيء الجواب في الآية الأولى غير مقترن بالواو فللدلالة على أن النار لا تفتح أبوابها لأهلها إلا بعد مجيء أهلها إليها. وقد يطول وقوفهم، وانتظارهم، وهذا أنكى لهم، ثم تفتح لهم الأبواب بعد طول انتظار، ويدخلون غير مأسوف عليهم، خلافًا لأهل الجنة، الذين يدخلونها دون انتظار؛ لأنهم يجدون أبوابها قد فتحت لهم مع مجيئهم إليها. وما أشبه هذا بما نشاهده اليوم من الأبواب الزجاجية لبعض المحال والبنوك والدوائر الرسمية، التي تفتح للقادمين إليها من أول وطأة قدم أمامها، ثم تعود إلى الانغلاق بعد الدخول. وذلك بخلاف أبواب السجون، وغيرها من الأبواب، التي لا تفتح للذين يساقون إليها إلا بعد طول انتظار.
وأما ما استدلوا عليه من قولهم: إن الجنة تفتح أبوابها لأهلها قبل مجيئهم إليها إكرامًا لهم بقوله تعالى:
﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ ﴾(ص: 50)
كمنازل الأفراح والسرور، وأبواب الجنان في الدنيا، فليس كذلك؛ لأن أبواب الجنة مغلقة، لا تفتح إلا وقت مجيء أهلها من المؤمنين إليها. وتفتح بالأمر كما تغلق بالأمر. والآية السابقة دليل عليهم، لا دليل لهم. يدلك على ذلك أن قوله تعالى:﴿ مُّفَتَّحَةً ﴾صيغة مفعول، وكونها منونة يدل على أن زمنها المستقبل، لا الماضي، وأن التشديد فيها للمبالغة وتكررالفتح. وهذا يعني أنها تفتح كلما جاء الجنة وفد من المؤمنين، ثم تغلق، وأن الفتح يتكرر بتكرر المجيء.
وقال القرطبي:”وإنما قال:﴿ مُفَتَّحَةً ﴾، ولم يقل:( مفتوحة )؛ لأنها تفتح لهم بالأمر، لا بالمسِّ. أي: بالأيدي. قال الحسن: تُكَلَّمُ: انفتحي فتنفتح، انغلقي فتنغلق“ وعن الحسن- كما في الدُّرِّ المنثور للسيوطي-:”يُرَى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، ويقال لها: انفتحي، وانغلقي، تكلمي، فتفهم، وتتكلم “.
وقيل: إن الملائكة الموكلين بالجنان، إذا رأوا صاحب الجنة، فتحوا له أبوابها، وحيوه بالسلام، فيدخل محفوفًا بالملائكة على أعز حال، وأجمل هيئة.. وورد أن أول من يفتح له باب الجنة نبينا صلى الله عليه وسلم. فلو كان الفتح قبل المجيء إكرامًا، لوجدها مفتوحة.
وعن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال:” إذا دخل شهر رمضان فُتِّحَتْ أبوابُ الجنة وغُلِّقَتْ أبوابُ النار وصُفِّدَتْ الشياطينُ “.
فقوله عليه الصلاة والسلام:” فُتِّحَتْ أَبْوَاب الْجَنَّة “يدل على أن أبواب الجنة كانت مغلَقةً، ولا ينافيه- كما جاء في حاشية السِّنْدِيِّ- قوله تعالى:﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ ﴾؛ إذ ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتَّحة.
خامسًا- قال أحد الإخوة الأفاضل على الرابط الآتي:
http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=4790
”ولقد عجبت من ادّعاء أستاذنا الكريم إسماعيل عتوك في قوله: (( إذا ثبت حذف جواب( إذا ) و( لو ) في بعض المواضع، فإن حذف جواب ( حتى إذا ) لم يثبت أبداً في أيٍّ من تلك المواضع)) ! “.
ثم عقَّب على ذلك بقوله:” فماذا يقول – وفقّه الله – في قول الهذلي:
حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ ==== شلاًّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدا
حيث إنه حذف هنا جواب ( حتى إذا )، ولم يأت به؛ وذلك لأن هذا البيت هو آخر القصيدة ؟ وكما هو بيّن، فإن جواب ( حتى إذا ) في هذا البيت لم يقترن بالواو !
ولعلّ الأصل في هذا كله - أخي الكريم - أن جواب الشرط لا يتمّ المشروط دونه، فإذا حُذف كان أهول وأعظم للكلام، فيكون إضمار الجواب في مواضعه أحسن من إظهاره.
ثم أنَّى للّغة نفسها أن تصف الجنة، وهي التي " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " ؟ ولذلك يقول الدكتور فاضل السامرائي في بيانه لآية الزمر ما معناه: أنه عندما حذف جواب الشرط هنا، كان في ذلك إشارة خفيّة إلى أن اللغة نفسها لا يمكنها أن تصف ما فيها من نعيم “.
هذا ما قاله الأخ الفاضل تعقيبًا على ما قلته في الفقرة الثانية من هذا المقال، وقد كفاني الرد عليه أخ فاضل آخر، تجدون ردَّه على الرابط المذكور. وفيما ذكرته كفاية لمن أراد الهداية، نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين يفقهون كلامه، ويدركون أسرار بيانه، ولا يقولون فيه إلا صوابًا، والحمد لله رب العالمين !
محمد إسماعيل عتوك
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:27 PM
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1173780026101805141.jpgقال الله تبارك وتعالى:﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾(الصافات:103- 105).
للنحاة والمفسرين في جواب ﴿ فَلَمَّا ﴾ قولان: أحدهما: أنه مذكور في الكلام. والثاني أنه محذوف.. فأما الذين قالوا: إنه مذكور فقد اختلفوا على قولين:
أحدهما: أن الجواب هو قوله تعالى:﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾. والواو زائدة. وهذا القول نسبه العكبري وأبو حيان إلى بعض الكوفيين، وإليه أشار الدكتور فضل حسن عباس.
وثانيهما: أن الجواب هو قوله تعالى:﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾. وإلى هذا ذهب الفرَّاء شيخ الكوفيين، وحجته أن العرب تدخل الواو في جواب﴿ فَلَمَّا ﴾، و﴿ حتى إذا ﴾، وتلقيها. وتابع الفراءَ فيما ذهب إليه الإمامُ الطبري، وردد كلامه دون زيادة، أو نقصان. وعلى هذا القول جمهور الكوفيين، وكثير من المعاصرين.
وأما الذين قالوا: إن جواب ﴿ فَلَمَّا ﴾محذوف فحجتهم أن الواو من حروف المعاني، ولا يجوز أن تزاد. وعلى هذا القول جمهور البصريين، ومن تبعهم من المتأخرين. وتقدير الكلام عندهم:﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾سعدا وأجزل لهما الثواب﴿ وَنَادَيْنَاهُ ﴾..
وقدر الزمخشري الجواب بعد قوله:﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾، فقال:”فإن قلت: أين جواب( لما )؟ قلت: هو محذوف، تقديره: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.. كان ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما، واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله“.
ونقل الرازي عن البصريين قولهم:”وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن. والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفًا، كان أعظم وأفخم “.
ومن الغريب أن نجد العكبري يقدر الجواب بقوله:( نادته الملائكة ) محذوفًا، ويرفض أن يكون الجواب:( وناديناه ) مذكورًا؛ لأن القاعدة النحوية تمنع من ارتباط جواب ( لمَّا ) بالواو. ولهذا نجدهم يلوون عنق الآية الكريمة، ويخضعونها للقاعدة النحوية، والذي ينبغي أن يكون هو العكس تمامًا.
ولست أدري كيف يستسيغ عاقل أن يقال في تأويل الآية الكريمة: فلما أسلما وتلَّه للجبين- نادته الملائكة- وناديناه أن يا إبراهيم! مع أن المعنى أوضح من أن يحتاج في بيانه إلى مثل هذا التأويل.
ومن المعاصرين الذين اختاروا القول بحذف الجواب الدكتور فضل حسن عباس، فقال في كتابه ( لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن ):”قالوا: الواو زائدة، والتقدير: فلما أسلما، تلَّه للجبين. وليس الأمر كذلك، فليس قوله تعالى:﴿ تَلَّهُ ﴾جواب﴿ فَلَمَّا ﴾؛ بل الجواب محذوف، والتقدير: فلما أسلما، وتلَّه للجبين، وباشر إبراهيم ذبح ابنه،( أجزل لهما في الثواب ). أو ( أكرمهما بالرحمة ). أو ( مَنَّ الله عليهما بنعمة الفداء )..“.
وأنت إذا تأملت الآية جيدًا، وتدبرت معناها حق التدبر، تبين لك أن كل ما قيل فيها ليس بشيء؛ لأن المعنى المراد منها ليس على ما ذكروا، بل المراد هو: أن إبراهيم وابنه- عليهما السلام- لما فوَّضا أمرهما إلى لله تعالى، وامتثلا لأمره سبحانه بأن رضي الأول بذبح ابنه، ورضي الثاني بأن يذبح، وصرعه والده على جبينه، أو كبَّه على وجهه، وهمَّ بذبحه، تصديقًا للرؤيا، ناداه ربه عز وجل بقوله:﴿ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾.
فتوقف إبراهيم- عليه السلام- عن الذبح، والتفت وراءه، فإذا بذبح عظيم أرسله الله تعالى فداء لإسماعيل عليه السلام. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾(الصافات:107).
وهذا ما جاء في التفسير، فقد جاء فيه:”لما أضجعه للذبح، نوديَ من الجبل: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا “.
وعليه يكون قوله تعالى:﴿ وَنَادَيْنَاهُ ﴾جوابًا لقوله:﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾، وتكون الواو رابطة لجواب ﴿ فَلَمَّا ﴾بشرطها. وإنما جيء بها- هنا- دون غيرها من أدوات الربط؛ لما فيها من معنى الجمع، الذي لا يفارقها، فدلت على أن الجواب قد وقع مع وقوع الشرط في وقت واحد. ولولا وجود هذه الواو في الكلام، لتمَّ ذبح إبراهيم- عليه السلام- لابنه بعد أن صرعه على جبينه، ولم ينفعه النداء شيئًا.
وهكذا يتبين لنا أن الله تعالى، لما أراد أن يوقف هذا الذبح، ويمنع وقوعه، قرن نداءه لإبراهيم- عليه السلام- بهذه الواو، التي قال البعض فيها: إنها زائدة، وقال البعض الآخر: إنها عاطفة، والجواب محذوف، وعدوا حذفه من بلاغة القرآن وإعجازه، ولم يدروا أن سرَّ الإعجاز في إدخال هذه الواو على جواب ﴿ فَلَمَّا ﴾.. ومن يعرف جوهر الكلام، ويدرك أسرار البيان، يتبين له أن ما قلناه في هذه الواو هو الحق. والله تعالى أعلم بأسرار بيانه، وله الحمد والمنَّة، وسلام على إبراهيم !!!
محمد إسماعيل عتوك
البريد الإلكتروني:
m- ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى ) (m- ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى ) )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:28 PM
العلاج بسماع القرآن

قصة حدثت معي
إن سبب كتابة هذه المقالة هي تجربة مررتُ بها أثناء حفظي لكتاب الله تعالى. فقد كنتُ أجلس مع القرآن طيلة الـ 24 ساعة، وحتى أثناء نومي كنتُ أترك الراديو على إذاعة القرآن الكريم فأستمع إليها وأنا نائم، طبعاً وقتها لم أكن أدرك أن هنالك طريقة حديثة للتعلم أثناء النوم!
وبعد عدة أشهر بدأتُ ألاحظ أن هنالك تغيراً كبيراً في داخلي، فكنتُ أحس وكأن كل خلية من خلايا دماغي تهتز وتتجاوب مع صوت القرآن الذي كنتُ أسمعه، فقد كنتُ أحفظ القرآن بطريقة الاستماع إلى مقرئ وتكرار السورة مرات كثيرة لأجد أنها تنطبع في ذاكرتي بسهولة.
لقد كنتُ أقول وقتها لصديق لي إن الاستماع إلى القرآن يعيد برمجة خلايا الدماغ بشكل كامل! حدث هذا معي منذ عشرين عاماً، ولكنني فوجئت عندما كنتُ أقرأ منذ أيام فقط محاولات العلماء في شفاء الكثير من الأمراض المستعصية بواسطة إعادة برمجة خلايا الدماغ، ويستخدمون الذبذبات الصوتية مثل الموسيقى!!
لقد وصل بعض المعالجين بالصوت إلى نتائج مهمة مثل الأمريكية "آني ويليامز" التي تعالج بصوت الموسيقى، ولكن هذه النتائج بقيت محدودة حتى الآن بسبب عدم قدرة الموسيقى على إحداث التأثير المطلوب في الخلايا.
وعلى الرغم من ذلك فإنها تؤكد أنها حصلت على الكثير من النتائج المبهرة في علاج سرطان الكولون وأورام الدماغ الخبيثة وغير ذلك من الأمراض. وتؤكد أيضاً أن كل من استمع إلى صوت الموسيقى الذي تسجله قد ازداد الإبداع لديه!
وأحب أن أذكر لك أخي القارئ أن التغيرات التي حدثت بنتيجة الاستماع الطويل لآيات القرآن، كثيرة جداً، فقد أصبحتُ أحس بالقوة أكثر من أي وقت مضى، أصبحتُ أحس أن مناعة جسمي ازدادت بشكل كبير، حتى شخصيتي تطورت كثيراً في تعاملي مع الآخرين، كذلك أيقظ القرآن بداخلي عنصر الإبداع، وما هذه الأبحاث والمقالات التي أنتجها خلال وقت قصير إلا نتيجة قراءة القرآن!!
ويمكنني أن أخبرك عزيزي القارئ أن الاستماع إلى القرآن بشكل مستمر يؤدي إلى زيادة قدرة الإنسان على الإبداع، وهذا ما حدث معي، فقبل حفظ القرآن أذكر أنني كنتُ لا أُجيد كتابة جملة بشكل صحيح، بينما الآن أقوم بكتابة بحث علمي خلال يوم أو يومين فقط!
إذن فوائد الاستماع إلى القرآن لا تقتصر الشفاء من الأمراض، إنما تساعد على تطوير الشخصية وتحسين التواصل مع الآخرين، بالإضافة إلى زيادة القدرة على الإبداع والإتيان بأفكار جديدة. وهذا الكلام عن تجربة حدثت معي، وتستطيع أخي القارئ أن تجرب وستحصل على نتائج مذهلة.
حقائق علمية
في عام 1839 اكتشف العالم "هنريك ويليام دوف" أن الدماغ يتأثر إيجابياً أو سلبياً لدى تعريضه لترددات صوتية محددة. فعندما قام بتعريض الأذن إلى ترددات صوتية متنوعة وجد أن خلايا الدماغ تتجاوب مع هذه الترددات.
ثم تبين للعلماء أن خلايا الدماغ في حالة اهتزاز دائم طيلة فترة حياتها، وتهتز كل خلية بنظام محدد وتتأثر بالخلايا من حولها. إن الأحداث التي يمر بها الإنسان تترك أثرها على خلايا الدماغ، حيث نلاحظ أن أي حدث سيء يؤدي إلى خلل في النظام الاهتزازي للخلايا.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/3/healing_1.jpgخلية عصبية من الدماغ في حالة اهتزاز دائم، هذه الخلية تحوي برنامجاً معقداً تتفاعل من خلاله مع بلايين الخلايا من حولها بتنسيق مذهل يشهد على عظمة الخالق تبارك وتعالى، وإن أي مشكلة نفسية سوف تسبب خللاً في هذا البرنامج مما ينقص مناعة الخلايا وسهولة هجوم المرض عليها.


لأن آلية عمل الخلايا في معالجة المعلومات هو الاهتزاز وإصدار حقول الكهربائية، والتي من خلالها نستطيع التحدث والحركة والقيادة والتفاعل مع الآخرين.
وعندما تتراكم الأحداث السلبية مثل بعض الصدمات التي يتعرض لها الإنسان في حياته، وبعض المواقف المحرجة وبعض المشاكل التي تسبب لخلايا دماغه نوعاً من الفوضى، إن هذه الفوضى متعبة ومرهقة لأن المخ يقوم بعمل إضافي لا يُستفاد منه.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/bee/healing_2.jpgإن الطفل منذ قبل الولادة تبدأ خلايا دماغه بالاهتزاز! ويكون دماغه متوازناً وخلاياه متناغمة في عملها واهتزازها. ولكن بعد خروجه من بطن أمه فإن كل حدث يتعرض له هذا الطفل سوف يؤثر على خلايا دماغه، والطريقة التي تهتز بها هذه الخلايا تتأثر أيضاً، بل إن بعض الخلايا غير المهيّأة لتحمل الترددات العالية قد يختل نظامها الاهتزازي، وهذا يؤدي إلى كثير من الأمراض النفسية والجسدية أيضاً.

ويؤكد العلماء اليوم أن كل نوع من أنواع السلوك ينتج عن ذبذبة معينة للخلايا، ويؤكدون أيضاً أن تعريض الإنسان إلى ذبذبات صوتية بشكل متكرر يؤدي إلى إحداث تغيير في الطريقة التي تهتز بها الخلايا، وبعبارة أخرى إحداث تغيير في ترددات الذبذبات الخلوية.
فهنالك ترددات تجعل خلايا الدماغ تهتز بشكل حيوي ونشيط وإيجابي، وتزيد من الطاقة الإيجابية للخلايا، وهنالك ترددات أخرى تجعل الخلايا تتأذى وقد تسبب لها الموت! ولذلك فإن الترددات الصحيحة هي التي تشغل بال العلماء اليوم، كيف يمكنهم معرفة ما يناسب الدماغ من ترددات صوتية؟
http://www.55a.net/firas/ar_photo/plants/healing_3.jpgاكتشف العلماء أن شريط DNAداخل كل خلية يهتز بطريقة محددة أيضاً، وأن هذا الشريط المحمل بالمعلومات الضرورية للحياة، عرضة للتغيرات لدى أي حدث أو مشكلة أو فيروس أو مرض يهاجم الجسم، ويقول العلماء إن هذا الشريط داخل الخلايا يصبح أقل اهتزازاً لدى تعرضه للهجوم من قبل الفيروسات! والطريقة المثلى لجعل هذا الشريط يقوم بأداء عمله هي إعادة برمجة هذا الشريط من خلال التأثير عليه بأمواج صوتية محددة، ويؤكد العلماء أنه سيتفاعل مع هذه الأمواج ويبدأ بالتنشيط والاهتزاز، ولكن هنالك أمواج قد تسبب الأذى لهذا الشريط.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:28 PM
يقوم كثير من المعالجين اليوم باستخدام الذبذبات الصوتية لعلاج أمراض السرطان والأمراض المزمنة التي عجز عنها الطب، كذلك وجدوا فوائد كثيرة لعلاج الأمراض النفسية مثل الفصام والقلق ومشاكل النوم، وكذلك لعلاج العادات السيئة مثل التدخين والإدمان على المخدرات وغير ذلك.
ما هو العلاج؟
إن أفضل علاج لجميع الأمراض هو القرآن، وهذا الكلام نتج عن تجربة طويلة، ولكن يمكنني أن أستشهد بكثير من الحالات التي شُفيت بسبب العلاج بالقرآن بعد أن استعصت على الطب. لأن الشيء الذي تؤثر به تلاوة القرآن والاستماع إلى الآيات الكريمة هو أنها تعيد التوازن إلى الخلايا، وتزيد من قدرتها على القيام بعملها الأساسي بشكل ممتاز.
ففي داخل كل خلية نظام اهتزازي أودعه الله لتقوم بعملها، فالخلايا لا تفقه لغة الكلام ولكنها تتعامل بالذبذبات والاهتزازات تماماً مثل جهاز الهاتف الجوال الذي يستقبل الموجات الكهرطيسية ويتعامل معها، ثم يقوم بإرسال موجات أخرى، وهكذا الخلايا في داخل كل خلية جهاز جوال شديد التعقيد، وتصور أخي الحبيب آلاف الملايين من خلايا دماغك تهتز معاً بتناسق لا يمكن لبشر أن يفهمه أو يدركه أو يقلده، ولو اختلت خلية واحدة فقط سيؤدي ذلك إلى خلل في الجسم كله! كل ذلك أعطاه الله لك لتحمده سبحانه وتعالى، فهل نحن نقدر هذه النعمة العظيمة؟

http://www.55a.net/firas/ar_photo/kaba/healing_4.jpgصورة لخلايا الدماغ وتظهر الأجزاء المتضررة باللون الأحمر، هذه المناطق ذات نشاط قليل وطاقة شبه منعدمة وهي تشرف على الموت، ولكن لدى تعريض هذه الخلايا إلى موجات صوتية محددة فإنها تبدأ بالاهتزاز والنشاط. المصدر National Research Council of Canada


الآيات القرآنية تحمل الشفاء!
يقول العلماء اليوم وفق أحدث الاكتشافات إن أي مرض لا بد أنه يحدث تغيراً في برمجة الخلايا، فكل خلية تسير وفق برنامج محدد منذ أن خلقها الله وحتى تموت، فإذا حدث خلل نفسي أو فيزيائي، فإن هذا الخلل يسبب فوضى في النظام الاهتزازي للخلية، وبالتالي ينشأ عن ذلك خلل في البرنامج الخلوي. ولعلاج ذلك المرض لا بد من تصحيح هذا البرنامج بأي طريقة ممكنة.
وقد لاحظتُ أثناء تأملي لآيات القرآن وجود نظام رقمي دقيق تحمله آيات القرآن، ولكن لغة الأرقام ليست هي الوحيدة التي تحملها الآيات إنما تحمل هذه الآيات أشبه ما يمكن أن نسميه "برامج أو بيانات" وهذه البيانات تستطيع التعامل مع الخلايا، أي أن القرآن يحوي لغة الخلايا!!
وقد يظن القارئ أن هذا الكلام غير علمي، ولكنني وجدت الكثير من الآيات التي تؤكد أن آيات القرآن تحمل بيانات كثيرة، تماماً مثل موجة الراديو التي هي عبارة عن موجة عادية ولكنهم يحمّلون عليها معلومات وأصوات وموسيقى وغير ذلك.
يقول تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) [الرعد: 31]. لو تأملنا هذه الآية بشيء من التعمق يمكن أن نتساءل: كيف يمكن للقرآن أن يسير الجبال، أو يقطّع الأرض أي يمزقها، أو يكلم الموتى؟ إذن البيانات التي تخاطب الموتى وتفهم لغتهم موجودة في القرآن إلا أن الأمر لله تعالى ولا يطلع عليه إلا من يشاء من عباده.
بالنسبة للجبال نحن نعلم اليوم أن ألواح الأرض تتحرك حركة بطيئة بمعدل عدة سنتمترات كل سنة، وتحرك معها الجبال، وهذه الحركة ناتجة عن أمواج حرارية تولدها المنطقة المنصهرة تحت القشرة الأرضية، إذن يمكننا القول إن القرآن يحوي بيانات يمكن أن تتعامل مع هذه الأمواج الحرارية وتحركها وتهيجها فتسرع حركتها، أو تحدث شقوقاً وزلازل في الأرض أي تقطّع القشرة الأرضية وتجزّئها إلى أجزاء صغيرة، هذه القوى العملاقة يحملها القرآن، ولكن الله تعالى منعنا من الوصول إليها، ولكنه أخبرنا عن قوة القرآن لندرك عظمة هذا الكتاب، والسؤال: الكتاب الذي يتميز بهذه القوى الخارقة، ألا يستطيع شفاء مخلوق ضعيف من المرض؟؟
ولذلك فإن الله تعالى عندما يخبرنا أن القرآن شفاء فهذا يعني أنه يحمل البيانات والبرامج الكافية لعلاج الخلايا المتضررة في الجسم، بل لعلاج ما عجز الأطباء عن شفائه.
أسهل علاج لجميع الأمراض
أخي القارئ! أقول لك وبثقة تامة وعن تجربة، يمكنك بتغيير بسيط في حياتك أن تحصل على نتائج كبيرة جداً وغير متوقعة وقد تغير حياتك بالكامل كما غير حياتي من قبلك. الإجراء المطلوب هو أن تستمع للقرآن قدر المستطاع صباحاً وظهراً ومساءً وأنت نائم، وحين تستيقظ وقبل النوم، وفي كل أوقاتك.
إن سماع القرآن لن يكلفك سوى أن يكون لديك أي وسيلة للاستماع مثل كمبيوتر محمول، أو مسجلة كاسيت، أو فلاش صغير مع سماعات أذن، أو تلفزيون أو راديو، حيث تقوم بالاستماع فقط لأي شيء تصادفه من آيات القرآن.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/bee/healing_5.gifإن صوت القرآن هو عبارة عن أمواج صوتية لها تردد محدد، وطول موجة محدد، وهذه الأمواج تنشر حقولاً اهتزازية تؤثر على خلايا الدماغ وتحقق إعادة التوازن لها، مما يمنحها مناعة كبيرة في مقاومة الأمراض بما فيها السرطان، إذ أن السرطان ما هو إلا خلل في عمل الخلايا، والتأثير بسماع القرآن على هذه الخلايا يعيد برمجتها من جديد، وكأننا أمام كمبيوتر مليء بالفيروسات ثم قمنا بعملية "فرمتة" وإدخال برامج جديدة فيصبح أداؤه عاليا، هذا يتعلق ببرامجنا بنا نحن البشر فكيف بالبرامج التي يحملها كلام خالق البشر سبحانه وتعالى؟


التأثير المذهل لسماع القرآن
إن السماع المتكرر للآيات يعطي الفوائد التالية والمؤكدة:
- زيادة في مناعة الجسم.
- زيادة في القدرة على الإبداع.
- زيادة القدرة على التركيز.
- علاج أمراض مزمنة ومستعصية.
- تغيير ملموس في السلوك والقدرة على التعامل مع الآخرين وكسب ثقتهم.
- الهدوء النفسي وعلاج التوتر العصبي.
- علاج الانفعالات والغضب وسرعة التهور.
- القدرة على اتخاذ القرارات السليمة.
- سوف تنسى أي شيء له علاقة بالخوف أو التردد أو القلق.
- تطوير الشخصية والحصول على شخصية أقوى.
- علاج لكثير من الأمراض العادية مثل التحسس والرشح والزكام والصداع.
- تحسن القدرة على النطق وسرعة الكلام.
- وقاية من أمراض خبيثة كالسرطان وغيره.
- تغير في العادات السيئة مثل الإفراط في الطعام وترك الدخان.
أخي القارئ: إن هذه الأشياء حدثت معي وقد كنتُ ذات يوم مدخناً ولا أتصور نفسي أني أترك الدخان، ولكنني بعد مداومة سماع القرآن وجدتُ نفسي أترك الدخان دون أي جهد، بل إنني أستغرب كيف تغيرت حياتي كلها ولماذا؟ ولكنني بعدما قرأتُ أساليب حديثة للعلاج ومنها العلاج بالصوت والذبذبات الصوتية عرفتُ سرّ التغير الكبير في حياتي، ألا وهو سماع القرآن، لأنني ببساطة لم أقم بأي شيء آخر سوى الاستماع المستمر للقرآن الكريم.
وأختم هذا البحث الإيماني بحقيقة لمستها وعشتها وهي أنك مهما أعطيت من وقتك للقرآن فلن ينقص هذا الوقت! بل على العكس ستكتشف دائماً أن لديك زيادة في الوقت، وإذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ما نقص مال من صدقة، فإنه يمكننا القول: ما نقص وقت من سماع قرآن، أي أننا لو أنفقنا كل وقتنا على سماع القرآن فسوف نجد أن الله سيبارك لنا في هذا الوقت وسيهيئ لنا أعمال الخير وسيوفر علينا الكثير من ضياع الوقت والمشاكل، بل سوف تجد أن العمل الذي كان يستغرق معك عدة أيام لتحقيقه، سوف تجد بعد مداومة سماع القرآن أن نفس العمل سيتحقق في دقائق معدودة!!
نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن شفاء لما في صدورنا ونوراً لنا في الدنيا والآخرة ولنفرح برحمة الله وفضله أن منّ علينا بكتاب كله شفاء ورحمة وخاطبنا فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 57-58].
ـــــــــــــــــ
بقلم عبد الدائم الكحيل
www.kaheel7.com
المراجع الأجنبية
1- Brain cells tune in to music, www.nature.com
2- Neural oscillations,www.en.wikipedia.org
3- Brain wave therapy, Brain Sync Corporation, 2006.
4- Vibration, www.wordpress.com
5- Mike Adams, Vibrational Medicine, NewsTarget Network, July 14, 2004.
6- Simon Heather, The Healing Power of Sound.
7- Virginia Essene, You are Becoming a Galactic Being.
8- Revolutionary nanotechnology illuminates brain cells at work, www.nanotechwire.com, 6/1/2005.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:29 PM
وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ

بقلم محمد إسماعيل عتوك
أستاذ في اللغة العربية ـ سوريا
قال الله تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ (يس:77ـ 79)
أولاً- هذه الآيات الكريمة، جاءت في خاتمة سورة ( يس )، وفيها ذكر شُبْهَةِ مُنكري البعث والنشور، والجواب عنها بأتمِّ جواب وأحسنه وأوضحه، في صورة حوار، والغرض منها تثبيت أمر البعث عند منكريه، ومعارضيه بعقولهم. وقد استُهِلت بقوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾(يس:71)
وهو كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكار الكافرين البعث، بعدما شاهدوا في أنفسهم أوضح دلائله، وأعدل شواهده؛ كما أن ما سبق من قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ﴾(يس:71)
كلام مستأنف مَسوقٌ لبيان بطلان إشراكهم بالله تعالى بعدما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيد والإسلام. والغرض من الاستفهام في كل منهما إنكار ما هم عليه من الشرك، والتكذيب بالبعث، وتنبيههم إلى ما كانوا قد شاهدوه بأعينهم في الآفاق من خلق الأنعام وتذليلها لهم، وما كانوا قد عاينوه في أنفسهم من خلقه تعالى لذواتهم، وتذكيرهم به.
وقيل: الجملة الثانية هي عين الأولى، أعيدت تأكيدًا للنكير السابق، وتمهيدًا لإنكار ما هو أحق منه بالإنكار، لما أن المنكَر هناك عدم علمهم بما يتعلق بخلق أسباب معايشهم. وههنا عدم علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم. ولا ريب في أن علم الإنسان بأحوال نفسه أهم، وإحاطته بها أسهل وأكمل، فإنكار الإخلال بذلك أدخل؛ كأنه قيل: أولم يروا خلقه تعالى لأسباب معايشهم، مع كونه آيةمشهودة منظورة بين أيديهم على وحدانيته تعالى، وعبادته وحده ؟ثم قيل: أولم يروا خلقه تعالى لأنفسهم أيضًا، مع كونه آية مشهودة منظورة في واقعهم، وخاصة نفوسهم، وهي في غاية الظهور ونهاية الأهمية على معنى: أن المنكر الأول بعيد قبيح، والثاني أبعد وأقبح؛ فإن الإنسان قد يغفل عن الأنعام وخلقها عند غيبتها، ولكن لا يغفل هو مع نفسه، متى ما يكون، وأينما يكون.
فما بال هذا الجاحد يغفل عن خلقه من نطفة مهينة، ولم يك من قبل شيئًا؟! وما باله لا يتذكر ذلك، ولا ينتبه إلى وجه دلالته, ولا يتخذ منه مصداقًا لوعد الله تعالى ببعثه ونشوره بعد موته ودثوره؟! وهل خلقه من نطفة ميتة إلا إحياء بعد موت وعدم حياة؟! أليس في ذلك من الدليل على البعث والنشور ما يكفي لأن يتذكر، ويترك خصومته؟! ولكن أنَّى له الذكرى، وقد لجَّ في الخصام والجدل الباطل!
ومذهب سيبويه، وجمهور النحويين أن الاستفهام في قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍفَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾
للتقرير، وأن الواو لعطف ما بعدها على ما قبلها؛ وإنما جيء بها بعد الهمزة، وكان القياس تقديمها عليها هكذا:
﴿ وَأَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾
كما قدِّمت على﴿ هَلْ ﴾في قوله تعالى:
﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾(طه:9)
لأنه لا يجوز أن يؤخر العاطف عن شيء من أدوات الاستفهام؛ لأنها جزء من جملة الاستفهام، والعاطف لا يقدم عليه جزء من المعطوف. وإنما خولف هذا في الهمزة دون غيرها؛ لأنها أصل أدوات الاستفهام، فأرادوا تقديمها تنبيهًا على أنها الأصل في الاستفهام.
وعلى ذلك يكون قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍفَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾(يس:77)
معطوفًا على قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ﴾(يس:71)
على أن الواو متقدمة على الهمزة في الاعتبار، وأن تقدُّم الهمزة عليها، لاقتضائها الصدارة في الكلام.
والزمخشري اضطرب كلامه في ذلك، فتارة جعل الهمزة متقدمة على الواو؛ كما هو مذهب الجمهور، وتارة جعلها داخلة على جملة محذوفة، عُطِف عليها الجملة، التي بعدها، فقدَّر بينهما فعلاً محذوفًا،يقتضيه المقام، مستتبعًا للمعطوف، تعطف الواو عليه ما بعدها.
وعليه يكون تقدير الكلام في الجملة الأولى:{ أغفلوا، ولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا... }؟ وفي الجملة الثانية:{ أغفل الإنسان، ولم ير أنا خلقناه من نطفة...}؟

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:30 PM
والتحقيق في هذه المسألة الخلافيَّة: أن الواو في قولنا:﴿ أَوَلَمْ ﴾ مسلوبة الدلالة على العطف، وأصل الكلام:﴿ أَلَمْ ﴾، وهو تركيب يفيد معنى الإثبات، ويجرى في لسان العرب مجرى التنبيه والتذكير؛ كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾(الشرح:1)
قال مكي في(مشكل إعراب القرآن):”الألف نقلت الكلام من النفي، فردته إيجابًا “. والإيجاب: إثبات، وهو ضدُّ النفي. والغرض منه: التذكير، والمعنى: شرحنا لك صدرك. وهذا ما نصَّ عليه الزمخشري، فقال:”استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه؛ فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، فنبَّه على ذلك، وذكَّر به “.
ولا يجوز حمل هذا الاستفهام على استفهام التقرير؛ لأن التقرير- باتفاقهم جميعًا- هو حمل المخاطب على أمر قد استقر عنده، وعلم به، ثم جحده. وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون جاحدًا لشرح الله تعالى صدره؛ وإنما مراد الله تعالى من هذا الاستفهام هو مجرد التنبيه والتذكير.
ونحو ذلك قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾(الحج:63)
سأل سيبويه أستاذه الخليل عن هذه الآية، فقال:”هذا واجب، وهو تنبيه؛ كأنك قلت: أتسمع؟“. وفي النسخة الشرقية من كتاب سيبَوَيْهِ:”انتبهْ! أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا وكذا “.
فهذا استفهام يراد به الإثبات، والغرض منه التنبيه، أو التذكير، خلافًا لمن ذهب إلى أن الغرض منه التقرير. وبيان ذلك:
أنك إذا قلت: أليس زيد قائمًا ؟ فإن ذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الاستفهام على أصله من طلب الفهم. فيجاب بـ{ نعم } في الإيجاب، وبـ{ لا } في النفي.
والثاني: أن يكون مرادًا به الإثبات؛ لأن الهمزة للنفي، ونفي النفي إثبات؛ وحينئذ يكون الغرض منه: التنبيه، والتذكير، أو الإنكار، ويجاب بـ{ بلى } في الإيجاب، وبـ{ نعم } في النفي.. وقد يكون الغرض منه أيضًا: العتاب، أو التحذير، أو السخرية والتهكم، أو التوقُّع والانتظار.. أو نحو ذلك من المعاني، التي يخرج إليها الاستفهام. وعلى هذا الوجه يحمل قوله تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾(الشرح:1)
﴿ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾(هود:78)
فالغرض من الأول: التنبيه، والتذكير. والغرض من الثاني: الإنكار. ولو كان المتكلم- هنا- غير الله تعالى، لاحتمل الاستفهام في كل منهما أن يكون حقيقيًّا، الغرض منه: طلب الفهم.
فإذا قلت: أليس زيد بقائم، كان المراد به الإثبات، والغرض منه: التقرير، لا غير، بدليل دخول الباء على خبر المنفي. ويجاب بما أجيب به الوجه الثاني من الاستفهام الأول، إيجابًا، ونفيًا. وعلى ذلك يحمل قوله تعالى:
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾(التين:8)
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾(العلق:14)
فالغرض من هذا الاستفهام في هاتين الآيتين، وأمثالهما لا يكون إلا تقريرًا، بقرينة وجود الباء في كل منهما.
ثم تدخل { الواو } بين الهمزة، و{ لم }، فتشير إشارة خفيَّة إلى حدوث فعل مغاير لما بعدها، ما كان ينبغي أن يحدث؛ كقوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾(الإسراء:99)
فهذا استفهام يراد به الإثبات، ويفيد أن ما بعده قد وقع فعلاً، والغرض منه التنبيه، والتذكير؛ لأن المخاطبين به على علم بأن الله تعالى هو الخالق لذواتهم، ولكل شيء في هذا الوجود؛ ولكنهم نسوه وغفلوا عن ذلك، أو تناسوه عنادًا، ومكابرةً، فأنكروا قدرة الله تعالى على بعثهم ونشورهم بعد موتهم ودثورهم. ولو أنهم تنبهوا، وتذكروا، أو لم يكابروا، لما وقع منهم ذلك الإنكار.
أما قوله تعالى:
﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾(يس:80)
فقد ورد في معرض التقرير لقدرة الله تعالى على الإعادة، ردًّا على اعتراض المشركين والملحدين، الذي تعدَّى الإنكار إلى الجحود؛ ولهذا أدخلت الباء في خبر المنفي. ومثل ذلك قوله تعالى:
﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾(القيامة:40)
وعلى الآية الأولى من هذه الآيات الثلاثة يحمل قوله تعالى هنا:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾
أي: قد رأى الإنسان أنا خلقناه من نطفة؛ لكنه غفل عن مبدأ خلقه، فأنكر إحياء العظام الرميمة، فذكَّره تعالى بمبدأ خلقه؛ ليدله به على النشأة الثانية. وهذا المعنى الثاني- أعني: إنكار إحياء العظام الرميمة- هو الذي أشارت إليه الواو، التي أدخلت بين الهمزة، وأداة النفي، وهو معنى مغاير لما رأوه من خلق الله تعالى لأنفسهم. ولو كانت هذه الواو للعطف، لما دلت الآية على هذا المعنى.
وفرق كبير بين أن يقال في معنى الآية: أغفل الإنسان، ولم يرَ، وبين أن يقال: قد رأى؛ ولكنه غفل، أو نسي، أو تناسى.
وكوْنُ هذا الاستفهام في معنى الإثبات يقتضي- كما ذكرنا- أن ما بعده قد وقع، وعلم به الناس، إما عن طريق المشاهدة؛ كما في قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾.
أو عن طريق السماع؛ كما في قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بٍأًصْحَابِ الْفِيلِ ﴾(الفيل:1)
قيل في تفسيره: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. وهو، وإن لم يشهد تلك الوقعة، لكن شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها؛ فكأنه رآها.
ولقائل أن يقول: قال الله تعالى:
﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾(العنكبوت:19)
فعلق الرؤية بكيفية الخلق، لا بالخلق، والكيفية غير معلومة، فكيف جاز أن يقال:﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْا ﴾؟ فالجواب عن ذلك: أن هذا القدر من الكيفية معلوم، وهو أن الله تعالى خلق الإنسان، ولم يكن شيئًا مذكورًا، وأنه خلقه من نطفة، هي من غذاء، هو من ماء وتراب، وهذا القَدْرُ كافٍ في حصول العلم بإمكان الإعادة؛ فإن الإعادة مثله.
وقال تعالى:﴿أَوَلَمْ يَرَ ﴾، ولم يقل:﴿أَوَلَمْ يَنْظُر ﴾؛ لأن حقيقة النظر هي تقليب البصر حيال مكان المرئي طلبًا لرؤيته، ولا يكون ذلك إلا مع فقد العلم. والشاهد قولهم: نظر، فلم يَرَ شيئًا. ويقال: نظر إلى كذا، إذا مدَّ طرفه إليه رآه، أو لم يرَه. أما الرؤية فهي إدراك الشيء من الجهة المقابلة. وإدراك الشيء هو الإحاطة به من كل الجوانب، ووكلاهما لا يكون إلا مع وجود العلم.
بقي أن تعلم أن الفرق بين الرؤية والعلم هو أن الرؤية لا تكون إلا لموجود، والعلم يتناول الموجود والمعدوم. وكل رؤية لم يعرض معها آفة فالمرئي بها معلوم ضرورة، وكل رؤية فهي لمحدود، أو قائم في محدود؛ كما أن كل إحساس من طريق اللمس، فإنه يقتضي أن يكون لمحدود، أو قائم في محدود.
فإذا عرفت ذلك، تبين لك سِرَّ التعبير بالرؤية في قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾؟
دون التعبير بالنظر؛ كأن يقال:﴿ أَوَلَمْ يَنْظُر الْإِنسَانُ ﴾؟ أو التعبير بالعلم؛ كأن يقال:﴿ أَوَلَمْ يَعْلَم ﴾؟
والمراد بـ﴿الْإِنسَان ﴾- هنا- عموم جنس الكافر المنكر للبعث، وإن كانت الآيات نزلت في كافر مخصوص، هو أبيُّ بن خلَف الجُمَحِيّ- في أصح الأقوال- وهو الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحربة يوم أحد. قال المفسرون:إنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، فقال: يا محمد! أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمَّ ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، ويبعثك، ويدخلك جهنم، فأنزل الله عزَّ وجل هذه الآية إلى آخر السورة.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/6/350px-Sperm-egg.jpg الإنسان وعموم الجنس البشري خلقوا من نطفة، صورة لنطفة بشرية تحاول النفاذ إلى داخل البيضة الأنثوية من أجل تلقيحها

وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ ولهذا كان حمله على العموم أولى من حمله على إنسان مخصوص؛ ألا ترى أن قوله تعالى:
﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾(المجادلة:1)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:30 PM
قد نزل في واحدة، والمراد به الكل في الحكم؟ فكذلك كل إنسان منكر البعث، فهذه الآية رَدٌّ عليه.وعلى ذلك يكون خطاب﴿الْإِنسَان ﴾في الآية من حيث هو إنسان، لا إنسان معين، ويدخل من كان سببًا في النزول تحت جنس الإنسان الكافر دخولاً أوليًّا.
وقوله تعالى:﴿ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إشارة إلى وجه الدلالة على البعث والنشور، وتنبيه على كمال القدرة والاختيار؛ لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة، وطباعًا متباينة، وخَلْقُ الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون؛ ولهذا لم يقدِر أحد على أن يدَّعيه، كما لم يقدِر أحد على أن يدَّعي خَلْقَ السموات والأرض؛ ولهذا قال تعالى:
﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ﴾(الزخرف:87)؛ كما قال:
﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾(الزمر:38)
والنطفة هي القليل من الماء الصافي، ويعبَّر بها عن ماء الرجل، الذى يخرج منه إلى رحم المرأة، وتجمَع على: نُطَف، ونِطاف. وقيل: سمِّي ماء الرجل نطفة؛ لأنه ينطِف. أي يقطر قطرة بعد قطرة، من قولهم: نطِفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلَّة. وفي الحديث:” جاء ورأسه ينطِف ماء“. أي: يقطر. ونقطة واحدة من مني الرجل تحوي ألوف الخلايا، وخلية واحدة من هذه الألوف هي التي تصير بقدرة الله الخالقة جنينًا، ثم تُصَيِّر هذا الجنين إنسانًا، فإذا هو خصيم مبين.
فهذه القدرة الخالقة، التي تجعل من هذه النطفة المهينة، التي لا قوام لها، ولا قيمة ذلك الخصيم المبين، هي التي يستعظم عليها أن تعيده بعد البلى والدثور. ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين، والغرض منه أن من كان أصله من مثل هذا الشيء الحقير، لا يليق به أن يتجبَّر، وأن يخاصم في أمر يشهد بصحته مبدأ خلقه من تلك النطفة الحقيرة المهينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ *إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ *يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ *فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾(الطارق:5-10)
وأما﴿ خَصِيمٌ ﴾ فهو فََعيلٌ، وهو مبالغة في معنى: مُفاعِل، من قولك: خاصَم يخاصِم، فهو مُخاصِمٌ. أي: كثير الخصومة. قال أهل اللغة: خصيمك، الذي يخاصمك. وفَعيلٌ بمعنى: مُفاعِل معروف؛ كالنَّسيب بمعنى: المُناسِب، والعَشير بمعنى: المُعاشِر. ويجوز أن يكون مبالغة في معنى: فَاعل، من خصِم يخصِم، بمعنى: اختصم، ومنه قراءة حمزة:
http://www.55a.net/firas/ar_photo/5/180px-Gray3.jpgصورة لبيضة الأنثى تحيط بها الحيوانات المنوية الذكرية سبحان الله كم كان الإنسان مهين

﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ ﴾(يس:49)
و﴿ مُبِينٌ ﴾صفة فاعل، وهو من قولك: أبان الشيءَ يُبينه، فهو مبين. أي: أظهره يظهره، فهو مظهِر. وقيل: هو هنا كناية عن القدرة على المخاصمة؛ كما أن قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾(الزخرف:18)
كناية عن عَجْز الأنثى عن المخاصمة، وعدم قدرتها على الانتصار لنفسها.
وقيل: قوله تعالى﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل وجهين من المعنى: أحدهما: أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم لربه يكفر به، ويجادل رسله ويكذب بآياته، وكان حقُّه والواجب عليه أن يطيع وينقاد لأمر الله. والمقصود منه: وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة.
والثاني: أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة قذرة، ثم لم يزل ينقله من طور، إلى طور؛ حتى صيَّره عاقلاً متكلمًا، ذا ذهن ورأي، يخاصم ويجادل. والمقصود منه: أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم.
فعلى الأول يكون سياق هذين الوصفين:﴿ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ سياق ذَمٍّ. وعلى الثاني يكون سياقهما سياق مدح. واختار الرازي هذا القول الثاني على أنه الوَجْهُ الأوْفَقُ؛ لأن هذه الآيات- كما قال- مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم، لا لتقرير وقاحة الناس، وتماديهم في الكفر والكفران.
والظاهر – كما قال أبو حيَّان- أن سياق الوصفين سياق ذمًّ؛ وذلك لوجهين:
أحدهما: مَا تقدَّم من قوله تعالى:﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾. وأكثر ما ذكر لفظ ﴿ الْإِنسَانُ ﴾ في القرآن في معرض الذم، أو مُرْدَفاً بالذم؛ كقوله تعالى:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾(الطارق:5).
﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾(إبراهيم:34).
وقد تلا الرسول صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى:﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾(الكهف:54)، حين عاتب عليًًّا- كرَّم الله وجهه- على النوم عن صلاة الليل، فقال له عليٌّ:” إنما نفسي بيد الله “، فاستعمل﴿ الْإِنسَانُ ﴾على العموم.
والوجه الثاني: ما عُرِفَ عنهم من مخاصمَتهم ومجادلتهم لأنبياء الله تعالى، وأوليائه بالحجج الداحضة على حدِّ زعمهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾(الزخرف:58)
وما ينبغي الإشارة إليه هنا: أن المفاجأة بكون الإنسان خصيمًا مبينًا لم تقع بعد خلق الإنسان من النطفة؛ لأن بين خلقه منها، وكونه خصيمًا مبينًا أحوالاً، تطوَّر فيها، وتلك الأحوال محذوفة، وتقع المفاجأة بعدها؛ وهي المشار إليها بقوله تعالى:

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:35 PM
﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾(المؤمنون:14)
http://www.55a.net/firas/ar_photo/4/BC3693-001.jpgصورة لمرحلة العلقة التي خلق منها الإنسان

وإنما جيء بالثاني عقِب الأول؛ لأنه الوَصْفُ، الذي آل إليه من التمييز والإدراك، الذي يتأتَّى معه الخصام والجدال.
وقال الرازي:” وقوله:﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾فيه لطيفة غريبة؛ وهي أنه تعالى قال: اختلاف صور أعضائه، مع تشابه أجزاء ما خلق منه، آية ظاهرة، ومع هذا فهنالك ما هو أظهر، وهو نطقه وفهمه؛ وذلك لأن النطفة جسم، فهَبْ أن جاهلاً يقول: إنه استحال وتكوَّن جسمًا آخرَ؛ لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم، وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب “.
وأضاف الرازي قائلاً:”فقوله:﴿ خَصِيمٌ ﴾.أي: ناطق. وإنما ذكر الخصيم مكان النطق؛ لأنه أعلى أحوال الناطق، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه، وهو يتكلم مع غيره. والمتكلم مع غيره، إذا لم يكن خصيمًا لا يبين، ولا يجتهد مثل ما يجتهد، إذا كان كلامه مع خصمه. وقوله:﴿ مُبِينٌ ﴾إشارة إلى قوة عقله. واختار الإبانة؛ لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه؛ لأن المبين بان عنده الشيء، ثم أبانه. فقوله تعالى:﴿ مِن نُّطْفَةٍ ﴾إشارة إلى أدنى ما كان عليه، وقوله:﴿ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾إشارة إلى أعلى ما حصل عليه “.
ثانيًا- ثم أخبر تعالى أن هذا الكافر المنكر للبعث والنشور ضرب لربه عز وجل مثلاً من خلقه، لا ينبغي لأحد أن يضربه، قاس فيه قدرة الله جل وعلا على قدرتهم، ونفى الكل على العموم، ونَسِيَ خلْقَ الله تعالى له على الوَجْهِ المذكور، الدالِّ على بطلان ما ضربه من المَثَل، فقال سبحانه:
﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾
وقوله تعالى:﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً ﴾معطوف على قوله:﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾. أي: ففاجأ بخصومته.. وضرب لنا مثلاً. أما على قول من قال: إن سياق الوصفين:﴿خَصِيمٌ ﴾، و﴿مُّبِينٌ ﴾ سياق مدح، لا ذمًّ، فيكون حينئذ معطوفًا على الجملة المنفية داخلاً في حيِّز الإنكار.
والمَثَلُ هو الشيءُ يُضرَبُ للشيء مَثَلاً، فيُجْعَل مِثْلَه. أحدهما أصل، والثاني فرع يقاس على الأصل للاعتبار به. وضَرْبُ المثل يعني: جمعُه وتقديرُه؛ وهو من ضَرْب الدرهم، وهو جمعُ فضَّة، وتقديرُها.
ويطلق لفظ المثل، ويراد به: الأصل، الذي يقاس عليه الفرع، ويراد به مجموع القياس. فمن الأول قوله تعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾(الجمعة:5). فمَثَل الحمار يحمل أسفارًا أصل قيس عليه مَثَل الذين حملوا التوراة.
ومن الثاني قوله تعالى هنا:﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾. فمثَّل الخالق جل وعلا بالمخلوق، في هذا النفي،وقاس قدرته سبحانه على قدرة المخلوق، ونفى الكل على العموم، فجعل هذا مثل هذا، لا يقدر على إحياء العظام.
وقوله تعالى:﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ قرأه زيد بن علي:﴿ وَنَسِيَ خَالِقَهُ ﴾، اسم فاعل. وهو عَطْفٌ إمَّا على قوله:﴿ ضَرَبَ ﴾، داخلٌ في حيِّزِ الإنكارِ والتَّعجيب. أو: هو حالٌ من فاعله، فيكون التقدير: وضرب لنا مثَلاً، ناسيًا خَلْقَ الله تعالى له على الوجه المذكور. أو: ناسيًا خالقه، الذي خلقه من نطفة، على القراءة الثانية.
فلو لم ينسَ هذا الجاحد خلقه، وذكر مبدأ كونه من العدم، لما ضرب المثل. فتحت قوله تعالى:﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾- كما قال ابن قيِّم الجوزية- ألطف جواب وأبين دليل. وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئًا: فلان جحدني الإحسان إليه، ونسي الثياب التي عليه، والمال الذي معه، والدار التي هو فيها؛ حيث لا يمكنه جحْد أن يكون ذلك منك.
وقوله تعالى:﴿ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾؟ استئناف بياني، وقع جوابًا عن سؤال، نشأ من حكاية ضربه المثل؛ كأنه قيل: ما هذا المثل، الذي ضربه؟ فقال تعالى مُبَيِّنًا لهذا المثل، ومُفَسِّرًا له:﴿ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾؟
فقوله:﴿ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾؟ هو المثل المضروب، الذي أخبر تعالى عنه بقوله:﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾، وهو استفهام إنكار، مُتضَمِّن للنفي.
واستفهام الإنكار المتضمِّن للنفي لا يُنْفَى به في القرآن إلا ما ظهر بيانه، أو ادُّعِيَ ظهورُ بيانه، فيكون ضاربه: إما كاملاً في استدلاله وقياسه؛ كقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(الزمر: 29 )
وإما جاهلاً بهما؛ كهذا الإنسان، الذي قاس قدرة الخالق جل وعلا بقدرة المخلوق، واستدل به على عجز الله جل وعلا عن إحياء العظام الرميمة.
والعِظامُ جمع: عظم، وهو مذكر؛ ولكن جمعه جمع تكسير. وجمع التكسير يجوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة، وباعتباره قال تعالى:﴿ وَهِيَ ﴾، ولم يقل:﴿ وَهُوَ ﴾. ويجوز أن يراعى فيه معنى الواحد، وباعتباره قالتعالى:﴿ رَمِيم ﴾، ولم يقل: رمائم، أو رميمة.
وتأمل ذلك في قوله تعالى:﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ﴾(البقرة:259). فقال:﴿ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا ﴾مراعاة لقوله:﴿ العِظَامِ ﴾. ثم قال:﴿ لَحْماً ﴾، ولم يقل:﴿ لُحُوماً ﴾؛ لأن لفظ الواحد قد عُلِمَ أنه يراد به الجمع.
أما الرَّميمُ فهواسم لما بَلِيَ من العظام، وغيرها؛ كالرِّمَّة والرُّفات، ويطلق على الجمع والمفرد، والمذكر والمؤنث؛ لأن أصله مصدر: رَمَّ. يقال:رمَّ العظم يرِمُّ رَمًّا. أي: بَلِيَ، فهو رَمِيمٌ، ورُمَامٌ. ورُمَامٌ مبالغة في رَميم. وفي لسان العرب عن اللحياني: الرَّميمُ ما بقي من نبتِ عامِ أول.وقال تعالى في الريح العقيم:
﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾(الذاريات:42)
أي:جعلته كالشيء الهالك البالي. قاله ابن مسعود ومجاهد. وقال قتادة: إنه الذي دِيسَ من يابس النبات. وقال أبو العالية والسدي: كالتراب المدقوق. وقال قطرب: الرميم: الرَّمَاد. وقال البغوي: وقيل: أصله من العظم البالي.
و﴿ مَنْ ﴾ في قوله:﴿ مَنْ يُحيِي العِظام ﴾عامة في كل من يسند إليه خبر الإحياء، ويشمل عمومها إنكاره أن يكون الله تعالى محييًا للعظام، مستبعدًا إحياءها. فقاس قدرة الخالق بالمخلوق، ونفى الكل على العموم؛ لأن ذلك ليس في مقدور الخَلْق. واختار العظام للذكر؛ لأنها أبعد ما تكون عن الحياة، لعدم الإحساس فيها، ووصفها بما يقوِّي جانب الاستبعاد من البِلَى والتفتُّت.
وهو- كما قال الشيخ ابن تيمية-: قياسٌ حُذِفت إحدى مقدمتيه لظهورها، والأخرى سالبة كلية، قرن معها دليلها، وهو كون العظام رميمًا. والتقدير: هذه العظام رميم، ولا أحد يحي العظام، وهى رميم، فلا أحد يحييها.
ثالثًا- وبعد أن ضمَّن تعالى قوله من قبلُ:﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ما وفَّى بالجواب، وأقام الحجة، وأزال الشبهة، أجاب سبحانه عن سؤال هذا الجاحد بما يتضمَّن أبلغ الدليل جوابًا شافيًا عن ثبوت ما جحده، زيادة في التأكيد والتقرير، فقال مخاطبًا رسوله عليه الصلاة والسلام:
﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾
فقال سبحانه:﴿ قُلْ يُحْييها ﴾، ولم يقل:﴿ يُحْييها ﴾، تبكيتًا له بتذكير ما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال، وإرشاده إلى طريقة الاستشهاد بها. وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحَمْل استفهام القائل على خلاف مراده؛ لأنه لما قال:
﴿ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾؟
لم يكن مراده طلبَ تعيين المُحْيِي؛ وإنما كان مراده استبعادَ إحياء العظام، واستحالتَه، فأجيب بجواب من يطلب علمًا؛ فلذلك بُنِيَ الجوابُ على فعل الإِحياء مسندًا للمُحْيِي.
وهذا أشدُّ ما يكون من الحِجَاج، ويسمَّى عند علماء البيان: الاحتجاج النظري، وهو أن يذكر المتكلم معنى يستدلُّ عليه بضروب من المعقول.
وفيه الدلالة على وجوب القياس والاعتبار؛ لأنه ألزمهم قياسَ النشأة الثانية على الأولى. وهو بمجرد تصوُّره، يُعْلَمُ به علمًا يقينًا، لا شُبْهَةَ فيه أن منْ قدر على الإنشاء أولاً من لا شيء، كان على الإحياء أقدر وأقدر، ومن كان الفعل الأصعب عليه سهلاً، فمن الأولى أن يكون الفعل اليسير عليه أسهل. وإليه الإشارة بقوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(الروم:27)
وتعقيبًا على قوله تعالى:﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ ﴾قال الألوسي:”وفي ( الحواشي الخفاجية ) كان الفارابي يقول: ودِدْت لو أن أرسطو وقف على القياس الجليِّ في قوله تعالى:﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ ﴾، وهو الله تعالى أنشأ العظام وأحياها أول مرة. وكلُّ منْ أنشأ شيئًا أولاً قادرٌ على إنشائه وإحيائه ثانيًا؛ فيلزم أن الله عز وجل قادرٌ على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيًا “.
فـ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
ولمَّا كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه، وعلمه بتفاصيل خلْقه، أتبعَ سبحانه وتعالى ذلك بقوله:﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾. وهذا أيضًا دليل آخر من صفات الله تعالى، وهو أن علمه تعالى محيط بكل شيء، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ (الأنعام : 59 )
وفي ذلك دلالة أن الخالق لا يمكن أن يكون خالقًا إلا إذا كان قادرًا على الخلق، ولا يكون قادرًا على الخلق إلا إذا كان عليمًا بالمخلوقات كلها، محيطًا بجزئياتها وكلياتها في جميع الأحوال، وفي جميع الأوقات.
وفي قوله تعالى:﴿ قُلْ يُحْييها ﴾ إشارة إلى كمال القدرة، وفي قوله:﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ إشارة إلى كمال العلم. والقدرة والعلم، إذا اجتمعا، كان من السهل إيجاد ما أُعدِم بعد أن كان موجودًا فأُعدِم. ومنكرو الحشر والنشر، لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين.
﴿ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا*قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا *أََوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء:49-52)
فتبارك من تكلم بهذا الكلام، الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل، وجواب الشبهات، ودحض حجة الملحدين، وإسكات المعاندين بألفاظ، لا أعذب منها عند السمع، ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب، ولا أنفع من ثمرتها للعبد، والحمد لله رب العالمين!
محمد إسماعيل عتوك
m- ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:36 PM
من أسرار البيان في أمثال القرآن: مثل المنافقين

بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك باحث لغوي في الإعجاز البياني
للقرآن الكريم ومدرس للغة العربية

قال الله تعالى:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ *صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ *أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدير ﴾ (البقرة:17- 20)
لمَّا أخبر الله تعالى في أوائل سورة البقرة عن أحوال المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع القرآن الكريم، وبيَّن حقيقة مواقفهم منهما، وكشف عن مكنون صدورهم، وفضح نفاقهم، أراد سبحانه وتعالى أن يكشفَ عن تلك الأحوال، والمواقف كشفًا تامًّا، ويبرزَها في معرض المحسوس المشاهد؛ فأتبعها بضرب هذين المثلين، زيادة في التوضيح والتقرير، ومبالغة في البيان.
وهما مثلان لكلِّ من آتاه الله ضربًا من الهدى، فأضاعه ولم يتوصلْ به إلى نعيم الأبد، فبقيَ متحيِّرًا متحسِّرًا، يخبط في ظلمات الجهل والضلال. ويدخل في عمومه هؤلاء المنافقون؛ فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق، باستبطان الكفر وإظهاره حين خلَوا إلى شياطينهم، وكانوا غالبًا من أحبار اليهود، الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته؛ كما أن هؤلاء كانوا يجدون فيهم سندًا لهم وملاذًا.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين ﴾(البقرة:14-16).
هؤلاء المنافقون، الذين اشترَوا الضلالة بالهدى، والكفر بالإيمان، فخسروا كلتا الطلبتين؛ كأغفل ما يكون المتجرون، وفشلوا في تحقيق مآربهم الخبيثة، وأهدافهم الدنيئة، وحرموا أنفسهم من السعادة، التي رسم الله تعالى لهم طريقها، ثم غادروا دنياهم، وهم صفر اليدين من كل خير، مثقلون بأنواع الذنوب والآثام، كانوا- وما زالوا- أشدَّ خطرًا على الإسلام من الكافرين، الذين﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾(البقرة:7).
ولهذا جاءت آيات الله تعالى تنبِّه على صفاتهم، وتفضح نفاقهم، وتكشف عن حقيقتهم، وتحذر من خطرهم على المسلمين وعلىالكافرين؛ لئلا يغترَّ المؤمنون بظاهر أمرهم، فيقع لذلك فساد عريض من عدم الاحترازمنهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر. وهذا- كما قال ابن كثير- من المحذورات الكبار أن يظَن لأهل الفجور خير، فقال تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾(البقرة:8). أي: يقولون ذلك قولاً ليس وراءه شيء آخر، فكذبهم الله تعالى، ثم شرع يعدد صفاتهم، ويفضح نفاقهم، ويكشف عن زيغهم، وفساد قلوبهم، ويرد عليهم أقوالهم؛ وهم الذين حذّر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منهم، بقوله سبحانه:﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾(المنافقون:4).
هؤلاءالمنافقون هم الذين ضرب الله تعالى لهم هذين المثلين، اللذين يصوران حقيقة أحوالهم،ويكشفان عن مكنون صدورهم، ويفضحان نفاقهم،ويرسمان ما كان يتولَّد في نفوسهم عند سماعهم القرآن من قلق واضطراب، وذعر وخوف، وحسرة وحيرة، وتيه وضلال، نتيجة كذبهم، وخداعهم، وتعاليهم، واستهزائهم، وتآمرهم.
والمنافقون الذين ضُرِب لهم هذان المثلان هم قسم واحد خلافًا لمن ذهب إلى أنهم قسمان، وأن المثل الأول منهما مضروب للقسم الأول، وهم الذين آمنوا، ثم كفروا، وأن الثاني مضروب للقسم الثاني، وهم الذين لا يزالون على نفاقهم، مترددين بين الإيمان والكفر. وخلافًا لمن ذهب إلى أن المثل الأول يخصُّ طائفة الكافرين، الذين قال الله تعالى في حقهم:﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وّلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾(البقرة:7). وأن المثل الثاني يخصُّ طائفة المنافقين، الذين قال الله تعالى في حقهم:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾(البقرة:8)؛ لأنالمنافقين، وإن كانوا- على ما قيل- قسمين: أئمة، وسادة مردوا على النفاق، وأتباع لهم كالبهائم والأنعام، فإن الأوصاف، التي ذكرت في الآيات السابقة من سورة البقرة هي أوصاف رءوس النفاق، لا أوصاف أتباعهم، وإن كانت تشملهم جميعًا؛ وهم المشار إليهم بقوله تعالى:
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين ﴾(البقرة:14).
المثل الأول: مثل المنافقين مع رسول الله(x)
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ (البقرة:17- 18)
وهو مثل يصور حقيقة المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقفهم منه بصورة طائفة من الناس مع الذي استوقد نارًا في ليلة شديدة الظلمة. فلما حصل لهم نور من ضوء تلك النار، ذهب الله بنورهم، وتركهم يخبطون في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأنهم آثروا الظلمة على النور، والضلالة على الهدى.. كذلك كان حال المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجمهور المفسرين على القول إن مثل المنافقين، ومثل الذي استوقد نارًا معناه: صفتهم العجيبة كصفته. وذهب الزمخشري إلى أن المعنى: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارًا.وهذا القول يرجع إلى القول الأول. وذهب ابن عطية إلى أن المعنى: أن الذي يتحصل في نفس الناظر في أمرهم كمثل الذي يتحصل في نفس الناظر في أمر المستوقد.
ولكن ظاهر لفظ المثل يقتضي أن يكون للمنافقين مَثَلٌ مطابق لهم في تمام أحوالهم، وأن يكون للذي استوقد نارًا مَثَلٌ مطابق له في تمام أحواله. وكلاهما معنى معلوم موجود في الذهن، الأول معقول، والثاني محسوس. وما بينهما وجه شبه، دلت عليه كاف التشبيه؛ وكأنه قيل: هذا المثل كهذا المثل. أي هذا المثل يشبه هذا المثل في بعض أحواله وصفاته.
ولو لم يكن في الكلام هذه الكاف، لكان بين المثلين تماثلٌ، أو تطابق في تمام الأحوال والصفات؛ لأن التقدير- حينئذ- يكون: مَثلهم مَثلُ الذي استوقد نارًا. ولكن وجود الكاف حصَّن المعنى من هذا التأويل، الذي ذهب إليه بعض النحاة والمفسرين، حين حكموا على هذه الكاف بالزيادة.
وننظر فيما بين المثلين من وجه شبَه:
فنرى في المثل الأول- وهو المشبه- أن المنافقين كانوا في زمرة الكافرين، ثم إنهم أعلنوا إيمانهم للنبي صلى الله عليه وسلم، واتخذوا هذا الإيمان، جُنـَّة يتَّقون بها يد المؤمنين إذا هي علَت على الكافرين، وأنزلتهم على حكمهم، وذريعة يتوصَّلون بها إلى ما قد يفيءُ الله على المؤمنين من خير؛ فكان أن فضح الله نفاقهم، وجاءت آياته، تنزع عنهم هذا الثوب، الذي ستروا به هذا النفاق.
ونرى في المثل الثاني- وهو المشبه به- أن الذي استوقد نارًا كان واحدًا في جماعة، في ليل شديد الظلمة، فاستوقد نارًا. أي: طلب أن توقد له. ولما أوقدت النار، وأضاءت ما حوله، واجتمع القوم على ضوئها، الذي بدَّد بنوره ظلام الليل الحالك، ذهب الله تعالى بنور طائفة مخصوصة منهم، فلم يرَوا ما حولهم، ولم يعرفوا وجه الطريق الذي يسلكون، فركبتهم الحَيْرة، وقيَّدهم العمى والضلال. كذلك كان حال المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير:”وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا، ثم كفروا؛ كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم. وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه ههنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولاً نورًا، ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك، فوقعوا في حيرة عظيمة؛ فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين “.
وأضاف ابن كثير قائلاً:”وزعم ابن جرير الطبري أن المضروب لهم المثل- ههنا- لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾(البقرة:8).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:36 PM
والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه، وطبع على قلوبهم. ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية- ههنا- وهي قوله تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾(المنافقون:3)؛ فلهذا وجَّه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان. أي: في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة“.
ونقرأ قوله تعالى:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فنجد فيه لمحة، من لمحات الإعجاز البياني، نجدها في هذا التخالف بين أجزاء الصورة، في المشبه به؛ حيث كان الظاهر أن يقال:﴿مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا. فلما أضاءت ما حولهم، ذهب الله بنورهم ﴾.
أو يقال:﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا. فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنوره ﴾.
وبذلك يتم التطابق بين أجزاء الصورة.
ولكن جاء النظم المعجز في الآية الكريمة على خلاف هذا الظاهر. وللنحاة والمفسرين، في تفسير ذلك والتعليل له، أقوالٌ أشهرُها: أن﴿ الَّذِي ﴾- هنا- مفرد في اللفظ، ومعناه على الجمع؛ ولذلك قال تعالى:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾، فحمِل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. والتقدير: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا، فلما أضاءت ما حولهم، ذهب الله بنورهم.
وقيل: إنما وُحِّد ﴿الَّذِي ﴾، وما بعده؛ لأن المستوقد كان واحدًا من جماعة، تولّى الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوءُ، رجع عليهم جميعًا.
وذهب بعضهم إلى القول بأن جواب ﴿ فلَمَّا ﴾محذوف للإيجاز، تقديره: خمدت، أو طفئت. وأن قوله تعالى:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ كلام مستأنف، راجع إلى بيان حال الممثل.
ولكن هذا كله ممَّا يفسد المعنى؛ حيث يَقضي بهذا الحكم على مستوقد النار، فيذهب بنوره، الذي رفعه لهداية الناس؛ وحيث يقع هذا الحكم على غير المنافقين، من طالبي الهدى عنده. والصورة، التي رسمتها الآية الكريمة، تأخذ المنافقين وحدهم بجرمهم، فتحرمهم الإفادة من هذا النور، الذي ملأ الوجود من حولهم، ثم لا تحرم المهتدين ما أفادوا من هدى.
وجاء في حاشية الكشاف عن جواب﴿ فَلَمَّا ﴾قول ابن المنير:” فالظاهر أن يجعل﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾جواب﴿ فَلَمَّا ﴾، إلا أن فيه مانعًا لفظيًّا، هو توحيد الضمير في﴿ اسْتَوْقَدَ﴾و﴿ حَوْلَهُ﴾، وجمعه في﴿ بِنُورِهِمْ﴾. ومعنويَّا، وهو أن المستوقد لم يفعل ما يستحق به إذهاب النور، بخلاف المنافق؛ فجَعْلُهُ جوابًا يحتاج إلى تأويل “.
وتأويله ليس على ما تقدم من أقوال؛ وإنما تأويلهعلى ما ذكرنا أن هذا ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾كان واحدًا في جماعة معه، استدعى إيقاد النار. أي: طلبه، وسعى في تحصيله، فلما أوقِدت له النار وأضاءت ما حوله واجتمع القوم على ضوئها، ذهب الله بنور طائفة مخصوصة منهم.
كذلك كان شأن المنافقين وحالهم، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث هدًى ورحمة للعالمين، كذبٌ ونفاق وخداعٌ وإفساد واستهزاء، فكان أن وقعوا في ضلالتهم، التي اشتروها بالهدى، وخبطوا في مستنقع الحيرة، التي أدهشتهم؛ولهذا كذبهم الله تعالى بادعائهم الإيمان، وذمَّهم بأنهم دخلوا في الإيمان، ثم خرجوا منه بقوله الله تعالى:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾(المنافقون:1-3).
وبذلك يكون الغرض من هذا التمثيل: تشبيه مثلالمنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثل القوم مع الذي استوقد نارًا، وما حصل لهم من إذهاب نورهم؛ لأنهم آثروا الظلمة على النور.
وتقدير الكلام: مثل المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كمثل قوم اجتمعوا مع غيرهم على ضوء نار، استوقدها رجل منهم. فلما أضاءت ما حوله وحصل لهم نور من ضوء هذه النار، ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. فحذف من المشبه ما أثبت نظيره في المشبه به، وحذف من المشبه به ما أثبت نظيره في المشبه. وقد طوي ذكركل منهما اعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة، تستخرج ما بين المشبه، والمشبه به من المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه وأتمه. وهذا من ألطف أنواع البديع وأبدعها.
وبهذا الفهم لمعنى الآية الكريمة يكون قوله تعالى:﴿ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾مثلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله تعالى:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾مثلاً للمنافقين.ويدل على ذلك ما رواه الشيخان في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله:” إنما مَثلي ومَثل أمتي؛ كمَثل رجل استوقد نارًا. فجعلت الدوابُّ، وهذه الفراش، يقعْن فيها. فأنا آخذٌ بحِجْزكم، وأنتم تُقحَمون فيها “.
وفي رواية أخرى:” إنما مَثلي ومَثل الناس؛ كمَثل رجل استوقد نارًا. فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش، وهذه الدواب، التي تقع في النار، يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها.. فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها “.
فمثَّل- عليه الصلاة والسلام- نفسه برجل استوقد نارًا، ومثل الناس، الذين لم ينتفعوا بضوء النار بالفراش والدوابِّ، التي تقع في النار.
فليس بعد هذا البيان لمدَّع أن يدَّعي أن الذي استوقد نارًا مثلٌ للمنافق، وأن ناره، التي استوقدها خمدت. وكيف يكون منافقًا من أضاء بناره الوجود من حوله، ثم يُؤخَذ بجرم المنافقين؟ وكيف يحكم على ناره، التي استوقدها لهداية الناس بالخمود والانطفاء.. هذه النار، التي أوقدها الله تعالى؛ ليهتدي بنور ضوئها كل موجود في هذا الوجود؟!
ونقرأ قوله تعالى:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾، فنجد لمحة أخرى، من لمحات الإعجاز البياني؛ حيث كان الظاهر أن يقال:{ أذهب الله نورَهم }، وكذا قرأ اليمانيُّ. أو يقال:{ ذهب الله بنارهم، أو بضوئهم }.
ولكنَّ الله تعالى، لم يقل هذا، ولا ذاك؛ وإنما قال:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾، فأسند سبحانه الذهاب إليه حقيقة، لا مجازًا، واختار النور، على النار وضوئها.
أما إسناد الذهاب إليه سبحانه فللدِّلالة على المبالغة؛ ولذلك عُدِّيَ الفعل بالباء، دون الهمزة، لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك.. وبيان ذلك:
أنه إذا قيل: ذهب الشيءُ، فمعناه: مضى إلى رجعة، أو غير رجعة؛ قوله تعالى:﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾(الصافات:99). وقوله تعالى:﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾(هود:74).
وإذا قيل: أذهبَ فلانٌ الشيءَ، فمعناه: أزاله من الوجود، وجعله ذاهبًا؛ ومنه قوله تعالى:﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾(إبراهيم:19).
فإذا قيل: ذهبَ فلانٌ بالشيء، يُفهَمُ منه: أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى، التي كان عليها؛ وكأنه التصق به التصاقًا. وليس كذلك: أذهبه؛ ومنه قوله تعالى في يوسف عليه السلام:﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ﴾(يوسف:15).
فثبت بذلك: أنَّ{ ذهب بالشيءِ }أبلغ من { أذهب الشيءَ}، وأصلهما جميعًا: الذهاب، الذي هو المُضِيُّ. وكلاهما متعدٍّ إلى المفعول: الأول بنفسه، والثاني بوساطة الباء؛ ولهذا لا يجوز القول بزيادة هذه الباء، وأن المعنى معها، وبدونها سواء.
وأما اختيار النور على النار وضوئها فلأنه المراد من استيقاد النار؛ إذ هو أعظم منافعها، ولكونه الأنسب بحال المنافقين، الذين حُرموا الانتفاع والإضاءة، بما جاء من عند الله، ممَّا سمَّاه الله نورًا في قوله:﴿ َقدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾(المائدة:15)؛ فكأنَّ الله عزَّ شأنه أمسك عنهم النور، وحرمهم الانتفاع به، ولم يسمِّه سبحانه ضوءًا، أو نارًا؛ لتتأتَّى هذه الإشارة.
والنار جَوهرٌ، لطيفٌ، نيِّرٌ، واشتقاقها من نار ينور، إذا نفر؛ لأن فيها حركة واضطرابًا،وتنكيرها للتفخيم. ومن أخصِّ أوصافها: الإحراقُ والإضاءةُ.والإضاءة: فرط الإنارة. يقال: ضاءت النار، وأضاءت، وأضاءها غيرُها، وما انتشر منها يسمى: ضوءًا. والفرق بينه، وبين النور: أن الضوء ما يكون للشيء لذاته؛ كما للشمس. والنور ما يكون من غيره؛ كما للقمر. ومصداق ذلك قوله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً ﴾(يونس:5)
هذا وقد اشتهر في العرف أن الضوء، ينتشر من المضيء إلى مقابلاته، فيجعلها مستضيئة؛ ولهذا قال تعالى:﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾، فأضاف النور إلى المنافقين، الذين اجتمعوا على ضوء هذه النار، مع المجتمعين. فلو قيل: ذهب الله بضوئهم، أفاد ذلك أن لهؤلاء المنافقين ضوءًا؛ كما أن للنار والشمس ضوءًا. وهذا باطل. فهم مستضيئون، لا مضيئون. وما انعكس عليهم من ضوء النار، نتيجة استضاءتهم به هو نورهم، الذي أمسكه الله تعالى عنهم، وحرمهم من الانتفاع به. ولو قيل: ذهب الله بنارهم، لفُهِم منه أن النار هي نارهم، وأنهم هم الذين أوقدوها. وهذا خلاف المراد.
وقوله تعالى:﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ عطفٌ على قوله:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾. ويُستفاد منه التأكيد والتقرير، لانتفاء النور عنهم بالكليَّة، تِبْعًا لما فيه من ذكر الظلمة المنافية للنور، ثم إيرادِ ما يدل على أنها ظلمة، لا يتراءى فيها شبحان. والقصد من هذا التأكيد والتقرير زيادة إيضاح الحالة، التي صاروا إليها.
أما قوله تعالى:﴿ وَتَرَكَهُمْ ﴾ فهو إشارة إلى تحقيرهموعدم المبالاة بهم، لما فيه من معنى الطرح للمتروك. و﴿ ظُلُمَاتٍ ﴾ جمع: ظلمة. والظلمة هي عدم النور. وقيل: هي عرض ينافي النور. واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أي ما منعك وشغلك؛ لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية. وقرأ الحسن:﴿ ظُلْمَاتٍ ﴾، بسكون اللام.وجمعها وتنكيرها، لقصد بيان شدتها؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم:” الظلم ظلمات يوم القيامة“؛ فإن الكثرة، لما كانت في العرف سبب القوة، أطلقوها على مطلق القوة، وإن لم يكن ثمَّة تعدد، ولا كثرة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:37 PM
ومن اللطائف البديعة أن{ الظلمة }حيثما وقعت في القرآن، وقعت مجموعة، وأن{ النور }حيثما وقع، وقع مفردًا.ولعل السبب هو أن الظلمة، وإن قلَّت، تستكثر. وأن النور، وإن كثُر، يُستقلّ ما لم يضرَّ. وأيضًا فكثيرًا ما يشار بهما إلى نحْو الكفر والإيمان. والقليل من الكفر كثيرٌ، والكثير من الإيمان قليلٌ، فلا ينبغي الركونُ إلى قليل من ذاك، ولا الاكتفاء بكثير من هذا.
وفي ذلك تأكيد على أن الظلمات المذكورة هي ظلمة واحدة، لا متعددة؛ ولكنها لشدتها استعير لها صيغة الجمع مبالغة.. والدليل على ذلك قراءة اليماني:﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَة ﴾، على التوحيد.
ومفعولقوله:﴿ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ محذوف لقصد عموم نفي المبصرات، فتنزل الفعل منزلة اللازم، ولا يقدَّر له مفعول؛ كأنه قيل: لا إحساس بصر لهم. وهذا ما أشار إليه الزمخشري بقوله:” والمفعول الساقط من﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾من قبيل المتروك المُطرَح، الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنَّ الفعل غير متعدٍّ أصلاً؛ نحو﴿ يَعْمَهُونَ ﴾في قوله تعالى:﴿وَيَذَرُهُمْ فِيْ طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ “.
وفي نفي الفعل بـ﴿لا ﴾دلالة على طول النفي وامتداده، واستحالة وقوع المنفي بها أبدًا. وفي إطلاق فعل الإبصار، دون تقييده بمفعول محدد دلالة على أنهم في عمًى تام، لا يبصرون شيئًا؛ ولهذا أتبِع بقوله تعالى:﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾.
أما قوله تعالى:﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾فقيل: مرفوع على الاستئناف، على أنه خبر واحد لمبتدأ محذوف، هو ضمير المنافقين. أو أخبار، وتؤول إلى عدم قبولهم الحق.أي: هم صم بكم عمي.
وإذا كان ظاهر اللفظ يوحي بأنهم متصفون بالصمم، والبكم، والعمى، فإن الله تعالى قد بيّن في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم، فقال جلّ جلاله:
﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ِبآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾(الأحقاف:26).
فدل ذلك على أنهم، وإن كانوا سمعاء الآذان، فصحاء الألسن، بصراء الأعين، إلا أنهم لمَّا لم يصيخوا للحق، وأبت أن تنطق بسائره ألسنتهم، ولم يتلمحوا أدلة الهدى المنصوبة في الآفاق والأنفس، وصفوا بما وصفوا به من الصمم والبكم والعمى؛ كقوله:
صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه *** وإنْ ذُكِرْتُ بُسوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا
وقيل: الآية هي تتمَّة للتمثيل، وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجرد ذهاب نورهم،وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة، مع بقاء حاسة البصر بحالها؛ بل اختلت مشاعرهم جميعًا، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه، أو على الحقيقة؛ إذ لا يبعد- كما قيل- فقد الحواس ممن وقع في ظلمات مخوفة هائلة؛ إذ ربما يؤدي ذلك إلى الموت، فضلاًعن ذلك.
ويؤيد كونها تتمة للتمثيل، وتكميلاً له قراءة ابنمسعود، وحفصة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهما:﴿صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ بالنصب. ونصبُه من وجهين: أحدهما:على معنى: تركهم صمّاً بكمًا عميًا. والثاني: على معنى الذم، فيكون كلامًا مستأنفًا. والعرب تنصب بالذمِّ وبالمدح؛ لأن فيه مع الأسماء مثل معنى قولهم: وَيْلاً له، وثَوَابًا له, وبُعْدًا وسَقْيًا ورَعْيًا.
ومثله على القراءتين قوله تعالى:﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾إلى قوله تعالى:﴿ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾(التوبة:111). ثم قال جل وجهه:﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحامِدُونَ.. ﴾، بالرفع في قراءة الجمهور، وفى قراءة عبد الله بن مسعود:﴿ التَّائِبُينَ الْعَابِدُينَ الْحامِدُينَ.. ﴾(التوبة:112).
وكان ظاهر الكلام يقتضي أن يكون ترتيب هذه الصفات هكذا:﴿ عميٌ، بكمٌ، صمٌّ ﴾- كما في قوله تعالى:﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾(الإسراء:97)- ولكن جاء ترتيبها، على وفق حال المُمَثـَّل له، خلافًا للظاهر:﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾؛ لأنه يسمع أولا دعوة الحقِّ، ثم يجيب ويعترف، ثم يتأمَّل ويتبصَّر.
وقيل: قدِّم الصَّمَم؛ لأنه إذا كان خَلقيًا يستلزم البَكَم، وأخِّر العمَى؛ لأنه- كما قيل- شامل لعمى القلب الحاصل من طرق المبصرات والحواس الظاهرة، وهو بهذا المعنى متأخر؛ لأنه معقول صِرْف، ولو توسَّط، حلَّ بين العصا ولحائها. ولو قدِّم، لأوهِم تعلقه بـقوله:﴿لا يُبْصِرُونَ ﴾.
وأما قوله تعالى:﴿ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾فقيل: المراد به: أنهم لا يرجعون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها. وكلاهما مبنيٌّ على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط من قوله تعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾(البقرة:16).
والصواب- على ما قيل- أن المراد به: أنهم لا يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه ما داموا على هذه الحال، على تقدير أن يكون من﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾بأن يراد به: أنهم غِبَّ الإضاءة خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة. فالمراد هنا: أنهم بمنزلة المتحيرين، الذين بقوا جامدين في مكانهم، لا يبرحون، ولا يدرون: أيتقدمون، أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه، والأعمى لا ينظر طريقًا، والأبكم لا يسأل عنها، والأصم لا يسمع صوتًا من صوب مرجعه، فيهتدي به. أما الفاء في قوله تعالى:﴿ فَهُمْ ﴾ فهي للدلالة على أن اتصافهمبما تقدم سبب لتحيرهم واحتباسهم، كيفما كانوا.
هذا هو مثل المنافقين، الذين لم يصحبهم نور الإيمان في الدنيا؛بل خرجوا منه وفارقوه،بعد أن استضاءؤا به، وهم يحملون أوزارهم. وهو مثل يصَوِّر تصويرًا دقيقًاأحوال أولئك المنافقين، الذين سلكوا طريق النفاق, وظنوا أنهم قادرون بذلك على أن يحافظوا على مكانتهم ومصالحهم لدى الـمـؤمنين والكافرين، وأن ينضموا إلى الفئة الغالبة في نهاية المعركة؛ ولكن اللّه سبحانه سرعان ما فضح نفاقهم، وكشف عن مكنون صدورهم، وسلبهم النور، الذي باعوه بالضلالة، وتركهم يتيهون بين الوحشة والحسرة في ظلمات، لا خروج لهم منها ما داموا على هذه الحال!
ومن أظهر الأدلة على أن المراد بهذا المثل المنافقون أن الله تعالى قال هنا في حقهم:﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾(البقرة:18)، فسلب الرجوع عنهم؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا، وفارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به، واستناروا بنوره، فهم لا يرجعون إليه، ما داموا على هذه الحال. وقال تعالى في حق الكافرين:﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾(البقرة:171)، فسلب العقل عن الكافرين؛ لأنهم لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان. وقال عنهم في آية أخرى:﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾(الأنفال:22).
المثل الثاني: مثل المنافقين في القرآن ومع القرآن
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (البقرة : 19- 20)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:37 PM
هذا مثل آخر يصَوِّر أحوال المنافقين مع القرآن الكريم، ومواقفهم منه بصورة قوم، أخذتهم السماء في ليلة شديدة المطر،فيها ظلمات من السحب الكثيفة المتراكمة، مع رعد يقصف بالآذان، وبرق يأخذ بالأبصار، وصواعق يصحبها الهلاك والموت،فلقوْا من الهول والشدَّة ما لقـَوا. وهو معطوف على المثل السابق:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾.
والتقدير في العربية:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.. أَوْ مَثَلُهُمْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ.. ﴾.أي: مثلهم كمثل هذا.. أو مثلهم كهذا. فأضمر﴿مَثَلُهُمْ ﴾ الثانية بعدَ ﴿أَوْ ﴾ لدلالة ﴿مَثَلُهُمْ ﴾ الأولى عليها. وحسَّن هذا الإضمار- هنا- العطف بـ﴿أَوْ ﴾ الفارقة أولاً، واختلاف الأحوال الممَثَّلة في المثلين ثانيًا. ولو كان العاطف هو{ الواو }، لما حسُن هذا الإضمار؛ لأن { الواو } تشرك بين المعطوفين في اللفظ والمعنى، بخلاف{ أَو }، التي تشرك بينهما في اللفظ فقط.
ولهذا لا يجوز العطف هنا بـ{ الواو }. والدليل على ذلك أنه لم يعطف بـ{ الواو } في مثل هذا التركيب، في موضع من المواضع، وكل ما ورد في القرآن، ورد معطوفًا بـ﴿أَوْ ﴾؛ نحو قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ.. ﴾(النور:39-40).
تقديره:أعمالهم كسراب.. أو أعمالهم كظلمات.
وقوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ إلى قوله:﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا.. ﴾(البقرة:258-259).
تقديره: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم.. أو ترَ كالذي مرَّ على قرية.
وكذلك قوله تعالى:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.. أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾، تقديره: مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا.. أو مثلهم كصيِّب من السماء.. فدل على أن للمنافقين حالان: حال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وحال مع القرآن الكريم. وبهذا يعلم أن الغرض من هذا التمثيل هو تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْفي التمثيل الأول.
وعليه يكون التقسيم في التمثيلين لتنوع الأحوال، لا لتنوع الأشخاص. ولهذا عطف الثاني على الأول بـ﴿أَوْ ﴾الفارقة، التي تؤذن بتساوي المثلين في استقلال كل منهما بوجه الشبه، وبصحة التمثيل بكل واحد منهما، وبهما معًا، لا بتساويهما في التمثيل، بخلاف الواو الجامعة.. يدلك على ذلك أنه لو قيل: مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا.. وكصيِّب.. لربما أوهم صحة التشبيه بمجموعهما، لا بكل واحد منهما، وحينئذ يعتقد أنهما مثل واحد، لا مثلان.
وإذا كان مثل المنافقين في التمثيل الأول قد شبِّه بمثل الذي استوقد نارًا، فإنه في هذا التمثيل قد شُبِّه بصيِّبٍ نزل من السماء ليلاً على قوم في مفازة، فيه ظلمات كثيفة متراكمة، مع رعد يقصف بالآذان، وبرق يأخذ بالأبصار، وصواعق يصحبها الموت والهلاك،فلقوْا من الهول والشدَّة ما جعلهم في حيرة من أمرهم، وقلق واضطراب، وذعر وخوف، وتيه وضلال. لا يدرون ماذا يفعلون في هذه الصحراء المكشوفة، التي لا ملجأ لهم فيها، ولا ملاذ من قصف الرعد، الذي يهدد أسماعهم, ونور البرق، الذي يكاد يخطف أبصارهم، وخطر الصواعق، الذي يهددهم في كل حين بتحويلهم إلى رماد؟!
كذلك كانت آيات القرآن الكريم حين تتنزَّل، تنخلع لها قلوب المنافقين، لمَا يتوقعون فيها من صواعق، تُدَمْدِم عليهم، وتفضح مكنون صدورهم.. فإذا تلقّى الرسول الكريم وحيًا من ربه جلَّ وعلا وأعلنه في أصحابه، اصطكَّت به أسماع المنافقين، وانخلعت له أفئدتهم هلعًا وفزعًا. فهم مع إظهارهم الإيمان، وإبطانهم الكفر كانوا في قلق شديد من أحكام القرآن وتبعاته ووظائفه؛ كما كانوا على طمع من التعلُّق بمنافعه الدنيوية وخيراته. وهم لا يزالون كذلك ينكمشون، أو يتوارون من تبعاته ووظائفه وزواجره، إذا أقبلت تواجههم، ويسرعون للاستفادة من ثماره، كلما لاحت لهم.
فنـهوض المسلمين بواجبهم الجهادي المسلح بوجه أعداء الإسلام كان يشكل صواعق وحممًا، تنزل على رءوسهم، وانـتشار الإسلام بسرعة كالبرق الخاطف قد أذهلهم، وآيات القرآن التي تفضح أسرارهم قد صعقتهم, وفـي كـل لـحـظـة كانوا يـحْذرون أن تنزل آية تكشف عن مكائدهم ونواياهم. وهذا ما عبَّرت عنه الآية الكريمة:﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾(التوبة:64).
وهم أيضًا في خـوف دائم وفزع شديد من أن يأذن اللّه بمحاربتهم, وأن يحث القوة الإسلامية المتصاعدة على مـجـابهتهم؛ لأنهم كانوا يواجَهون بمثل هذه التهديدات القرآنية؛ كقوله تعالى:
﴿ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً ﴾(الأحزاب:60).
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾(المنافقون:4).
﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾(التوبة:57).
هذه الآيات وأمثالها كانت تنزل كالرعد والبرق والصواعق على المنافقين, وتتركهم في خوف وذعر وحيرة وقلق، وتضعهم أمام خطر الإبادة، أو الإخراج من المدينة في كل حين. ولهذا كانوا- كما قال ابن مسعود رضي الله عنه في رواية عنه- إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجعلون أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا القرآن، فضرب الله تعالى لهم هذا المثل.
والتمثيل- هنا- كما في التمثيل الأول مَسُوقٌ في تفصيل صوره وأجزائه مساق وصف قصصي- كما ترى- وهو من خصائص أمثلة القرآن، ثم هو مبني على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى دون النظر إلى مقارنة، أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما.
وجمهور المفسرين على القول الأول، وعليه يكون الصَّيِّب مثلاً للقرآن، وما في الصَّيِّب من الظلمات مثلاً لمَا في القرآن من ذكر الكفر والنفاق، وما فيه من الرعد مثلاً لما في القرآن من زجر ووعيد، وما فيه من البرق مثلاً لما في القرآن من النور والحجج الباهرة، وما فيه من الصواعق مثلاً لما في القرآن من تكاليف الشرع، التي يكرهونها؛ كالجهاد، والصلاة، والزكاة، ونحو ذلك. أما جعلهم أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت فهو مثل لتخوفهم وروعهم من فضح نفاقهم، والكشف عن حقيقتهم.
ويجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾:{ أو مَثَلُهُم كَمَثَلِ صَيِّب }، فيقدرون لفظ ﴿مَثل ﴾عقب كاف التشبيه. ومنهم من جعل تقديره أمرًا مسلمًا، يقتضيه العطف على السابق. وذهب بعضهم إلى أن تقديره أوْفى في تأدية المعنى، وأشدُّه ملاءمة مع المعطوف عليه..وعليه يكون أصل الكلام:
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.. أو مثلهم كمثل صيِّب من السماء ﴾
ثم حذِف ﴿ مَثَلُ﴾المقدرة عقب كاف التشبيه- كما قال الإمام الطبري- طلبَ الإيجاز والاختصار، اكتفاءً بدلالة ما مضى من الكلام، من إعادة ذكره.
ولكن هذه التأويل يُخلُّ بمعنى الكلام ونظمه، ويذهب بما فيه من روعة الإعجاز. وفرق كبير بين أن يكون تقدير﴿مَثلٍ ﴾عقِب كاف التشبيه أوْفى بتأدية المعنى، وبين أن يكون مخلاًّ بالمعنى والنظم معًا. وكيف يحذف لفظ من القرآن يكون ذكره أوفى بتأدية المعنى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلمَ لمْ يذكر هذا اللفظ- هنا- كما ذكر في المثل الأول؟ وهل يصلح ما قاله الإمام الطبري أن يكون جوابًا عن ذلك؟
أما ما قاله الإمام الطبري فيصلح أن يكون جوابًا لحذف﴿مَثلُهُمْ ﴾عقب ﴿أَوْ ﴾العاطفة، وأما أن يكون لفظ ﴿مَثَلٍ ﴾ مرادًا عقب الكاف، ثم حذف طَلبَ الإيجاز والاختصار، اكتفاء بذكره في المثل الأول، فليس كذلك؛ لأنه لا يجوز ذكره- هنا- لا لفظًا، ولا تقديرًا.
وعلى فرض أنه مراد في اللفظ، وأن أصل الكلام:﴿ أو مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾، فأيُّ اختصار مزعوم هذا الذي يطلب بحذفه، وأيُّ إيجاز هذا ؟ وسيتضح لك خطأ هذا الجواب، إذا علمت الفرق في المعنى بين قولنا:{ مَثلُ هذا كمَثلِ هذا }، وقولنا:{ مَثلُ هذا كهذا }.
وبيان ذلك أن القول الأول هو تمثيل بين وجودين علميين ذهنيين؛ كما سبق أن بيِّنا ذلك في المثل الأول. أما الثاني فهو تمثيل بين وجود علمي ذهني، ووجود علمي خارجي. ومن الأول قوله تعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ.. ﴾(الجمعة:5). ومن الثاني قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ.. ﴾(يونس:24).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:42 PM
وعلى القول الأول يحمل قوله تعالى:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا..﴾، وعلى القول الثاني يحمل قوله تعالى:﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ.. ﴾؛ لأن الغرض من المثل الأول هو تشبيه مثل المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل جماعة مستوقد النار. وكلاهما معنى موجود في العلم والذهن. وللدلالة على هذا المعنى جيء بلفظ المثل في طرف كل من المشبه والمشبه به. أما الغرض من المثل الثاني فهو تشبيه مثل المنافقين مع القرآن الكريم بجماعة نزلوا فلاة ليلاً، فأصابهم مطر شديد. والأول موجود في العلم والذهن، والثاني موجود خارج الذهن. وللدلالة على هذا المعنى، جيء بلفظ المثل في طرف المشبه، دون المشبه به.. فتأمل!
ويدل على هذا الذي ذكرناه في المثل الثاني ما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- من قوله:”كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر، الذي ذكر الله، وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا أصبحنا فنأتي محمدًا، ونضع أيدينا في يده، فأصبحا وأتياه وحسن إسلامهما، فضرب الله ما نزل بهما مثلاً للمنافقين“.
والصَيِّب هو المطر الشديد، الذي يَصُوب من السماء. أي: ينزل منها بسرعة، وهو مثل للقرآن الكريم؛ كما أن الذي استوقد نارًا-في المثل الأول- مثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالصيِّب السحاب. وهذا أوْلى من حمله على المطر، يدلك على ذلك: أن المطر، لا يكون محلاً للظلمات والرعد والبرق؛ وإنما يكون محلها السحاب؛ ولهذا قال تعالى:﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾، ولم يقل:{ مَعَهُ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ }. وأما من فسر﴿فِيهِ ﴾ بمعنى:{ مَعَهُ }فليس بشيء.
وفي الصيِّب مبالغات من جهة تركيبه، وبنائه، وتنكيره: أما من جهة تركيبه فالمراد به مادته الأولى، والثانية. أي: حروفه، واشتقاقه. أما حروفه فإن الصاد من المستعلية، والياء مشدَّدَة، والباء من الشديدة. وأما اشتقاقه فمن الصَّوْب، وهو نزولٌ له وقعٌ وتأثير. وأما من جهة بنائه. أي: صورته، فإن صيغة: فَيْعِل من الصيغ الدالة على الثبوت. وأما من جهة تنكيره فلأنه أريد به نوعٌ من المطر شديد هائل؛ كما نكِّرت النار في التمثيل الأول. ولهذا كله ناسب تشبيه القرآن الكريم به.
وقوله تعالى:﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾متعلق بـ﴿كَصَيِّبٍ ﴾، ومن لابتداء الغاية. والمراد بالسماء هذه المظلة، التي تظلنا، وهي- في الأصل- كل ما علاك من سقف ونحوه. وعن الحسن: أنها موج مكفوف. أي: ممنوع بقدرة الله عز وجل من السيلان. والمراد بها- هنا- الأفق،وتعريفها للاستغراق، فيفيد أن الغمام آخذ بالآفاق كلها، فيشعر بقوة المصيبة، مع ما فيه من تمهيد للظلمات. ولهذا القصد جاء ذكرها بعد الصيِّب؛ إذ كان يمكن أن يقال: كصيِّب فيه ظلمات ورعد وبرق. وقيل: يحتمل أن يكون ذكرها- أيضا- للتهويل، والإشارة إلى أن ما يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم؛ وذلك أبلغ في الإيذاء؛ كما يشير إليه قوله تعالى:﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾(الحج:19).
وقوله تعالى:﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾المراد بالظلمات: ظلمة السحمة، وظلمة التطبيق مع ظلمة الليل، على أن المراد بالصيِّب: السحاب المحمَّل بالمطر. وجيء بلفظَيْ الرعد والبرق مفردين، خلافًا للظلمات قبلهما، وللصواعق بعدهما. والسِّرُّ في ذلك أنهما- في الأصل- مصدران. والأصل في المصادر أن لا تجمع، وإن كان جمعها جائزًا في العربية، على أنه لو جُمِعا، دلَّ جمعهما ظاهرًا على تعدد الأنواع، وكلٌّ منهما نوع واحد.
وفي قوله تعالى:﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ تنبيه على أن ما صنعوه، من سدِّ الآذان بالأصابع، لا يغني عنهم شيئًا، وقد أحاط بهم الهلاك. وفيه أيضًا مبالغة في فرط دهشتهم، وكمال حيرتهم، من وجوه: أحدها: نسبة الجعل إلى الأصابع كلها، وهو منسوب إلى بعضها؛ وهو الأنامل. وثانيها: من حيث الإبهام في الأصابع. والمعهود إدخال السبابة؛ فكأنهم، من فرط دهشتهم، يدخلون أيَّ أصبع كان، ولا يسلكون المسلك المعهود. ثالثها: في ذكر الجعل موضع الإدخال؛ فإن جَعْلَ شيءٍ في شيء أدلُّ على إحاطة الثاني بالأول، من إدخاله فيه.
والصَّوَاعِقِ جمع: صاعقة. والظاهر أنها- في الأصل- صفة من الصَّعْق؛ وهو الصُّراخ، ثم صارت اسمًا لكل هائل مهلك مسموع، أو مشاهد. وتاؤها للمبالغة كـراوية. أو مصدرًا كالكاذبة والعافية. يقال: صعقته الصاعقة: إذا أهلكته بالإحراق، أو شدَّة الصوت.وهي نار لطيفة حديدة. لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق؛ أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق. ومنه قوله تعالى:﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا ﴾(الأعراف:143).
وقرأ الحسن:﴿ مِنَ الصَّوَاقِعِ ﴾؛ وليس بقلب للصواعق، لأنَّ كلا البنائين سواء في التصرف. وإذا استويا، كان كل واحد بناءً على حياله. ألا تراك تقول: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع: مجهر بخطبته.
وقد ثبت أن الأرض وما عليها مشحونة كهربيًا. وعندما تكون هناك سحب مشحونة بشحن كهربائية متناقضة، فإنه قد تنشأ شرارة كهربائية. والصوت الذي يُنشِئ هذه الشرارة يُسمَّى: رعدًا. وتتوقف شدة هذا الصوت على حجم السحب وقربها من الأرض. أما الضوء الذي ينشأ عن حدوث الشرارة فيسمى: برقـًا. وقد تخترق هذه الشرارة الجو بسرعة هائلة، فتنزل إلى الأرض، فتحرق الأشجار، وغيرها، وتسمى حينئذ: صاعقة. قال تعالى:﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم ﴾(النساء:153).
ويتسبب البرق، أو الصواعق البرقية في الكثير من الأضرار للمباني والتجهيزات الكهربائية. ولذلك نجد أن المباني عادة ما تُجهَّز بمانعات الصواعق، وهي وسائل لتفريغ الشحنة الكهربائية الضخمة الناتجة عن البرق.
وفي قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾إشارة إلى دورة من دورات المنافقين؛ حيث انتهى بهم تردُّدهم، بين الإيمان والكفر، إلى الكفر الغليظ. ولم يُجْدِ عنهم حَذرُهم، ولا تدبيرهم شيئًا؛ لأن الله تعالى محيطٌ بهم. أي: لا يفوتونه أبدًا؛ فهم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته. والجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع، لا يغنى عنهم شيئًا؛ فإن القدر لا يدفعه الحذر، والحيل لا ترد بأس الله عز وجل.
وقال تعالى:﴿ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾، ولم يقل:{ مُحِيطٌ بِهِمْ }. أي: بالمنافقين؛ ليدخل في عمومه المشركون، والمنافقون، وغيرهم من الذين كفروا من أهل الكتاب. وللدلالة على ثبوت هذا المعنى ولزومه عبَّر عنه تعالى بالجملة الاسمية، دون الفعلية، لما فيها من دلالة على معنى الثبوت والدوام.
فإحاطته سبحانه بهم ثابتة، وعذابه لهم واقع لا محالة، ولا مَدْفَع لهم منه،في الدنيا، والآخرة؛ كما قال سبحانه وتعالى:﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ *فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ *بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ *وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾(البروج:17-20).
وقال تعالى:﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾، فأدخل الفعل ﴿ يَكَادُ ﴾على جملة:﴿ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾؛ ليدل بذلك على قرب وقوع الخبر، وأنه لم يقع. وأسند خطف الأبصار إلى البرق لِما في الخطف من معنى الأخذ، أو الاختلاس بسرعة، إضافة إلى معنىالمباغتة والمفاجأة؛ كما يشير إليه قوله تعالى في صفة الشياطين:﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾(الصافات:10)، فعبَّر عن استراق الشياطين للسمع بقوله:﴿ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ﴾. ومنه سُمِّيَ الطيرُ خطَّافًا لسرعته؛ ولهذا أسند فعل الخطف إلى الطير في قوله تعالى:﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق ﴾(الحج:31).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:43 PM
وعليه يكون معنى قوله تعالى﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾: يأخذها بسرعة؛ وكأنه يختلسها اختلاسًا. فلو قيل: يأخذ أبصارهم، لمَا أفاد هذا المعنى، الذي يفيده الخطف، الذي يتجدد حدوثه باستمرار؛ كما تدل عليه صيغة الفعل الحاضر.
ويتضح لك ذلك إذا علمت أن سرعة البرق تبلغ ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، وهي سرعة الضوء. وإذا حدث هذا البرق على مسافة عدة كيلو مترات في الغيوم، فإن الزمن اللازم لوصول هذا البرق إلى الشخص، الذي سيصيبه هو أقل من جزء من مئة ألف جزء من الثانية. أي أقل من(1/100000) من الثانية. وهذه السرعة الهائلة لا يناسبها من الألفاظ للتعبير عنها سوى لفظالخطف﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾.
ويعبَّر عن خطف البصر بالعمى الناتج عن بريق الضوء الشديد. وهذا النوع من العمى ينتج من مصادر ضوء ساطع ومفاجئ مثل: البرق، والليزر، وانعكاس الضوء من المباني العالية الزجاجية.
وإذا علمنا أن البرق يحتوي على الضوء المرئي بالإضافة إلى الأشعة الخطيرة بأنواع متعددة، فإننا ربما ندرك السر في قوله تعالى:﴿ يَكَادُ ﴾. أي يقارب. فالكمية الضخمة من الإشعاعات، التي يطلقها البرق خلال زمن قصير جدًا ذات تأثير كبير على العصب البصري، والشبكية، والقرنية، والجسم الزجاجي للعين، وهي عناصر تتعلق بعملية الإبصار؛ ولذلك قال الله تعالى:﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾، ولم يقل سبحانه:﴿ يَخْطَفُ عُيُونَهُمْ ﴾!
وقوله تعالى:﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾هو عبارة عن جملتين شرطيتين: الثانية منهما معطوفة على الأولى. وجيء في الثانية بـ﴿ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ﴾في مقابلة ﴿أَضَاءَ لَهُمْ ﴾، وبـ﴿قَامُوا ﴾في مقابلة ﴿مَشَوْا ﴾، وجيء بـ﴿كُلَّمَا ﴾ في تعليق المشي بالإضاءة، وبـ﴿إِذَا ﴾في تعليق القيام بالإظلام؛ لأن الأولى تفيد التكرار، والثانية تفيد التحَقق. وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب، وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون، وما يذرون.
وإضاءةُ البرق: خفقانه ولمعانه. وإظلامه: اختفاؤه. والمَشْيُ: جنس الحركة المخصوصة. فإذا اشتد فهو سعي، وإذا ازداد فهو عدو. والقيام: الوقوف والثبات، ويراد به: الجمود؛ ومنه قولهم: قام الماء. أي: جَمَدَ. والمعنى: كلَّما خفق البرق لهم خفقة، أو لمع لمعة، مشوا فيه، أو مشوا في ضوئه. وإذا خفي عنهم، وقفوا جامدين متحيرين، لا يدرون أين يذهبون. ولجهلهم لا يعلمون أن ذلك من لوازم الصيِّب، الذي به حياةُالأرض والنبات، وحياتُهم هم أنفسهم؛ بل لا يدركون إلا رعدًا وبرقًا وظلمة، ولا شعورَ لهم بما وراء ذلك.
ولقائل أن يقول: كيف قال تعالى:﴿ مَشَوْا فِيهِ ﴾، والمَشْيُ لا يكون في البرق، ولا في ضوئه؛ وإنما يكون في محله، وموضع إشراق ضوئه ؟ والجواب: أنهم- لفرط حيرتهم ودهشتهم، وشدَّة الأمر عليهم وفظاعته- كانوا يخبطون خَبْط عَشْواءَ، ويمشون كلَّ مَمْشى، لا يدرون أين يذهبون؛ وكأنهم يمشون في البرق، أو في ضوئه. وكيف لا يمشون فيه، وهو يخطف أبصارهم باستمرار، فلا يدع لهم فرصة لأن يبصروا أمامهم؟!
وفي ذلك إشارة إلى أن حركتهم، إن لم تكن معدومة، فهي بطيئة جدًا؛ لضعف قواهم، ومزيد خوفهم، رَغْمَ حرصهم الشديد على المشي؛ وكأنهم لا يمشون. ويدل على ذلك أنه في مصحف عبد الله بن مسعود:﴿ مَضَوْا فِيهِ ﴾بدلا من﴿ مَشَوْا فِيهِ ﴾، فعبَّر عن ذلك بالمضيَّ، الذي يدل على انعدام الحركة.
وقال تعالى:﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾، فعلق ذهاب سمعهم وأبصارهم بمشيئته سبحانه، فأفاد ذلك أن الله تعالى، لو شاء، لذهب بأسماعهم وأبصارهم من غير سبب، أو بسبب آخر غير قصيف الرعد، ووميض البرق، فلا يغنيهم ما صنعوه من سدِّ الآذان وغيره، وقد أحاط بهم الهلاك من كل جانب؛ ولكن اقتضت مشيئته سبحانه أن يؤجل هذه العقوبة لأشدَّ منها، كان ذلك
﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(الروم:6).
وهذا الوعد هو المشار إليه بقول الله تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾(التوبة:68).
ولإفادة هذا المعنى- أعني: تأخير العقوبة لأشدَّ منها- أدخلت اللام على جواب﴿لَوْ ﴾ الشرطية. هذه اللام، التي أجمعوا على القول بجواز سقوطها من الكلام؛ لأنها- عندهم- زيدت للتأكيد، وهم معذورون في ذلك؛ لأن أسرار القرآن الكريم أكثر، وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر؛ فلا عجب أن قالوا بجواز سقوطها، ولم يعلموا أنها لو سقطت، لأفاد سقوطها التعجيل بوقوع الجواب، خلافًا للمراد.
أما﴿شَاءَ ﴾فهو فعل منزَّل منزلة اللازم، ولا يجوز أن يُصَرَّح بمفعوله، إلا في الشيء المستغرب. ولا يُكتفَى فيه بدلالة الجواب عليه؛ بل يصرح به، اعتناء بتعيينه، ودفعًا لذهاب الوهم إلى غيره، بناء على استبعاد تعلق الفعل به واستغرابه.
وبيان ذلك: أنك إذا قلت:{ لو شئت لبكيت دمًا }، فإنه يحتمل تعليق المشيئة ببكاء الدمع، على مجرى العادة، وأن ما ذكرته من بكاء الدم واقع بدله من غير قصد إليه؛ وكأنك قلت: لو شئت أن أبكي دمعًا، لبكيت دمًا.. أقول: هذا المعنى محتمل، وإن كان تقييد البكاء في الجواب بالدم، يدل دلالة ظاهرة على أنه المراد؛ فإذا ذكر المفعول، زال هذا الاحتمال، وصار الكلام نصًّا فيما قصِد به.
والمشيئة- عند أكثر المتكلمين- كالإرادة سواء. وقيل: أصل المشيئة إيجاد الشيء وإصابته، وإن استعملت عرفًا في موضع الإرادة. وذهب بعضهم إلى أن المشيئة من الله تعالى هي الإيجاد، ومن الناس هي الإصابة. قال: والمشيئة من الله تقتضي وجود الشيء؛ ولذلك قيل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والإرادة منه سبحانه لا تقتضي وجود المراد، لا محالة. ألا ترى أنه سبحانه قال:﴿ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾(البقرة:185)،﴿ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾(آل عمران:108)، ومعلومٌ أنه قد يحصل العسر، والتظالم فيما بين الناس! ولهذا قال تعالى هنا:﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ﴾، ولم يقل:{ وَلَوْ أَرَادَ الله }.
وقوله:﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذهَبَ..﴾قال الفرَّاء:” المعنى- والله أعلم-: ولو شاء الله لأذهب سمعهم. ومن شأن العرب أن تقول: أذهبت بصره، بالألف إذا أسقطوا الباء، فإذا أظهروا الباء أسقطوا الألف من أذهبت. وقد قرأ بعض القرّاء:﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يُذْهبُ بِالأَبْصَارِ﴾،بضمِّ الياء والباء في الكلام. وقرأ بعضهم:﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَينَاءَ تُنْبِتُ بالدُّهْنِ ﴾. فترى- والله أعلم- أن الذين ضمُّوا على معنى الألف شبَّهوا دخول الباء وخروجها من هذين الحرفين بقولهم: خذْ بالخطام، وخُذِ الخطامَ، وتعلَّقتُ بزيدٍ, وتعلَّقتُ زيدًا. فهو كثير فى الكلام والشعر، ولستُ أستحبُّ ذلك لقلَّته “.
وقد سبق أن ذكرنا سر دخول هذه الباء في قوله تعالى:﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾(البقرة:17) في المثل الأول، وبينا الفرق في المعنى بين قولنا: ذهب بالشيء، وأذهب الشيء، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
ولقائل أن يقول: لمَ أفرد السمع، وجمع البصر في قوله تعالى:﴿ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾؟ وما السرُّ في تقديم الأول على الثاني ؟
والجواب عن الأول: أن السمع- في اللغة- هو إدراك الأصوات المحيطة بنا بعد سماعها، وآلته الأذن السامعة، وأن البصر اسم يطلق على عملية الإبصار، التي يتم بها إدراك المرئيات الحسيَّة بعد النظر إليها، وآلته العين الباصرة. ومن هنا جاز التعبير بالسمع عن الأذن، التي هي آلة السماع، كما جاز التعبير بالبصر عن العين، التي هي آلة الإبصار. هذا أولا.
وأما ثانيًا:فإن البصر يجمع على: أبصار، وأن السمع، يجمع على: أسماع ؛ ولكنه لم يرد في القرآن الكريم مجموعًا بخلاف البصر؛ إلا في قراءة ابن أبي عبلة:﴿ لَذَهَبَ بِأسَمْاعِهِمْ ﴾، بدلا من:﴿ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ ﴾. وكذلك قرأ:﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى أَسْمَاعِهِمْ ﴾(البقرة:7)، بدلاً من:﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سْمْعِهِمْ ﴾.
وأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائمًا، أنه مصدر- في أصله- والمصادر لا تجمع. فإذا جعِلت أسماءَ، ذَكِّرت، وأفردَت.. وأما المرجَّح فالاختصار، والتفنن بتوحيد السمع، وجمع البصر، مع إشارة لطيفة إلى أن مدركات السمع نوع واحد؛ وهي المسموعات، ومدركات البصر، أنواع مختلفة؛ وهي المرئيات؛ كما كانت مدركات القلب كذلك.. ولهذا أفرد السمع دائمًا، وجمع البصر والقلب غالبًا، في البيان القرآني!
وأما الجواب عن الثاني- وهو سر تقديم السمع على البصر- فقيل: إنما قدم عليه؛ لأنه أهم منه، من حيث إنه يُدرَك به من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يُدرَك بالبصر؛ إلا من الجــهة المقابلة، وفي النور دون الظلمة. وهذا ما ذكره- أيضًا- أصحاب الشافعي، وحكَوْا- هم وغيرهم- عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: البصر أفضل؛ من حيث أن إدراكه أكمل، ونصبوا معهم الخلاف، وذكروا الحجاج من الطرفين.
والتحقيق في هذه المسألة الخلافية: أن إدراك البصر أكمل؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:” ليس المخبر كالمعاين“. ولكن السمع، يحصل به من العلم لنا، أكثر ممَّا يحصل بالبصر. فالبصر أقوى وأكمل، والسمع أعم وأشمل. فهذا له صفة العموم والشمول، وذاك له صفة التمام والكمال، وإذا تقابلت المرتبتان، كان كل واحد منهما مفضلا، ومفضلا عليه. وبذلك يترجَّح أحدهما على الآخر بما اختصَّ به من صفات.
ولهذا قيل: لما كان إدراك القلب والسمع من جميع الجوانب، جُعِل المانع فيهما الختم، الذي يمنع من جميع الجهات، ولما كان إدراك البصر من الجهة المقابلة فقط، خُصَّ المانع فيه بالغشاء، المتوسط بين الرائي، والمرئي؛ كما في قوله تعالى:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ (البقرة:7)،
وقوله تعالى:﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾(الجاثية:23)
وقد ذهب بعضهم إلى القول بأن السمع قدِّم في القرآن على البصر؛ لأنه أشرف منه، بدليل أن الأذن، التي هي آلة السمع، أفضل وأرقى عند الله في الخلق من العين، التي هي آلة الإبصار؛ لأن الأذن لا تنام أبدًا، ولا تتوقف عن العمل أبدًا، بخلاف بقية أعضاء الجسم.
ولست أدري بماذا يعللون تقديم ( الأعمى ) على ( الأصم، والبصير ) على السميع في قول الله تعالى:﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ﴾(هود:24).
وقوله تعالى:﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾(السجدة:12).
وقوله تعالى:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾(الأعراف:179) ؟!
ثم ماذا يقولون في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لأبي بكر وعمر، رضي الله عنهما:” هذان السمع والبصر“؛ إذ جعل صفة السمع للفاروق عمر، وجعل صفة البصر للصديق أبي بكر، مع إجماعهم على أن للصديقيَّة مقامًا، لا يعلوه مقام سوى مقام النبوة؛ ولهذا جعل الله جل وعلا مرتبة الصديقين بعد مرتبة النبيِّين عليهم الصلاة والسلام وقبل مرتبة الشهداء، فقال سبحانه وتعالى:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾(النساء:69)؟!
وإذا كان السمع قد قدِّم على البصر في أغلب الآيات، فليس معنى ذلك أن السمع أهم من البصر، وأشرف عند الله تعالى في الخلق؛ وإنما معنى ذلك أن هذا التقديم من ناحية الخلق فقط، لا من ناحية الفائدة. فمن المعلوم أن الله تعالى خلق السمع قبل البصر؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾(المؤمنون:78).
وقد أثبت علم الأجنة، وعلم تطور الأجناس أن السمع هو الحاسة الوحيدة، التي يولد بها الطفل مكتملة، في حين أن البصر لا يكتمل خلقه قبل ستة أشهر من الولادة. أما من ناحية الفائدة فإن الله عز وجل لم يذكر السمع في القرآن مثلما ذكر البصر.. تأمل قول الله تعالى:
﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أََفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾(الأنعام:50)، وقوله تعالى:﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ﴾(الملك:22)
تجد أن العين أهم حاسة في جسم الإنسان، وقد وضعت في أعلى مكان منه، ولأهميتها هذه وفَّر الله سبحانه وتعالى لها الحماية الكاملة، فوضعها في تجويف متين{ المحجر }، حدوده الأمامية ذات قوة وبأس، يستطيع أن يقيها، إذا حُشرت فيه وضُغط عليها.ولأهمية البصر فقد خلق الله تعالى للإنسان عينيْن، فأصبحت نعمة البصر حصيلة للازدواج الخلقي للعين، وعلى أتم ما تكون من ناحية الأداء؛ إذ يمكن تمييز البعد الثالث- وهو العمق- فتكون الصورة ذات جسم واضح من حيث طوله وعرضه وعمقه.
ويقال: إنه كانت هناك عينٌ ثالثة، تقع في الخلف عند اتصال مؤخرة الجمجمة بالعنق؛ ولكنها بمرور الزمن انقرضت، وأصبحت تمثل الآن ما يسمى بالجسم الصنوبري داخل الجمجمة عند اتصال المخ بالمخيخ.. وتقوم العين بوظائف ثلاثة:
أولها: تقوم العين بعمل النافذة، التي منها يستطيع الجسم أن يطل على العالم. فهي جواز السفر لمشاهدة العالم، وتقليب صفحاته، والوقوف على مواطن الجمال فيه؛ كما أن العالِم يستطيع أن يطل منها على الجسم، فيعلم حالته بالتفصيل، ويمكنه الاستدلال على حالته الصحية من فحص قاع العين، مثل داء البول السكري، والدم المرتفع، وأورام المخ، واضطرابات الدورة الدموية، والحميات، وغير ذلك. ولهذا قيل: العين مرآة الجسم. وبمعنى آخر، فإن الإنسان يتلخص كله، ويرتكز في العين، التي تعتبر صورة مصغرة لما يدور في داخل الإنسان.
ثانيها: تقوم العين بالتعبير عن إحساسات الشخص الداخلية بما فيها من مشاعر؛ سواء أكانت إيجابية، أم سلبية. فلمعان العين يظهر عند الحب والفرح والأمل، وانطفاؤها يظهر عند الكره والحزن والألم. كل هذه المعاني لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال العينين. كذلك حركتها ونظرتها وتغيراتها الكونية، كل ذلك له معنى، يمكن الاستفادة منه. ومن هنا قالوا: عندما يتكلم الإنسان فانظر إلى عينيه!
ثالثها: تقوم العين بالتأثير في الغير بافتعال شعور خارجي، وإحساس معين، يقصد به الإيحاء بفكرة ما، أو عمل ما. وهذه النقطة تجرنا للحديث عن العلاقة بين العين والروح.
فثبت بذلك أن ما قيل من حكمة، أو من سرٍّ في تقديم السمع على البصر، لا يجدي نفعًا، ولا يفسر أسلوبًا، وبخاصَّة إذا علمنا أن السمع والبصر هما الأصل- من بين الحواس- في العلم بالمعلومات، التي يمتاز بها الإنسان عن البهائم؛ ولهذا يقرن الله تعالى بهما الفؤادَ في كثير من المواضع.
وإن كان من تفسير لتقديم السمع على البصر في أغلب الآيات؛ فإنما يرجع- في الحقيقة- إلى أن حركة اللسان بالكلام أعظمُ حركات الجوارح، وأشدُّها تأثيرًا في الخير والشر، والصلاح والفساد.. بل عامَّة ما يترتب في الوجود من الأفعال؛ إنما ينشأ بعد حركة اللسان، فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى.
وبهذا يُعلََم تقديم السمع على البصر، ثم تقديمهما على الفؤاد في قوله تعالى:﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾(الإسراء:36)
وكثيرًا ما يكون السياق مقتضيًا تقديم صفة السميع على صفة البصير؛ بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمِّنًا للتهديد والوعيد؛ كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين, وتحذيرهم، بما يذكره من صفات الله جل وعلا، التي تقتضي الحذر والاستقامة؛ كقوله تعالى:
﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا * مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(النساء:133-134).
فقدَّم صفة السميع على صفة البصير؛ لأن الأول أوقع في باب التهديد والتخويف؛ ولهذا كان أولى منه بالتقديم.
ولما كان قوله تعالى:﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ خبرًا يتضمَّن التخويف والتهديد والوعيد، قدِّم السميع على البصير؛ كما قِّدم على العليم في نحو قوله تعالى:﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾(المائدة:76)؛ ولهذا كان تقديمه أهمَّ، والحاجة إلى العلم به أمسّ.. فتأمل!
ثم قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، فخصَّ صفته- التي هي القدرة- بالذكر دون غيرها؛ لأنه تقدم ذِكرُفعلٍ مُضَمَّنُه التخويف والتهديد والوعيد؛ وهو الذهاب بالأسماع والأبصار. هذا أولا.
وأما ثانيًا فلأن القدرة هي التمكن من إيجاد الشيء. وقيل: هي صفة تقتضي التمكن. وقيل: قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل، وقدرة الله تعالى عبارة عن نفي العجز عنه سبحانه. والقادر هو الذي، إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، والقدير هو الفعَّال لما يشاء على ما يشاء؛ ولذلك قلَّما يوصف به غير الباري جل وعلا.
فتأمل هذه اللمحات اللطيفة، واللطائف الدقيقة، والأسرار البديعة في البيان الأعلى، واعلم أن أسراره أكثر وأعظم، من أن تحيط بها عقول البشر.. فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبدية ونعيمها داعيًا، وإلى طريق الرشاد هاديًا، بما أودع فيه من هذه الأسرار المعجزة، التي تشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد، والحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان حمدًا بعدد كلماته التي لا تنفد، وصلى الله على عبده ونبيه محمد إمام البلغاء، وسيد الفصحاء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا!!
لمراسلة المؤلف : ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:44 PM
الحية والثعبان ... إعجاز بياني في قصة موسى عليه السلام

بقلم المهندس عبد الدائم الكحيل
لفت انتباهي إلى هذا الموضوع أحد الإخوة القراء من خلال سؤال عن سر مجيء كلمة (ثعبان) تارة وكلمة (حية) تارة أخرى وذلك في سياق قصة سيدنا موسى عليه السلام. وقد يظن بعض القراء أن المعنى واحد، وأن هذا الأمر من باب التنويع وشد انتباه القارئ فقط....
ولكن وبعد بحث في هذا الموضوع ظهرت لي حكمة بيانية رائعة تثبت أن كل كلمة في القرآن إنما تأتي في الموضع المناسب، ولا يمكن أبداً إبدالها كلمة أخرى، وهذا من الإعجاز البياني في القرآن الكريم.

ولكي نوضح الحكمة من تعدد الكلمات عندما نبحث عن قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون لنجد أنها تكررت في مناسبات كثيرة، ولكن العصا ذُكرت في ثلاثة مراحل من هذه القصة:

1- عندما كان موسى سائراً بأهله ليلاً فأبصر ناراً وجاء ليستأنس بها فناداه الله أن يلقي عصاه.

2- عندما ذهب موسى إلى فرعون فطلب منه فرعون الدليل على صدق رسالته من الله تعالى فألقى موسى عصاه.

3- عندما اجتمع السَّحَرة وألقوا حبالهم وعصيّهم وسحروا أعين الناس، فألقى موسى عصاه.

هذه هي المواطن الثلاثة حيث يلقي فيها موسى العصا في قصته مع فرعون. ولكن كيف تناول البيان الإلهي هذه القصة وكيف عبّر عنها، وهل هنالك أي تناقض أو اختلاف أو عشوائية في استخدام الكلمات القرآنية؟

الموقف الأول

في الموقف الأول نجد عودة سيدنا موسى إلى مصر بعد أن خرج منها، وفي طريق العودة ليلاً أبصر ناراً فأراد أن يقترب منها ليستأنس فناداه الله تعالى، وأمره أن يلقي عصاه، فإذاها تتحول إلى حيّة حقيقية تهتز وتتحرك وتسعى، فخاف منها، فأمره الله ألا يخاف وأن هذه المعجزة هي وسيلة لإثبات صدق رسالته أمام فرعون.

ولو بحثنا عن الآيات التي تحدثت عن هذا الموقف، نجد العديد من الآيات وفي آية واحدة منها ذكرت الحيّة، يقول تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى *قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌتَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) [طه: 17-21].

الموقف الثاني

أما الموقف فيتمثل بقدوم موسى عليه السلام إلى فرعون ومحاولة إقناعه بوجود الله تعالى، وعندما طلب فرعون الدليل المادي على صدق موسى، ألقى عصاه فإذا بها تتحول إلى ثعبان مبين. ولو بحثنا عن الآيات التي تناولت هذا الموقف نجد عدة آيات، ولكن الثعبان ذُكر مرتين فقط في قوله تعالى:

1- (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ* قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌمُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: 104-109].

2- (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ* قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ* قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ* قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌمُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [الشعراء: 23-34].

الموقف الثالث

بعدما جمع فرعون السحرة وألقوا الحبال والعصيّ وسحروا أعين الناس وخُيّل للناس ولموسى أن هذه الحبال تتحرك وتهتز وتسعى، ألقى موسى عصاه فابتلعت كل الحبال والعصي، وعندها أيقن السحرة أن ما جاء به موسى حق وليس بسحر، فسجدوا لله أمام هذه المعجزة.http://www.55a.net/firas/ar_photo/8/300px-Natrix_natrix_0671.jpg

وقد تحدث القرآن عن هذا الموقف في العديد من سوره، ولكننا لا نجد أي حديث في هذا الموقف عن ثعبان أو حية، بل إننا نجد قول الحق تبارك وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) [الأعراف: 117].

التحليل البياني للمواقف الثلاثة

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:45 PM
التحليل البياني للمواقف الثلاثة

لو تأملنا جيداً المواقف الثلاثة نجد أن الموقف الأول عندما أمر الله موسى أن يلقي عصاه وهو في الوادي المقدس، تحولت العصا إلى (حيَّة) صغيرة، وهذا مناسب لسيدنا موسى لأن المطلوب أن يرى معجزة،/ وليس المطلوب أن يخاف منها، لذلك تحولت العصا إلى حية.

أما في الموقف الثاني أمام فرعون فالمطلوب إخافة فرعون لعله يؤمن ويستيقن بصدق موسى عليه السلام، ولذلك فقد تحولت العصا إلى ثعبان، والثعبان في اللغة هو الحية الكبيرة[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1). وهكذا نجد أن الآيات التي ذُكرت فيها كلمة (ثعبان) تختص بهذا الموقف أمام فرعون.

ولكن في الموقف الثالث أمام السّحَرَة نجد أن القرآن لا يتحدث أبداً عن عملية تحول العصا إلى ثعبان أو حية، بل نجد أن العصا تبتلع ما يأفكون، فلماذا؟

إذا تأملنا الآيات بدقة نجد أن السحرة أوهموا الناس بأن الحبال تتحرك وتسعى، كما قال تعالى: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)[طه: 66]. وهنا ليس المطلوب أن يخاف الناس بالثعبان، وليس المطلوب أن تتحول العصا إلى حية، بل المطلوب أن تتحرك العصا وتلتهم جميع الحبال والعصِيَ بشكل حقيقي، لإقناع السحرة والناس بأن حبالهم تمثل السحر والباطل، وعصا موسى تمثل الحق والصدق، ولذلك يقول تعالى (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: 115-122].

إحصائيات قرآنية

إن كلمة (حيَّة) لم تُذكر في القرآن إلا مرة واحدة عندما أمر الله موسى أن يلقي العصا وهو في الوادي المقدس، فتحولت إلى حية تسعى. وجاءت هذه الكلمة مناسبة للموقف. أما كلمة (ثعبان) فقد تكررت في القرآن كله مرتين فقط، وفي كلتا المرتين كان الحديث عندما ألقى موسى عصاه أمام فرعون، وكانت هذه الكلمة هي المناسبة في هذا الموقف لأن الثعبان أكبر من الحية وأكثر إخافة لفرعون.

ونستطيع أن نستنتج أن الله تعالى دقيق جداً في كلماته وأن الكلمة القرآنية تأتي في مكانها المناسب، ولا يمكن إبدال كلمة مكان أخرى لأن ذلك سيخل بالجاني البلاغي والبياني للقرآن الكريم الذي قال الله عنه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42].

بقلم عبد الدائم الكحيل

www.kaheel7.com (http://www.kaheel7.com/)

[1]الفيروز آبادي، المعجم المحيط، معنى كلمة (ثعبان)، دار المعرفة، بيروت 2005.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:46 PM
الإيجاز البلاغي في قصة النبي يوسف

يشكل الإيجاز، بوصفه صورة من صور البلاغة القرآنية، سمة من سمات كتاب الله (عز وجل) إذ يتميز النص القرآني عموماً بالتركيز والتكثيف، والوصول إلى جوهر المعنى عبر القول الموجز والإشارة الدالة.
تُستثنى من ذلك بعض الآيات التي اقتضى البيان الإلهي أن تأتي بشكل مفصّل، لكنه تفصيل لا ِيُحَمِّلَ التركيبَ فوق ما يحتمل المعنى أو يقتضيه. وفي ذلك كله بلاغة استدعت الإطناب والتفصيل في موضع، والإيجاز والتكثيف في موضع آخر.
تتجلى ظاهرة الإيجاز في قصة سيدنا يوسف (عليه السلام) في عنصرين أساسيين هما:
1 - الإيجاز في اللفظ
2 - الإيجاز بالحذف
وهذان العنصران متداخلان، متشابكان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولذا فإن الحديث عن الإيجاز في القصة يقتضي بالضرورة دراسة هذين العنصرين في سياق واحد.
لكن الوقوف على مواطن الإيجاز جميعها في قصة يوسف (عليه السلام ) والإشارة إلى ما تحمله من دلالات بلاغية أمر متعذر، فكل جملة ( لا في القصة وحدها بل في القرآن الكريم كله) تحتاج إلى وقفة مطولة، دراسة وتحليلاً، فهماً وتدبراً ، إذا ما أردنا دراسة جانب من جوانب تركيبها البلاغي.
ولذلك نرى أن نقف على بعض مواطن الإيجاز في القصة، علنا نجد فيه مثالاً لما يذخر به النص القرآني من الإيجاز البلاغي الذي يمثل جانباً من جوانب إعجاز القرآن الكريم، مما لا يكون لبشر قط مهما أوتي من فصاحة القول وبلاغة المعنى .
ولابد أن نشير أولاً إلى أن قصة يوسف (عليه السلام) جاءت في السورة عبر مجموعة من المشاهد، التي ترتبط فيما بينها ترابطاً عضوياً، فالانتقال من موقف إلى آخر في القصة يتم – غالباً – دون رابط سردي، غير أن الارتباط برابط السببية بين المشاهد، يغني عن السرد المحذوف، ويقوم بدوره، ويخلق في الوقت ذاته حالة من الحركية التعبيرية.
من هنا كان تناولنا قضية الإيجاز في القصة يقوم على التقاط بعض المشاهد منها، ومن ثم دراستها دراسة تحليلية تبين دور الإيجاز في صياغة القصة صياغة فنية رفيعة.
قضية الرؤيا:
( إذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ )
بذكر قضية الرؤيا تبدأ قصة يوسف ( عليه السلام )، هكذا دون تمهيد أو مقدمات غالباً ما تحفل بمثلهما القصص الأدبية، وفي حذفهما هنا ، والبدء بذكر قضية الرؤيا إشارة بليغة إلى أنها قضية جوهرية ومحور رئيس في البناء القصصي، وبذلك يكون البدء بذكرها أدعى إلى لفت النظر إليها، والتركيز عليها، وهذا ما لا يكون لو أنّ ذكرها سبق بتمهيد أو مقدمات!!!
وقول سيدنا يوسف " إني رأيت " ثم توكيده بـ " رأيتهم" ليس فيه ما يشير إلى أن ما رآه كان على وجه الحقيقة /من الرؤية/ وذلك من قبيل المعجزة التي لن تكون غريبة على بيت النبوة، أو أنه في المنام /من الرؤيا/ ذلك أن الفعل ( رأيت) يصلح في حالتي ( الرؤية ) و( الرؤيا).
ولكن يأتي قول سيدنا يعقوب ( يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ) إذ لم يقل (رؤيتك) ليدلّنا على أن الرؤيا كانت في المنام، ولو ذكر سيدنا يوسف ذلك لكان في قول أبيه تكرار لما سبق ذكره، فكان حذف السابق لدلالة ما سيأتي عليه، وهذه سمة من سمات الأسلوب القصصي في سورة يوسف ( عليه السلام) كما سيتضح لاحقاً.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:46 PM
ولربما قيل: لماذا لا يذكر الأمر أولاً ثم يحذف تالياً فينتفي بذلك التكرار؟
نقول : إن ذلك سيفقد القصة عنصر التشويق، ويلغي إثارة التساؤل، وتحفيز الفكر، وتحريض المخيلة، وتلك عناصر مهمة ومؤثرة في البناء الفني للقصة، وكلما كان البناء الفني جيداً كان أقدر على إيصال الفكرة، وتحصيل الفائدة، وإدامة الأثر.
بين يوسف وإخوته:
( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ )
بهذا عقّب سيدنا يعقوب على ذِكْرٍ ابنه رؤياه، وفي قوله هذا ما قد يثير في نفس يوسف (عليه السلام) حقداً على إخوته وكراهية لهم، فأراد أبوه أن ينسب أسباب الكيد إلى عداوة الشيطان للإنسان، ليؤكد ليوسف أن كيد إخوته له _ فيما لو حدث _ ليس صادراً عن طبع فيهم وسجية، بل إنه من وساوس الشيطان، فيدفع بذلك ما قد يثار في نفس يوسف على إخوته، وجاء ذلك في قوله: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) فجاء في تلازم التحذير من إخوته وذكر عداوة الشيطان للإنسان في سياق واحد ما يغني عن طول الشرح وكثرة التفصيل.
ولعلنا نلاحظ أن تحذير سيدنا يعقوب ابنه يوسف من إخوته إنما جاء مقتضباً موجزاً ، إذ لم يأتِ على ذكر الأسباب التي ستدفعهم - وهم إخوته - إلى الكيد له وإظهار العداوة، ليأتي ذكر ذلك كله فيما بعد على لسان إخوة يوسف: ( إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .
ويجتمع إخوة يوسف للتشاور في أمره، وإيجاد طريقة للتخلص منه، وتطرح الآراء:
( اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ *قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ )
هنالك ثلاثة آراء إذاً (اقتلوا يوسف _ اطرحوه أرضاً _ ألقوه في غيابة الجب) ولا تشير الآية الكريمة، إلى الطريقة التي أجمعوا عليها ، والقرار الذي توصلوا إليه، بل انتهى الأمر بهم في هذا المجلس حسب ما جاء في الآية عند حدود طرح الآراء والتشاور الذي لم يأتِ من بعده اتفاق نهائي أو إجماع مطلق، حسب نص الآية .... وهذا حذف يثير التساؤل حول ما ينوون فعله، وقد تضاربت آراءهم واختلفت، لنكتشف، فيما بعد، القرار الذي اتخذوه أثناء مشاوراتهم وأكدوه قبيل تنفيذه وذلك في قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) فكلمة (أجمعوا) في هذا الموضع تدل على أن الأمر لم يكن مجمعاً عليه تماماً حتى ذلك الوقت، وربما وجد بينهم من لم يكن راضياً عن هذا القرار، لكنه انصاع لرأي الأكثرية فصار الأمر إجماعاً.
ومن مواطن الحذف ما يتجلى في عدم ذكر العذر الذي سيعود به إخوة يوسف إلى أبيهم بعد التخلص من أخيهم، إذ لا يعقل أن الأمر لم يكن موضع اهتمام ومدار نقاش خلال مشاوراتهم، لكن الحذف جاء لإثارة الفكر، والمحافظة على عنصر التشويق من جهة، ومنعاً للتكرار من جهة أخرى، ذلك أن ادعاءهم بأن الذئب أكل أخاهم سيأتي في موقف آخر (عند لقائهم أباهم) وقد عادوا دون أخيهم، ولا شك أن تأجيل ذكر ما اتفقوا عليه إلى هذا الموقف أكثر أهمية من ذكره في موضع سابق.
اتفق إخوة يوسف على التخلص منه، وبيّتوا عذراً يحملونه إلى أبيهم بعد أن يتم لهم ما خططوا له، ولم يعد أمامهم إلا إقناع أبيهم بأخذ يوسف معهم:
( َقالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ )
انظر إلى البيان الإلهي، وتأمل البلاغة القرآنية فيما ينطوي عليه قولهم هذا من معانٍ متعددة تشير في مجملها إلى طبيعة العلاقة بين الأب وأبنائه فيما يتعلق بشأن أخيهم يوسف، وأنها علاقة مبنية على فقد الثقة وعدم الاطمئنان.
ففي قولهم: مالك لا تأمنّا - على قلة ألفاظه - ما يدل على أن إخوة يوسف قد حاولوا أكثر من مرة الانفراد بأخيهم وكان أبوهم يقف حائلاً بينهم وبين ذلك، لشعوره أن ابنه (يوسف ) لن يكون في مأمن ما داموا منفردين به، وقولهم (مالك لا تأمنا)، تدل على حال دائمة، قائمة، مألوفة، وتدل أيضاً _ وقد جاءت على ألسنة إخوة يوسف_ أنهم يدركون بأنهم ليسوا موضع ثقة أبيهم (في شأن يوسف على الأقل) لذلك تجدهم حين عودتهم دون أخيهم يقولون: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) مؤكدين إدراكهم غياب الثقة عن نفس أبيهم تجاههم.
وما كان ردّ سيدنا يعقوب أمام ادّعاء أبنائه إلا أن:
( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ )
انظر في قوله تعالى، حكاية عن سيدنا يعقوب: (سوّلت لكم أنفسكم) أي زيّنت لكم، فإنكم إنما مكرتم به ابتغاء منفعة تظنون، واهمين، أنكم ستحققونها بفعلكم. لكنّ أنفسكم خدعتكم وغرّتكم وصورت لكم الأمور على غير ما ستنتهي إليه.
وهذا ما كان حقيقة، فما فعلوه كان بقصد تغييب يوسف ليخلو لهم وجه أبيهم، ولينفردوا بمحبته إياهم، لكن الأمر سار على غير ما أرادوا، إذ ظلّ أمر يوسف يشغل بال أبيه مدة غيابه عنه حتى ضجر منه مَن حوله و: (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ). فانظر في قوله: سولت لكم أنفسكم ، كم استطاعت أن تعبر عن المعنى المراد بإيجاز شديد.

إخراج يوسف من البئر:
( وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )
بهذه الآية الكريمة يصف الله تعالى إخراج يوسف من البئر، بواسطة بعض المسافرين من التجار، وقد جاء ذكر إخراج يوسف من البئر موجزاً، مختصراً، لكنه إيجاز مذهل يغني عن السرد الطويل والشرح المفصّل.
فقد تتالت الأفعال في الآية الكريمة تتالياً سريعاً، رشيقاً، بالفاء العاطفة التي تفيد ترتيب حدوث الأفعال وتعاقبها دون فارق زمني يذكر، وهذا معناه أن المسافرين لما صاروا على مقربة من البئر أسرعوا في إرسال من يجلب لهم الماء ( فأرسلوا واردهم )، فأسرع هذا بدوره ملبياً حاجتهم إلى إحضار الماء بسرعة (فأدلى دلوه) وهنا تختفي (الفاء) (قال يا بشرى) ولم يقل الله سبحانه وتعالى (فقال يا بشرى ) ذلك أن البشرى تقتضي المفاجأة، وهذا ما يتحقق بحذف الفاء لتأتي العبارة مفاجئة، للدلالة على البشارة.... وتأمل - ضمن السياق - قول الوارد مستبشراً: (فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ) .

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:47 PM
وقوله تعالى عن المسافرين الذين وجدوا يوسف (عليه السلام) : (سيّارة) وهي صيغة مبالغة من اسم الفاعل،إنما تدل على أن شأنهم كثرة السير، فهم تجار تعودوا السير في هذا الطريق، وهم بحكم كثرة سيرهم على هذا الطريق يعرفون البئر، يدل على ذلك سرعة إرسالهم الوارد حال اقترابهم من البئر( دلت على ذلك الفاء العاطفة) دون وجود ما يشير إلى أنهم وجدوا مشقة في اكتشاف هذا البئر، و ربما يوحي هذا بغير ما ذهب إليه بعض مفسّري الآية من أن إخوة يوسف ألقوه في بئر بعيدة عن طريق المارة، وأن هؤلاء السيارة قد ضلوا طريق سفرهم، فوجدوا البئر مصادفة.
فتعودهم السير في هذا الطريق(إذ هم سيّارة) يبعد من الذهن إمكانية أن يضلوا طريقهم. وإسراعهم بإرسال الوارد لا يوحي بإيجادهم البئر مصادفة، بل ربما دلّ على معرفتهم بوجود بئر في المكان الذي وصلوا إليه.
ولنعد إلى قول إخوة يوسف عند تشاورهم في أمر يوسف: ( وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ )، والفعل (يلتقطه) جواب الطلب (ألقوه)، وجواب الطلب نتيجة له، ولو أنهم ألقوه في بئر بعيدة لكان التقاط بعض السيارة إياه أمر غير وارد، بل ربما هلك قبل أن يهتدي إلى مكان وجوده أحد !!
ويأتي الإيجاز في صورة من أجمل صوره، وأكثرها إيحاء،في قوله تعالى (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) فأما قوله تعالى:" أسرّوه " أي تعاملوا مع الأمر بسرية، فيعني أنهم خافوا أمراً ما( ربما خافوا أن يدّعي ملكيته أحد أو غير ذلك مما لا فائدة من تحديده ).
وأما قوله تعالى: " بضاعة " فيدلّ على أنهم تجّار، وربما كانوا تجار رقيق، أو أن هذا النوع من التجارة كان رائجاً منتشراً في ذلك الوقت، فاستبشروا بعثورهم على الغلام كونه بضاعة لها قيمتها وأهميتها... فتأمل كم اختزلت عبارة ( وأسروه بضاعة ) من المعاني والدلالات.
ويأتي قوله تعالى: ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ )
ليثير في النفس تساؤلاً مهماً إذ كيف كان إيجاد الغلام والتعامل معه بوصفه بضاعة رابحة أمراً يبعث البشرى في نفس الوارد ورفاقه، ثم باعوه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين!؟
إن هذا الأمر الذي يثير التساؤل إنما يعلله ما جاء في الآية السابقة، في قوله تعالى: " وأسرّوه بضاعة " والسّرّية كما قلنا تعني الخوف، فالخوف إذاً هو الذي دفعهم إلى بيعه بأي ثمن، فذلك خير من أن يفقدوه دون مقابل، أو يظلّ عبئاً عليهم لأن ملكيتهم له لم تكن مشروعة، لذا استعجلوا الخلاص منه، ومن يستعجل الخلاص من بضاعة يبيعها بثمن بخس، ويكون زاهداً فيها، أما رأيت إلى السارق كيف يبيع ما يسرقه بأرخص الأثمان مهما ارتفعت قيمته وغلا ثمنه ...!!
يوسف وامرأة العزيز:
ويشتريه رجل من مصر (العزيز) ويوصي زوجته بأن تكرم مثواه، غير أن امرأة العزيز تجاوزت ذلك – لما بلغ أشده - إلى حدّ العشق والتعلق، فرغبت به وراودته عن نفسه، وغلقت الأبواب، فأبى وأصرت:
( وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
(واستبقا الباب) أي استبقا إلى الباب ( الباب اسم منصوب بنزع الخافض ) أي أراد كل منهما أن يسبق الآخر إلى الباب هو ليفتحه وهي لتمنعه، ورأى بعض المفسرين أن في قوله تعالى: ( واستبقا الباب ) بالمعنى الذي قلناه إيجاز قرآني بلاغي.
ولنا أن نضيف إلى ذلك أن الصيغة التي جاءت عليها الكلمة ( استبقا ) وهي تدل على تكلّف الفعل وبذل المشقة في سبيله، إنما تحمل دلالة بيانية أعمق، ففيها أن امرأة العزيز أسرعت إلى الباب باذلة في ذلك جهداً مقترناً بعزيمة وإصرار على ارتكاب الفاحشة دون أن يثنيها عن ذلك ولو خاطر عابر بالتراجع عما أقدمت على فعله.
وبالمقابل فإن يوسف (عليه السلام) بذل كل مشقة في سبيل الوصول إلى الباب وفي ذلك دلالة قاطعة على أن ثمة عزماً شديداً منه على تجنب ارتكاب الفاحشة دون تراخٍ أو تهاون أو مرور خاطر بالنزول عند رغبتها.
( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ )
لنقف عند شهادة الشاهد، والشاهد أتت من المشاهدة، وامرأة العزيز ويوسف لم يكن معهما أحد ليكون شاهداً على ما حدث، ولعل الشاهد قد شهد موقف امرأة العزيز ويوسف ( عليه السلام ) وقد ألفيا سيدها لدى الباب، وذِكرُ الشاهد قضيةَ قدِّ القميص تعني بالضرورة عدم رؤيته قميص يوسف وقد قُدَّ من دبر، وإلا فلا معنى لشهادته.
كيف خطرت له مسألة القميص إذاً ؟
أَوَلم يكن ممكناً ألا يكون يوسف ( عليه السلام ) مرتدياً قميصاً في ذلك الموقف ؟
الراجح - والله أعلم - أن امرأة العزيز ذكرت قميص يوسف لتجعله دليلاً على مقاومتها إياه ومنعه من فعل الفاحشة، ولم تُشر إلى الجهة التي قُدَّ منها، وكأن الشاهد – وهو خارج الباب برفقة العزيز – قد سمع ذلك دون أن يرى يوسف ، فرأى أن يجعل القميص دليل إدانة أو براءة، وهنا تنبّه العزيز إلى هذه المسألة فعرف بها كيد زوجته، وتأكد من براءة يوسف مما اتهمته به زوجته.
وهذا من وجوه الحذف البلاغي في القصة، إذ لم تشر الآية إلى أن امرأة العزيز ذكرت قدّ القميص كدلالة على براءتها، والآية لم تذكر أيضاً مكان وجود الشاهد في هذا الموقف، وأنه كان يسمع ما يحدث وهو خارج الباب دون أن يرى... فهذا كله مما توحي به الآية الكريمة بإيجاز موحٍ يحتاج إلى شيء من التأمل والتدبر.
ومما جاء في هذا الموقف مفصلاً قول الشاهد:
إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ
إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ
وكان ممكناً حسب البلاغة القرآنية اختزال هذا القول بالاكتفاء بالجزء الأول منه، إذ يتضمن في ظل وجود الشرط معنى جزئه الثاني.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:47 PM
لكن ذكر جانب دون الآخر، أو التفصيل في جانب والإيجاز في جانب الآخر– فيما لو جاء على هذا النحو – ربما يحمل دلالة على ميل الشاهد إلى الاحتمال الذي فصّل فيه، لذا جاء قوله في الاحتمالين متساوياً من حيث عدد الكلمات، حرصاً منه على أن يكون دقيقاً في قوله، منطقياً في رأيه، حيادياً، عادلاً، في سبيل الوصول إلى الحقيقة.
( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ )
إن قوله تعالى: ( قال نسوة في المدينة ) يدل على تسرّب الخبر من القصر وانتشاره على نطاق ضيّق، لم يصل حدّ الشيوع والعموم، فـ( نسوةٌ ) اسم جمع قلّة، وهذا ما مكن امرأة العزيز من دعوة هؤلاء النسوة إلى قصرها.
(ونسوة في المدينة) تقليل لشأن هؤلاء النسوة إذ جاء ذكرهن منكراً، على عكس ما جاء في الآية نفسها بقولهم:(امرأة العزيز) وهذا يدل على أنهن دونها شأناً ومكانةً.
وقد فصّل المفسرون القول في هذه الآية، فرأوا أن نسبتها إلى زوجها العزيز أدعى إلى استعظام الأمر، فهي متزوجة (هذا من جهة) وهي من (ذوات النفوذ والسلطان) فأمرها أعظم سوءاً من سواها .
(تراود): مضارع يدل على التجدد والاستمرارية، أي كان هذا ، وما يزال، دأبها وديدنها حتى لحظة قولهن، فهي تفعل ذلك بإصرار واستمرار.
( فتاها ):عبدها أو مملوكها، وهذا أكثر تشنيعاً وتشهيراً فسميت بـ (امرأة العزيز) أي ذات النفوذ والسلطان، وسمي من تراوده عن نفسه بـ( فتاها)، تذكيراً بتبعيته لها ومملوكيتها له.
( قد شغفها حباً ): أي وصل حبه سويداء قلبها وتمكّن منه.
( إنّا لنراها في ضلال مبين ) وجاء قولهن هذا مؤكداً بمؤكدين زيادة في استنكارهن فعلها، وأنه بعيد كل البعد عن الصواب والرأي السديد... فتأمل كم حملت هذه الكلمات القليلة الموجزة من معان ودلالات !!
( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا )
قوله تعالى: آتت كل واحدة منهن سكيناً، إشارة إلى أنها وضعت لهن أصناف الفواكه وسواه، مما يحتاج أكله إلى استخدام السكين.
وقوله تعالى(سمعت بمكرهن) يدل على أن ما قالته النسوة قد تناقلته الألسن(كثرت أم قلّت) حتى تناهى الخبر إلى سمعها. فسماع الأمر غير السماع به، فالسماع بالأمر يعني أن ثمة واسطة أو ناقلاً بين القائل والسامع، بين المرسل والمتلقي، وهذا يؤكد تناقل الخبر، ولو على نطاق محدود، ويفسّر في الوقت ذاته علّة سجن يوسف رغم رؤية الدلائل على براءته، إذ أخذ الخبر ينتشر بين الناس، حتى غدا سجنه أدعى إلى إلصاق التهمة به وتجريمه، وبذلك يبدو الأمر محاولة اعتداء عبد على سيدته، نال جزاءه سجناً.
خروج يوسف من السجن:
يخرج يوسف ( عليه السلام ) من السجن بعد تأويل رؤيا رآها الملك وقد جهل تأويلها أصحاب هذا العلم ممن يحيطون به، ولما أن علم الملك بقصة يوسف مع النسوة، وعلم ببراءته مما اتهم به ...
(قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) انظر في قوله تعالى حكاية عن الملك (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) فقد اشتملت كلمة (أستخلصه) على جملة من المعاني (كما وردت في معاجم اللغة ):
أستخلصه: أي أنجيه من كربته أو مصيبته، وأختاره، وأصطفيه، وأختصه: أجعله خالصاً لي.
وأستخلصه: مبالغة من ( أخلصه ) تدل على شدة حرص الملك على اصطفائه يوسف، واختياره إياه، ليكون من خاصته.
(فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )
وفي الكلام محذوف .... أي لما كلمه الملك أعجب بحسن منطقه، ورجاحة عقله، واتزانه، مما زاده إعجاباً به، فارتقى بعلاقته بيوسف ( عليه السلام ) من العلاقة الخاصة، بجعله مقرباً إليه، إلى أن يجعل له مكانة مرموقة ورتبة عالية في دولته.
ولما أن علم يوسف علوّ منزلته عند الملك، وتيقن من ثقته به، ومحبته إياه (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ).
وقوله: إني حفيظ، جاءت رداً على قول الملك (مكين أمين) أي إنني أهل للثقة، حافظ للأمانة.
ثم أضاف إلى ذلك قوله ( عليم ) أي عالم بإدارة الأمور المالية في الدولة، بما يضمن تحقيق العدل والمساواة بين الرعية.
و يبدو أن وزارة المالية لم تكن قادرة - إذ ذاك - على إدارة شؤون الدولة الاقتصادية، فأراد يوسف ( عليه السلام ) أن يشغل هذا المنصب لدرايته بذلك، وعلمه به.
وليس أدل على ذلك من قول يوسف عند تأويل رؤيا الملك :
( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ )
نلاحظ أنّ يوسف ( عليه السلام ) لم يكتفِ بتأويل الرؤيا بل ضمّن ذلك إيجاد الحلول، ولو كان من يدير الشؤون الاقتصادية قادراً على إيجاد الحلول، لوقف سيدنا يوسف عند حدّ تأويل الرؤيا وترك أمر الحل إلى أصحاب الشأن.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:48 PM
ولعل ما طرحه يوسف ( عليه السلام ) حلاً للمشكلة قبل وقوعها كان سبباً في جعل الملك أكثر إيماناً بأهليّة يوسف لهذا المنصب...
وإذا صحّ ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الرجل الذي اشترى سيدنا يوسف ( أي العزيز ) هو من كان يشغل منصب وزير المالية في ذلك الوقت، فإن في ظلمه يوسف ( عليه السلام ) وسجنه إياه، رغم تأكده من براءته، دليل كاف على أنه ليس أهلاً لذلك المنصب، إذ لن يكون وهو على هذه الحال عادلاً بين الرعية ...
يوسف وإخوته في مصر:
وجاء إخوة يوسف ليكتالوا في سنوات الجدب، غير أن يوسف أبى إلا أن يعودوا ليحضروا أخاهم بنيامين حتى ينال حصته ، فعاد إخوته وراودوا عنه أباه حتى جاؤوا به بعد أن أعطوا أباهم ميثاقاً بأن يحفظوا أخاهم بنيامين من كل سوء ما لم يغلبوا على أمرهم:
( وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
انظر في قوله تعالى (آوى إليه أخاه) كم فيه من إيجاز في الألفاظ ، وغنىً بالمعاني والدلالات.
فمن ينظر في كلمة (آوى) في معاجم اللغة سيجد أنها تأتي بمعنى: أعاد، وضمّ، وأحاط، وأنزل عنده، وأشفق، ورحم، ورقّ. وتآوت الطير: تجمعت بعضها إلى بعض. وتآوى الجرح : أي تقارب للبرء.
فانظر بلاغة القرآن العظيم وكم لهذه الكلمة من المعاني التي تصوّر حال يوسف (عليه السلام) عند لقائه أخاه بعد فراق طويل !!
ثم يأتي قوله تعالى:
( فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ )
إن الآية الكريمة تشير إلى أمر يثير الاستغراب، إذ لا يعلم المتلقي أية حاجة تلك دفعت يوسف ( عليه السلام ) إلى إلصاق تهمة السرقة بأخيه!!
إذاً ثمة أمر كان قد أضمره يوسف (عليه السلام) بوضع الصواع في رحل أخيه ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ ) ، وليس في نص الآية الكريمة ما يشير إلى أن يوسف (عليه السلام) كان قد اخبر أخاه بما ينوي فعله، حتى لا يفاجأ أو يفزع من وجود الصواع في رحله أمام مرأى من إخوته، وبعض خاصة يوسف (عليه السلام).
لقد أراد يوسف (عليه السلام) بفعله هذا أن يستبقي أخاه بنيامين فاحتال لذلك ودبّر، لكن ما فعله يوسف (عليه السلام ) لم يكن في حقيقته إلا وحياً من الله سبحانه وتعالى: ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ ).
وحاول إخوة يوسف ( عليه السلام ) العودة بأخيهم بنيامين إلى أبيهم، وذهبوا في إقناع يوسف كل مذهب ... لكنهم يفلحوا:
( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا )
واستيئسوا : صيغة مبالغة من يئسوا، ومعنى ذلك أنهم بذلوا في سبيل إقناعه كل جهد ولم يفلحوا، فلما بلغوا غاية اليأس اعتزلوا الناس ومضوا، منفردين في جانب بعيد عنهم، ليقلّبوا وجوه الأمر فيما بينهم.
واستخدام صيغة مبالغة من يئسوا ( استيئسوا ) فيه التزام بما عاهدوا أباهم عليه حين أعطوه موثقاً من الله أن يحفظوا أخاهم ما لم يغلبوا على أمرهم، ولذا بذلوا في سبيل ذلك كل جهد، واتبعوا كل وسيلة.
وأما التناجي فيما بينهم ففيه ما يدل على طرح أمر لا يريدون من غيرهم أن يطّلع عليه ... لذا كانت نجواهم فيما بينهم تتعلق بهذين الأمرين:
قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ.
وتمضي الأحداث ليكتشف إخوة يوسف أن العزيز ما هو إلا ذلك الغلام الصغير الذي ألقوه في غيابة الجب منذ سنوات بعيدة، فاعتذروا إليه، وحملوا قميصه، وعادوا به ليلقوه على وجه أبيهم، فيرتد إليه بصره بعد أن فقده حزناً على فراق ولديه.
وينتقل الجميع إلى مصر ليجمع الله تعالى سيدنا يعقوب بابنه يوسف ( عليهما السلام ) بعد غياب طويل، (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) ها هي كلمة ( آوى ) ترد من جديد، تتضمن معاني التآلف ، والتئام الجرح، وتحمل في طياتها معاني الرحمة بأبويه، والعطف عليهما، وقد أصبحا طاعنين في السن.
دعاء يوسف (عليه السلام):
وتنتهي قصة يوسف بدعائه عليه السلام:
( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ).
فانظر المعاني العظيمة التي اشتمل عليها الدعاء بإيجاز شديد كما ورد ت في الآية الكريمة ؟
في دعاء يوسف ( عليه السلام ):
- أمران نالهما يوسف من ربه في الدنيا: آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ
- أمران طلبهما يوسف من ربه لآخرته: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
- أمران يتعلقان بصفات الله تعالى :
القدرة والخلق .. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
الإلوهية والوحدانية .. أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا (بما وهبتني) وَالآخِرَةِ (بما أرجوه منك)
فانظر آداب الدعاء في قول سيدنا يوسف:
بدأ يوسف ( عليه السلام ) دعاءه بالاعتراف بفضل الله تعالى عليه في الدنيا، بما وهبه من العلم والملك. ثم أثنى عليه بما هو أهله، واختار من صفات الله تعالى القدرة، والخلق (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، فخالق السموات والأرض هو القادر وحده على إجابة الدعاء.
ثم أقر سيدنا يوسف بعبوديته لله تعالى، وتوحيده إياه، والافتقار إليه، باستعطاف، واسترحام، وتذلل: ( أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ ).
ثم طلب بعد ذلك من الله تعالى أن يتوفاه على الإسلام ويلحقه بالصالحين.
فكان أن جمع سيدنا يوسف في دعائه بين خيري الدنيا ( العلم والملك ) والآخرة ( الوفاة على الإسلام، والحشر مع الصالحين في الجنة ) طالباً ذلك كله من خالق السموات والأرض ومن فيهما، ووارثهما ومن فيهما.
ياسر محمود الأقرع
لمراسلة المؤلف:
( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى )

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:49 PM
لمسات بيانية في سورة الفاتحة

الدكتور فاضل السامرائي
الحمد لله:
معنى الحمد:الثناء على الجميل من النعمة أو غيرها مع المحبة والإجلال، فالحمد أن تذكر محاسن الغير سواء كان ذلك الثناء على صفة من صفاته الذاتية كالعلم والصبر والرحمة أم على عطائه وتفضله على الآخرين. ولا يكون الحمد إلا للحي العاقل.
وهذا أشهر ما فرق بينه وبين المدح فقد تمدح جمادا ولكن لا تحمده؛ وقد ثبت أن المدح أعم من الحمد. فالمدح قد يكون قبل الإحسان وبعده؛ أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان، فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد؛ أما المدح فقد يكون قبل ذلك فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئا من المحاسن والجميل ولذا كان المدح منهياً عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احثوا التراب في وجه المداحين" بخلاف الحمد فإنه مأمور به فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يحمد الناس لم يحمد الله".
وبذا علمنا من قوله: الحمد لله" أن الله حي له الصفات الحسنى والفعل الجميل فحمدناه على صفاته وعلى فعله وإنعامه ولو قال المدح لله لم يفد شيئا من ذلك، فكان اختيار الحمد أولى من اختيار المدح.
ولم يقل سبحانه الشكر لله لأن الشكر لا يكون إلا على النعمة ولا يكون على صفاته الذاتية فانك لا تشكر الشخص على علمه أو قدرته وقد تحمده على ذلك وقد جاء في لسان العرب "والحمد والشكر متقاربان والحمد أعمهما لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته.فكان اختيار الحمد أولى أيضاً من الشكر لأنه أعم فانك تثني عليه بنعمه الواصلة إليك والى الخلق جميعا وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية وان لم يتعلق شيء منها بك. فكان اختيار الحمد أولى من المدح والشكر.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنه قال: الحمد لله ولم يقل أحمد الله أو نحمد الله وما قاله أولى من وجوه عدة:
إن القول " أحمد الله " أو " نحمد الله " مختص بفاعل معين ففاعل أحمد هو المتكلم وفاعل نحمد هم المتكلمون في حين أن عبارة "الحمد لله" مطلقة لا تختص بفاعل معين وهذا أولى فإنك إذا قلت " أحمد الله " أخبرت عن حمدك أنت وحدك ولم تفد أن غيرك حمده وإذا قلت " نحمد الله " أخبرت عن المتكلمين ولم تفد أن غيركم حمده في حين أن عبارة "الحمد لله" لا تختص بفاعل معين فهو المحمود على وجه الإطلاق منك ومن غيرك.
وقول " أحمد الله " تخبر عن فعلك أنت ولا يعني ذلك أن من تحمده يستحق الحمد؛ في حين إذا قلت " الحمد لله" أفاد ذلك استحقاق الحمد لله وليس مرتبط بفاعل معين.
وقول " أحمد الله " أو " نحمد الله " مرتبط بزمن معين لأن الفعل له دلالة زمنية معينة، فالفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال ومعنى ذلك أن الحمد لا يحدث في غير الزمان الذي تحمده فيه، ولا شك أن الزمن الذي يستطيع الشخص أو الأشخاص الحمد فيه محدود وهكذا كل فعل يقوم به الشخص محدود الزمن فإن أقصى ما يستطيع أن يفعله أن يكون مرتبطا بعمره ولا يكون قبل ذلك وبعده فعل فيكون الحمد أقل مما ينبغي فإن حمد الله لا ينبغي أن ينقطع ولا يحد بفاعل أو بزمان في حين أن عبارة "الحمد لله" مطلقة غير مقيدة بزمن معين ولا بفاعل معين فالحمد فيها مستمر غير منقطع.
جاء في تفسير الرازي أنه لو قال " احمد الله " أفاد ذلك كون القائل قادرا على حمده، أما لما قال "الحمد لله" فقد أفاد ذلك، أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين فهؤلاء سواء حمدوا أم لم يحمدوا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم.
وقول "أحمد الله" جملة فعلية و"الحمد لله" جملة اسمية والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد في حين أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت وهي أقوى وأدوم من الجملة الفعلية. فاختيار الجملة الاسمية أولى من اختيار الجملة الفعلية ههنا إذ هو أدل على ثبات الحمد واستمراره.
وقول "الحمد لله" معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه فانه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد. فقولنا "الحمد لله" معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ولو قال "احمد الله" لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد بذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصاً واحداً حمده.
والحمد: عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال. فإذا تلفظ الإنسان بقوله: "أحمد الله" مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع انه ليس كذلك. أما إذا قال "الحمد لله" سواء كان غافلاً أو مستحضراً لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقاً لأن معناه: أن الحمد حق لله وملكه وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلاً بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن. فثبت أن قوله "الحمد لله" أولى من قوله أحمد الله أو من نحمد الله. ونظيره قولنا "لا اله إلا الله" فانه لا يدخل في التكذيب بخلاف قولنا "اشهد أن لا اله إلا الله" لأنه قد يكون كاذبا في قوله "أشهد" ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" (المنافقون، آية 1)
فلماذا لم يقل " الحمدَ لله " بالنصب؟
الجواب أن قراءة الرفع أولى من قراءة النصب ذلك أن قراءة الرفع تدل على أن الجملة اسمية في حين أن قراءة النصب تدل على أن الجملة فعلية بتقدير نحمد أو احمد أو احمدوا بالأمر. والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الجملة الفعلية لأنها دالة على الثبوت.
وقد يقال أليس تقدير فعل الأمر في قراءة النصب أقوى من الرفع بمعنى "احمدوا الحمد لله" كما تقول "الإسراع في الأمر" بمعنى أسرعوا؟ والجواب لا فإن قراءة الرفع أولى أيضاً ذلك لان الأمر بالشيء لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل. وقد يكون المأمور غير مقتنع بما أمر به فكان الحمد لله أولى من الحمد لله بالنصب في الأخبار والأمر.
ولماذا لم يقل " حمداً لله " ؟ الحمد لله معرفة بأل و" حمداً " نكرة؛ والتعريف هنا يفيد ما لا يفيده التنكير ذلك أن "أل" قد تكون لتعريف العهد فيكون المعنى: أن الحمد المعروف بينكم هو لله، وقد يكون لتعريف الجنس على سبيل الاستغراق فيدل على استغراق الأحمدة كلها. ورجح بعضهم المعنى الأول ورجح بعضهم المعنى الثاني بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك الحمد كله" فدل على استغراق الحمد كله فعلى هذا يكون المعنى: أن الحمد المعروف بينكم هو لله على سبيل الاستغراق والإحاطة فلا يخرج عنه شيء من أفراد الحمد ولا أجناسه.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:49 PM
الحمد لله" أهي خبر أم إنشاء؟ الخبر هو ما يحتمل الصدق أو الكذب والإنشاء هو ما لا يحتمل الصدق أو الكذب.
قال أكثر النحاة والمفسرين: أن الحمد لله إخبار كأنه يخبر أن الحمد لله سبحانه وتعالى، وقسم قال: أنها إنشاء لأن فيها استشعار المحبة وقسم قال: أنها خبر يتضمن إنشاء.
أحيانا يحتمل أن تكون التعبيرات خبرا أو إنشاء بحسب ما يقتضيه المقام الذي يقال فيه.فعلى سبيل المثال قد نقول (رزقك الله) ونقصد بها الدعاء وهذا إنشاء وقد نقول (رزقك الله وعافاك) والقصد منها أفلا تشكره على ذلك؟ وهذا خبر.
والحمد لله هي من العبارات التي يمكن أن تستعمل خبرا وإنشاء بمعنى الحمد لله خبر ونستشعر نعمة الله علينا ونستشعر التقدير كان نقولها عندما نستشعر عظمة الله سبحانه في أمر ما فنقول الحمد لله.
فلماذا لم يقل سبحانه " إن الحمد لله " ؟ لا شك أن الحمد لله لكن هناك فرق بين التعبيرين أن نجعل الجملة خبراً محضا في قول الحمد لله (ستعمل للخبر أو الإنشاء) ولكن عندما تدخل عليه " إن " لا يمكن إلا أن يكون إنشاء، لذا فقول " الحمد لله " أولى لما فيه من الإجلال والتعظيم والشعور بذلك. لذا جمعت الحمد لله بين الخبر والإنشاء ومعناهما، مثلا نقول رحمة الله عليك (هذا دعاء) وعندما نقول إن رحمة الله عليك فهذا خبر وليس دعاء
من المعلوم انه في اللغة قد تدخل بعض الأدوات على عبارات فتغير معناها مثال: رحمه الله (دعاء)، قد رحمه الله (إخبار)، رزقك الله (دعاء)، قد رزقك الله (إخبار).
لماذا لم يقل سبحانه " لله الحمد " ؟
الحمد الله تقال إذا كان هناك كلام يراد تخصيصه (مثال: لفلان الكتاب) تقال للتخصيص والحصر فإذا قدم الجار والمجرور على اسم العلم يكون بقصد الاختصاص والحصر (لإزالة الشك أن الحمد سيكون لغير الله)
الحمد لله في الدنيا ليست مختصة لله سبحانه وتعالى، الحمد في الدنيا قد تقال لأستاذ أو سلطان عادل، أما العبادة فهي قاصرة على الله سبحانه وتعالى، المقام في الفاتحة ليس مقام اختصاص أصلاً وليست مثل ( إياك نعبد ) أو( إياك نستعين ). فقد وردت في القران الكريم (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) الجاثية (لآية 36)
لا أحد يمنع التقديم لكن التقديم والتأخير في القرآن الكريم يكون حسب ما يقتضيه السياق، المقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية؛ أما في سورة الجاثية فالمقام في الكافرين وعقائدهم وقد نسبوا الحياة والموت لغير الله سبحانه لذا اقتضى ذكر تفضله سبحانه بأنه خلق السموات والأرض وأثبت لهم أن الحمد الأول لله سبحانه على كل ما خلق لنا فهو المحمود الأول لذا جاءت فلله الحمد مقدمة حسب ما اقتضاه السياق العام للآيات في السورة.
فلماذا التفصيل في الجاثية (رب السموات والأرض) ولم ترد في الفاتحة؟ في الجاثية تردد ذكر السموات والأرض وما فيهن وذكر ربوبية الله تعالى لهما فقد جاء في أول السورة ( إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين ) فلو نظرنا في جو سورة الجاثية نلاحظ ربوبية الله تعالى للسموات والأرض والخلق والعالمين مستمرة في السورة كلها. (ولله ملك السموات والأرض) يعني هو ربهما ( ويوم تقوم الساعة يخسر المبطلون) إذن هو رب العالمين ( وخلق الله السموات والأرض بالحق) فهو ربهما ( لتجزى كل نفس..) فهو رب العالمين. (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) جمع الربوبية في السموات والأرض والعالمين في آية واحدة، أما في الكلام في الفاتحة فهو عن العالمين فقط وذكر أصناف الخلق من العالمين (المؤمنين، الضالين..) لذا ناسب التخصيص في الجاثية وليس في الفاتحة.
(وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) (الجاثية الآية 37) ولم يذكرالكبرياء في الفاتحة لأنه جاء في الجاثية ذكر المستكبرين بغير حق ( ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم. وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) (الجاثية الآيات 7-9) دل على مظهر من مظاهر الاستكبار لذا ناسب أن يرد ذكر الكبرياء في السموات والأرض. فسبحانه وتعالى يضع الكلام بميزان دقيق بما يتناسب مع السياق العام للآيات.
الحمد لله: جاء سبحانه وتعالى باسمه العلم (الله) ،لم يقل الحمد للخالق أو القدير أو أي اسم آخر من أسمائه الحسنى فلماذا جاء باسمه العلم؟ لأنه إذا جاء بأي اسم آخر غير العلم لدل على انه تعالى استحق الحمد فقط بالنسبة لهذا الاسم خاصة فلو قال الحمد للقادر لفهمت على انه يستحق الحمد للقدرة فقط لكن عند ذكر الذات (الله) فإنها تعني انه سبحانه يستحق الحمد لذاته لا لوصفه.
من ناحية أخرى " الحمد لله " مناسبة لما جاء بعدها (إياك نعبد) لأن العبادة كثيرا ما تختلط بلفظ الله. فلفظ الجلالة (الله) يعنى الإله المعبود مأخوذة من أله (بكسر اللام) ومعناها عبد ولفظ الله مناسب للعبادة وأكثر اسم اقترن بالعبادة هو لفظ الله تعالى (أكثر من 50 مرة اقترن لفظ الله بالعبادة في القرآن) لذا فالحمد لله مناسب لأكثر من جهة.
" الحمدُ لله "أولى من قول الحمد للسميع أو العليم أو غيرها من أسماء الله الحسنى. وقول الحمد لله أولى من قول أحمد الله أو الحمدَ لله أو حمداً لله أو إن الحمد لله أو الحمد للحي أو القادر أو السميع أو البصير. جلت حكمة الله سبحانه وتعالى وجل قوله العزيز.
رب العالمين:
الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيِّم، فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم لذا فهو أولى بالحمد من غيره وذكر (رب العالمين) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الحمد لله)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:50 PM
رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى، العالمين: جمع عالم والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى؛ والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي يعني ذلك أن العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل (لا تشمل غير العقلاء) بدليل قوله تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان آية 1) ومن المؤكد انه ليس نذيرا للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على أن المقصود بالعالمين أولي العقل وأولي العلم أو المكلفون.
والعالمين جمع العالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم العالمين وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم.
أما العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم البشر أو العقلاء أو المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات)
اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة فالعالمين تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين أو قسما من جيل (قالوا أولم ننهك عن العالمين) (الحجر آية 70) في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى قسم من الرجال.
واختيار " العالمين " أيضاً لأن السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص بأولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار " العالمين " على غيرها من المفردات أو الكلمات. وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود، والعالمين رد على اليهود الذين ادعوا أن الله تعالى هو رب اليهود فقط فجاءت رب العالمين لتشمل كل العالمين لا بعضهم.
أما اختيار كلمة رب فلأنها تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم) لأن من معاني الرب المربي وهي أشهر معانيه وأولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه آية 49-50) (فاجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه آية 122) (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (الأعلى آية 1-3) (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) (الأنعام آية 161) (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) (الكهف آية 24) (قال كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء آية 62) (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (الصافات آية 99) (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) (القصص آية 22) لذا ناسب لفظ " رب " مع " اهدنا الصراط المستقيم " وفيها طلب الهداية.
الرحمن الرحيم:
الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية أن الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف إلى حده الأقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضبا (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) لكن الغضب زال (فلما سكت عن موسى الغضب) ومثل ذلك عطشان، ريان ، جوعان ، يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش
أما صيغة فعيل فهي تدل على الثبوت سواء كان خلقة ويسمى تحول في الصفات مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وإنما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه.
هذا الإحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان(حدث فيه شيء جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو أصلاً ضعيف).
ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معا فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع أن هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها أن صفة رحيم مع أنها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة إنما قد تنفك مثلا عندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة إنما الصفة الغالبة عليه هي الكرم.
وجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على أن صفاته الثابتة والمتجددة هي الرحمة ويدل على أن رحمته لا تنقطع وهذا يأتي من باب الاحتياط للمعنى وجاء بالصفتين الثابتة والمتجددة لا ينفك عن إحداهما، إنما هذه الصفات مستمرة ثابتة لا تنفك البتة غير منقطعة.
فلماذا إذاً قدم سبحانه الرحمن على الرحيم ؟
قدم صيغة الرحمن والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها لأن الإنسان في طبيعته عجول وكثيراً ما يؤثر الإنسان الشيء الآتي السريع وان قل على الشيء الذي سيأتي لاحقاً وإن كثر (بل تحبون العاجلة) لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة ورحمته قريبة ومتجددة وحادثة إليه ولا تنفك لأن رحمته ثابتة. ووقوع كلمة " الرحيم " بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها إشارة إلى أن المربي يجب أن يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربياً أو سيداً أو قيما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.
مالك يوم الدين:
هناك قراءة متواترة(ملك يوم الدين) بعض المفسرين يحاولون تحديد أي القراءتين أولى وتحديد صفة كل منهما لكن في الحقيقة ليس هناك قراءة أولى من قراءة فكلتا القراءتين متواترة نزل بهما الروح الأمين ليجمع بين معنى المالك والملك.
المالك من التملك والملك بكسر الميم (بمعنى الذي يملك الملك)
وملك بكسر اللام من الملك بضم الميم والحكم (أليس لي ملك مصر) الملك هنا بمعنى الحكم والحاكم الأعلى هو الله تعالى.
المالك قد يكون ملكا وقد لا يكون والملك قد يكون مالكا وقد لا يكون. المالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف الملك (بكسر اللام) والمالك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام والملك ينظر للحكم والعدل والإنصاف. المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم والملك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة فنزلت القراءتين لتجمع بين معنى المالك والملك وتدل على انه سبحانه هو المالك وهو الملك (قل اللهم مالك الملك) الملك ملكه سبحانه وتعالى فجمع بين معنى الملكية والملك
مالك يوم الدين، لِمَ لمْ يذكر الدنيا ؟ سواء كان مالكا أو ملكا فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟
أولا قال " الحمد لله رب العالمين " فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا. مالك يوم الدين هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا وبقوله " يوم الدين " شمل فيه الدنيا أيضاً.
لم قال يوم الدين ولم يقل يوم القيامة؟
الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل جميع أنواع القيامة من أولها إلى آخرها ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين وكلمة الدين انسب للفظ رب العالمين وانسب للمكلفين (الدين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء أما الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلفين لان الكلام من أوله لآخره عن المكلفين لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة.
لماذا قال مالك يوم واليوم لا يملك إنما ما فيه يملك ؟ والسبب لقصد العموم ومالك اليوم هو ملك لكل ما فيه وكل من فيه فهو أوسع وهو ملكية كل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي إضافة عامة شاملة جمع فيها ما في ذلك اليوم ومن فيه وإحداثه وكل ما فيه من باب الملكية (بكسر الميم) والملكية (بضم الميم)
اقتران الحمد بهذه الصفات أحسن وأجمل اقتران. الحمد لله فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم) ثم محمود بكل معاني الربوبية (رب العالمين) لان من الأرباب من لا تحمد عبوديته وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته لان الرحمة لو وضعت في غير موضعها تكون غير محمودة فالرحمة إذا لم توضع في موضعها لم تكن مدحا لصاحبها، محمود في رحمته يضعها حيث يجب أن توضع وهو محمود يوم الدين محمود في تملكه وفي مالكيته (مالك يوم الدين) محمود في ملكه ذلك اليوم (في قراءة ملك يوم الدين)
استغرق الحمد كل الأزمنة، لم يترك سبحانه زمناً لم يدخل فيه الحمد أبداً من الأزل إلى الأبد فهو حمده قبل الخلق (الحمد لله) حين كان تعالى ولم يكن معه شيء قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات استغرق الحمد هنا الزمن الأول وعند خلق العالم (رب العالمين) واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرحمن الرحيم) واستغرق الحمد يوم الجزاء كله ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي فأهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم فاستغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد كقوله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة هذه الآيات جمعت أعجب الوصف.
- قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ):
قدم المفعولين لنعبد ونستعين وهذا التقديم للاختصاص لأنه سبحانه وتعالى وحده له العبادة لذا لم يقل نعبدك ونستعينك لأنها لا تدل على التخصيص بالعبادة لله تعالى، أما قول ( إياك نعبد ) فتعني تخصيص العبادة لله تعالى وحده وكذلك في الاستعانة (إياك نستعين) تكون بالله حصرا (ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير) (الممتحنة آية 4) كلها مخصوصة لله وحده حصرا فالتوكل والإنابة والمرجع كله إليه سبحانه (وعلى الله فليتوكل المتوكلون)(إبراهيم 12)
(قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) (الملك آية 29) تقديم الإيمان على الجار والمجرور هنا لأن الإيمان ليس محصورا بالله وحده فقط بل علينا الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر لذا لم تأت به آمنا. أما في التوكل فجاءت وعليه توكلنا لا توكلنا عليه لان التوكل محصور بالله تعالى.
الآن لماذا كررت إياك مع فعل الاستعانة ولم يقل إياك نعبد ونستعين ؟
التكرار يفيد التنصيص على حصر المستعان به؛ لو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين) لم يعني المستعان إنما عني المعبود فقط ولو اقتصرنا على ضمير واحد لفهم من ذلك انه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى انه لا يُعبد بدون استعانة ولا يُستعان به بدون عبادة. يفهم من الاستعانة مع العبادة مجموعة تربط الاستعانة بالعبادة وهذا غير وارد وإنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار في الضمير إياك نعبد وإياك نستعين. التكرار توكيد في اللغة ، في التكرار من القوة والتوكيد للاستعانة فيما ليس في الحذف.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:50 PM
إياك نعبد وإياك نستعين: أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء أو نستعين على طاعة أو غيره، إنما أطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدنيا. وتشمل كل شيء يريد الإنسان أن يستعين بربه لان الاستعانة غير مقيدة بأمر محدد. وقد عبر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع (نعبد ونستعين) وليس بالتعبير المفرد أعبد وأستعين وفي هذا إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام لذا تلزم قراءة هذه السورة في الصلاة وتلزم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة، وفيها دليل على أهمية الجماعة عامة في الإسلام مثل الحج وصلاة الجماعة، الزكاة، الجهاد، الأعياد والصيام. إضافة إلى أن المؤمنين إخوة فلو قال إياك اعبد لأغفل عبادة إخوته المؤمنين وإنما عندما نقول ( إياك نعبد ) نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين أيضاً.
لماذا قرن العبادة بالاستعانة؟
أولاً ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه فهو إذن شعار وإعلان أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل شيئاً إلا بعون الله وهو إقرار بعجز الإنسان عن القيام بالعبادات وعن حمل الأمانة الثقيلة إذا لم يعنه الله تعالى على ذلك، الاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه عن الاستعانة بالله واعتراف الإنسان بضعفه.
لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟
العبادة هي علة خلق الإنس والجن (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(الذاريات 56) والاستعانة إنما هي وسيلة للعبادة فالعبادة أولى بالتقديم.
العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وحق الله أولى من مطالبه.
تبدأ السورة بالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين وهذه كلها من أسلوب الغيبة أي كلها للغائب ثم انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ). فلو قسنا على سياق الآيات الأولى لكان أولى القول إياه نعبد وإياه نستعين. فلماذا لم يقل سبحانه هذا؟
في البلاغة يسمى هذا الانتقال من الغائب للمخاطب أو المتكلم أو العكس " الإلتفات ". للإلتفات فائدة عامة وفائدة في المقام ، أما الفائدة العامة فهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه. أما الفائدة التي يقتضيها المقام فهي إذا التفت المتكلم البليغ يكون لهذه الالتفاتة فائدة غير العامة مثال: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) (يونس آية 22) لم يقل وجرين بكم فيها التفات لأنهم عندما ركبوا في البحر وجرت بهم الفلك أصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين.
وعندما قال سبحانه الحمد لله رب العالمين فهو حاضر دائما فنودي بنداء الحاضر المخاطب. الكلام من أول الفاتحة إلى مالك يوم الدين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة والثناء في الغيبة أصدق وأولى أما ( إياك نعبد وإياك نستعين )فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى؛ إذن الثناء في الغيبة أولى والدعاء في الحضور أولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي أولى.
- قوله ( اهدنا الصراط المستقيم )
هذا دعاء ولا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا الدعاء فيتوجب على المسلم قوله عدة مرات في اليوم وهذا بدوره يدل على أهمية الطلب وهذا الدعاء لان له أثره في الدنيا والآخرة ويدل على أن الإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله تعالى لذلك. إذا ترك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه ولم يهتدوا إلى الصراط المستقيم وبما أن هذا الدعاء في الفاتحة ولا صلاة بدون فاتحة فلذا يجب الدعاء به في الصلاة الفريضة وهذا غير دعاء السنة في (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) (البقرة آية 201)
والهداية: هي الإلهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر مثل " اهدنا الصراط المستقيم " (تعدى الفعل بنفسه) وقد يتعدى بإلى (وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) (الشورى آية 52) (وأهديك إلى ربك فتخشى) (النازعات آية 19) وقد يتعدى باللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا ) (الأعراف 43) (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) (الحجرات آية 17)
ذكر أهل اللغة أن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه أن التعدية بالحرف تستعمل عندما لا تكون الهداية فيه بمعنى أن المهدي كان خارج الصراط فهداه الله له فيصل بالهداية إليه. والتعدية بدون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه كقولنا " هديته الطريق " قد يكون هو في الطريق فنعرفه به وقد لا يكون في الطريق فنوصله إليه. (فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43) أبو سيدنا إبراهيم لم يكن في الطريق، (ولهديناهم صراطا مستقيما) (النساء آية 68) والمنافقون ليسوا في الطريق. واستعملت لمن هم في الصراط (وقد هدانا سبلنا) (إبراهيم آية 12) قيلت في رسل الله تعالى وقال تعالى مخاطبا رسوله (ويهديك صراطا مستقيما) (الفتح آية 2) والرسول مالك للصراط. استعمل الفعل المعدى بنفسه في الحالتين.
التعدية باللام وإلى لمن لم يكن في الصراط (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط) (ص آية 22) (هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) (يونس آية 35)
وتستعمل هداه له بمعنى بينه له والهداية على مراحل وليست هداية واحدة فالبعيد عن الطريق، الضال، يحتاج من يوصله إليه ويدله عليه (نستعمل هداه إليه) والذي يصل إلى الطريق يحتاج إلى هاد يعرفه بأحوال الطريق وأماكن الأمن والنجاة والهلاك للثقة بالنفس ثم إذا سلك الطريق في الأخير يحتاج إلى من يريه غايته واستعمل سبحانه اللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (الأعراف آية 43) وهذه خاتمة الهدايات.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:51 PM
ونلخص ما سبق على النحو التالي:
-إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى .
-إذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه .
-إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام.
الهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبدا في القرآن لان الصراط ليست غاية إنما وسيلة توصل للغاية واللام إنما تستعمل عند الغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء آية 9) وقوله (يهدي الله لنوره من يشاء) (النور آية 35).
قد نقول جاءت الهدايات كلها بمعنى واحد مع اختلاف الحروف.
- (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدي إلا أن يهدى) (يونس آية 35).
جاءت يهدي للحق المقترنة بالله تعالى لان معنى الآيات تفيد هل من شركائكم من يوصل إلى الحق قل الله يهدي للحق الله وحده يرشدك ويوصلك إلى خاتمة الهدايات، يعني أن الشركاء لا يعرفون أين الحق ولا كيف يرشدون إليه ويدلون عليه.
- (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة آية 16)
استعمل الهداية معداة بنفسها بدون حرف واستعملها في سياق واحد مع الفعل المعدى بإلى ومعنى الآيات انه من اتبع رضوان الله وليس بعيدا ولا ضالا استعمل له الفعل المعدى بنفسه والذي في الظلمات هو بعيد عن الصراط ويحتاج إلى من يوصله إلى الصراط لذا قال يهديهم إلى صراط مستقيم (استعمل الفعل المعدى بإلى).
نعود إلى الآية " اهدنا الصراط المستقيم " (الفعل معدى بنفسه) وهنا استعمل هذا الفعل المعدى بنفسه لجمع عدة معاني فالذي انحرف عن الطريق نطلب من الله تعالى أن يوصله إليه والذي في الطريق نطلب من الله تعالى أن يبصره بأحوال الطريق والثبات والتثبيت على الطريق.
وهنا يبرز تساؤل آخر ونقول كما سبق وقدم سبحانه مفعولي العبادة والاستعانة في (إياك نعبد وإياك نستعين) فلماذا لم يقل سبحانه إيانا اهدي؟ هذا المعنى لا يصح فالتقديم بـ ( إياك نعبد وإياك نستعين ) تقيد الاختصاص ولا يجوز أن نقول إيانا اهدي بمعنى خصنا بالهداية ولا تهدي أحداً غيرنا فهذا لا يجوز لذلك لا يصح التقديم هنا. المعنى تطلب التقديم في المعونة والاستعانة ولم يتطلبه في الهداية لذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم ).
فلم قال ( اهدنا ) ولم يقل اهدني؟
لأنه مناسب لسياق الآيات السابقة وكما في آيات الاستعانة والعبادة اقتضى الجمع في الهداية أيضاً.
فيه إشاعة لروح الجماعة وقتل لروح الأثرة والأنانية وفيه نزع الأثرة والاستئثار من النفس بان ندعو للآخرين بما ندعو به لأنفسنا.
الاجتماع على الهدى وسير المجموعة على الصراط دليل قوة فإذا كثر السالكون يزيد الأنس ويقوى الثبات فالسالك وحده قد يضعف وقد يمل أو يسقط أو تأكله الذئاب، فكلما كثر السالكون كان ادعى للاطمئنان والاستئناس.
والاجتماع رحمة والفرقة عذاب يشير لله تعالى إلى أمر الاجتماع والأنس بالاجتماع وطبيعة حب النفس للاجتماع كما ورد في قوله الكريم (ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) (النساء آية 13) خالدين جاءت بصيغة الجمع لان المؤمنين في الجنة يستمتعون بالأنس ببعضهم وقوله (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء آية 14) في العذاب فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين النار والوحدة.
لذا فعندما قال سبحانه وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم ) فيه شيء من التثبيت والاستئناس، هذا الدعاء ارتبط بأول السورة وبوسطها وآخرها. الحمد لله رب العالمين مهمة الرب هي الهداية وكثيرا ما اقترنت الهداية باسم الرب فهو مرتبط برب العالمين وارتبط بقوله الرحمن الرحيم لان من هداه الله فقد رحمه وأنت الآن تطلب من الرحمن الرحيم الهداية أي تطلب من الرحمن الرحيم أن لا يتركك ضالا غير مهتد ثم قال ( إياك نعبد وإياك نستعين )فلا تتحقق العبادة إلا بسلوك الطريق المستقيم وكذلك الاستعانة ومن الاستعانة طلب الهداية للصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أي صراط الذين سلكوا الصراط المستقيم، ولا الضالين، والضالون هم الذين سلكوا غير الصراط المستقيم فالهداية والضلال نقيضان والضالين نقيض الذين سلكوا الصراط المستقيم.
لماذا اختار كلمة الصراط بدلا من الطريق أو السبيل؟ لو لاحظنا البناء اللغوي للصراط هو على وزن (فعال بكسر الفاء) وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالحزام والشداد والسداد والخمار والغطاء والفراش، هذه الصيغة تدل على الاشتمال بخلاف كلمة الطريق التي لا تدل على نفس المعنى. الصراط يدل على انه واسع رحب يتسع لكل السالكين ، أما كلمة طريق فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق أي مسلوك والسبيل على وزن فعيل ونقول أسبلت الطريق إذا كثر السالكين فيها لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال. فكلمة " الصراط " تدل على الاشتمال والوسع هذا في أصل البناء اللغوي (قال الزمخشري في كتابه الكشاف: الصراط من صرط كأنه يبتلع السبل كلما سلك فيه السالكون وكأنه يبتلعهم من سعته).
- قوله ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
لماذا جاءت كلمة الصراط معرفة بأل مرة ومضافة مرة أخرى (صراط الذين أنعمت عليهم)؟ جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالألف واللام والإضافة وموصوفا بالاستقامة مما يدل على انه صراط واحد (موصوف بالاستقامة لأنه ليس بين نقطتين إلا طريق مستقيم واحد والمستقيم هو أقصر الطرق وأقربها وصولا إلى الله) وأي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل إلى المطلوب ولا يوصل إلى الله تعالى. والمقصود بالوصول إلى الله تعالى هو الوصول إلى مرضاته فكلنا واصل إلى الله وليس هناك من طريق غير الصراط المستقيم. (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (المزمل آية 19) (الإنسان آية 29) (إن ربي على صراط مستقيم) (هود آية 56) (قال هذا صراط علي مستقيم) (الحجر آية 41)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:52 PM
وردت كلمة الصراط في القرآن مفردة ولم ترد مجتمعة أبداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعا (سبل) لان الصراط هو الأوسع وهو الذي تفضي إليه كل السبل (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام 153) (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (المائدة 16) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (العنكبوت 69) (هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) (يوسف آية 108) الصراط هو صراط واحد مفرد لأنه هو طريق الإسلام الرحب الواسع الذي تفضي إليه كل السبل وأتباع غير هذا الصراط ينأى بنا عن المقصود [1].
ثم زاد هذا الصراط توضيحا وبيانا بعد وصفه بالاستقامة وتعريفه بأل بقول (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) جمعت هذه الآية كل أصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم أحداً فذكر:
الذين انعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه.
الذين عرفوا الحق وخالفوه (المغضوب عليهم) ويقول قسم من المفسرين أنهم العصاة.
الذين لم يعرفوا الحق وهم الضالين (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (الكهف آية 103-104) هذا الحسبان لا ينفعهم إنما هم من الأخسرين.
ولا يخرج المكلفون عن هذه الأصناف الثلاثة فكل الخلق ينتمي لواحد من هذه الأصناف.
وقال تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فلماذا ذكر الفعل الماضي؟
اختار الفعل الماضي على المضارع أولاً: ليتعين زمانه ليبين صراط الذين تحققت عليهم النعمة (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (النساء آية 69) صراط الذين أنعمت عليهم يدخل في هؤلاء. وإذا قال تنعم عليهم لأغفل كل من انعم عليهم سابقا من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على انه سبحانه انعم على احد ولأحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما أعطيت أمثالي فمعناه أعطني مثل ما أعطيت سابقا، ولو قلنا أعطني ما تعطي أمثالي فهي لا تدل على أنه أعطى أحداً قبلي.
ولو قال " تنعم عليهم " لكان صراط هؤلاء اقل شأنا من صراط الذين أنعم عليهم فصراط الذين انعم عليهم من أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين أما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء. فالإتيان بالفعل الماضي يدل على انه بمرور الزمن يكثر عدد الذين انعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين انعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وانعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من أولي العزم والرسل وأتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم، أما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان قوله سبحانه أنعمت عليهم أوسع وأشمل واعم من الذين تنعم عليهم.
لماذا قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟
أي لماذا عبر عن الذين أنعم عليهم باستخدام الفعل (أنعمت) والمغضوب عليهم والضالين بالاسم؟
الاسم يدل على الشمول ويشمل سائر الأزمنة من المغضوب عليهم والدلالة على الثبوت. أما الفعل فيدل على التجدد والحدوث فوصفه أنهم مغضوب عليهم وضالون دليل على الثبوت والدوام.
إذن فلماذا لم يقل المنعم عليهم للدلالة على الثبوت؟
لو قال صراط المنعم عليهم بالاسم لم يتبين المعنى أي من الذي أنعم إنما بين المنعِم (بكسر العين) في قوله ( أنعمت عليهم ) لأن معرفة المنعِم مهمة فالنعم تقدر بمقدار المنعِم (بكسر العين) لذا أراد سبحانه وتعالى أن يبين المنعم ليبين قدرة النعمة وعظيمها ومن عادة القرآن أن ينسب الخير إلى الله تعالى وكذلك النعم والتفضل وينزه نسبة السوء إليه سبحانه (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) (الجن آية 10) والله سبحانه لا ينسب السوء لنفسه فقد يقول (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) (النمل آية 4) لكن لا يقول زينا لهم سوء أعمالهم (زين لهم سوء أعمالهم) (التوبة آية 37) (زين للناس حب الشهوات ) (آل عمران آية 14) (وزين لفرعون سوء عمله). (غافر آية 37) (أفمن زين له سوء عمله) (فاطر آية 8) (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) (الأنفال آية 48) أما النعمة فينسبها الله تعالى إلى نفسه لأن النعمة كلها خير (ربي بما أنعمت علي) (القصص آية 17) (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) (الزخرف آية 59) (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا) (الإسراء آية 83) ولم ينسب سبحانه النعمة لغيره إلا في آية واحدة (وإذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) (الأحزاب آية 37) فهي نعمة خاصة بعد نعمة الله تعالى عليه.
لماذا قال " المغضوب عليهم " ولم يقل أغضبت عليهم؟ جاء باسم المفعول وأسنده للمجهول ولذا ليعم الغضب عليهم من الله والملائكة وكل الناس حتى أصدقاؤهم يتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ولذا جاءت المغضوب عليهم لتشمل غضب الله وغضب الغاضبين.
غير المغضوب عليهم ولا الضالين: لم كرر لا؟ وقال غير المغضوب عليهم والضالين؟ إذا حذفت (لا) يمكن أن يُفهم أن المباينة والابتعاد هو فقط للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط ، أما من لم يجمعها (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فلا يدخل في الاستثناء ، فإذا قلنا مثلا : لا تشرب الحليب واللبن الرائب (أي لا تجمعهما) أما إذا قلنا : لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما إن اجتمعا أو انفردا.
فلماذا قدم إذن المغضوب عليهم على الضالين؟ المغضوب عليهم : الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم اشد بعدا لان ليس من علم كمن جهل لذا بدأ بالمغضوب عليهم وفي الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم هم اليهود وأما النصارى فهم الضالون. واليهود أسبق من النصارى ولذا بدأ بهم واقتضى التقديم.
وصفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود وهي صفة إبليس عندما أُمر بالسجود لآدم عليه السلام وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي أول معصية ظهرت على الأرض أيضاً عندما قتل ابن آدم أخاه فهي إذن أول معصية في الملأ الأعلى وعلى الأرض (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه) (النساء آية 93) ولذا بدأ بها.
أما جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فلأن المغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.
خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد في السورة من أولها إلى آخرها فمن لم يحمد الله تعالى فهو مغضوب عليه وضال ومن لم يؤمن بيوم الدين وأن الله سبحانه وتعالى مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد إلى الصراط المستقيم فهم جميعاً مغضوب عليهم وضالون.
ولقد تضمنت السورة الإيمان والعمل الصالح، الإيمان بالله (الحمد لله رب العالمين) واليوم الآخر (مالك يوم الدين) والملائكة والرسل والكتب (اهدنا الصراط المستقيم) لما تقتضيه من إرسال الرسل والكتب. وقد جمعت هذه السورة توحيد الربوبية (رب العالمين) وتوحيد الألوهية (إياك نعبد وإياك نستعين) ولذا فهي حقاً أم الكتاب.
3) يقول الدكتور أحمد الكبيسي في كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم في برنامجه الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم على قناة دبي الفضائية في شرح كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم وكيف أن كل كلمة منها وردت في القرآن في مكانها المناسب والمعنى الذي تأتي به كل كلمة لا يمكن أن يكون إلا من عند العلي العظيم الذي وضع كل كلمة بميزانها وبمكانها الذي لا يمكن لكلمة أخرى أن تأتي بنفس معناها:
مرادفات كلمة الطريق تأتي على النحو التالي: إمام – صراط – طريق - سبيل – نهج – فج - جدد (جمع جادة) – نفق
وجاء معنى كل منها العام على النحو التالي:
إمام: وهو الطريق العام الرئيسي الدولي الذي يربط بين الدول وليس له مثيل وتتميز أحكامه في الإسلام بتميز تخومه. وقدسية علامات المرور فيه هي من أهم صفاته وهو بتعبيرنا الحاضر الطريق السريع بين المدن (Highway). وقد استعير هذا اللفظ في القرآن الكريم ليدل على الشرائع (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) (الإسراء آية 71 ) أي كل ما عندهم من شرائع وجاء أيضا بمعنى كتاب الله (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (يس آية 12)
صراط: هو كل ممر بين نقطتين متناقضتين كضفتي نهر أو قمتي جبلين أو الحق والباطل والضلالة والهداية في الإسلام أو الكفر والإيمان. والصراط واحد لا يتكرر في مكان واحد ولا يثنى ولا يجمع. وقد استعير في القرآن الكريم للتوحيد فلا إله إلا الله تنقل من الكفر إلى الإيمان (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ( الأنعام آية 161) (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) ( الأنعام آية 39) (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة آية 7) (فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43 ) (وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) (المؤمنون آية 74 )
والصراط عموما هو العدل المطلق لله تعالى وما عداه فهو نسبي. (إن ربي على صراط مستقيم) ( هود آية 56 ) والتوحيد هو العدل المطلق وما عداه فهو نسبي.
سبيل: الطريق الذي يأتي بعد الصراط وهو ممتد طويل آمن سهل لكنه متعدد (سبل جمع سبيل) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ( العنكبوت آية 69 )السبل متعددة ولكن شرطها أن تبدأ من نقطة واحدة وتصب في نقطة واحدة عند الهدف. وفيه عناصر ثلاث: ممتد، متحرك ويأخذ إلى غاية.
و المذاهب في الإسلام من السبل كلها تنطلق من نقطة واحدة وتصل إلى غاية واحدة. وسبل السلام تأتي بعد الإيمان والتوحيد بعد عبور الصراط المستقيم. ولتقريب الصورة إلى الأذهان فيمكن اعتبار السبل في عصرنا الحاضر وسائل النقل المتعددة فقد ينطلق الكثيرون من نقطة واحدة قاصدين غاية واحدة لكن منهم من يستقل الطائرة ومنهم السيارة ومنهم الدراجة ومنهم الدواب وغيرها.
واستخدمت كلمة السبيل في القرآن بمعنى حقوق في قوله (ليس علينا في الأميين سبيل) (آل عمران آية 75 ) وابن السبيل في القرآن هو من انقطع عن أهله انقطاعا بعيدا وهدفه واضح ومشروع كالمسافر في تجارة أو للدعوة فلا تعطى الزكاة لمن انقطع عن أهله بسبب غير مشروع كالخارج في معصية أو ما شابه.
طريق:الطريق يكون داخل المدينة وللطرق حقوق خاصة بها وقد سميت طرقا لأنها تطرق كثيرا بالذهاب والإياب المتكرر من البيت إلى العمل والعكس. والطريق هي العبادات التي نفعلها بشكل دائم كالصلاة والزكاة والصوم والحج والذكر. (يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (الأحقاف آية 30)
نهج: وهو عبارة عن ممرات خاصة لا يمر بها إلا مجموعة خاصة من الناس وهي كالعبادات التي يختص بها قوم دون قوم مثل نهج القائمين بالليل ونهج المجاهدين في سبيل الله ونهج المحسنين وأولي الألباب وعباد الرحمن فكل منهم يعبد الله تعالى بمنهج معين وعلى كل مسلم أن يتخذ لنفسه نهجا معينا خاصا به يعرف به عند الله تعالى كبر الوالدين والذكر والجهاد والدعاء والقرآن والإحسان وغيرها (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ( المائدة آية 48 ) وإذا لاحظنا وصفها في القرآن وجدنا لها ثلاثة صفات والإنفاق فيها صفة مشتركة.
1- نهج المستغفرين بالأسحار: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ( الذاريات آية 17 - 19 )
2- ونهج أهل التهجد: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) (السجدة آية 16)
3- ونهج المحسنين: (الذين ينفقون بالسراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) (آل عمران آية 134 ).
فج: وهو الطريق بين جبلين (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) (الحج آية 27)
جادة: وتجمع على جدد كما وردت في القرآن الكريم (ومن الجبال جدد بيض وحمر) (فاطر آية 27 ) والجادة هي الطريق الذي يرسم في الصحراء أو الجبال من شدة الأثر ومن كثرة سلوكه.
نفق: وهو الطريق تحت الأرض (فان استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض) (الأنعام آية 35 )
المصدر:موقع إسلامياتhttp://www.islamiyyat.com/

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:52 PM
لمسات بيانية في سورة الضحى

بقلم الدكتور فاضل السامرائي
(والضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)
ما هي دلالة القسم في قوله تعالى (والضحى)
يذكر أهل التفسير أن الوحي أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً فشق ذلك عليه وقيل له: إن ربك قلاك، فأنزل الله تعالى هذه السورة رداً على المشركين وإكراماً للرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا حزن الرسول الكريم وجزع لانقطاع الوحي مع ما يلقاه في سبيل الوحي من العنت والجهد؟ في الحقيقة انه اختبار من الله تعالى للرسول الكريم: هل هو حريص على الوحي وما فيه من مشقة أم انه سيرتاح من هذا الوحي الثقيل؟ وهذا فيه توجيه إلى الدعاة أنه عليهم أن يصبروا ويثبتوا في الدعوة مهما لاقوا من مشقة وعنت في سبيل الدعوة إلى الله.
الضحى في اللغة :هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق
سجى في اللغة :لها ثلاث معاني ، فهي بمعنى سكن، أو اشتد ظلامه أو غطى مثل تسجية الميت.
أقسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى انه ما ودع رسوله وما قلاه، والضحى هنا يمثل نور الوحي وإشراقه كما قال المفسرون ، والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه والدنيا من غير نور الوحي ظلام ولذلك قدم سبحانه الضحى هنا لأنه ما سبق من نور الوحي وأخر الليل لما يمثل من انقطاع الوحي. وقال بعض المفسرين أن القسم يشير أن الانقطاع يمثل الاستجمام والسكون كما يرتاح الشخص المتعب في الليل ومن معاني سجى السكون وهو يمثل الراحة وهو نعمة. فالقسم هنا جاء لما تستدعيه الحالة التي هو فيها.
ما اللمسة البيانية في كلمة (سجى) وليست في كلمتي غشي أو يسر ؟
كما في قوله (والليل إذا يغشى) (والليل إذا يسر) سبق القول أن من معاني سجى: سكن وهذا يمثل سكون الوحي وانقطاعه وهذا هو السكون، والانقطاع ظلمة وهذا المعنى الثاني لسجى فكلمة سجى جمعت المعاني كلها التي تدل على انقطاع الوحي وسكونه. أما كلمة يغشى أو يسر فهما تدلان على الحركة وهذا يناقض المعنى للقسم في هذه السورة. وعليه فان القسم (والضحى والليل إذا سجى) هو انسب قسم للحالة التي هو فيها من نور الوحي وانقطاعه وكل قسم في القرآن له علاقة بالمقسم به.
ما الحكم البياني في استخدام كلمة (والضحى) بدل والفجر أو النهار؟
الضحى هو وقت إشراق الشمس أما النهار فهو كل الوقت من أول النهار إلى آخره، والضحى يمثل وقت ابتداء حركة الناس يقابله الليل إذا سجى وهو وقت السكون والراحة. والفجر هو أول دخول وقت الفجر (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ولا يكون هناك ضوء بعد أو نور كوقت الضحى بعد شروق الشمس.
- قوله ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ).
أين مفعول الفعل قلى؟
في هذه الآية الكريمة ذكر مفعول الفعل ودع وهو (الكاف في ودعك) وحذف مفعول الفعل قلى (ولم يقل قلاك)
في اللغة عند العرب التوديع عادة يكون بين المتحابين والأصحاب فقط ويكون عند فراق الأشخاص. اختلف النحاة في سبب ذكر مفعول فعل التوديع وحذف مفعول فعل قلى منهم من قال لظهور المراد بمعنى أن الخطاب واضح من الآيات انه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال إنها مراعاة لفواصل الآيات في السورة (الضحى، سجى، قلى، الأولى،...) لكن القرآن العظيم لا يفعل ذلك لفواصل الآيات وحدها على حساب المعنى أبداً ولا يتعارض المعنى مع الفاصلة والمقام في القرآن كله. فلماذا إذن هذا الحذف والذكر؟

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:53 PM
الذكر من باب التكريم والحذف من باب التكريم أيضاً. لم يقل الله تعالى قلاك لرسوله الكريم حتى لا ينسب الجفاء للرسول صلى الله عليه وسلم فلا يقال للذي نحب ونجل ما أهنتك ولا شتمتك إنما من باب أدب المخاطبة يقال ما أهنت وما شتمت فيحذف المفعول به إكراماً للشخص المخاطب وتقديرا لمنزلته وترفع عن ذكر ما يشينه ولو كان بالنفي.
أما التوديع فالذكر فيه تكريم للمخاطب فيحسن ذكر المفعول مع أفعال التكريم وحذفه مع أفعال السوء ولو بالنفي. وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم. ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول من ربه مرتين مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى.
فلماذا قال تعالى " ربك " ولم يقل " الله " ؟
هنا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله الكريم. فالرب هو المربي والموجه والقيم. وذكر الفاعل وهو الرب إكرام آخر فلم يقل لم تودع ولم تقلى. والرب هو القيم على الأمر فكيف يودعك وهو ربك لا يمكن أن يودع الرب عبده كما لا يمكن لرب البيت أن يودعه ويتركه ورب الشيء لا يودعه ولا يتركه وإنما يرعاه ويحرص عليه. واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله لأن لفظ الجلالة الله كلمة عامة للناس جميعا ولكن كلمة الرب لها خصوصية وهذا يحمل التطمين للرسول الكريم من ربه الذي يرعاه ولا يمكن أن يودعه أو يتركه أبداً.
- قوله ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى )
اختلف المفسرون في معنى كلمة الآخرة فمنهم من قال : إنها ما هو غير الدنيا بمعنى الدار الآخرة. وقسم قال إنها كل ما يستقبل من الحياة على العموم كما جاء في قوله تعالى(فإذا جاء وعد الآخرة ...) الآخرة هنا ليست في القيامة
الآخرة في سورة الضحى جاءت مقابل الأولى ولم تأت مقابل الدنيا فلم يقل وللآخرة خير لك من الدنيا. ومعنى الآية أن ما يأتي خير لك أيها الرسول مما مضى ؛ أي من الآن فصاعداً فيما يستقبل من عمرك هو خير لك من الأولى وأكد ذلك باللام في كلمة وللآخرة. وقد حصل هذا بالفعل فكل ما استقبل من حياته صلى الله عليه وسلم خير له مما حصل .
فلماذا لم يقل خير لك من الدنيا؟
لأنه لو قالها لما صحت إلا في الآخرة فكأنما حصر الخير في الآخرة فقط ونفى حصول الخير فيما يستقبل من حياته صلى الله عليه وسلم وهذه الآية توكيد لما سبقها في قوله تعالى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.
ولماذا قال تعالى (لك) ولم يقل وللآخرة خير من الأولى؟
هذه السورة وسورة الشرح هما خاصتان بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو المخاطب المباشر بهما ولو قال تعالى : "وللآخرة خير من الأولى" لما صح هذا القول لأنه سيكون عاماً للناس جميعاً وهذا ما لا يحصل وعندها ستفيد الإطلاق ولا يصح على عمومه لان بعض الناس آخرتهم شر لهم من أولاهم ولا يصح هذا الكلام على إطلاقه إنما لا بد من أن يخصص المعنى وهو للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالذات ولهذا قال تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى)
- قوله ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى )
ما هي علاقة هذه الآية بما سبقها من الآيات؟
سوف دالة على الاستقبال وقد سبق أن قال تعالى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) وهي تدل أيضاً على الاستقبال وجاء أيضاً باللام في (ولسوف) وأكده بنفس التوكيد باللام في (وللآخرة)
ولماذا لم يحدد العطاء بشيء ما وإنما قال ولسوف يعطيك ربك فترضى؟
لقد أطلق سبحانه العطاء ولم يحدده إنما شمل هذا العطاء كل شيء ولم يخصصه بشيء معين إكراماً للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتوسيعاً للعطاء وكذلك أطلق فعل الرضا كما أطلق العطاء فجعل العطاء عاماً وجعل الرضا عاماً وذكر المعطي أيضاً وهو الرب وعلينا أن نتخيل كيف يكون عطاء الرب؟ والعطاء على قدر المعطي وهذا كله فيه تكريم للرسول كذلك في إضافة ضمير الخطاب " الكاف " في (ربك) تكريم آخر للرسول صلى الله عليه وسلم
لماذا اختيار كلمة (فترضى) ؟
اختيار هذه الكلمة بالذات في غاية الأهمية ؛ فالرضا هو من أجل النعم على الإنسان وهو أساس الاستقرار والطمأنينة وراحة البال فإن فقد الرضا حلت الهموم والشقاء ودواعي النكد على الإنسان. وان فقد في جانب من جوانب الحياة فقد استقراره بقدر ذلك الجانب ولذا جعل الله تعالى الرضا صفة أهل الجنة (فهو في عيشة راضية) (فارجعي إلى ربك راضية مرضية). وعدم الرضا يؤدي إلى الضغط النفسي واليأس وقد يؤدي إلى الانتحار. والتعب مع الرضا راحة والراحة من دونه نكد وتعب، والفقر مع الرضا غنى والغنى من دونه فقر، والحرمان معه عطاء والعطاء من دونه حرمان. لذا فان اختيار الرضا هو اختيار نعمة من اجل النعم ولها دلالتها في الحياة عامة وليست خاصة بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فإذا رضي الإنسان ارتاح وهدأ باله وسكن وان لم يرض حل معه التعب والنكد والهموم والقلق مع كل ما أوتي من وسائل الراحة والاستقرار.
لماذا قال يعطيك ولم يقل يؤتيك؟
الإيتاء يكون لأمور مادية وغيرها (الملك، الحكمة، الذكر) أما العطاء فهو خاص بالمادة. والإيتاء أوسع من العطاء واعم والعطاء مخصص للمال. والإيتاء قد يشمله النزع والعطاء لا يشمله النزع. (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) (يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء) وقد لا يستوجب الإيتاء لشخص ما أن يتصرف بما أوتي ، أما العطاء فلصاحبه حرية التصرف فيه بالوهب والمنح ولذا قال تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) لأن الكوثر أصبح ملكاً للرسول صلى الله عليه وسلم وكما قال الله تعالى لسيدنا سليمان عليه السلام(هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) أي له الحق بالتصرف فيه كما يشاء.
- قوله ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) )
هذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة (ما ودعك ربك وما قلى) (وللآخرة خير لك من الأولى) ومرتبطة أيضاً بالقسم في أول السورة (والضحى والليل إذا سجى) والآية (ألم يجدك يتيماً فآوى) تؤكد أن ربه لم يودعه ولم يقله وكذلك في ( وجدك ضالاً فهدى ) وهي كلها تصب في ( وللآخرة خير لك من الأولى) فالإيواء خير من اليتم ؛ والهداية خير من الضلالة ؛ والاغناء خير من العيلة فكلها مرتبطة بالآية (ما ودعك ربك وما قلى) وتؤكد معناها.
( وللآخرة خير لك من الأولى )فالله تعالى لم يترك رسوله صلى الله عليه وسلم ليتمه أو لحاجته أو للضلال هذا من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى هي مرتبطة بالقسم فقد اقسم الله تعالى بالضحى والليل وما سجى ؛ واليتم ظلمة والإيواء هو النور وكذلك الضلال ظلمة والهدى نور (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) سورة البقرة، والحاجة والعيلة ظلمة أيضاً والغنى نور وبهجة.
في هذه الآيات بدأ سبحانه وتعالى بالظلمة ثم النور (اليتم ثم الإيواء، الضلال ثم الهدى، العيلة ثم الغنى وهذا ليناسب ويتوافق مع قوله تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) والأولى هي الظلمة أما الآخرة فهي النور وهي خير له من الأولى.
لماذا لم يقسم سبحانه بالليل إذا سجى أولاً ثم الضحى؟

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:53 PM
الضحى هو نور الوحي وكان السكون بعد الوحي وكان القسم على اثر انقطاع الوحي فانقطاع الوحي هو الذي تأخر وليس العكس لذا جاء قسم الضحى أولاً ثم الليل.
لماذا تكررت كلمة ربك في هذه السورة؟
الرب معناه انه هو المعلم والمربي والمرشد والقيم وكل آيات السورة مرتبطة بكلمة الرب (ألم يجدك يتيماً فآوى....) اليتيم يحتاج لمن يقوم بأمره ويرعاه ويعلمه ويوجهه ويصلح حاله وهذه من مهام الرب واليتيم يحتاج هذه الصفات في الرب أولاً ثم إن الضال يحتاج لمن يهديه والرب هو الهادي والعائل أيضاً يحتاج لمن يقوم على أمره ويصلحه ويرزقه فكلمة الرب تناسب كل هذه الأشياء وترتبط بها ارتباطاً أساسياً ، وكثيراً ما ارتبطت الهداية في القرآن الكريم بكلمة الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (يهديهم ربهم بإيمانهم) (الحمد لله رب العالمين....اهدنا الصراط المستقيم)
لماذا حذف المفعول للأفعال: فآوى ، فأغنى، فهدى مثلما حذف في فعل قلى؟
ذكر المفسرون هنا عدة آراء منها : أن الحذف هو لظهور المراد لأنه تعالى كان يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى واضح ، وقسم قال إنها مراعاة لفواصل الآيات حتى لا يقال آواك وأغناك وهداك فتختلف عن فواصل باقي الآيات ولكن كما سبق آنفاً قلنا إن القرآن الكريم لا يراعي الفاصلة على حساب المعنى مطلقاً وهي قاعدة عامة في القرآن: المعنى أولاً ثم الفاصلة القرآنية ومثال ذلك الآية في سورة طه ( إلهكم واله موسى فنسي) وكانت الفاصلة في باقي السورة مختلفة وعليه فان الحذف هنا جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم. فآوى بمعنى فآواك وآوى لك وآوى بك وأغناك وأغنى لك وأغنى بك وهداك وهدى لك وهدى بك ، فلو قال سبحانه وتعالى فوجدك عائلا فأغناك لكان الغنى محصوراً بالرسول صلى الله عليه وسلم فقط لكن عندما أفاد الإطلاق دل ذلك على انه سبحانه أغنى رسوله وأغنى به وبتعليماته فيما خص الإنفاق وغيره خلقاً كثيراً وأغنى له خلقاً كثيراً وكذلك آوى الرسول صلى الله عليه وسلم وآوى به خلقا كثيراً بتعاليمه الكثيرين وتعاليمه كانت تحض على رعاية اليتامى وحسن معاملتهم واللطف بهم وآوى لأجله الكثير من الناس لان من الناس من يؤوى اليتامى حبا برسول الله وطمعا في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة كما ورد في الحديث: أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار إلى إصبعيه. وكذلك بالنسبة للهداية فالله تعالى هدى رسوله الكريم وهدى به خلقاً كثيراً ( وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) وهدى له ولأجله من أراد سبحانه وتعالى ، إذن خلاصة القول أن الحذف هنا جاء لظهور المراد وفواصل الآيات وسعة الإطلاق كلها مجتمعة لا يتعارض احدها مع الآخر. وكذلك تناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى). فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى.
لماذا ترتيب الآيات على هذا النحو؟ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)
هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة. اليتم يقال لمن فقد والديه أو احدهما وهو دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم ، وإذا بلغ دخل في سن التكليف الشرعي فهو يحتاج إلى الهداية ليتعلم كيف يسير في الحياة قبل أن يكون فقيراً أو غنياً وكيف يجمع المال الحلال لأن كل مال جمع من غير طريق الهداية هو سحت ثم تأتي العيلة وهي أمر آخر بعد البلوغ ؛ من الناس من يكون فقيراً أو غنياً وعلى الاثنين أن يسيرا وفق التعاليم التي تعلماها بعد البلوغ مباشرة وهذا طبيعي ويمر به كل الخلق فهذا هو التسلسل الطبيعي في الحياة.لذا فقد بدأ سبحانه بالحالة الأولى (اليتم) ثم إذا بلغ تأتي الهداية في المرتبة الثانية ، وثالثاً العائل والغني يجب أن يسيرا على الهداية.
- قوله ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
القهرفي اللغة : هو التسلط بما يؤذي ولا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه ولا تتسلط عليه أو لا تحتقره أو تغلب على ماله ،كل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر.
السائل اختلف المفسرون فيها فقال بعضهم : هو سائل المال والمعروف والصدقة ومنهم من قال : انه سائل العلم والدين والمعرفة وقسم قال انه مطلق ويشمل المعنيين ، فسواء كان السائل سائل مال وصدقة أو سائل علم ومعرفة يجب أن لا ينهر مهما كان سؤاله. لا يصح أن يزجز أو ينهر سائل المال أو سائل العلم والدين . إذا كان سائل مال أعطيناه أو رددناه بالحسنى وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور الدين.
أما النعمة فقال بعض المفسرين إنها النبوة وتعاليمها وقال آخرون إنها كل ما أصاب الإنسان من خير سواء كان في الدنيا أو الآخرة. وقال آخرون إنها نعمة الدين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) والواقع أن النعمة هنا أيضاً تشمل كل هذه المعاني فهي نعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ عنها وهي نعمة الدنيا والله سبحانه يحب أن يرى اثر نعمته على عباده وان يتحدث الإنسان بنعم الله عليه وان يظهرها والنعمة عامة في الدنيا والدين وعلى الإنسان أن يحدث بهذه النعمة. (النعمة بفتح النون وردت في القرآن بمعنى العقوبات والسوء كما في قوله (ونعمة كانوا فيها فاكهين) (الكافرين أولي النعمة)
لماذا اختيار كلمة (فحدث) ولم يقل (فأخبر)؟
الإخبار لا يقتضي التكرار يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة فيكون إخباراً أما التحديث فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة، وفي سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة ولا يكفي قوله مرة واحدة. ولهذا سمي الله تعالى القرآن حديثا (فليأتوا بحديث مثله). فمعنى (فحدث) في هذه الآية هو المداومة على التبليغ وتكرارها وليس الإخبار فقط فيمكن أن يتم الإخبار مرة واحدة وينتهي الأمر.
وفي تسلسل الأحاديث في كتب السنة نلاحظ أنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويكررون ذلك مرة أو مرات عديدة حتى يصلوا إلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرسول الكريم يخبر بالحديث ثم يتناقله الصحابة فيما بينهم ويستمر تناقل الحديث حتى يعم وينتشر.
لماذا جاء ترتيب الآيات على هذا النحو؟ ( فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث ).
أثار هذا الترتيب الكثير من الأسئلة عند المفسرين لماذا رتبت الآيات على هذه الصورة لأنه لا يرد بنفس تسلسل الآيات السابقة (الم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى).
لنستعرض الآيات واحدة واحدة: أما اليتيم فلا تقهر جاءت بنفس تسلسل الآية (ألم يجدك يتيما فآوى) نفس النسق.
, أما السائل فلا تنهر كان من المفروض أن تأتي مقابلة للآية (ووجدك عائلا فأغنى) لكنها جاءت في مقابل الآية (ووجدك ضالاً فهدى)
( وأما بنعمة ربك فحدث )،كان يجب أن تقدم باعتبار النعمة دين ويجب أن تكون مقابل ( ووجدك ضالاً فهدى )
لكن الواقع أن ترتيب الآيات كما ورد في السورة هو الترتيب الأمثل، كيف؟ اليتيم ذكر أولا مقابل اليتيم ، ثم ذكر ( وأما السائل فلا تنهر ) قلنا سابقا أن السائل يشمل سائل العلم والمال وهنا اخذ بعين الاعتبار السائل عن المال والسائل عن العلم فهي إذن تكون مقابل (ووجدك ضالاً فهدى) وأيضاً (ووجدك عائلا فأغنى) لان السائل عن المال يجب أن لا ينهر والسائل عن العلم يجب أن لا ينهر أيضاً وعليه فان الآية جاءت في المكان المناسب لتشمل الحالتين ومرتبطة بالاثنين تماما.
( وأما بنعمة ربك فحدث )، هي في انسب ترتيب لها فان كان المقصود بالنعمة كل ما أصاب الإنسان من خير في الدنيا فلا يمكن أن نتحدث عن النعمة إلا بعد وقوعها وليس قبل ذلك. والآيات السابقة تذكر نعم الله على الرسول فاقتضى السياق أن يكون التحدث بالنعمة آخراً أي بعد حدوث كل النعم على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان المقصود بالنعمة الدين، فيجب أن يكون التحديث في المرحلة الأخيرة لأن على الداعية أن يتحلى بالخلق الكريم وفيه إشارة أن الإنسان إذا أتاه سائل عليه أن يتصف بهذه الصفات قبل أن يبلغ الناس عن النعمة (الدين) فعليه أن لا يقهر يتيماً ولا ينهر سائلاً ولا يرد عائلاً وقد جاءت هذه الآية بعد إسباغ النعم وهو توجيه للدعاة قبل أن يتحدثوا أن يكونوا هينين لينين فقد قال تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فعلى الداعية أن يتحلى بالخلق الحسن ولا ينهر سائلاً.
وكذلك جعل التحديث بالنعمة (وأما بنعمة ربك فحدث) جاءت بعد ( وأما السائل فلا تنهر) لان كل داعية يتعرض لأسئلة محرجة أحيانا تكون لغاية الفهم وقد تكون لنوايا مختلفة فعليه أن يتسع صدره للسائل مهما كانت نية السائل أو قصده من السؤال وعلى الداعية أن لا يستثار وإلا فشل في دعوته وقد يكون هذا هو قصد السائل أصلاً
من الدروس المستفادة من هذه السورة إضافة إلى ما سبق انه يحسن للإنسان تذكر أيام العسر والضيق لأنه مدعاة للشكر ومدعاة لمعاونة المبتلى أيضاً لذا يجب التذكير بالماضي وما يتقلب فيه المرء من نعم ليشكر الله تعالى عليها مهما كان في ماضيه من أذى أو حرج أو ضيق فلا بأس أن يتذكر أو يذكر به حتى يشكر الله تعالى على نعمه فيكون من الشاكرين لله تعالى.
المصدر: منقول عن موقع إسلاميات http://www.islamiyyat.com/ (http://www.islamiyyat.com/)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:54 PM
لمسات بيانية في آية الكرسي

الدكتور فاضل السامرائي
قال الله تعالى:( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )[سورة البقرة].
آية الكرسي هي سيّدة آي القرآن الكريم. بدأت الآية بالتوحيد ونفي الشرك وهو المطلب الأول للعقيدة عن طريق الإخبار عن الله. بدأ الإخبار عن الذات الإلهية ونلاحظ أن كل جملة في هذه الآية تصح أن تكون خبراً للمبتدأ (الله) لأن كل جملة فيها ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى: الله لا تأخذه سنة ولا نوم، الله له ما في السموات وما في الأرض، الله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، الله يعلم مابين أيديهم وما خلفهم، الله لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء، الله وسع كرسيّه السموات والأرض، الله لا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم.
- قوله ( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ):
الحيّ معرّفة والقيّوم معرّفة. والحيّ هو الكامل الاتصاف بالحياة ولم يقل حيّ لأنها تفيد أنه من جملة الأحياء. فالتعريف بـ(ال) هي دلالة على الكمال والقصر لأن ما سواه يصيبه الموت. والتعريف قد يأتي بالكمال والقصر، فالله له الكمال في الحياة وقصراً كل من عداه يجوز عليه الموت وكل ما عداه يجوز عليه الموت وهو الذي يفيض على الخلق بالحياة، فالله هو الحيّ لا حيّ سواه على الحقيقة لآن من سواه يجوز عليه الموت.
القيّوم:من صيغ المبالغة (على وزن فيعال وفيعول من صيغ المبالغة وهي ليست من الأوزان المشهورة) هي صيغة المبالغة من القيام ومن معانيها القائم في تدبير أمر خلقه في إنشائهم وتدبيرهم، ومن معانيها القائم على كل شيء، ومن معانيها الذي لا ينعس ولا ينام لأنه إذا نعس أو نام لا يكون قيّوماً ومن معانيها القائم بذاته وهو القيّوم جاء بصيغة التعريف لأنه لا قيّوم سواه على الأرض حصراً.
- قوله ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) :
سنة هي النعاس الذي يتقدم النوم ولهذا جاءت في ترتيب الآية قبل النوم وهذا ما يعرف بتقديم السبق، فهو سبحانه لا يأخذه نعاس أو ما يتقدم النوم من الفتور أو النوم، المتعارف عليه يأتي النعاس ثم ينام الإنسان. ولم يقل سبحانه لا (تأخذه سنة ونوم) أو (سنة أو نوم) ففي قوله سنة ولا نوم ينفيهما سواءً اجتمعا أو افترقا لكن لو قال سبحانه سنة ونوم فإنه ينفي الجمع ولا ينفي الإفراد فقد تأخذه سنة دون النوم أو يأخذه النوم دون السنة.
- قوله ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )
دلالة (ما):ما تفيد ذوات غير العاقل وصفات العقلاء، إذن لمّا قال (له ما) جمع العقلاء وغيرهم ولو قال (من) لخصّ العقلاء. (ما) أشمل وعلى سبيل الإحاطة. قال (ما في السموات وما في الأرض) أولاً بقصد الإحاطة والشمول، وثانياً قدّم الجار والمجرور على المبتدأ (له ما في السموات) إفادة القصر أن ذلك له حصراً لا شريك له في الملك (ما في السموات والأرض ملكه حصراُ قصراً فنفى الشرك). وجاء ترتيب (له ما في السموات وما في الأرض) بعد (الحيّ القيّوم) له دلالة خاصة: يدلّ على أنه قيوم على ملكه الذي لا يشاركه فيه أحد غيره وهناك فرق بين من يقوم على ملكه ومن يقوم على ملك غيره فهذا الأخير قد يغفل عن ملك غيره أما الذي يقوم على ملكه لا يغفل ولا ينام ولا تأخذه سنة ولا نوم سبحانه. فله كمال القيومية. وفي قوله (له ما في السموات وما في الأرض) تفيد التخصيص فهو لا يترك شيئاً في السموات والأرض إلا هو قائم عليه سبحانه.
- قوله ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )
دلالة واضحة على تبيان ملكوت الله وكبريائه وأن أحداً لا يملك أن يتكلم إلا بإذنه ولا يتقدم إلا بإذنه مصداقاً لقوله تعالى: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) هذا الجزء من الآية والجزء الذي قبلها (له ما في السموات وما في الأرض) يدل على ملكه وحكمه في الدنيا والآخرة لأنه لمّا قال (له ما في السموات وما في الأرض) يشمل ما في الدنيا وفي قوله (لمن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) هذا في الآخرة فدلّ هذا على ملكوته في الدنيا والآخرة وأخرجه مخرج الإستفهام الإنكاري لأنه أقوى من النفي. فدلّ هذا على أنه حيّ قيّوم كيف؟ لأن الذي يَستشفع عنده حيّ والذي لا يستطيع أحد أن يتقدم إلا بإذنه يجعله قائم بأمر خلقه وكلها تؤكد معنى أنه الحيّ القيّوم.
من ذا:فيها احتمالين كما يذكر أهل النحو: فقد تكون كلمة واحدة بمعنى (من) استفهامية لكن (من ذا) أقوى من (من) لزيادة مبناها (يقال في النحو: زيادة المبنى زيادة في المعنى)، فقد نقول من حضر، ومن ذا حضر؟
لماذا الاختلاف في التعبير في قصة إبراهيم في سورة الصافات (ماذا تعبدون) وفي سورة الشعراء (ما تعبدون)؟ في الأولى استعمال (ماذا) أقوى لأن إبراهيم لم يكن ينتظر جواباً من قومه فجاءت الآية بعدها (فما ظنكم برب العالمين)، أما في الشعراء فالسياق سياق حوار فجاء الرد (قالوا نعبد أصناماً). إذن (من ذا) و(ماذا) أقوى من (من) و(ما).
(من ذا) قد تكون كلمتان (من) مع اسم الإشارة ذا (من هذا) يقال : من ذا الواقف؟ من الواقف؟ ومن هذا الواقف؟ فـ (من ذا الذي) تأتي بالمعنيين (من الذي) و(من هذا الذي) باعتبار ذا اسم إشارة فجمع المعنيين معاً.
في سورة الملك قوله: (أمّن هذا الذي هو جند لكم) هذا مكون من (هـ) للتنبيه والتوكيد و(ذا) اسم الإشارة وكذلك (هؤلاء) هي عبارة عن (هـ) و(أولاء) . فالهاء تفيد التنبيه والتوكيد فإذا كان الأمر لا يدعو إليها لا يأتي بها فلنستعرض سياق الآيات في سورة الملك مقابل آية الكرسي: آيات سورة الملك في مقام تحدّي فهو أشد وأقوى من سياق آية الكرسي لأن آية سورة الملك هي في خطاب الكافرين أما آية الكرسي فهي في سياق المؤمنين ومقامها في الشفاعة والشفيع هو طالب حاجة يرجو قضاءها ويعلم أن الأمر ليس بيده وإنما بيد من هو أعلى منه. أما آية سورة الملك فهي في مقام الندّ وليس مقام شفاعة ولذلك جاء بـ(هـ) التنبيه للإستخفاف بالشخص الذي ينصر من دون الرحمن (من هو الذي ينصر من دون الرحمن) وهذا ليس مقام آية الكرسي. والأمر الآخر أن التعبير في آية الكرسي اكتسب معنيين: قوة الإستفهام والإشارة بينما آية الملك دلت على الإشارة فقط ولو قال من الذي لفاتت قوة الإشارة. ولا يوجد تعبير آخر أقوى من (من ذا) لكسب المعنيين قوة الاستفهام والإشارة معاً بمعنى (من الذي يشفع ومن هذا الذي يشفع).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:55 PM
- قوله ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )
يعلم ما أمامهم مستقبلاً وما وراءهم والمقصود إحاطة علمه بأمورهم الماضية والمستقبلية ويعلم أحوال الشافع الذي يشفع ودافعه ولماذا طلب الشفاعة ويعلم المشفوع له وهل يستحق استجابة الطلب هذا عام فهذه الدلالة الأولية.
في سورة مريم قال تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) فما الحكمة أنها لم ترد على هذا الأسلوب في آية الكرسي؟ في سورة مريم سياق الآيات عن الملك (ولهم رزقهم فيها، تلك الجنة التي نورث من عبادنا، رب السموات والأرض..) الذي يرزق هو الذي يورّث فهو مالك وقوله رب السموات فهو مالكهم) أما في سورة آية الكرسي فالسياق عن العلم (يعلم ما بين أيدينا) وبعد هذه الجملة يأتي قوله (ولا يحيطون بلمه إلا بما شاء) أي أن السياق في العم لذا كان أنسب أن تأتي (يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا) وهذه الجملة هي كما سبق توطئة لما سيأتي بعدها.
- قوله ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء )
ما هي فائدة (ما)؟ هي تحتمل معنيين في اللغة هنا تحتمل أن تكون مصدرية بمعنى (لا يحيطون بشيء من علمه إلا بمشيئته) وتحتمل أن تكون اسماًً موصولاً بمعنى (إلا بالذي شاء) وهنا جمع المعنيين أي لا يحيطون بعلمه إلا بمشيئته وبالذي يشاؤه أي بالعلم الذي يريد وبالمقدار الذي يريد. المقدار الذي يشاؤه نوعاً وقدراً. فمن سواه لا يعلم شيئاً إلا إذا ما أراده الله بمشيئته وبما أراده وبالقدر الذي يشاؤه والبشر لا يعلمون البديهيات ول أنفسهم ولا علّموا أنفسهم، فهو الذي شاء أن يعلّم الناس أنفسهم ووجودهم والبديهيات التي هي أساس كل علم. من سواه ما كان ليعلم شيئاً لولا أن أراد الله تماماً كما في قوله في سورة طه: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) أي بذاته في المعنى. إذن لماذا ذكر نفي الإحاطة بالذات في سورة طه ونفى الإحاطة بالعلم في آية الكرسي؟ في سورة طه جاءت الآية تعقيباً على عبادة بني إسرائيل للعجل وقد صنعوه بأيديهم وأحاطوا به علماً والله لا يحاط به، لقد عبدوا إلهاً وأحاطوا به علما فناسب أن لا يقول العلم وإنما قال (ولا يحيطون به علما) أما في آية الكرسي فالسياق جاء في العلم لذا قال تعالى (لا يحيطون بشيء من علمه) .
- قوله ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )
دلّ أولاً على أنه من ملكه (السموات والأرض من ملكه) وقبل هذه الجملة قال تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) فدلّ على أن الذي فيهما هو ملكه أيضاً لأن المالك قد يملك الشيء لكن لا يملك ما فيه وقد يكون العكس. فبدأ أولاً ( له ما في السموات وما في الأرض) أي أن ما فيهما ملكه لم يذكر أن السموات والأرض ملكه وهنا ذكر أن السموات والأرض وما فيهما هو ملكه. وإن الكرسي وسع السموات والأرض كما ورد في الحديث القدسي (السموات والأرض كحلقة في فلاة في العرش، والكرسي كحلقة في فلاة في العرش)
فما الحكمة من استخدام صيغة الماضي في فعل (وسع)؟ الحكمة أن صيغة الماضي تدلّ على أنه وسعهما فعلاً فلو قال يسع لكان فقط إخبار عن مقدار السعة فعندما نقول تسع داري ألف شخص فليس بالضرورة أن يكون فيها ألف شخص ولكن عندما نقول وسعت داري ألف شخص فهذا حصل فعلاً .تسع : تعني إخبار ليس بالضرورة حصل، لكن وسع بمعنى حصل فعلاً وهذا أمر حاصل فعلاً.
- قوله ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )
أي لا يثقله ولا يجهده وجاء بـ (لا) للدلالة على الإطلاق لا تدل على الزمن المطلق وإن كان كثير من النحاة يجعلونها للمستقبل لكن الأرجح أنها تفيد الإطلاق (لا يمكن أن يحصل) . والعليّ من العلو والقهر والتسلط والغلبة والملك والسلطان والعلو عن النظير والمثيل. والعظيم من العظمة وقد عرّفهما ـ (أل التعريف) لأنه لا علليّ ولا عظيم على الحقيقة سواه فهو العليّ العظيم حصراً.
وهذين الوصفين وردا مرتين في ملك السموات والأرض في آية الكرسي في سورة البقرة، وفي سورة الشورى (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم) والأمرين في ملك السموات والأرض بما يدلّ على العلو والعظمة حصراً له سبحانه.
الملاحظ في آية الكرسي أنها ذكرت في بدايتها صفتين من صفات الله تعالى (الحيّ القيّوم) وانتهت بصفتين (العليّ العظيم) وكل حملة في الآية تدل على أنه الحيّ القيّوم والعليّ العظيم سبحانه تقدست صفاته. فالذي لا إله إلا هو ؛ هو الحي القيوم ؛ والذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو حيّ وقيّوم والذي له ما في السموات وما في الأرض أي المالك والذي يدبر أمر ملكه هو الحيّ القيوم والذي لا يشفع عنده هو الحي القيوم ولا يشفع إلا بإذنه والذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحاط بشيء من علمه هو الحيّ القيّوم القيّم على الآخرين والذي وسع كرسيه السموات والأرض هو الحيّ القيّوم والذي لا يؤده حفظهما هو الحيّ القيّوم لأن الذي يحفظ هو الحي القيوم وهو العلي العظيم.
والحي القيوم هو العلي العظيم والذي لا تأخذه سنة ولا نوم والذي له ما في السموات والأرض والذي لا يشفع عنده إلا بإذنه والذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم والذي لا يحاط بعلمه إلا بما شاء هو العليّ العظيم فكل جملة في آية الكرسي المباركة تدلّ على أنه الحيّ القيّوم والعلي العظيم.
الخطوط التعبيرية في الآية: الملاحظ في الآية أنها تذكر من كل الأشياء اثنين اثنين، بدأها بصفتين من صفات الله تعالى (الحي القيوم) وذكر اثنين من النم(سنة ونوم) وكرّر (لا) مرتين (لا تأخذه سنة ولا نوم) وذكر اثنين في الملكية(السموات والأرض) وكرر (ما) مرتين وذكر اثنين من علمه في (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) وذكر اثنين مما وسعه الكرسي (وسع كرسيه السموات والأرض) وختم الآية باثنين من صفاته (العليّ العظيم).
وقد ورد اسمين من أسماء الله الحسنى مرتين في القرآن: في سورة البقرة (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ومرة في سورة (آل عمران) في الآية الثانية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (لاحظ الرقم 2). والعلي العظيم وردت في القرآن مرتين في القرآن أيضاً مرة في سورة البقرة ومرة (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم) في سورة الشورى في الآية الرابعة (أربع أسماء في الآية الرابعة).
الدلالة: القرآن هو تعبير فني مقصود كل لفظة وكل عبارة وردت فيه لعظة على حروفها وهو مقصود قصداً.
المصدر: منقول عن موقع إسلاميات http://www.islamiyyat.com/ (http://www.islamiyyat.com/)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:55 PM
إعجاز القرآن للباقلاني

كتاب ( إعجاز القرآن ) للباقلاني كتاب مشهور، وقد تناول مؤلفه الإعجاز القرآني في ثلاثة وجوه: الإخبار عن المغيبات، وأمية الرسول صلى الله عليه وسلم، والنظم. ولقد أرجع الباقلاني جمال النظم القرآني إلى عشرة وجوه متكاملة تتسم بالدقة والعمق معاً، وتدل على ترابط الجزئيات وتكاملها.
لتحميل الكتاب أضغط هنا
http://www.55a.net/firas/ar_photo/icon/WinZip_Icon.jpg (http://www.55a.net/words/bakl.zip)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:56 PM
نشأة الإعجاز التأثيري للقرآن وتطوره

د. محمد عطا أحمد يوسف
نستطيع أن نميِّز بين مراحل نشأة الإعجاز التأثيري وتطوره:
ـ المرحلة الأولى: مرحلة النشأة:
تتصل نشأة هذا الوجه الإعجازي للقرآن بنزول القرآن الكريم نفسه اتصالاً مباشراً، وذلك لما يلي:
أولاً: أمر الله سبحانه وتعالى ـ في كتابه بالحرص على إسماع المشركين القرآن الكريم، ليكون ذلك عوناً على دعوتهم للإسلام، قال ابن حجر: «ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله تعالى معجز، لم يقدر أحد على معارضته بعد تحديهم بذلك، قال تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) ». فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلا وهو معجزة والمعجزة لابدّ لها من أثر فيمن تعجزه، إما تصديقاً أو تكذيباً.
ثانياً: ما ورد في كتب السيرة والتفسير وأغلب الكتب التي تتناول قضية الإعجاز عن لجوء رسول الله (ص) لإعجاز القرآن التأثيري كوسيلة أساسية من أسس الدعوة للإسلام وظهور أثر هذه الوسيلة الفعال في كل من استعملت معه، إما قبولاً واعتناقاً للإسلام، أو نفوراً وإعراضاً عنه، أو إقراراً بإعجاز القرآن في حاله.
ثالثاً: إن الإعجاز التأثيري في هذه المرحلة ـ وهي مرحلة النشأة الأولى ـ يتمثل في الممارسة والسلوك العملي للإعجاز نفسه، دون التأليف فيه، أو وضع قواعد أو أصول له، وإنما تدل الشواهد الكثيرة على ممارسته في حياة المسلمين.
وبعد قرنين من الزمان ـ وفي أوائل القرن الثالث الهجري ـ أشار الجاحظ (ت 255) في كتابه (البيان والتبيين) ـ من خلال حديثه عن الإعجاز البلاغي للقرآن ـ إشارات خاطفة للإعجاز التأثيري، وكذلك فعل الرماني في منتصف القرن الرابع ت 386.
ـ المرحلة الثانية: مرحلة التأصيل العلمي للإعجاز التأثيري:
سنقف في هذه المرحلة مع عدد من العلماء القدامى والمحدثين، ممن تحدثوا عن الإعجاز التأثيري: فمن العلماء القدامى: (الخطابي، والجرجاني، وابن القيم(.
ومن العلماء المحدثين: (د. عبد الكريم الخطيب الإمام/ محمد الغزالي).
1 ـ الخطابي: (أبو سيلمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي ـ ت 388هـ)
يبدأ الخطابي رسالته (بيان إعجاز القرآن) بالاعتراف بتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته، ثم بدأ في ذكر وجوه الإعجاز فحددها. وفي نهاية رسالته عاد الخطابي إلى تأكيد رأيه في الإعجاز القرآني، وذلك باختياره الإعجاز التأثيري كأهم وجه من وجوه الإعجاز. فقال: (قلت: في إعجاز القرآن وجه آخر، ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن ـ منظوماً ولا منثوراً ـ إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه، عادت إليه مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول (ص) من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عدواتهم موالاة، وكفرهم إيماناً.
خرج عمر بن الخطاب (رض) يريد رسول الله (ص) ويعمد إلى قتله، فسار إلى دار أخته وهي تقرأ (سورة طه)، فلما وقع في سمعه لم يلبث أن آمن.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:57 PM
وبعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول الله (ص) ليوقفوه على أمور أرسلوه بها، فقرأ عليه رسول الله (ص) آيات من (حم السجدة) فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. ولما قرأ رسول الله (ص) القرآن في الموسم على النفر الذين حضروه من الأنصار آمنوا، وعادوا إلى المدينة فأظهروا الدين بها، فلم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه قرآن. وقد روي عن بعضهم أنه قال: فتحت الأمصار بالسيوف، وفتحت المدينة بالقرآن.
ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: (إنّا سمعنا قرآناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنّا به)،ومصداق ما وصفناه في أمر القرآن في قوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله)، وقوله تعالى: (الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)،وغير ذلك في آي ذوات عدد منه، وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهو من عظيم آياته، ودلائل معجزاته.
2 ـ الإعجاز التأثيري عند عبد القاهر الجرجاني (ت 473هـ):
نبه الدكتور محمد بركات أبو علي إلى مسألة هامة في بحثنا هذا، وهي: تأثر عبد القاهر بسلفه الخطابي في نظرته لإعجاز القرآن. يقول الدكتور محمد بركات: (مما تميز به الخطابي: أنه أبرز وجهاً للإعجاز، وهو الأثر النفسي، وأصبح هذا الرأي أساساً من أسس نظرية عبدا لقاهر في النظم في كتبه وكتب بعض المعاصرين في الأدب...).
وذكر بعض الباحثين: أن عبد القاهر الجرجاني كان يعتمد على ذوقه الوجداني في حديثه عن إعجاز القرآن، وعرضه لموقف البلاغيين، وكيف أنهم انشغلوا بقضية اللفظ والمعنى، حتى وصلوا في التقسيم والتبويب إلى درجة من التعقيد لا تطاق، ولم يستثن منهم سوى عبدالقاهر، لأنه تذوق النص القرآني، وتفاعل وتأثر به تاثراً واضحاً.
والدكتور عبد الكريم الخطيب عندما تعرض لموقف عبد القاهر من قضية الإعجاز فقال عنه: )إن عبد القاهر لم يتحدث عن الإعجاز حديثاً مباشراً، وإنما جعل وجه الإعجاز عنده يقوم على الذوق الوجداني). وقال أيضاً: (ولو لم يكن لعبد القاهر فضل هنا إلا أنه دفع عن البلاغة هذا المفهوم الخاطئ الذي كان يذهب مذاهب الجدل اللفظي البعيد عن الذوق الجمالي والجائر على حظ العاطفة والوجدان منها ـ لو لم يكن له إلا هذا لكان ذلك فضلاً كبير يعرف له، ونستطيع أن نستنبط من هذه الأقوال: أن عبد القاهر كان له رأي في مسألة الإعجاز التأثيري. وقد حاولت البحث فيما تحدث به عن هذا الوجه فوجدته عندما حاول التدليل على عجز العرب أمام القرآن، وذلك من خلال أقوالهم، وذكر أمثلة ثلاثة، هي:
أ ـ حديث الوليد بن المغيرة. وذكر فيه قوله عن القرآن: (والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل).
ب ـ حديث عتبة بن ربيعة: وذكر فيه قوله عن القرآن أيضاً: (إني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، وما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة).
ج ـ حديث إسلام أبي ذكر وأخيه أنيس، وقوله عن القرآن كلاماً قريباً من هذا.
وهذه الأمثلة الثلاثة التي ساقها الجرجاني يدلل بها على حال العرب العاجزة أمام القرآن لتدل على أنه يرى الإعجاز التأثيري من أهم وجوه الإعجاز القرآني. وذلك من وجهين:
1 ـ إن كل مَن تحدث عن إعجاز القرآن من السابقين له أو اللاحقين عليه وأشار إلى هذا الوجه إشارة واضحة ـ كالخطابي ـ مثلاً ـ ، أو غير واضحة ـ كالباقلاني ـ إلا واستشهد بها، لدلالتها على مدى أثر القرآن في نفس من سمعه أو قرأه.
2 ـ إن بعض الشواهد القرآنية التي ذكرها عبد القاهر في حديث عن النظم ـ كوجه للإعجاز القرآني ـ قد حللها تحليلاً يبرز من خلاله مدى الأثر النفسي على مَن يقرؤها أو يسمعها. وإليك بعضها، لترى صدق ما ذهبنا إليه.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:59 PM
يقول عبد القاهر في قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن ... ): ليس بخاف أن لتقدم الشركاء حسناً وروعة. ومأخذاً في القلوب. أنت لا تجد شيئاً منه إذا أخرت فقلت: (وجعلوا الجن شركاء لله) وإنك لترى حالك حال مَن نقل عن الصورة المبهجة. والمنظر الرائق، والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل، الذي لا تحظى منه بكثير طائل. ولا تصير النفس به إلى حاصل.
وفي مثال آخر يقول عند قوله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة): (وإذا أنت راجعت نفسك، وأذكيت حسك، وجدت لهذا التنكير، وإن قيل: (على حياة) ولم يقل (على الحياة) حسناً وروعة، ولطف موقع، لا يقادر قدره، وتجدك تعدم هذا التعريف وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما).
3 ـ وأخيراً فقد جعل عبد القاهر وجه الإعجاز القرآني في نظمه، وجعل النظم علة من أهم علل التأثير في النص القرآني في سامعه وقارئه، يقول الجرجاني: (ومَن هذا الذي يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم ـ أي للعرب ـ والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأت صدورهم، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر) إنما كان لشيء راعهم من موقع حركاته، ومن ترتيبه وبيان سكناته، أو الفواصل في أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟ أم ترى أن ابن مسعود، حين قال في صفة القرآن: (لا يتفه ولا يتشان)!، وقال: إذا وقعت في ال. حم) وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن)، قال ذلك من أجل أوزان الكلمات، ومن أجل الفواصل في أخريات الآيات؟
3 ـ ابن قيم الجوزية (ت 751هـ ) ورأيه في الإعجاز التأثيري:
في كتابه (الفوائد) شرح ابن القيم مسألة تأثير القرآن على سامعه وقارئه فقال: (إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور مَن يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال تعالى: (إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد. فقوله (إن في ذلك لذكرى) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: (من كان له قلب) فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر مَن كان حياً). أي حي القلب. وقوله تعالى: (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه، إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثير بالكلام. وقوله: (وهو شهيد) أي شاهد القلب، حاضراً غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر، وهو الانتفاع بالذكر.
ثم يقول: (فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه الأشياء، فما وجه دخول أداة (أو) في قوله تعالى: (أو ألقى السمع)، والموضع موضع واو الجمع، لا موضع (أو) التي هي لأحد الشيئين؟ قيل: هذا سؤال جيد. والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام (بأو) باعتبار حال المخاطب المدعو، فإن من الناس مَن يكون حي القلب واعيه، تام الفطرة، فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن، وأنه من الحق، وشهد قلبه بما أخبر القرآن، فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن: (ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق).
4 ـ الدكتور عبد الكريم الخطيب ورأيه في الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم:
يقول الدكتور الخطيب: (إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ الأعلى من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم ـ عالم الروح والحق والنور ـ عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة روحاً من روحها، وجلالاً من جلالها، ونوراً من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى بأفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئاً من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه. وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدوا أيديهم إليه قطفوا من أدبه أدباً عالياً، ومن علمه علماً نافعاً، ومن شريعته ديناً قيماً، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظيم. فما يصل إليه من كيدهم شيء).
إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب ن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على مَن يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن قد رحلت إلى الملأ الأعلى حيناً من الزمن، أعطاها هذا الرحيل سراً يخطف الأبصار، ويخلب الألباب، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره.
ويقول الدكتور الخطيب ـ معلقاً على كلام الإمام الخطابي عن الإعجاز التأثيري للقرآن، والذي سبق لنا ذكره، والذي أثبتنا أنه وجه إعجاز القرآن عنده ـ : (وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو ـ فيما ترى ـ المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيهم وأعجميهم، إنسهم وجنهم (قل أوحى إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً).
ويعقب على قول السكاكي: (اعلم أن الإعجاز يدرك، ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن، تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. وكما يدرك طيب النغم العارض للصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذي الفطرة السليمة) ـ بقوله ـ : (وما يقول السكاكي عن إعجاز القرآن ـ هنا ـ هو مقطع القول كله في هذا الأمر، إذ ليس الإعجاز الذي رآه الناس إلا روعة تملكهم، وإلا جلالاً يحيط بهم، وما كان لكلام أن يصور حقيقة الروعة، أو يمسك مواقع الجلال، إنها معان تدرك، تستشعر، ولا توصف! ولهذا فإن الناس مع القرآن على منازل ودرجات وحظوظ... ).
كان حديث الدكتور عن الإعجاز يرتكز بصورة أساسية على ما يحدثه القرآن من أثر في النفوس، كما رأينا ذلك واضحاً في مقارنته بين أثر كلام البشر وكلمات القرآن على النفوس البشرية المؤمنة بالقرآن، والمنكرة له على سواء.
إن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ومواقف الصحابة. بل وما في واقع الحياة البشرية في عصرنا الحالي وكل ما ذكره الدكتور تثبت وترصد مظاهر هذا الوجه من وجوه الإعجاز في حياة البشر وتؤكد اختياره له.
إن الدكتور ذهب إلى أكثر من الاختيار لوجه الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما أخذ يبين مزايا هذا الوجه دون سواه، فهذا الوجه يمتاز عن سائر وجوه الإعجاز بأنه:
أ ـ المعجزة القائمة في كل حين.
ب ـ أنها تسع الناس جميعاً عالمهم وجاهلهم.
ج ـ أنها تسعهم بكل لغاتهم، عربيهم وعجميهم.
د ـ أنها لا تقتصر على الإنس وحدهم، بل وتسع الجن أيضاً.
5 ـ الشيخ/ محمد الغزالي السقا (ت 1416هـ ) ورأيه في الإعجاز التأثيري:
في كتابه (نظرات في القرآن) يعقد الشيخ/ الغزالي فصلاً كاملاً عن الإعجاز في القرآن الكريم، ويرى فيه أن إعجاز القرآن يبرز في وجوه ثلاثة: الإعجاز النفسي، والإعجاز العلمي، والإعجاز البياني.
ويمكن أن نفهم حديث الإمام الغزالي عن الإعجاز النفسي ـ التأثيري في رأينا ـ متمثلاً في نقاط أربع:
1 ـ مكانة الإعجاز التأثيري.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 06:59 PM
2 ـ تأثير القرآن في المؤمن والكافر.
3 ـ من وسائل تأثير القرآن: تقديم الدليل المفحم على كل شبهة ـ تلوين الحديث ـ تصريف الأمثال، قهر برودة الإلف، تعرية النفوس، التغلب على مشاعر الملل.
4 ـ موانع التأثر بالقرآن.
وحديث إمامنا عن الإعجاز النفسي (التأثيري) أتى مرسلاً، دالاً على سجية مؤلفه، يحمل في طواياه هذه النقاط السابقة التي حاولت استخلاصها من حديثه العذب الذي لا غنى لباحث في إعجاز القرآن عن مطالعته والارتواء من نبعه الفياض. ونتلمس النقطة الأولى أول حديث الإمام عن الإعجاز النفسي، فبعد أن يتحدث عما يعرض له القرآن من عقائد دينية وأحكام تشريعية، وحقائق علمية يقول:
(قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزع تحت عناوين شتى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه، وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلمية في مفهومها. ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر، والتقاط مؤلفه آخر ما تختلقه اللجاجة من شبهات وتعلات، ثم الكر عليها بالحجج الدامغة، حتى تبقى النفس وليس أمامها مفر من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله. وعندي أن قدراً من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا... ).
تلك هي مكانة الإعجاز التأثيري عند الإمام، فإن كان للقرآن الكريم وجوه إعجاز أخرى غير أنها لا تصل في قدرها وأهميتها إلى الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في نفس الانسان. ولكن هل يتأثر كل انسان بالقرآن؟ أم يقتصر هذا التأثير على المؤمنين به؟ ويرد أمامنا على هذا التساؤل بما يؤكد مكانة الإعجاز التأثيري بين وجوه الإعجاز، وعدم اقتصاره على نفس انسانية دون أخرى، فيقول:
(فما أظن امرءاً سليم الفكر والضمير يتلو القرآن أو يستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به. قد تقول: ولم يتأثر به؟ والجواب: إنه ما من هاجس يعرض للنفس الانسانية من ناحية الحقائق الدينية ـ إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه. ما أكثر ما يفر المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم. ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.
إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يرد الصواب إلى أولئك جميعاً، وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق، وزلة كل ذي زلل، ثم تكفل بإزاحتها كلها، كما يعرف الراعي أين تأهت خرافه. فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منهم.
وذلك سر التعميم في قوله عزوجل: (ولقد صرّفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله. إنهم يقضون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه، ولكنه يؤخذ فترة ما يصدق العاطفة الباكية. أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق، ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون، إنه قد يرجع مستهزئاً، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.
والمنكرون من هذا النوع لا يطعمون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة. ولذا يقول الله عزوجل: (الله نزّل أحسن الحديث)، وبذلك يكون الشيخ قد تناول النقطة الثانية التي يتأكد من خلالها إعجاز القرآن التأثيري في المؤمنين والكافرين به على سواء. وفي النقطة الثالثة يبرز الإمام في بعض أسرار التأثير القرآني في الإنسان فيقول:
(إن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجة)فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل، ومن تقصير لا من قصور. والجدل آفة نفسية وعقلية معاً، والنشاط الذهني للمجادل يمده حراك نفسي خفي، قلما يهدأ بسهولة. وجماهير البشر لديها من أسباب الجدل ما يفوق الحصر، ذلك أنهم يرتبطون بما ألفوا أنفسهم عليه من أديان وآراء ومذاهب ارتباطاً شديداً، ويصعب عليهم الإحساس بأنهم وآباءهم كانوا في ضلال ـ مثلاً ـ ، فإذا جاءت رسالة عامة تمزق الغشاوات عن العيون وتكشف للناس ما لم يكونوا يعرفون. فلا تستغربن ما تلقى من الإنكار والتوقف، أو التكذيب والمعارضة. وأسلوب القرآن في استلال الجفوة من النفس، إلقاء الصواب في الفكر، أوفى على الغاية في هذا المضمار. ذلك أنه لون حديثه للسامعين تلويناً يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معاً، ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولاً لم يفلت آخراً. وذلك هو تصريف الأمثال للناس.
إنه أحاطه بسلسلة من المغريات المنوعة، لا معدى له من الركون إلى إحداها، أو معالجة القلوب المغلقة بمفاتيح شتى، لابدّ أن يستسلم القفل عنه واحد منها. وتراكيب القرآن ـ التي تنتهي حتماً بهذه النتيجة ـ تستحق التأمل الطويل. ولسنا هنا بصدد الكلام عن بلاغتها، بل بصدد البحث عن المعاني التي تألفت منها، فكان من اجتماعها هذا الأثر الساحر».
ويستكمل الشيخ/ الغزالي بيانه عن وسائل القرآن التي تسبب التأثير في النفس الإنسانية فيقول:
إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تقهر برودة الإلف، وطول المعرفة، فتتعرى أمامه النفوس، وتنسلخ من تكلفها وتصنعها، وتنزعج من ذهولها وركودها، وتجد نفسها أمام الله ـ جل شأنه ـ يحيطها ويناقشها، ويعلمها ويؤدبها، فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلا أن تخشع وتصيخ ثم يقول:
وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه، وأمده بنشاط لا ينفد. والجدل غير الملل، هذا تحرك ذهني، قد يجسد الأوهام، ويحولها إلى حقائق، وهذا موات عاطفي، قد يجمد المشاعر، فما تكاد تتأثر بأخطر الحقائق، وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي، فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة، بل عن موت قلوبهم، وشلل حواسهم.
والقرآن الكريم ـ في تحدثه للنفس الإنسانية ـ حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاء، وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين، حتى إنه ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً. (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً).
ومن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب. يقول الغزالي:
(والشعور بالرغبة والرهبة والرقة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق، ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم، والمغازي والعبر، تقشعر منه الجلود).
موانع تأثر النفس البشرية بالقرآن والانفعال به:
وأخيراً فإننا نستطيع أن نلتقط من كلام الشيخ/ الغزالي بعض رؤاه العلمية العميقة التي يكشف من خلالها موانع تأثر النفوس البشرية بالقرآن والانفعال به، وهو ما أشرنا إليه سابقاً في النقطة الرابعة، يقول الغزالي فيما يؤكد هذه النقطة:
إن إلفك للشيء قد يخفي ما فيه من أسرار، ويصرفك عن اكتشافها. وكثيراً ما تتلو آيات القرآن مثلما تتصفح آلاف الوجوه في الطريق، ملامح نراها، قد تكون دميمة، قود تكون وسيمة، تمر أشكالها بالعين، فما تثبت على أحدها إلا قليلاً وفي ذهول، لأن المرء مشغول ـ بشأنه الخاص ـعن دراسة القدرة العليا في نسج هذه العيون، وغرس هذه الرؤوس، وصوغ تلك الشفاه، وإحكام ما تنفرج عنه من سنان، وما تؤدي إليه من أجهزة دوارة، لا تقف لحظة، إننا نقرأ القرآن فيحجبنا ـ ابتداء ـ عن رؤية إعجازه: أنه كلام من جنس ما نعرف، وحروف من جنس ما ننطق، فنمضي في القراءة دون حس كامل بالحقيقة.
فالشيخ/ الغزالي قد جعل وجه الإعجاز النفسي (التأثيري عندنا) مقدماً على وجوه الإعجاز جميعاً، وعلى وجه الإعجاز البياني الذي كان يتصدر وجوه الإعجاز عند السابقين غالباً، وقد عرضت من كلام الغزالي نفسه ما يربط بين الوجهين رباطاً وثيقاً، بل ويجعل الإعجاز البياني ـ في رأيي ـ هو المقدمة للإعجاز التأثيري، لكن اهتمام الغزالي بالإعجاز التأثيري جعله يضعه في هذه المكانة، يقدمه بها على سواه.
المصدر:* مجلة الشريعة والدراسات الاسلامية /العدد 36/1998

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:00 PM
الأسلوب القرآني الفريد

بقلم أ.د.مصطفى مُسلم
ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد، ويقال للسطر من النخيل أسلوب، والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، والأسلوب الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه.
وفي اصطلاح البلاغيين:هو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو هو العبارات اللفظية المنسّقة لأداء المعاني.
فالأسلوب القرآني:هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1)، ولقد تواضع العلماء قديماً وحديثاً على أن للقرآن أسلوباً خاصاً به مغايراً لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف.
وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه [2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn2) (أن أُنَيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك، يزعُمُ أن الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال : يقولون شاعر، كاهن، ساحر ـ وكان أنيس أحد الشعراء ـ قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون).
ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام، فمن هذه الميزات:
أولاً: المرونة والمطاوعة في التأويل:
نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانة راضية.
فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكرة، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه.
وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرناً قد عراها كثير من التغير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالداً بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطورة كثيراً من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين، وفي علم الله ما يكون من بعد.
والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان نصاً في معناه كان أدنى إلى البلاغة، وكيفما قلبته رأيته وجهاً واحداً وصفةً واحدة لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين، وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه.
لقد فهم علماء السلف رضوان الله عليهم الآيات الكريمة : (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ)[سورة القيامة:3]،(والأرض بعد ذلك دحاها)[النازعات:30]، غير ما فهمه العلماء المتأخرين بعد تطور العلوم الطبية والفلكية ولم يبعد عن الصواب من قال: (الزمن خير مفسر للقرآن). وما ذاك إلا لأن القرآن كتاب الإنسانية الخالدة الذي لا يستطيع جيل من الأجيال استفراغ ما فيه من كنوز العلوم والحكم والحقائق.
ثانياً: اعتماد الأسلوب القرآني الطريقة التصويرية في التعبير:
من السمات البارزة للأسلوب القرآني هو اعتماده الطريقة التصويرية للتعبير عن المعاني والأفكار التي يريد إيضاحها، وساء كانت معاني ذهنية مجردة، أو قصصاً غابرة، أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات.
إن الأسلوب القرآني يحمل تاليه إلى أجواء الصور وكأنه ينظر في تفصيلات الصورة المجسّمة أمامه، وكأن المشهد يجري أمامه حيّاً متحرّكاً، ولا شكل أن الفكرة أو المعنى الذي يراد إيضاحه يكون أقرب إلى الفهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجرّداً من تلك الصور الحية، ويكفي لبيان هذه الميزة أن نتصور هذه المعاني كلها في صورها التجريدية ثم نقارنها بالصورة التي وضعها فيها القرآن الكريم، فمثلاً:
أ‌- معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان: إذا أردنا أن نتصور هذا المعنى مجرّداً في الذهن يمكن أن نقول: إنهم ينفردن أشد النفرة من دعوة الإيمان فيتملّى الذهن وحده معنى النفور في برودة وسكون، ولنمعن النظر في الأسلوب القرآني وهو يصوّر لنا هذا المعنى في هذه الصور الغريبة (فما لهم عن التذكرة معرضون* كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة )[المدثر:49ـ 51].
فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال وانفعال السخرية وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان، والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة تشرد فيه الحمر تيبعها قسورة، فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نُقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:01 PM
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/lion.jpg
لقد شبه الله تعالى فرار الكافرين عن تذكرة النبي صلى الله عليه وسلم كفرار حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدُعون إلى الإيمان، أنظر أخي إلى جمالية هذا التشبيه الرائع الذي لا يصدر إلا عن إله عالم بخبايا النفس الإنسانية طبعاً هذا التشبيه له عدة مدلولات منها شدة فرارهم من النبي، وسخرية من سلوكم الغير مبرر
ب‌- ومعنى عجز الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله ! يمكن أن يؤدي في عدة تعبيرات ذهنية مجردّة، كأن، يقول إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء فيصل المعنى إلى الذهن مجرَّداً باهتاً.
ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[الحج: 73].
فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصور المتحركة المتعاقبة:
(لن يخلقوا ذُباباً)درجة (ولو اجتمعوا له) وهذه أخرى، (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذه ثالثة، والاقتران بين الطالب والمطلوب(ضعف الطالب والمطلوب)وهي الرابعة.
إن الضعف المزري الذي يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين، ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟
كلا فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة (لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له).
والذباب صغير حقير ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل، إنها معجزة الحياة يستوي فيها الجسيم والهزيل.
فليست المعجزات هي خلق الهائل من الأحياء إنما هي خلق الخلية الحية كالهباء. والصورة الفنية هنا هي الربط بين قدسية الآلهة المزعومة حيث وُضعت في أذهان معتنقيها في أقدس صورة والربط بينها وبين مخلوق حقير. ولم يكتف بهذا الربط بل حشد لهذا المخلوق جموعأً ضخمة فعجزوا عن خلقه، ثم في الصورة التي تنطبع في الذهن من طيرانهم خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وفشلهم مع اتباعهم عن هذا الاستنقاذ.
ت‌- ومعنى انتهاء الكون ثم محاسبة الناس على أعمالهم ودخول المحسنينالجنة والمسيئين النار، ولذة أهل النعيم والترحيب بهم وشقاء أهل العذاب وتبكيتهم: كل ذلك يمكن أن يفهمها الإنسان مجردة وهي حقائق لم تقع بعد. فالتعبير عنها بكلمات مجردة تنقل الفكرة إلى الذهن باهتة.
ولكن التعبير القرآني وضع لنا هذه الحقائق في إطار زاهٍ حافل بالحركة وكأن المرء ـ حين يقرؤها ـ يعيش أجوائها، وتنقبض النفس لمشاهدة الأهوال وتخضع لقوة الجبار وتتشوّق لمرافقة السعداء.
فهذا مشهد يوم القيامة قال تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {67} وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ {68} وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ {69} وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ {70} وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71} قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ {72} وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ {74} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {75}‏[سورة الزمر:66ـ75].
إنه مشهد رائع حافل، يبدأ متحركاً ثم يسير وئيداً حتى تهدأ كل حركة ويسكن كل شيء ويخيّم على الساحة جلال الصمت ورهبة الخشوع.
ويبدأ المشهد بالأرض جميعاً في قبضة ذي الجلال، وها هي السماوات جميعاً مطوّيات بيمينه.
إنها صورة يرتجف لها الحسّ ويعجز عن تصويرها الخيال، ثم ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقياً على ظهرها من الأحياء. ولا نعلم كم مضى من الوقت حتى انبعثت الصيحة الثانية (فإذا هم قيام ينظرون). و يغير ضجيج وعجيج، تجتمع الخلائق. فعرض ربك هنا تحف به الملائكة فما يليق الصخب في مثل هذا المقام.
(أشرقت الأرض بنور ربها) أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض، أشرقت بالنور الهادئ (بنور ربها) فإذا هي تكاد تشفّ من الإشراق، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء)، وطوي كل خصام وجدال في هذا المشهد خاصة (وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ).
فلا حاجة إلى كلمة واحدة تقال ولا إلى صوت واحد يرتفع.
وهكذا تجمل هنا عملية الحساب والجزاء، لأن المقام مقام روعة وجلال.
وإذا تم الحساب وعرف المصير وجّه كل فريق إلى مأواه(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) حتى إذا وصلوا إليها بعيداً هناك استقبلتهم حزنتها بتسجيل استحقاقهم لها وتذكيرهم بما جاء بهم إليها (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالموقف موقف إذعان واعتراف وتسليم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى).
وكذلك وجه الذين اتقوا ربهم إلى الجنة حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) وارتفعت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:01 PM
ثم يختم الشريط المصور بما يلقي في النفس روعة ورهبة وجلالاً تتسق مع المشهد كله وتختمه خير ختام(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثالثاً: طريقة الأسلوب القرآني المتميزة في المُحاجة والاستدلال:
لقد أورد القرآن الكريم من أفانين القول في سياق محاجّة الكفار وتصحيح زيغ المحرّفين والوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ما يخرج عن طوق البشر الإحاطة بمثل هذه الأساليب في أوقات متقاربة أو متباعدة، فالنفس الإنسانية لا تستطيع التحول في لحظات عابرة في جميع الاتجاهات بل تتأثر بحالة معينة.
ولا تستطيع التحول عنها إلى أتجاه معاكس إلا ضمن بيئة ملائمة.
أما الأسلوب القرآني فيلاحظ فيه الانتقال في شتى الاتجاهات في لحظات متقاربة متتالية، وأحياناً تكون مترادفة. فمن مشرّع حكيم يقر الدساتير والأنظمة في تؤدة وأناة ورويّة، إلى وعيد وتهديد لمن يرغب عن التشريعات ويريه سوء المصير، إلى غافر يقبل توبة العبد إذا تاب وأناب، إلى معلم يعلم كيفية الالتجاء إلى الخالق سبحانه وتعالى بأدعية لا تخطر على البال، إلى مقر لحقائق الكون الكبرى، ومن مرئيات الناس ومألوفاتهم والتدرج بهم إلى أسرار سنن الله في الكون
لنتأمل قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {68} فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنفال:67 ـ 69].
هاتان الآيتان نزلتا بعد إطلاق أسرى بدر وقبول الفداء منهم . وقد بدأتا بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمتا بإقرارها وتطييب النفوس بها بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها.
فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام ـ لو كان عن النفس مصدره ـ يمكن أن يصدر عنها آخره ولمّا تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب وبين ابتسامة الرضى والاستحسان ؟ إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضراباً عن الأول ماحياً له ولرجع آخر الفكر وفقاً لما جرى به العمل.
فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر المحمود وتسجيله على ما فيه من تقريع علني وتغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالاً طيبة ؟
إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا شخصيتين منفصلتين وان هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أخطأت ولكني عفوت عنك وأذنت لك[3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn3).
ومن الأمور المميزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه . تامل في قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ {57} أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ {58} أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ {59} نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ {60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ {61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ {62} أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ {70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ {71} أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ {72} نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ{73} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الواقعة: 57ـ74].
ومثل هذه الإشارات ترد كثيراً في القرآن الكريم لتجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، يقرر بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير وحياة للأرواح والقلوب ويقظة في المشاعر والحواس.
إن هذه الظواهر هي حقائق ضخمة ولكن الإلف والعادة بلّدت حواس الناس فلا تشعر بدلالاتها.
إن الأنفس من صنع الله، وما حول الناس من ظواهر الكون من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده، وهذا القرآن قرآنه. ومن ثمّ يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم، يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لديهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها لأنهم غافلون عن مواضيع الإعجاز فيها.
يمسهم الأسلوب القرآني بهذه اللفتات الاستفهامية المتتالية ليفتح عيونهم على السر الهائل المكنون، سرّ القدرة العظيمة وسرّ الوحدانية المفردة ليثير في فطرتهم الإقرار الأول في عالم الذر .. (ألست بربكم )[الأعراف: 172].
إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره إنها المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريق بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق.
والقرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل، الزرع، الماء، النار، الموت.
وأي إنسان علي ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي إنسان مهما كان بدائياً لم يشهد نشأة جنينية ونشأ حياة نباتية ومسقط ماء وموقد نار ولحظة وفاة؟
إن انفراد الأسلوب القرآني بهذه الميزات لهو دليل مصدره الإلهي فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.
فالحذّاق من الكتّاب عندما يقرأون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيراً من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة.
ولا شكل أن هذا إدراك شيء أعظم وأرقى من العلوم الظاهرة والتي تقف بأصحابها عند جودة الأسلوب ومتانته وقوة السبك ورصانته، فإذا كان الأدباء وأهل البلاغة يدركون هذه الحقائق بعد العلوم الاكتسابية التي تعلّموها ومارسوها فإن العربي الذوّاقة مواطن الجمال في الكلام، لا شك أنه كان من أعرف الناس بما وراء الألفاظ والكلمات وكان يدرك بنظرته السليمة وسليقته الصافية حقيقة الذات التي وراء الأسلوب.
إن العربي الذواقة لجمال القول أدرك أسلوب القرآن المتميز وعرف أن سبب هذا التميز هو أن القرآن من مصدر غير مصادر كلام البشر ومن ذات غير مخلوقة لذا تميز الأسلوب عن أساليب المخلوق، فما دامت قوة الخلق والإبداع من العدم ليس في مقدور البشر بل وكل المخلوقات فلن يستطيع أحد منهم إيجاد أسلوب يشبه أو يقارب الأسلوب القرآني.
ولعل هذا الإدراك هو الذي منع العقلاء وأهل الفصاحة واللسن من سائر العرب من محاكاة القرآن. ومن تعرّض لمحاكاته صار أضحوكة بين الناس لأنه حاول أن يخرج عن طبيعته وذاته ونفسيته إلى محاكاة الذات الإلهية. أورد الإمام ابن كثير في تفسيره قال : (.. سألت الصدّيق بعض أصحاب مسيلمة الكذاب بعد أن رجعوا إلى دين الله أن يقرأوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة.
فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرأوا عليهم شيئاً منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه قوله : (والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً واللاقمات لقماً إهالة وسمناً، إن قريشاً قوم يعتدون)، وقوله : (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ويحكم أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل ـ أي إله)[4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn4)
لقد أدرك الصدّيق رضي الله عنه بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها، إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق سبحانه وتعالى.
فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق.
المصدر :كتاب مباحث في إعجاز القرآن بقلم أ.د . مصطفى مسلم 143 ـ154

[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref1) " مناهل العرفان " للزرقاني 2/199

[2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref2) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة 7/153

[3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref3) انظر هذا وغيره من الأمثلة في كتاب " النبأ العظيم " للدكتور محمد عبد الله دراز ص 19

[4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref4) انظر تفسير ابن كثير 2/411.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:02 PM
الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم

د/ محمد محمد داود
أستاذ الدراسات اللغوية والإسلامية
بكلية التربية جامعة قناة السويس
القرآن من الله تعالى والله تعالى حكيم وفعل الحكيم كله حكمة، فكل شيء عند بقدر ومقدار، ووصف الله القرآن بقوله عز وجل:( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)(هود:1). ومن هنا نشطت الجهود لتتبع الظواهر اللغوية في القرآن الكريم، للكشف عن أسرار هذا الكتاب المعجز، في نظمه ولفظه وصوته.. المعجز في معانيه، المعجز في أثره..الخ.
ولم ينل كتاب في الدنيا دراسات فيه وحوله مثلما نال القرآن الكريم، بيد أنه رغم استبحار ووفرة الدراسات القرآنية، إلا أن القرآن الكريم لا يزال يستنهض الباحثين لمزيد من البحث في آفاقه الممتدة التي لا تتوقف عند نهاية: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف /109).
وكل باحث ـ حسبما يتيسر له من أدوات بحثه ـ يكشف الله جانباً من أسرار الكتاب ومع ذلك لا تنفذ الأسرار: (كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء/20).
إن التأمل المتأني والأمانة والدقة التي يتطلبها المنهج العلمي تقتضي أن نضيف حرف التبعيض (من) إلى العنوان ليصبح " من الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم" وذلك لأن البحث الصوتي له فروع ومستويات ولا يقتصر فقط على بحث الصوت اللغوي، فهناك البحوث الصوتية الفيزيائية، وغير ذلك.
وأيضاً يملي علينا العنوان أن نتوقف عند الظواهر الصوتية التي تلفت الانتباه في القرآن الكريم ويظهر فيها وجه من وجه الإعجاز. وعليه فلن تكون المقالة حصراً شاملاً لكل الظواهر الصوتية في القرآن الكريم، وإنما تدور محاضرة اليوم حول عناصر ثلاثة هي :
1. أثر صوتيات القرآن الكريم في الاستقرار الصوتي للغة العربية.
2. الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى.
3. قضية التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت المفرد والتركيب في القرآن الكريم.
أولاً: أثر صوتيات القرآن الكريم في الاستقرار الصوتي للغة العربية:
كان التلقي الشفاهي هو الأساس في نقل القرآن الكريم، بداية من سيدنا جبريل عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وصولاً إلى زماننا المعاصر، وهكذا إلى أن تقوم الساعة.
لهذه الخاصية (المشافهة) آثار تصل إلى حد الإعجاز، لكن إلف العادة هو الذي يمنعنا أو يحجب عنا ملاحظة نواحي الإعجاز. ولكن إذا ما قورنت العربية بغيرها من اللغات وما حدث لها ـ يظهر أثر القرآن على الاستقرار الصوتي للغة العربية. ويمكن إجمال الأثر في العناصر التالية:
(1) حفظ اللغة العربية حية إلى الستة المسلمين في بقاع الأرض كلها:
المتأمل للتاريخ يرى بوضوح لغات كثيرة قد اندثرت بموت أهلها أو ضعفت بضعفهم، فأين اللغة الفينيقية الآن ـ لغة أهل لبنان قديماً ـ وأين اللغة المصرية، والآشورية .. الخ.
إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن جعلها محفوظة بحفظه، وباقية ببقائه، وسبحان الله القائل: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر/9).
والذي يدقق النظر في العربية المعاصرة يجد الكثير من الألفاظ التي هجرت وظل بقاؤها حية على الألسنة قاصراً على الاستخدام الديني لها وهو الاستخدام المرتبط بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:03 PM
(2) استقرار اللغة العربية :
رغم أن التطور سنة جارية في كل اللغات، وأكثر مظاهره يكون في الدلالات، إلا أن العربية ظلت محتفظة بكل مستوياتها اللغوية (صوتية ـ صرفية ـ نحوية ـ دلالية)، وما تطور منها كان في إطار المعاني الأصلية وبسبب منها.
والمحافظة على الأصل الدلالي للفظ على تطور الزمن له فائدة لا يستهان منها، فتواصل الفهم بين الأجيال للنصوص القديمة وتراث الأمة أمر من الأهمية بمكان، ويزداد أدراك أهمية الأستقرار اللغوي الذي تتميز به العربية إذا ما تأملنا التعبير السريع الذي يلحق اللغة الإنكليزية (لغة الحضارة المعاصرة)، فنصوص الإنجليزية القديمة(التي مر عليها قرابة ثلاثة قرون) أصبحت عصية على الفهم بالنسبة للإنجليزية المعاصرة.
ولعل هذا التغير السريع هو الذي دفع علماء هذه اللغة إلى إعادة صياغة النصوص الأدبية المهمة عندهم، مثل نصوص شكسبير بإنجليزية حديثة يفهمها المعاصرون بدلا من الإنجليزية القديمة.
في حين أن العربي المعاصر يقرأ آيات القرآن الكريم فلا يحس معها بغرابة، ويكفي النظر إلى هذه ا لآيات : (آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (البقرة/1ـ2).
ومن الحديث النبوي الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري.
فرغم مرور أربعة عشر قرناً فإن الإنسان لا يكاد يجد صعوبة في فهم هذه النصوص، ولا تصادفه غرابة في الألفاظ، وما يصادفنا من ألفاظ صعبة فإن أبسط المعاجم يمكن أن يبدد هذه الصعوبة. وهكذا الشأن مع باقي المستويات اللغوية (الصوتية، والصرفية، والنحوية)، وهذه مزية عظيمة أن تكون الأمة موصولة بتراثها الزاخر تفيد منه وتنتفع به.
وتأمل مزية استقرار اللغة العربية، التي تفردت بها عن سائر اللغات التي تغيرت وتبدلت تغيراً وتبدلاً جعل من اللغة الواحدة لغات كثيرة متباينة، وهذا يؤدي بنا إلى التساؤل:
ما السبب وفي وجود هذه المزية؟ هل يمكن إرجاع هذه المزية إلى أن اللغة العربية، كانت لغة عالمية فيها كل ما تفتقر إليه الأمم في كل الأزمنة والأمكنة من ألفاظ ومعان وأخيلة، بحيث يجد الناس فيها ما يفتقرون إليه، لذلك فهم يحرصون عليها ؟ وهذا بعيد.
فما كانت اللغة العربية ولا غيرها كذلك [1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1)أم أن مزية استقرار اللغة العربية ترجع إلى أهلها مكانتهم الإجتماعية والسياسة والعلمية؟ والواقع يكذب ذلك، فقد كان أهل العربية في موضوع متأخر الشأن بجوار حضارتين عظيمتين هما الفرس والروم. وهكذا ينتهي بنا التأمل إلى أن الباحث لا يجد سببا مقنعاً لهذه المزية سوى أنها أثر القرآن الكريم.
(3) تهذيب اللغة العربية :
(أ‌) فقد نحى القرآن الكريم عن اللغة التقعير في الكلام والغريب والألفاظ الحوشية الثقيلةعلى السمع، وأن من يتأمل النثر أو الشعر الجاهلي يرى كثيراً من الكلمات الحوشية، ومن ذلك: " جحيش" ، و" مسشزرات"، و" جحلنجح" ، و " البخصات " ، و " الملطاط " ، وغير ذلك كثير.
ومن ذلك أيضاً ما رواه القالي في أماليه لأبي محلم الشيباني في أواخر القرن الثاني من كتاب إلى بعض الحذائين في نعل .. قال هذا المتقعر: (دنها، فإذا همت تأتدن، فلا تخلها تمرخد، وقبل أن تقفعل، فإذا ائتدنت فامسحها بخرقة غير وكيلة، ولا جشيّة، ثم امعسها معساً رقيقاً، ثم سن شفرتك، وأمهها فإذا رأيت عليها مثل الهبوة فسن رأس الأزميل)الخ.
(ب‌) نحي القرآن الكريم أيضاً كثيراً من الألفاظ التي تعبر عن معان لا يقرها الإسلام ومن ذلك:
1. " المرباع " : وهو ربع الغنيمة إلى الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية .
2. " النشيطة ": وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى القوم، أو ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغ الموضع المقصود.
3. " المكس " : وهو دراهم كانت تؤخذ بائعي السلع في الأسواق الجاهلية.
4. قولهم للملوك : " أبيت اللعن " .
ومثل ذلك كثيراً يرجع إليه في بطون كتب التراث.
(4) سعة انتشار اللغة العربية :
بنزول القرآن ودخول الناس في دين الإسلام أفواجاً من شتى بقاع الأرض، اتجه المسلمون من غير العرب إلى تعلم العربية، رغبة في أداء العبادات والشعائر الدينية بها، وقراءة القرآن بالعربية، لأن قراءة القرآن الكريم تعبد لله تعالى.. وبالتالي انتشرت اللغة العربية انتشاراً ما كان يتحقق لها بدون القرآن الكريم.
ثانياً: الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى :
أود هنا ـ بدايةً ـ توضيح ملاحظة تتصل بأدب السلف من صالحي هذه الأمة، حيث أطلقوا على نهايات الآيات القرآنية تسمية (رءوس الآيات)، تمييزاً لها عن مصطلحات الشعر والنثر، ففي الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، وفي النثر نقول بداية الجملة ونهايتها، فبداية الآية عندهم كنهايتها : رأس، أي مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهي ولا يهبط أبداً، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قمم يرقى القارئ إليها، وكلما مضى في القراءة ازداد رقياً، فهو صاعد أبداً، حيث يقال لقارئ القرآن : (أقرأ وارق، فأن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) ..
ومعلوم أن رءوس الآيات توقيفية، أي كما جاءت بالتلقي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والملاحظ في رءوس الآيات التناسب الصوتي الذي يلفت الانتباه وتستريح له الآذان إلى حد يأخذ بالنفس، ولعله كان أحد الأسباب التي جعلت الوليد يقول بعد سماعه القرآن: (إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة) وهما من حس اللسان وحسن الأذن. وإذا ما أحببت محاولة الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمي، وذلك بتتبع أصوات الحروف والحركات التي تكوّن هذه الفواصل، بهذا التناسق الصوتي المبدع، فإننا نلاحظ التالي :

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:03 PM
كثرة ورود الحركات، وبخاصة الطويلة [ حروف المد: الألف والواو، والياء]، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على لحن الكلام، يضاف إلى هذا كثرة ورود الصوامت المتوسطة(النون ـ الميم ـ الراء ـ الواو ـ الياء)، وهي قريبة ـ من الناحية الفيزيائية ـ إلى طبيعة الحركات، التي تسهم في خاصية التنغيم الشجيّ بشكل واضح. يدعم هذا ظواهر صوتية خاصة بالقرآن: المد والغنّة . وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بهذا التناسب الفريد في غير القرآن من فنون الشعر والنثر.
سؤال اعتراضي :هل هذا التناسب الصوتي هو من قبيل السجع، حيث يتوالى الكلام المنثور على حرف واحد، ليكتسب النثر ضرباً من الموسيقى والنغم؟ وهل هو من قبيل القافية في الشعر؟
والجواب:لا هذا ولا ذالك، فالفاصلة في القرآن ليست على وتيرة واحدة، كما هو الحال في كل من السجع والتقفية، فهي لا تلتزم شيئاً من ذلك، حيث تجري في عدد من آيات القرآن على نمط، ثم يتحول عنه إلى نمط آخر، ومن خلال جريها على نمط واحد، فأغلب ما تقوم عليه هو حرف المد.
يقول الله تعالى : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1} بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {2} أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ {3} قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ {4} بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ{5} أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) (ق/1_6).
والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة دلالية، ورعايتها تؤدي إلى تقديم عنصر أو تأخيره، ليس فقط رعاية للتناسق الصوتي، بل رعاية للمعنى أيضاً، وهذا هو الإعجاز.
الأمثلة :(إياك نعبد وإياك نستعين)(الفاتحة/5)، فإن قلت: لم قدم العبادة على الاستعانة؟ أجابك اللغويون أصحاب الحس المرهف، وعلى رأسهم الزمخشري، حيث قال : (هو من تقديم العلة على المعلول).
وقال أبو السعود: (هو من باب تقديم الشرف).
وقوله تعالى :( وإن لنا للآخرة والأولى)(الليل /13)، لماذا قدم الآخرة على الأولى؟ والجواب أن ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها، فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة والإنذار لمن كذب وأعرض بالتنكيل به في الآخرة، في مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن وتصدق، فإذا ما تحقق مع هذا المعنى الانسجام الصوتي وتناسب الإيقاع في الفواصل، فذلك لا يتم على هذا الوجه من الكمال في غير هذا النظام القرآني المعجز.
ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم المعنى المراد، فالتقديم والتأخير يرتبطان بالسياق والمعنى المراد.
أيضاً الترتيب في تقديم الصفات الخاصة بالله تبارك وتعالى، أو الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ـ مرتبط بالسياق، من ذلك قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور) (سبأ/2)، وقال تعالى: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم إن الله غفور رحيم)(الحجرات/14).
فقدم الرحمة في آية سبأ، لأنها منشأ المغفرة. أما الغفور فتقدم في كل موضع في القرآن فيه ولو إشارة إلى وقوع المعاصي وكفران النعم.
ثالثاً: التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت والمفرد والتركيب في القرآن الكريم:
أول ما يلفت الانتباه هو إن القرآن الكريم قد خلا من التنافر في بنية كلماته، فأصواته كلها قامت على الائتلاف، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد سجلت كلمات القرآن الكريم قمة التناسق بين أصواتها والمعاني المرادة لها، وهذا هو الجديد في الصوت القرآني : أن يوظف الصوت المفرد داخل الكلمة لخدمة المعنى المقصود، وإليك هذه الأمثلة.
(1) التناسب بين صفات الصوت ومعنى الكلمة:
من ذلك التشديد بعد قلب التاء من جنس ما بعدها ليدل على التردي الجماعي، أو المبالغة في التثاقل، أو الاستعصاء على الهدى، من ذلك قوله تعالى:(حتى إذا أداركوا فيها جميعاً) (الأعراف: 38).
أصل الفعل (تداركوا) وقلبت التاء دالاً وأدغمت في الدال، فلما سكنت جئ بهمزة الوصل، والتشديد يوحي هنا بتداعيهم في النار متزاحمين بغير نظام، بل إن اشتمال التشديد على سكون فحركة يدل على أن تزاحمهم في النار جعل بعضهم يعوق بعضاً قبل أن يتردوا فيها، فكأن النقطة التي تداعوا عندها كانت كعنق زجاجة. ويشبه هذا إيحاء التكرار في قوله تعالى:( فكبكبوا فيها هم والغاوون)(الشعراء/94).
ومن هذا أيضاً قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض)(التوبة/38).
أيضاً ما يوحيه التفخيم من الإحساس بالمبالغة في الحدث او الصفة، من ذلك قوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل) (فاطر/37) .
فكأن ارتفاع الصوت بالصراخ ومشاركتهم جميعاً فيه وتكرار ذلك منهم لا يكفي أن يعبر عنه بالفعل المجرد (يصرخون)، فجاءت تاء الافتعال لتدل على المبالغة، وقصد لها أن تجاور الصاد المطبقة فتتحول بالمجاورة إلى ا لتفخيم (تصبح طاء) ليكون في تفخيمها فضل مبالغة في الفعل . ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:( تلك إذاً قسمة ضيزى) (النجم/22).
و(ضيزى) تعني : جائزة ظالمة، لكن لفظ (ضيزى) جاء هنا ليحقق غرضين هما: رعاية الفاصلة التي غلبت فيها الألف المقصورة، والثاني: الإيحاء ـ بماء في الضاد من تفخيم ـ إلى أن الجور في هذه القسمة لا مزيد عليه.
قوله تعالى : (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق)(البقرة/19). والصيب : النزول الذي له وقع وتأثير، ويطلق على المطر والسحاب، وتنكيره لما أنه أريد به نوع شديد هائل، كما أن الصاد المستعلية (المفخمة) والياء المشددة والباء الشديدة تدل على القوة والتدفق وشدة الانسكاب.
(2) التناسب بين إيحاء الصوت ومعنى الكلمة:
ومن التناسب بين إيحاء الصوت والدلالة المقصودة للكلمة قوله تعالى : (عيناً فيها تسمى سلسبيلاً)(الإنسان/18). حيث يوحي لفظ السلسبيل بالسلاسة والسهولة ويسر الاستساغة، وذلك لما بين اللفظين (سلسبيل/سلاسة) من شركة في بعض الحروف. هذا في مقابل الإيحاء في جهة الضد للمعنى السابق، كما في قوله تعالى: (إلا حميماً وغساقاً) (النبأ/25) حيث أن مادة (غسق) في القرآن الكريم منها الغسق، والغاسق والغساق ـ توحي أن القسط المشترك بين هذه المشتقات الدلالة على أمور كريهة، فالغسق :الظلمة، والغاسق: الليل الشديد الظلمة، والغساق : شئ كريه لا يشرب، وفسروه بالصديد، وتستفاد هذه الدلالة لغوياً من إيحاء الغين والقاف هنا. ومثله في التفسير قوله تعالى : ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين)(المطفيين/7)، وقوله تعالى :( ليس لهم طعام إلا من ضريع)(الغاشية /6)، والضريع نبات شوكي. وإيحاء لفظ (ضريع ) في الطعام يفيد ذلاً يؤدي إلى تضرع كل منهم وسؤال الله العفو عن ذلك.
يقابله في المعنى على الجهة الأخرى قوله تعالى :( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين)(المطففين/18) .
(قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق)(يوسف/15) . هذا، وبالله التوفيق.


[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref1) حسن الباقوري، أثر القرآن في اللغة العربية ص 16.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:04 PM
الإعجاز الأسلوبي في سورة يوسف

بقلم ياسر محمود الأقرع
لم يكن أسلوب التوكيد في كلام العرب – على كثرته - لوناً من ألوان الزينة، أو شكلاً من أشكال الحشو الذي يرهق النص ويثقله بما لا فائدة منه ولا جدوى. وإنما هو ركن من أركان البناء اللغوي والبياني الذي ذخرت به النصوص العربية شعراً ونثراً. فالعرب لا تؤكد كلامها إلا إذا كان المخاطب في حاجة إلى ذلك، وتأتي بمؤكد واحد إن كان المخاطب متردداً في تصديق ما يقال أو ظنَّ ذلك منه، في حين تأتي بأكثر من مؤكد _ وقد تشفع ذلك بالقسم _ إن كان المخاطب منكراً ما يسمع كل الإنكار أو ظنَّ منه ذلك.
سنتوقف في بحثنا هذا أمام آيات من سورة يوسف (عليه السلام) نعرض خلالها مواقف من القصة، في محاولة منا لتلمس الوجه البياني الذي يمثله أسلوب التوكيد في السورة.
ولنقف قبلاً أمام قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفيه أول ما جاء مؤيداً بالتوكيد في سورة سيدنا يوسف (موضوع بحثنا).
ذكر الله تعالى إنزال القرآن مؤكداً بـ (إنَّ)ذلك أن كفار مكة - ومنهم اليهود الذين سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقص عليهم قصة يوسف (عليه السلام) - كانوا يطعنون بصدق نبوته، وبأن القرآن هو كتاب منزل من الله تعالى. لذلك، وقبل البدء في القصة التي طلبوا سماعها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، جاء ذكر إنزال القرآن بأنه من عند الله مؤكداً بـ (إنَّ)، لنفي ما زعموه، وتسفيه ما ظنّوه.
أضف إلى ذلك أن إنزال القرآن الكريم على النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر غيبي، والغيبيات تحتاج إلى ما لا تحتاجه المحسوسات من التوكيد، إذ يأتي التوكيد - عند ذكرها - رفعاً للشبهة ودفعاً للظنّ، ودرءاً للخاطر إن جاء مشككاً أو منكراً.
وانظر في قوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وقد جاء دون توكيد، إذ الأمر هنا ليس أمراً غيبياً، بل هو أمر محسوس يحمل في ذاته دلائل مصداقيته، وذلك في قصص القرآن الكريم كلها ومنها قصة يوسف (أَحْسَن الْقَصَصِ)، فلا حاجة إذاً للتوكيد، ما دام المثال ظاهراً، والدليل قائماً.
ولما أراد الله تعالى أن يخبرنا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يعرف شيئاً عن قصة يوسف (عليه السلام) جاء بلام التوكيد في قوله:(وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) وذلك دفعاً لأي شك أو تردد في شأن معرفة النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذه القصة قبل نزول القرآن عليه، فأكد غفلته عن الأمر تأكيداً لا يغضّ من قدر رسوله، بل يدل على صحة نبوته وصدق دعوته (صلى الله عليه وسلم) .
مواقف في قصة سيدنا يوسف والأثر البلاغي لأسلوب التوكيد فيها:
رؤيا يوسف (عليه السلام)
(يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)
بهذا أخبر سيدنا يوسف أباه عن أمر رؤياه، وجاء بكلامه مؤكداً بـ (إنّ)، ثم بتكرار فعل الرؤيا مرتين (رأيت _ رأيتهم). وجاء هذا التوكيد في معرض الحديث عن أمر غير مألوف، فيه من الغرابة ما يُخشى معه أن يشك السامع في صدق ما يسمع، لذا جاء ذكر الرؤيا مقترناً بالتوكيد (إني رأيت _ رأيتهم) دفعاً لشك قد يخامر سيدنا يعقوب في صدق ما يقوله هذا الغلام الصغير.
ويؤول سيدنا يعقوب رؤيا ابنه، ويطلب منه ألا يخبر إخوته بالأمر...
إخوة يوسف يكيدون له
ها هم إخوة يوسف يتشاورون في أمره (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنّا). وجاؤوا بقولهم هذا مؤكداً بمؤكد واحد (اللام في ليوسف). ثم أكّدوا قولهم (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) بمؤكدين (إنَّ _ اللام في لفي). وإخوة يوسف ليس بينهم من يشك أو يتردد في أن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم، ولا بينهم منكر أن أباهم في ضلال مبين. فلماذا إذاً جاء الكلام مؤكداً وهم في غير حاجة إلى توكيد ما هم متفقون عليه ومجتمعون بسببه!؟
إن مجيء الكلام مؤكداً في قولهم (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) يؤسس لاقتراح غريب سيطرحونه، وصولاً إلى قرار جريء سيتفقون عليه، وهو التخلص من أخيهم يوسف.
لذا أرادوا تأكيد الأسباب المؤدية إلى هذا الاقتراح حتى يبدو اقتراحاً مقبولاً، له أسبابه ودوافعه. فبدؤوا بتوكيد أمر محبة أبيهم أخاهم يوسف بمؤكد واحد (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)، ثم صعّدوا الموقف بتوكيدين (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) ليأتي عقب ذلك مباشرة قولهم: (اقْتُلُواْ يُوسُفَ).
ولولا ما قدموه من أعذار مؤكدة، غير قابلة للشك (في زعمهم)، ما كان اقتراحهم (قتل أخيهم) أمراً مقبولاً.
من هنا كان لابدّ - وصولاً إلى هذا الاقتراح - من توكيد الأسباب المؤدية إليه!!
وربّ قائل يقول: إن وجود المؤكد، والمؤكدين في قول إخوة يوسف يدل على وجود متردد أو منكر بينهم، فهل ثمة منكر أو متردد فيما كانوا يسوقونه من أعذار تسول لهم قتل أخيهم؟
نعم، إن عقولهم تنكر ما تقوله ألسنتهم، وليس أدلّ على ذلك من اعترافهم (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ). إذاً ما يتفقون عليه وينوون فعله تنكره عقولهم، كونه – باعترافهم - ليس من الصلاح، وجاء هذا على ألسنتهم بإقرار واضح، وتصريح فاضح.
بين سيدنا يعقوب وأولاده
لما اتفق إخوة يوسف على إلقاء أخيهم في غيابة الجب، ولم يبق أمامهم إلا إقناع أبيهم بأخذه، ذهبوا إليه و(قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) وفي قولهم هذا مؤكدان: (إنّ _ اللام في لناصحون)، فهل يحتاج إقرارهم بالنصح لأخيهم إلى توكيدين؟
ثم قالوا: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وهنا جاؤوا كذلك بمؤكدين، فهل يحتاج أمر حفظهم لأخيهم مؤكدين أيضاً (إنّ _ اللام في لحافظون)؟
إن مجيء قضيتي (النصح – الحفظ) مقترنتين بالتوكيد يعني أن سيدنا يعقوب (عليه السلام) كان منكراً للمضمون الذي جاء فيهما، ويبدو أن إخوة يوسف عرفوا ذلك عن أبيهم، وأيقنوا عدم ثقته بهم، فجاؤوه بهذه المؤكدات رغبة في إقناعه بصفاء نيتهم، وصدق ادّعائهم. وليس أدلّ على ذلك من قولهم (مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) ففيه إقرار منهم بعدم ثقة أبيهم بهم.
فإخوة يوسف كانوا إذاً في معرض الشبهة من وجهة نظر سيدنا يعقوب وقد عرفوا ذلك وأيقنوه فاحتاجوا إلى توكيد خطابهم.
وتأمل رد سيدنا يعقوب على أولاده حين (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ) وجاء هنا بمؤكدين
(إنَّ _ اللام في ليحزنني)(وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) وجاء بالجملة دون توكيد.
فأية دلالة يحملها وجود التوكيد في الجملة الأولى وغيابه عن الجملة الثانية؟
أكد سيدنا يعقوب حزنه لذهاب إخوة يوسف به، لأحد أمرين:
إما أن يكون ذلك رداً على قولهم (مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) فأراد بتوكيد الحزن دفع ما ظنوه من عدم الثقة بهم، فأكد لهم أن سبب ذلك إنما حزنه على فراقه لا الخوف منهم عليه.
أو أنه أراد أن يؤكد لهم: إن حزني لا بسبب بعده عني، بل بسبب ذهابكم به، فذهابكم به هو الخطوة الأولى التي تتيح لكم الإساءة إليه. فأكد حزنه على ذهاب يوسف معهم لأن ذهابه معهمهو الذي سيجلب عليه الحزن والهم. أَوَلم يقل سيدنا يعقوب فيما بعد (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ) إنه الحزن ذاته الذي ذكره – متخوفاً - عند ذهاب يوسف مع إخوته.
وسيدنا يعقوب(عليه السلام) لم يؤكد خوفه على يوسف من أن يأكله الذئب لأنه كان على ثقة بأن ذلك لن يحدث،فسيّدنا يوسف قد اجتباه الله لحمل رسالته، وسيعلمه من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليه(حسب تفسير الرؤيا) ولا سبيل إلى ذلك كله إن أكل الذئب يوسف(عليه السلام)، لذا جاء كلامه حول هذا الأمر دون توكيد، وإنما ساق هذا العذر (خوفه على يوسف من الذئب) ليدفع عن أولاده ظنّهم عدم الثقة بهم، لعل هذا العذر يتيح له إبقاء يوسف عنده.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:05 PM
الغريب في الأمر أن إخوة يوسف تركوا قضية حزن أبيهم على فراق يوسف (وهي مؤكدة) وردّوا على قضية خوفه من أن يأكله الذئب، التي جاءت دون توكيد فـ (قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) وتأمل مؤكدات الجملة:
(لئن)ويرى النحاة أنها تدل على قسم محذوف، و (إنَّ) واللام في قولهم (لخاسرون). وهذه المؤكدات كلها جاءت في معرض الردّ على تخوّف أبيهم من أن يأكل الذئب يوسف، فأفرطوا في توكيد نفي حدوث هذا الأمر حتى يطمئنوا أباهم فيرسل أخاهم معهم.
ولعل في هذه المؤكدات ما يدل على أنهم بيّتوا هذا العذر من قبل، وذلك وقت اتفاقهم على طريقة التخلص من أخيهم، فلما لامس سيدنا يعقوب - بذكره الخوف من الذئب - ما كانوا بيّتوه في أنفسهم، جاء ردّهم أكثر توكيداً في نفي حدوث هذا الأمر، إذ من غير المعقول أن يتفق إخوة يوسف (عليه السلام) على كيفية التخلص منه، دون الاتفاق على ما سيقولونه لأبيهم عند عودتهم إلى البيت دون أخيهم، وربما اقتضى البيان الإلهي عدم ذكر اتفاقهم هذا كونه سيأتي فيما بعد في سياق القصة، فلا حاجة لتكراره... والله أعلم.
تأتي لحظة إلقاء يوسف (عليه السلام) في غيابة الجب، وهو طفل صغير، ويأتي وحي الله مبشراً إياه بالنجاة من محنته (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وقد جاءت البشرى مؤكدة بقسم محذوف قبل (لتنبئنّهم) دلت عليه اللام الواقعة في جواب القسم، كما جاء الفعل مؤكداً بنون التوكيد الثقيلة، وما هذه المؤكدات في هذا الوقت الحرج إلا زيادة في بث الطمأنينة في نفس يوسف بأن نجاته من محنته أمر كائن لا محالة، وتوكيد الأمر أدعى إلى الثقة والاطمئنان.
ويرجع إخوة يوسف حاملين إلى أبيهم عذرهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ)، ولئن جاء ذكر ذهابهم للاستباق مؤكداً بـ (إنّ) فإن الجملة ما دون ذلك خلت من المؤكدات. ويبدو الأمر غريباً، إذ كيف لا يكون عذرهم حافلاً بالمؤكدات، في قضية يقف فيها أبوهم موقف المنكر،غير المصدّق، ويقفون أمامه موقف المذنب الذي يحتاج إلى إثبات باطل أتى يحمله!؟
في ذلك نقول: إن إخوة يوسف كانوا واثقين من أن وسائل التوكيد، التي قد يلجؤون إليها في كلامهم، عاجزة عن إقناع أبيهم بما جاؤوا به، ولذلك اتبعوا قولهم (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) قولهم (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي لن ينفعنا أن نؤكد كلامنا أو نشفعه بالقسم، دعماً لحجتنا وتأييداً لقولنا، لذا (جَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي هذا دليل ملموس (حسب زعمهم) لعله _ مع نفاد الحجج الكلامية _ يقنع أباهم بما يزعمون. وبما أنهم حملوا دليلاً محسوساً، فلا حاجة إذاً لوسائل توكيد القول التي لن تجدي _ في هذه القضية _ نفعاً أو تؤيد _ في هذا الموقف _ قولاً.
وجاءت سيارة، وحُمل يوسف (عليه السلام) إلى مصر، ليباع عبداً، وينشأ في بيت العزيز.
يوسف (عليه السلام) وامرأة العزيز
ولما بلغ أشده أخذت امرأة العزيز تراوده عن نفسه،غير أن سيدنا يوسف الذي اجتباه الله لحمل رسالته ما كان له أن يقع في الخطيئة فـ (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، وقد جاء ردّه هذا مؤكداً بـ (إنّ)في موضعين:
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ: إن سيدي أكرمني وأحسن إقامتي عنده وأنعمعليّ. وتمثل هذه الجملة (المقدمات)
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: إنّ الإساءة إلى من أحسن إليّ ظلم،عاقبته الخيبة والخسران.وتمثل هذه الجملة (النتائج).
و القولان جاءا مؤكدين بـ (إنّ).
إذاً، إن المقدمات التي جاءت مؤكدة لا شك ستفضي إلى نتائج مؤكدة أيضاً. وهذا كله من باب إقناع امرأة العزيز بالحجة والمنطق، وهو في الآن ذاته شريعة الله القائمة على العدل، ولو خلت إحدى الجملتين من التوكيد لاختلّ التوازن بين المقدمات والنتائج.
لكن امرأة العزيز أصرّت على ما عزمت عليه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) والجملة مؤكدة بـ (لقد) التي تدل على قسم محذوف قبلها، وهذا التوكيد المؤيد بالقسم دليل على أن الأمر قد حدث دون شك، وأنّ امرأة العزيز قد همّت بيوسف حقيقة.
ويأتي قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وهذه الجملة تنفي الأمر عن سيدنا يوسف من ناحيتين:
الناحية الأولى: وجود لولا التي تعني أن أمر (الهمّ) لم يحدث أصلاً. فقولنا: لولا المطر يبس الزرع. لا يعني أن الزرع قد يبس بحال من الأحوال!؟
وقوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) يعني أيضاً أن الهم لم يحدث أصلاً.
وقد ذهب بعض النحاة إلى أن جواب لولا في الآية محذوف، وما قبلها ليس جواباً، إذ لا يصح أن يأتي جواب لولا قبلها. وقد خالف نحاة آخرون هذا الرأي.
وعلى أية حال نقول: إنما حذف جواب لولا – إن اتفقنا مع أصحاب هذا الرأي – لدلالة ما قبلها عليه، ومن ثم فالمحذوف يحمل الدلالة ذاتها، وهذا يتفق والمعنى الذي نذهب إليه... بأن الهم لم يحدث من جانب سيدنا يوسف.
أما الناحية الثانية: فهي مجيء فعل (الهمّ) في قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) دون توكيد، على غير ما جاء به الفعل المنسوب إلى امرأة العزيز (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، إذ جاء مؤكداً كما ذكرنا آنفاً، وهذا يدل على أن الأمرين غير متماثلين، وإلا فما الدلالة التي يحملها توكيد الفعل الأول، وعدم توكيد الفعل الثاني إن كان الفعلان متساويين.
ولما استبقا الباب، ووجدا العزيز لديه بادرت امرأة العزيز فـ (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
نلاحظ أن كلام امرأة العزيز هنا لم يأت مؤكداً، على الرغم من أن الموقف يتطلب ذلك، فأية دلالة يحملها هذا الأمر!؟
إذا كان الكلام المؤكد يراد منه إزالة التردد أو الإنكار من نفس المخاطب، فإن الأمر عند العزيز لم يدخل بعد حيز التفكير حتى يشكك فيما يسمع أو ينكره، فأرادت امرأته أن تبادره بقولمصبوغ بصبغة الحقيقة الواقعة، بلسان الواثق من نفسه. ولو جاءت – في قولها - بمؤكدات لوضعت نفسها في موضع المتهم المدافع عن نفسه... وهي لم ترد ذلك، بل أرادت وضع نفسها في موضع المدّعي،لتجعل يوسف (عليه السلام) في موضع المتهم الذي يضطر إلى أساليب التوكيد- على اختلافها- دفاعاً عن نفسه، وردّاً للتهمة، ونفياً لها... فالبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر.
ولعل امرأة العزيز لم تكن تحفل بموقف زوجها من الأمر، ولا يهمها إن اقتنع ببراءتها أملا، فهي لا تحتاج والحالة هذه إلى توكيد الأمر لدفع الشبهة لدى زوجها (إن وجدت).
ودليلنا على ذلك أن امرأة العزيز عادت إلى مراودة يوسف عن نفسه أمام جمع من النسوة دون أن تقيم لزوجها وزناً أو تحسب له حساباً، ولو كانت تخشاه لما أقدمت على ذلك.
وعلى أيّ وجه كان الأمر، فإن سيدنا يوسف (عليه السلام) (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) هكذا دون توكيد، فلم يضع نفسه في موقف المتهم المدافع عن نفسه، ولم يأت جوابه بنفي الأمر الذي اتهمته به، فلم يقل مثلاً: (لم أرد بأهلك سوءاً) وإنما ردّ الاتهام بمثله (من وجهة نظر العزيز)، وأجاب بلهجة واثقة (هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي).
الطرفان إذاً امرأة العزيز ويوسف (عليه السلام) كل منهما يتهم الآخر، وليس ثمة بيّنة إلا قميص يوسف الذي قُدَّ من دبر. لكن الاحتكام إلى هذا الأمر لو جاء على لسان يوسف (عليه السلام) لكان رأيه في معرض المدافع عن نفسه، وقد لا يُقبل اقتراحه هذا فـ (شَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ) وجاءت شهادته نقضاً لادعائها، وتثبيتاً لقول يوسف (عليه السلام) وتنزيها له مما اتهم به بهتاناً وزوراً.
وتعود امرأة العزيز إلى ما عزمت على فعله، وعلى مرأى ومسمع النسوة اللواتي كنَّ يلمنها على مراودتها يوسف عن نفسه (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ)
انظر إلى توكيدها أمر مراودة يوسف عن نفسه (لَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ).
وقد جاء هذا التأكيد بعد إدراكها أن النسوة قد رأين في حُسْنِ يوسف عذراً مقبولاً لما أقدمت على فعله، فلم يعد ثمة حرج إذاً في توكيدها الإقدام على هذا الأمر.
ثم تقول (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) لقد حمل كلامها تهديداً ووعيداً، وجاء حافلاً بالمؤكدات التي تصور عزمها على إنفاذ تهديدها فأكدت بـ (لئن) الدالة على قسم محذوف قبلها، وبـاللام ونون التوكيد الثقيلة في (ليسجننّ)، واللام ونون التوكيد الخفيفة في (ليكونن).
رأى بعض النحاة أن مجيء (ليسجننّ) بنون التوكيد الثقيلة، و(ليكونن) بنون التوكيد الخفيفة معناه أن حرصها على سجنه كان أكبر من حرصها على إذلاله، والأمر فيما نرى يحتمل وجهاً آخر والله أعلم:
لقد أكدت امرأة العزيز بنون التوكيد الثقيلة ما هي قادرة على فعله،أي سجن يوسف(عليه السلام)،أمّا الذل والصَّغار فأمران معنويان لا يملكهما إلا الله سبحانه وتعالى. والإذلال أمر لا يخرج عن كونه مجرد احتمال، فكيف لها أن تؤكد ما لا قدرة لها عليه، ولا بيدها حدوثه...!؟
ولنتأمل فيما آلت إليه الأمور...

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:05 PM
توعدت امرأة العزيز يوسف (عليه السلام) بالسجن، بقولها: (ليسجننَّ) وقد كان لها ما أرادت (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) وانظر إلى البيان الإلهي في تكرار لفظة (لَيُسْجَنَنَّ) مؤكدة بالمؤكدين نفسيهما في الحالتين، إشارة إلى أن امرأة العزيز نفذت تهديدها كما أرادت تماماً.
أما الإذلال فليست تمتلك وسائله أو أدواته، لأنه خارج عن إرادتها فلم يكن لها ذلك، إذ كان سيدنا يوسف في سجنه داعياً إلى الله، مبلغاً رسالته، ناصحاً، مستشاراً فيما يجهل علمه سواه (تأويل الرؤيا)، وكان – حسب ما جاء على لسان الفَتيين ـ من المحسنين، ثم لما خرج من سجنه جعله الملك على خزائن الأرض... وفي ذلك كله عزّ ورفعة لا إذلال وصَغَار.
ظهور براءة يوسف
_ ولما سأل الملك امرأة العزيز والنسوة عن أمر يوسف (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) إنها تقر بذنبها بقولها (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ) وجاءت الجملة هنا دون توكيد، كونها جاءت في سياق الاعتراف بذنب يدعو للخجل أمام الملك، فلم يكن من البلاغة إذاً أن يأتي اعترافها هذا مؤكداً، ثم تضيف (وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) وهنا تأتي بمؤكدين (إنّ _ اللام في لمن) زيادة في تأكيد براءة يوسف وصدقه. وهذا أيضاً مما يدحض قضية الهمّ التي ذكرت في قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) والتي سعى المشككون إلى إثارتها وتأويلها بالشكل الذي يرغبون.
ثم تقول (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) وتوكيدها أن النفس أمّارة بالسوء بمؤكدين (إنّ – اللام في لأمّارة)، حُسْن اعتذار وتبرير لفعل شائن صدر عنها، إذ أكدت أن الأمر خارج عن إرادتها.
ولنتذكر اعتراف امرأة العزيز أمام النسوة وقد هتكت أمامهن ستر الحياء: (لَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ) كيف جاء الاعتراف مقترناً بالتوكيد، بعدما رأت في موقف النسوة عند رؤيتهم يوسف ما يبرر فعلها.
أما أمام الملك فالأمر مختلف حتماً، فجاء اعترافها مبطناً بالحياء (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ)
إخوة يوسف في مصر
ويأتي إخوة يوسف إلى مصر ليكتالوا، ويردّهم يوسف (عليه السلام) طالباً منهم إحضار أخيهم (بنيامين)، فوعدوه بذلك و(قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).
وجاء وعدهم هنا مؤكداً بـ (إنّ - اللام في لفاعلون)، وهذا دأبهم في وعودهم، تأتي دائماً حافلة بالمؤكدات، ذلك أنهم - بفعل ما تخفيه نفوسهم من أمر- يرون وعودهم في معرض التشكيك والشبهة. وعادوا إلى أبيهم لإحضار بنيامين (قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقولهم (إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) يماثل وعدهم يوم أرادوا الذهاب بسيدنا يوسف. لذا فإن ذلك اليوم كان أوّل ما خطر في بال يعقوب (عليه السلام) عند سماعه وعدهم هذا فـ(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ).
ولنتذكر وعودهم التي جاءت بصيغ متشابهة، مشفوعة بأساليب التوكيد ذاتها:
قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
وهذا موقف من يضمر أمراً، أو يبيّت سوءاً، أو يرى نفسه دائماً في موضع الشبهة والشك وعدم التصديق.
ولذا قال سيدنا يعقوب (لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ) ولعله قَبِل بذلك منهم كونه يدرك أن أولاده لا يكنّون من الغيرة والحقد على بنيامين ما كان في أنفسهم على يوسف (عليه السلام) ولذا لم يبلغ خوفه عليه ما بلغه على يوسف حين أراد إخوته أن يذهبوا به.
ويرسل يعقوب (عليه السلام) ابنه بنيامين مع إخوته، ولمّا أراد يوسف (عليه السلام) أن يستبقي أخاه عنده أسرَّ إليه (إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وجاء قول يوسف مؤكداً بـ (إنّ) وضمير الفصل (أنا) الذي يفيد التوكيد أيضاً، لأن الأمر يبدو غريباً، فيوسف الذي غاب هذه السنوات الطويلة، دون أن يُعلم مصيره، هو الآن عزيز مصر، ولشدة ما في الأمر من غرابة كان لا بدّ أن يأتي قوله (إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ) مشفوعاً بالتوكيد.
ثم وُضِعَ الصواع في رحل أخيه (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ).
فما كان من إخوته لما سمعوا ذلك إلا أن قالوا (تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) وقد جاء قولهم مؤكداً بالقسم (تالله)، و(لقد) وذلك على الرغم من ثقتهم ببراءتهم من هذه التهمة، لكن الاتهام الذي جاء مؤكداً بمؤكدين (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) كان لا بد من الردّ عليه برد مشفوع بالتوكيد، خصوصاً أن أخوة يوسف تعوّدوا أن يكونوا موضع الشك والشبهة، ولو كانوا في غير هذا الموضع لأجابوا إجابة الواثق المتأكد من براءته (لسنا سارقين). كقول يوسف حين اتهمته امرأة العزيز أمام زوجها بأنه كان يراودها عن نفسها، فـ (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) هكذا دون قسم أو توكيد، بل هي إجابة الواثق من براءته، المتأكد من طهره وعفته.
وعاد إخوة يوسف إلى أبيهم دون أخيهم (بنيامين) فقالوا (يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)، ولأنهم ليسوا موضع ثقة عند أبيهم قالوا (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) وقولهم (إِنَّا لَصَادِقُونَ) رغم ما فيه من المؤكدات لا يكفي – لو جاء وحده - لإقناع أبيهم بصدقهم، لذا كان من الضروري أن يُشهدوا على ما جاؤوا به أهل القرية التي كانوا فيها، وأصحاب الإبل الذين أقبلوا معهم.
لكن سيّدنا يعقوب، وقد كذبوا عليه في أمر يوسف، ما كان ليصدقهم هذه المرة (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا). لقد أعادوا إليه مرارة فقده يوسف فـ (تَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) وأثار هذا الأمر استغرابهم (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ).
وقد جمعوا بين القسم والتعجب في قولهم (تالله) فأكدوا أن تذكره يوسف سوف يؤدي به إلى الهلاك، وأرادوا بذلك أن يصرفوه عن فعله هذا، وتعجبوا في الآن ذاته من تذكره يوسف بعد هذا الزمن الطويل على فقده وغيابه عنه.
إخوة يوسف.. من الشك إلى اليقين
ويعود أبناء يعقوب (عليه السلام) إلى مصر، ويسألهم يوسف (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) وهذا سؤال من باب الإخبار. وإخبارهم بأمر كان ما يزال سرّاً بينهم أمر مثير للاستغراب فـ (قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) وجاؤوا بمؤكدين (إنّ - اللام في لأنت)وهنا لا بد من أن نتوقف قليلاً:
هل كان إخوة يوسف في حاجة إلى هذا التساؤل حتى يكتشفوا أن عزيز مصر ما هو إلا أخوهم يوسف..؟؟
إن الانتقال من أقصى الغفلة وعدم المعرفة بشخصية يوسف إلى أقصى المعرفة وآخر حدودها أمر أكبر من أن يثيره تساؤل سيدنا يوسف (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) وكان الأولى بهذا التساؤل أن يثير في أنفسهم شكوكاً بأن أخاهم الذي استبقاه العزيز عنده هو من أخبره بقصة ذهابهم بيوسف وعودتهم دونه... لكن ذلك لم يحدث!!!
لا شك إذاً أن إخوة يوسف كان قد تسرب إلى نفوسهم أن ثمة شيئاً في ملامح العزيز يشابه شخصية يوسف،لكن عقولهم سرعان ما استبعدت الأمر وأنكرته لفقدان الإشارات الدالة عليه.
ولنعد إلى قوله تعالى في وصف أول لقاء جمع بين يوسف و إخوته: (وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ).
فأي معنى تحمله عبارة: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)؟
وما هو الإنكار هنا؟
إذا كان الإنكار – لغوياً - ضد المعرفة (حسب التعبير المعجمي) فهل يعني هذا أن الإنكار هو الجهل وعدم المعرفة مطلقاً كما جاء في تفسير (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)!؟
وماذا نقول إذاً في قوله تعالى (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) / النحل (83)؟؟
إن (الإنكار) يتضمن معنى المعرفة إذاً، أو الشك على أقل تقدير، ثم دفع هذه المعرفة أو تغييبها لسبب ما. والراجح أن إخوة يوسف قد خطر في بالهم عند لقائهم الأول به أن في العزيز شيئاً من أخيهم، ثم جاء الإنكار من ذواتهم لأن القرائن لا تشير إلى ما دار في أذهانهم ولا تدل عليه. فلما سألهم سيدنا يوسف (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ)تداعى إلى نفوسهم ما كانوا غيبوه عقلاً، وثبت في أذهانهم ما كانوا أنكروه قبلاً. وأيقنوا أن من هم في حضرته إنما هو أخوهم يوسف نفسه، فـ (قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) وجاء سؤالهم مبطناً بالإخبار فكأنهم قالوا: (إنك أنت يوسف أليس كذلك!؟) لذا لم يأتِ جوابه بـ (نعم) وإنما (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَينا).
وانظر في قوله تعليماً لإخوته وتأديباً لهم (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فهو يربط بين المقدمات والنتائج، إنّ من يتق الله ويصبر (هذه المقدمات) فإن الله لا يضيّع أجر المحسنين (هذه النتائج) وهذا يذكرنا بقول يوسف (عليه السلام) لامرأة العزيز (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وفي الحالتين كان لا بد من توكيد المقدمات وتوكيد النتائج، ترسيخاً للقاعدة الإلهية، والشريعة الربانية (العدل) وتوكيداً لها، ولو خلا أحد الأمرين من التوكيد لاختل التوازن بين المقدمات والنتائج.
وأمام هذا الواقع وقف إخوة يوسف و(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) وفي قولهم هذا أمران تدور حولهما مجمل أحداث القصة، ويلخصان في الوقت نفسه طبيعة العلاقة بين يوسف وإخوته. هما:
1- فضل يوسف على إخوته (تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا)
2- خطيئة إخوة يوسف في حقه (إِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)
نحن إذاً أمام إقرار من إخوة يوسف بأن الله فضل أخاهم عليهم، واعتراف منهم بما اقترفوه من إساءة في حق أخيهم. وجاء الإقرار مؤكداً بالقسم المتضمن معنى التعجب (تالله) لما آلت إليه أمور يوسف وأحواله، وجاء مؤكداً بـ (لقد) وهذا من باب المبالغة في توكيد الأمر وتثبيته.
كما جاء اعترافهم مؤكداً بمؤكدين أيضاً (إن) المخففة من (إنّ) (اللام في لخاطئين).
لقاء يوسف بأبيه
و تمضي الأحداث و(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) أي توجهت عائدة من مصر إلى الشام(قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ)
وأتى بقوله(إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) مؤكداً، رغم تخوفه من أن ينسبوه إلى الخرف، لأنه كان على ثقة بأن الله سيجمعه بيوسف تحقيقاَ للرؤيا التي رآها ابنه في صغره …. أَوَلم يقل قبل ذلك (أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
(قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) وهذا تأكيد وتعجب من أن سيدنا يعقوب لم يزل مصرّاَ على زعمه بأن ابنه يوسف حي، ولم يهتد بعد إلى صواب الرأي، ويقنع بأنه قد ذهب دون عودة.
ولما ألقى إخوة يوسف قميص أخيهم على وجه أبيه ارتد بصيراً، فعاد ليذكرهم بقوله فيما مضى (أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) لكنه هذه المرة يأتي بقوله مؤكداً، بعد أن مثلت بين يديه دلائل علمه من الله فـ (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
ولأن اعتراف إخوة يوسف (عليه السلام) أمام أخيهم لم يكن كافياً، ذلك أن ما ارتكبوه من ذنب في حقه كان قد ترك أثره في أبيهم أيضاً، وأصابه جرّاء ذلك من الحزن والهم ما أفقده بصره، لذا وقفوا أمام أبيهم وقفة المقرّ بذنبه، المعترف بخطيئته، و(قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) وجاء اعترافهم هذا مؤكداً بمؤكد واحد (إنّ)، في حين جاء اعترافهم أمام أخيهم (إِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) بمؤكدين.
و لذلك دلالة لابد من الوقوف عليها: لقد كان يوسف هو المقصود بالإساءة، وهي إساءة مقصودة، متعمدة، جاءت إثر حوار ونقاش وتداول، بينما لم يكن أثر ذلك على أبيهم مقصوداً لذاته، متعمداً، وإنما جاء نتيجة فعلهم مع يوسف. فلما وقفوا أمام من تقصدوا إلحاق الأذى به، وقد أصبح ذا قوة وسلطان، وهو قادر _ لو أراد _ أن يقتص من إخوته، كانوا أشد حرصاً على الاعتذار إليه واسترضائه، لذا جاء اعترافهم - كما اعتذارهم - مؤكداً.
ولربما كانوا أبلغ اعتذاراً أمام يوسف من أبيهم كونهم وثقوا من أن أباهم - بحكم عاطفة الأبوة – سيكون أكثر استعداداً للصفح والمسامحة. وهذا ما لا يتوقعونه من أخيهم، وقد سعوا في إيذائه وحاولوا التخلص منه.
- وتحققت رؤيا يوسف (عليه السلام) والتفت إلى أبيه(وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)وقد توجه بخطابه إلى أبيه لأنه من قص عليه رؤياه وهو صغير فأوّلها له، وكل ما جاء في تأويل الرؤيا أول القصة جاء دون توكيد (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وأما ما يقوله يوسف الآن وقد غدا كل شيء حقيقة واقعة فيأتي مؤكداً (قَدْجَعَلَهَا) (وَقَدْأَحْسَنَ بَي) (إِنَّرَبِّي) حتى قوله (إِنَّهُهُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). وقد جاء قول يعقوب (عليه السلام)(إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) مؤكداً بمؤكد واحد عند تفسير الرؤيا، أما هنا وقد تأكد كل شيء، وأصبح واقعاً ملموساً، فقد جاء قول يوسف (عليه السلام) مؤكداً بـ (إنّ) وضمير الفصل (هو) وجاءت كلمتا (عليم _ حكيم) معرفتين بأل: (العليم الحكيم). وهذه الـ (أل) تفيد الاستغراق، فالله تعالى هو العليم الذي ينتهي إليه كل علم، الحكيم الذي تنتهي إليه كل حكمة... وفي هذا توكيد لهذه الصفات.
إذاً، شكل التوكيد - حضوراً وغياباً - ركناً أساسياً في البناء الأسلوبي للحوار في قصة يوسف (عليه السلام) إذ لعب دوراً مهماً في الكشف عن طبائع شخصيات القصة وميولها وأهوائها، وأسهم في فضح خفايا النفس البشرية و إظهار مكنوناتها الدفينة، عن طريق اللغة الحوارية التي تمثل الوسيط الأهم بين عوالم الإنسان الداخلية والعالم المحيط.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:06 PM
لا يأتون بمثله

الشيخ العلامة محمد قطب
منذ فترة من الزمن، ظهر على ((الإنترنت)) كلام مسجوع من تأليف عربي لا يدين بالإسلام، يعيش في أمريكا، يحاول فيه أن يقلد النسق القرآني، من حيث تقسيم الكلام إلى عبارات مسجوعة تنتهي بحرف الميم أو النون مسبوقة بمد يائي أو واوي.وظن المسكين أنه قد أتى بما لم تستطعه الأوائل، كما قال الشاعر:
وإني وإن كنت الأخيرة زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn1)
كما ظن أنه بعمله هذا قد أبطل التحدي الذي تحدى الله به الإنس والجن حين قال سبحانه:(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)[2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn2)وكأنه يقول: هاأنذا قد أتيت بمثله! وإذاً فقد أبطلت التحدي، وأبطلت دعوى الإعجاز القرآني الذي قامت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ..وإذاً فالإسلام ليس من عند الله، إنما هو صناعة بشرية قام بها محمد صلى الله عليه وسلم !
ولعل المسكين لم يعلم أن مسيلمة الكذاب قد قام بمثل هذا العمل من قبل، وأتى بسجعات مثل سجعاته قال إنها مثل القرآن.ومر الزمن وبطلت سجعات مسيلمة، وبقي القرآن يتحدى الإنس والجن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولكن هذه الأضحوكة الساذجة التي قام بها مسيلمة المتأمرك- وإن لم يدع بها النبوة كسلفه الجاهلي- حفزتني إلى أن أعاود الكتابة في موضوع كنت قد أشرت إليه في كتاب سابق بعنوان((دراسات قرآنية))، وهو موضوع الإعجاز الشامل للقرآن الذي لا ينحصر في الإعجاز البياني، الذي توجه إليه الاهتمام الأكبر في كتابات الأقدمين، لأسباب لا يصعب إدراكها.
لقد كان العرب في جاهليتهم قوما أولي فصاحة نادرة، وكانوا يعتزون بفصاحتهم إلى الحد الذي أطلقوا على غير الناطقين بلغتهم لفظة ((العجم)) ووصفوهم بـ ((العجمة))، وفيها إشارة واضحة إلى أنهم يعدونهم دونهم لا لسبب إلا لأنهم لا يستطيعون الكلام باللغة الفصيحة- لغتهم هم- التي يتميزون بها!
وإذ كان ديدن الرسالات السماوية أنها تتحدى المنكرين بمعجزة تفوق قدراتهم البشرية، ليستيقنوا أنها من عند الله، ولو جحدوها ظاهرا، إمعانا في الكفر والعناد كما قال سبحانه وتعالى عن موقف آل فرعون من معجزات موسى عليه السلام: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً)[3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn3).
إذ كان هذا ديدن الرسالات، فقد تحدى الله سبحانه وتعالى كل قوم فيما برعوا فيه وعدوه موضع فخرهم.فتحدى قوم فرعون بآيات تفوق السحر الذي كانوا بارعين فيه، وكانوا يستخدمونه لفتنة الناس عن ربهم، وتأليه الفرعون بدلا من الله وتحدى قوم عيسى عليه السلام بآيات تفوق براعتهم في الطب الذي كانوا يمارسونه ويعتزون بإتقانه؛ فأعطاه القدرة على نفخ الحياة في الطين، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، ليستيقنوا أنه من عند الله:
((ورسولاً إلى بنى إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين))[4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn4).
فلما بعث الله الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم في العرب، كان من المناسب أن تكون الآية التي يتحدى بها المنكرين فصاحة من نوع ودرجة لا يقدرون على الإتيان بمثلها، لتستيقنها أنفسهم ولو جحدوا بها ظاهراً كقوم فرعون، فكانت معجزته الكبرىr هي هذا القرآن، الذي تحداهم أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فلم يستطيعوا، بصرف النظر عن المحاولة العابثة التي قام بها مسيلمة الكذاب، والمحاولة الأخرى التي قامت بها المتنبئة سجاح، فلم تستطع هذه ولا تلك أن تقنع العرب بأن القرآن يمكن أن يأتي أحد بمثله. (هذا بالإضافة إلى أن الله قد أراد أن تكون معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم باقية على الزمن، لا تذهب بذهاب القوم الذين شاهدوها، لأن الله أراد أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأن تكون رسالته هي الرسالة الخاتمة، الباقية إلى آخر الزمان).

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:08 PM
إذا أدركنا ذلك،أدركنا سر اهتمام القدامى من الكتاب العرب بالإعجاز البياني في القرآن، حيث كان هو موضع التحدي، وحيث كان عجز العرب- المعتزين بفصاحتهم- عن الإتيان بمثله، دليلا يقينيا على أن هذا القرآن هو كلام الله، وليس من كلام البشر، وأنه- بهذه الصفة- هو دليل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته.
نعم..ولكن القرآن لم يكن معجزا في بنائه اللفظي وحده وإن كان إعجازه اللفظي كافيا- وحده- للدلالة على أنه من عند الله، وكافيا- وحده- لإقامة التحدي أمام الإنس والجن إلى قيام الساعة‍‍‍‍‍‍!
القرآن معجز في جميع مجالاته، وعلى جميع أصعدته..
وإذا كان القدامى- لأسباب مفهومة- قد وجهوا أكبر اهتمامهم للإعجاز البياني، الذي تحدى القرآن به الجاهلية العربية وآلهتها المزيفة، فقد آن لنا أن نتدبر جوانب الإعجاز الأخرى في هذا الكتاب المعجز، التي لا تقل إعجازا عن الإعجاز البياني، والتي نحن في حاجة إلى تدبرها، وبيانها، وإبرازها، لتحدى الجاهلية المعاصرة، التي تتخذ صورة ((العلمانية))، وترفع شعارات((العلم))و((العقلانية))و((التنوير))؛ لتفتن الناس عن ربهم ودينهم، وتؤله((الإنسان)) بدلا من الله، وتسعى- بحماقة- إلى تدمير الإنسان، بإبعاده عن مصدر النور الحقيقي:((الله نور السماوات والأرض))[5] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn5).
((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))[6] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn6).
ولن يفي كتاب واحد- مهما تضخمت صفحاته- بالحديث عن كل مجالات الإعجاز في القرآن، فهي في حاجة إلى أن يتفرغ لها كتاب وباحثون، بحيث تتكون من مجموع بحوثهم مكتبة كاملة من إعجاز القرآن، سواء الإعجاز البياني الذي لا تنفد عجائبه، أو الإعجاز الدعوي، بوصفه كتاب دعوة قد أبرز عقيدة التوحيد الصافية كما لم يبرزها كتاب قط، ودخل بها إلى قلوب البشر من جميع منافذها وأقطارها كما لم يفعل كتاب قط، أو الإعجاز التشريعي الذي تضمن شريعة متكاملة وافية بحياة البشر ومتطلبات وجودهم لا في زمان نزولها فحسب، بل مهما امتد بهم الزمن وتعددت مجالات الوجود، أو الإعجاز التربوي الذي أخرج خير أمة أخرجت للناس، أو الإعجاز العلمي الذي تتكشف آياته كلما زاد البشر علماً بما حولهم من الكون..
ولكن ضخامة الجهد المطلوب، وسعة الميادين المفتوحة للدراسة والبحث، لا تمنعني أن أدلي بجهدي المتواضع الذي لا أبغي به أكثر من أن يكون مجرد إرشادات، لعلها تحفز الباحثين إلى أن يبحثوا، والمفكرين إلى أن يتدبروا كما أمرهم الله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) [7] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addpro=1#_ftn7) .
لقراءة المزيد
يمكن تحميل الكتاب بشكل كامل على شكل ملف مضغوط على الرار:
بالضغط هنا (http://www.55a.net/words/mathal.rar)

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:08 PM
لمسات بيانية من سورة الجمعة

الدكتور فاضل السامرائي
سأل سائل عن قوله تعالى:
(وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) [الجمعة]
لم قدمت التجارة على اللهو أولاً فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً) وأخرها عنه بعد فقال: (خير من اللهو ومن التجارة)
والجواب والله أعلم أن سبب تقديم التجارة على اللهو في قوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً) أنها كانت سبب الانفضاض ذلك أنه قدمت عير المدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكان من عرقهم أن يدخل بالطبل والدفوف والمعازف عمد قدومها فانفض الناس إليها ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً فأنزل الله قوله: (وإذا رأوا تجارة...) [1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1).
فقدمها لأنها كانت سبب الانفضاض وليس اللهو، وإنما كان اللهو والضرب بالدفوف بسببها فقدمها لذلك. ولهذا أفرد الضمير في (إليها) ولم يقل (إليهما) لأنهم في الحقيقة إنما انفضوا إلى التجارة وكان قد مسهم شيء من غلاء الأسعار.
وأما تقديم اللهو عليها فيما بعد في قوله: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) فذلك لأن اللهو أعم من التجارة، فليس كل الناس يشتغلون في التجارة ولكن أكثرهم يلهون. فالفقراء والأغنياء يلهون، فكان اللهو أعم فقدمه لذلك إذ كان حكماً عاماً فقدم التجارة في الحكم الخاص لأنها في حادثة معينة وقدم اللهو في الحكم العام لأنه أعم. ولأنها مناسبة لقوله:
(والله خير الرازقين)فالتجارة من أسباب الرزق وليس اللهو فوضعها بجنبه ولأن العادة أنك إذا فاضلت بين أمور فإنك تبدأ بالأدنى، ثم تترقى فتقول: (فلان خير من فلان ومن فلان أيضاً)، وذلك كأن تقول: (البحتري أفضل من أبي فراس، ومن أبي تمام ومن المتنبي أيضاً)، فإنك إذا بدأت بالأفضل انتفت الحاجة إلى ذكر من هو أدنى، فبدأ باللهو لأنه ظاهر المذمة ثم ترقى إلى التجارة التي فيها كسب ومنفعة.
وكرر (من) مع اللهو ومع التجارة فقال: (خير من اللهو ومن التجارة) ليؤذن باستقلال الأفضلية لكل واحد منهما لئلا يتصور أن الذم إنما هو لاجتماع التجارة واللهو، فإن انفراد اللهو أو التجارة خرج من الذم، فأراد أآن يبين ذم كل منهما على جهة الاستقلال لئلا يتهاون في تقديم ما يرضي الله و تفضيله. ونحو ذلك، أن تقول: (الأناة خير من التهور والعجلة) فإن ذلك قد يفهم أنها خير من اجتماعهما، ذلك لأن اجتماعهما أسوأ من انفرادهما فإن الذي يجمع التهور والعجلة أسوأ من اتصف بإحدى الخلتين. فإن قلت: (الأناة خير من التهور ومن العجلة) أفاد استقلال كل صفة عن الأخرى، وأنها خير من أية صفة منهما، فإن اجتمعتا كان ذلك أسوأ. فجاء بـ (من) ليؤذن باستقلال كل من اللهو والتجارة وأنه ليس المقصود ذم الجميع بين الأمرين بل ذم وتنقيص كل واحد منهما، بالنسبة إلى ما عند الله.
جاء في (روح المعاني): "واختبر ضمير التجارة دون اللهو، لأنها الأهم المقصود، فإن المراد ما استقبلوا به العير من الدف ونحوه. أو لأن الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموماً، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه.
(خير من اللهو ومن التجارة)وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة كما توهم، بل لأنه أقوى مذمة فناسب تقديمه في مقام الذم. وقال ابن عطية: قدمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفضيل، لتقع النفس أولاً على الأبين.
وقال الطيبي: قدم ما كان مؤخراً وكرر الجار، لإرادة الإطلاق في كل واحد واستقلاله فيما قصد منه، ليخالف السابق في اتحاد المعنى، لأن ذلك في قصة مخصوصة[2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn2) .
[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref1) انظر البحر المحيط 8/268، روح المعاني 28/104

[2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftnref2) روح المعاني 28/105-106

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:09 PM
لمسات بيانية من سورة القيامة

بقلم الدكتور فاضل السامرائي
بسم الله الرحمن الرحيم
(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ {2} أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ {4} بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ {5} يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ {6} فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ {7} وَخَسَفَ الْقَمَرُ {8} وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ {9} يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ {10} كَلَّا لَا وَزَرَ {11} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ {12} يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ {13} بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ {14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ {15} لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ {19} كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ {20} وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ {21} وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ {24} تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ {25} كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ {26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ {27} وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ {28} وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ {29} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ {30} فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى{31 وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى {32} ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى {33} أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {34} ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {35} أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى {36} أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى {37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى {38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {39} أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى {40}‏
سألني ولدي ذات يوم: ما مناسبة قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) لما قبله وهو قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)
فقلت له: دعني أنظر في أول السورة، لعلي أجد مفتاح الجواب فقرأت: (بسم الله الرحمن الرحيم: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة).
فقلت له: المناسبة ظاهرة، وهي أن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة، ومن أبرز سمات النفس اللوامة أن تعجل في الأمر، ثم يندم عليه، فتبدأ بلوم نفسها على ما فعلت وهو في الآيات التي ذكرتها ذكر النفس، فقال (بل الإنسان على نفسه بصيرة) وذكر العجلة فقال: (لتعجل به) فالمناسبة ظاهرة.
ثم بدأن اقرأ السورة متأملاً فيها فوجدت من دقائق الفن والتناسب والتناسق ما يدعو إلى العجب فآثرت أن أدون شيئاً من هذه اللمسات الفنية.
لقد ذكر المفسرون مناسبة هذه السورة لما قبلها أعني سورة (المدثر) وارتباطها بها. فقد قالوا: إنه سبحانه قال في آخر سورة المدثر: (كلا بل يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة) وفيها كثير من أحوال القيامة "فذكر هنا يوم القيامة وجملاً من أحوالها"[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1) فكان بينهما مناسبة ظاهرة.
إن هذه السورة قطعة فنية مترابطة متناسقة محكمة النسج، وليس صواباً ما جاء في (الإتقان) أن "من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها، من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عسر جداً"[2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn2)
إن ترابط آيات هذه السورة ترابط محكم وتناسبها فيما بينها لا يخفى على المتأمل.
لقد أقسم الله سبحانه بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة على رأي الأكثرين، أو أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة على رأي آخرين وسر هذا الاختلاف، أن ثمة قراءة بإثبات القسم بيوم القيامة أي (لأقسم) إلا أنهم اتفقوا على إثبات حرف النفي مع النفس اللوامة فكلهم قرأ(ولا أقسم بالنفس اللوامة)[3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn3)
ولا نريد أن نطيل الكلام على اقتران فعل القسم بـ (لا) ودواعيه فقد تكلم فيه المفسرون والنجاة بما فيه الكفاية والذي نريد أن نقوله ههنا: إن كل أفعال القسم المسندة إلى الله في القرآن الكريم مسبوقة بـ (لا) إذ ليس في القرآن الكريم (أقسم) بل كلها (لا أقسم)، وذلك نحو قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم) [الواقعة] وقوله: (فلا أقسم بالشفق) [الإنشقاق]، وقوله: (لا أقسم بهذا البلد) [البلد] وما إلى ذلك فليس القسم ههنا بدعاً من التعبير. وباختصار كبير نرجح أن هذا التعبير إنما هو "لون من ألوان الأساليب في العربية تخبر صاحبك عن أمكر يجهله أو ينكره، وقد يحتاج إلى قسم لتوكيده، لكنك تقول له: لا داعي أن أحلف لك على هذا، أو لا أريد أن أحلف لم أن ألأمر على هذه الحال، ونحوه مستعمل في الدراجة عندنا نقول: ما أحلف لك أن ألأمر كيت وكيت. أو ما أحلف لك بالله لأن الحلف بالله عظيم، إن الأمر على غير ما تظن فأنت تخبره بالأمر، وتقول له: لا داعي للحلف بالمعظمات على هذا الأمر"[4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn4)
أو كما ذهبت إليه الدكتورة بنت الشاطئ، وهو أن القصد من ذلك هو التأكيد "والتأكيد عن طريق النفي، ليس بغريب عن مألوف استعمالنا، فأنت تقول لصاحبك: لا أوصيك بفلان تأكيداً للوصية ومبالغة في الاهتمام بها، كما تقول: لن ألح عليك في زيارتنا فتبلغ بالنفي ما لا تبلغه بالطلب المباشر الصريح"[5] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn5).
ومهما كان الرأي في دخول (لا) على فعل القسم، فإن هذا لا يغير شيئاً من أصل المسألة، وهي أنه ابتدأ السورة بالقسم بيوم القيامة والنفس اللوامة نفياً أو إثباتاً. وقد حاول المفسرون أن يجدوا المناسبة لاجتماعهما في القسم فقالوا: "المقصود من إقامة القيامة، إظهار أحوال النفوس اللوامة، أعني سعادتها وشقاوتها، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشديدة"[6] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn6) .
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ولما كان معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه، قرن بينهما في الذكر[7] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn7)
إن السورة مبنية على ما ابتدأت به من القسم، فهي مبنية على أحوال يوم القيامة، وعلى النفس، ولا تكاد تخرج عن ذلك.
هذا أمر والأمر الآخر أنه تعالى لم يقسم بالنفس على صفة الإطلاق، بل أقسم بنفس مخصوصة، وهي النفس اللوامة، وهذا له طابعه الواضح في السورة كما سنبين.
إن الإنسان يلوم نفسه لأحد سببين:
إما أن يتعجل فيفعل ما لا ينبغي له فعله، فيندم على ذلك فيبدأ يلوم نفسه، لم فعلت ذاك؟ لم لم أترو؟
وإما أن يتراخى عن فعل كان الأولى له أن يفعله، وأن يغتنم الفرصة التي سنحت له، ولكنه قعد عن ذلك مسوفاً، ففاته نفع كبير، وقد لا تسنح له فرصة، كالتي فاتت، فيبدأ يلوم نفسه. لم تباطأت، لم لم أفعل؟ لم لم أغتنم الفرصة؟ ونحو ذلك.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:10 PM
والسورة مطبوعة أيضاً بهذين الطابعين من صفات النفس اللوامة، طابع العجلة التي تدعو إلى الندم واللوم، وطابع التباطؤ وتفويت الفرص الذي يؤدي إلى الندم واللوم أيضاً.
فالسورة مبنية إذن على ما ابتدأت به.
يوم القيامة، والنفس اللوامة في حيالها: العجلة والتباطؤ.
أما يوم القيامة، فقد تكررت أحواله في السورة في تناسق لطيف، إلى أي ختمت بقوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى) فتناسب بدء السورة مع خاتمتها.
ثم قال بعد القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة:
(أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) فعاد إلى القيامة.
والملاحظ في هذا التعبير أنه جمع بين نفس الإنسان ويوم القيامة أيضاً كما ابتدأت السورة فقال: (أيحسب الإنسان) أي: أيظن ذلك في نفسه؟ لحسبان أمر نفسي داخلي، ولم يقل مثلاً: (لنجمعنك إلى يوم القيامة) أو لتبعثن) ونحو ذلك فجمع بينهما في تناسق لطيف مع بداية السورة، وهو احتيار فني رفيع.
ومن الملاحظ أننا لا نجد جواباً للقسم الذي ابتدأت به السورة، وإنما نجد ما يدل عليه وهو هذه الآية. فجواب القسم محذوف ويقدره النحاة (لتبعثن)[8] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn8).
وهذا الحذف يتناسب هو والعجلة التي دلت عليه النفس اللوامة وجوها ـ أعني جو العجلة ـ الذي طبعت به السورة.
ومن الملاحظات الأخرى في هذه الآية، أنها مرتبطة بما ورد في آخر السورة وهو قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) أجمل ارتباط حتى كأنهما آيتان متتابعتان تأخذ إحداهما بحجز الأخرى.
ثم قال بعدها:
(بلى قادرين على أن نسوى بنانه).
إن هذه الآية تتناسب هي ما ورد في آخر السورة من قوله تعالى: (فخلق فسوى) إلا أن هذه تسوية مخصوصة بالبنان وتلك تسوية عامة. وكل آية موضوعة في مكانها المناسب فآية (نسوى بنانه) مرتبطة بقوله: (نجمع عظامه) فإن البنان عظام، فناسب ذلك بأن يكون بجنب (نجمع عظامه) أما الآية الأخر وهي (فخلق فسوى) فهي مرتبطة بالخلق العام للإنسان، فناسب ذلك الإطلاق والعموم فناسب كل آية موضعها.
وملاحظة أخرى في هذا التعبير، وهي أنه حذف منه عامل الحال، فقال: (بلى قادرين) ولم يذكر عامله، ولم يذكر عامله، ويقدره النحاة بقولهم: (بلى نجمعها قادرين[9] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn9) وهذا الحذف يتناسب أيضاً والعجلة التي دلت عليها النفس اللوامة.
ثم قال بعد ذلك: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه).
ومعنى الآية أن الإنسان يريد المداومة على شهواته ومعاصيه، ويقدم الذنب ويؤخر التوبة.
جاء في (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: (ليفجر أمامه) "ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ يقدم الذنب ويؤخر التوبة، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله"[10] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn10).
وجاء في (البحر المحيط): " إن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه، ويمضي فيها أبداً قدماً راكباً رأسه مطيعاً أمله ومسوفاً بتوبته"([11] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn11)).
وارتباط الآية بالنفس اللوامة واضح، فإن الإنسان ههنا يسوف التوبة، يتباطاً عنها ويغره الأمل حتى يموت، فيدركه الندم ويقع تحت مطرقة اللوم.
وانظر بعد ذلك كيف جاء باللام الزائدة المؤكدة في مفعول الإرادة، فقال: (بل يريد الإنسان ليفجر) والأصل أن يقال: (بل يريد الإنسان أن يفجر) لأن فعل الإرادة متعد بنفسه لا باللام كما قال: (يريد الله أن يخفف عنكم) [النساء] غير أنه جاء باللام للدلالة على قوة إرادة الفجور والشهوات عند الإنسان وشدة الرغبة فيها. وهذه مدعاة إلى الندم البالغ، وكثرة لوم الإنسان لنفسه، فارتبط ذلك أحسن ارتباط بالنفس اللوامة.
ثم انظر كيف أنه لما بالغ في إرادة للفجور والرغبة فيه، بالغ في اللوم فجاء بصيغة المبالغة، فقال: (اللوامة) ولم يقل (اللائمة) للدلالة على كثرة اللوم، فانظر المناسبة بين المبالغة في الفجور والمبالغة في اللوم، وكيف أنه لما بالغ في أحدهما بالغ في الآخر.
ثم قال بعد ذلك:
(يسأل أيان يوم القيامة)
وهذا "سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة"[12] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn12) وقد جاء بأداة الاستفهام (أيان) التي تدل على شدة الاستبعاد وهذا المتعنت المستبعد لقيام الساعة هو الذي يقدم الفجور والمعصية ويؤخر التوبة، وهو المذكور في الآية السابقة.
وقال بعد ذلك:
(فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر) .
وهذه الآيات كأنها جواب السائل عن موعد القيامة المستبعد لوقوعها. وقد بدأ التعبير بـ (إذا) الدالة على الزمان لأن السائل إنما سأل عن زمنها وموعدها، فكان الجواب بالزمان كما كان السؤال عن الزمان.
ومعنى: (برق البصر) دهش فلم يبصر، وقيل: تحير فلم يطرف، وبرق بصره، أي: ضعف[13] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn13).
وذكر البصر مع ذكر الشمس والقمر له سببه ومناسبته، فإن البصر يعمل مع وجود الشمس والقمر، أي: مع النور، فإذا لم يكن ثمة نور فلا يعمل شيئاً كما قال تعالى: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) [البقرة].
وفي هذا اليوم قد تعطل البصر كما تعطل الشمس والقمر، فالبصر برق، والقمر خسف، وجمع الشمس والقمر.
ثم انظر كيف قال: (برق البصر) ولم يقل (عمي) أو نحو ذلك، فإن المراد تعطيله مع وجوده، كما فعل بالشمس والقمر، فإنه لم يزلهما ويذهبهما، وإنما عطلهما فهو تناسب لطيف.
ثم انظر كيف قال: (وجمع الشمس والقمر) إشارة إلى تعطيل الحياة الرتيبة إن استمرار الشمس والقمر على حالهما دليل على استمرار الحياة والدنيا إنما هي أيام وليال، وآية النهار الشمس وآية الليل القمر، فجمعهما معاً دليل على تعطيل الحياة التي كان يردوها مسوفو التوبة، والمغترون بالأمل والذين يقدمون الفجور ممن تقدم ذكرهم بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) ثم انظر بعد علاقة ذلك بالنفس اللوامة التي كانت تقدم الفجور، وتغتر بالدنيا ففاجأها ما يستدعي كثرة اللوم.
ثم انظر مناسبة ذلك للقسم بـ (يوم القيامة)، و(اليوم) يستعمل في أحد مدلوليه لمجموع الليل والنهار فناسب ذلك ذكر الشمس والقمر، إذ هما دليلاً اليوم وآيتاه في الدنيا، أما يوم القيامة هذا فهو يوم لا يتعاقب فيه الشمس بالقمر، بل يجمعان فيه فلا يكون بعد ليل ونهار بل هو يوم متصل طويل.
وفي هذا اليوم يطلب الإنسان الفرار، ولكن إلى أين؟
ويبقى السؤال بلا جواب ثم يجيب رب العزة بقوله: (كلا لا وزر) والوزر الملجأ، فلا ملجأ يفر إليه الإنسان ويحتمي به وإنما (إلى ربك يومئذ المستقر) والفار يطلب ملجأ يأوي إليه ويعتصم به ويطلب الاستقرار ولكن لا استقرار إلا إلى الله، فإليه وحده المستقر.
وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر والاختصاص، فليس ثمة مستقر إلى سواه. وهذا التقديم يقتضيه الكلام من جهتين:
من جهة المعنى وهو الاختصاص والقصر، وتقتضيه فاصلة الآية أيضاً.
وتقديم (يومئذ) كذلك يقتضيه الكلام من هاتين الجهتين أيضاً. فالمستقر في ذلك اليوم خاصة إلى الله سبحانه، أما في الدنيا فالإنسان قد يجد مستقراً يأوي إليه ويستقر فيه، أما في ذلك اليوم، فلا مستقر لا إلى الله.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:10 PM
وتقديم (إلى ربك) على (يومئذ) له سببه أيضاً ذلك أن الإنسان في تلك الحالة، يبحث عن مكان يفر إليه ويستقر منه، فقدم له ما يبحث عنه، وقال له: (إلى ربك يومئذ المستقر) لأنه هو الأهم، وهو المقصود.
واختيار كلمة (رب) ههنا اختيار مقصود، فالرب هو المالك والسيد والمدبر والمربي والقيم والمنعم. ورب كل شيء مالكه ومستحقه[14] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn14).
والفار إلى من يلتجئ؟ هل يلتجئ إلا إلى سيده ومالكه وصاحب نعمته ومدبر أمره والقيم عليه؟
فهو وزره وإليه مستقره، فهل ترى أنسب من كلمة (رب) ههنا؟
ثم إن اختيار كلمة (مستقر) اختيار دقيق محكم أيضاً، ذلك أن هذه الكلمة تدل على المصدر بمعنى الاستقرار، وتدل على اسم المكان بمعنى مكان الاستقرار، وتدل على اسم الزمان، بمعنى زمان الاستقرار.
وهي هنا تفيد هذه المعاني كلها، فهي تفيد (الاستقرار)، أي: إلى فك الاستقرار، وتفيد موضع الاستقرار وهو الجنة والنار أي إلى ذلك إلى هيئته تعالى.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (إلى ريك يومئذ المستقر): "إلى ربك خاصة (يومئذ) مستقر العباد، أي: استقرارهم، يعني أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره وينصبوا إليه. أو على حكمة ترجع أمور العباد لا يحكم عليه غير كقوله: (لمن الملك اليوم) أو إلى ربك مستقرهم، أي: موضع فرارهم من جنة أو نار"[15] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn15).
وجاء في(البحر المحيط): "المستقر، أي: الاستقرار أو موضع استقرار من جنة أو نار إلى مشيئته تعالى، يدخل من شاء الجنة، ويدخل من شاء النار بما قدم وأخر"[16] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn16).
وتفيد زمان الاستقرار أيضاً، أي أن وقت الفصل بين الخلائق، وسوقهم على مستقرهم عائد إلى مشيئته تعالى. فهم يمكثون في ذلك اليوم ما يشاء الله أن يمكثوا، ثم هو يحكم بوقت ذهابهم إلى مواطن استقرارهم، فكلمة (مستقر) أفادت ثلاث معان مجتمعة علاوة على ما تقتضيه الفاصلة في نهاية الآيات. ولا تغنى كلمة أخرى عنها، فلو أبدلت بها (الاستقرار) ما أدت تلك المعاني، فهي أنسب كلمة في هذا الموضع.
ثم قال بعد ذلك:
(ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر).
والمعنى أن الإنسان ينبأ بما قدم من عمل خير أو شر، وبما أخر من عمل كان عليه أن يعمله، فلم يعمله.
وهذه الآية متناسبة مع ذكر النفس اللوامة، في أول السورة في حالتيها اللتين تدعوان إلى اللوم.
أن تفعل فعلاً ما كان ينبغي لها أن تفعله، فتلوم نفسها عليه، وهذا يدخل فيما قدم.
أو تقعد عن عمل كان ينبغي لها أن تعمله، فلم تعمله وهو يدخل فيما أخر.
ثم قال بعدها:
(بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
بعد أن أخبر عن أحوال يوم القيامة فيما تقدم، عاد إلى النفس مرة أخرى. وهو اقتران يذكرنا بالاقتران بين يوم القيامة والنفس اللوامة في مفتتح السورة.
والمعنى: أن الإنسان يعرف حقيقة نفسه، ولو جاء بالحجج والأعذار.
وقال بعدها:
(لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقراءنه فإذا قرأنه فاتبع قراءنه ثم إن علينا بيانه).
وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها، أن الحجج والمعاذير إنما تلقى باللسان فارتبطت بقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به).
والضمير في (به) يعود على القرآن، ولم يجر له ذكر، وهو مفهوم من المعنى "وكان رسول الله eإذا لقن الوحي، نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعةً إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت إليه ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضي إليه وحيه… (لتعجل به) لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك"[17] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn17).
وأما قوله: (لتعجل به) فهو تعليل لتحريك اللسان، فالعجلة علة له هذا e.
إن العجلة المذكورة هنا تتناسب مع جو العجلة في السورة، ثم إن ذكر سير القرآن من دون أن يجري له ذكر اختصار وإيجاز في الكلام مناسب لجو مجلة هذه، فقد تعاون كل من التعبير والتعليل لبيان هذا الغرض.
وقال بعدها: (إن علينا جمعه وقرآنه)
الملاحظ في هذا التعبير أنه قدم الجار والمجرور على الاسم، وذلك لاختصاص والقصر والمعنى أننا نحن المتكلفون بجمعه في صدرك تلاوته للناس صحيحاً كاملاً وهذا مواطن من مواطن القصر، لأنه لا يمكن لأحد غير الله أن يفعل ذلك، فإن تثبيت النصوص في النفس وحفظها لمجرد سماعها وعدم نسيانها، وإلقاءها كما هي على مر الزمن، إنما هو من فعل الله وحده فهو الذي يثبت في النفوس أو يمحو منها ما يشاء.
إذن فإن ذلك عليه وحده
وهذا التقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته الفاصلة.
ولو أخر الجار والمجرور لأخل بالمعنى، ذلك أنه يقتضي عدم القصر ومعنى ذلك أنه يخبر بأنه متكفل بجمع القرآن في صدره، وليس المتكفل الوحيد وذلك كما تقول: (يشرح خالد لك هذا الأمر) فإنك ذكرت أن خالداً يشرح له الأمر ولم تفد أن خالداً يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد غيره ولو قال: (لك يشرح خالد هذا الأمر) لأفاد أنه يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد آخر. فتقديم الجار والمجرور على عامله يفيد القصر غالباً.
وهذا موطن قصر، إذ لا يمكن أن يفعل ذلك غير الله تعالى، أعني التكفل بتثبيت القرآن في النفس بمجرد سماعه.
وإدخال (إن) يقتضيه المعنى أيضاً في أكثر من جهة:
من ذلك أنها تفيد التعليل كما في قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) [التوبة] فهنا أفادت التعليل وبينت سبب النهي عن تحريك اللسان فقد قال: لا تحرك به لسانك، لأن جمعه في صدرك نحن نتكفل به. ولو لم يدخل (إن) لم يرتبط الكلام ولا نتفى معنى التعليل إذ لو قال: (لا تحرك به لسامك لتعجل به علينا جمعه وقرآنه) لم تجد له هذا الحسن الذي تجد، ولا نفصل الكلام بعضه عن بعض فـ (إن) ربطت الكلام بعضه ببعض وأفادت التعليل.
ومن ذلك أنها تفيد التوكيد، وهذا الموطن يقتضي التوكيد إذ إن حفظ الإنسان لكل ما يلقى إليه بمجرد سماعه أمر غريب والتكفل به يحتاج إلى توكيد ولذا جاء بـ (إن) المؤكدة.
وقال بعد ذلك:
(فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)
ومعنى: (فاتبع قرآنه) أي: اتبعه بذهنك وفكرك، أي: فاستمع له[18] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn18).
والإسناد إلى ضمير الجمع هنا له دلالة إضافة إلى التعظيم الذي يفيده من الجمع ذلك أن القارئ هو جبريل، وليس الله.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: (فإذا قرآنه فاتبع قرآنه) "جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته… ونظيره في حق محمد عليه الصلاة والسلام (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [19] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn19). وجاء في (البحر المحيط): فإذا قرأناه، أي: الملك المبلغ عنا"[20] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn20).
وكذلك المبين في قوله تعالى: (ثم إن علينا بيانه) فالذي يبين للرسول يوضح هو الملك، فهو يقرأ بأمر الله ويبين بأمر الله فالأمر مشترك. الله هو الملك يبلغ، ولذا عبر بأسلوب الجمع، والله أعلم، وأظن أن الفرق موضح بين قوله: (فإذا قرآنه فاتبع قرآنه) والقول: (فإذا قرأته فاتبع قرآنه).
والقول في التقديم في (ثم إن علينا) هو في الآية قبلها. فإن تقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص أيضاً ذلك أن تبين ما أشكل منه مختص تعالى.
وقال بعد ذلك: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة)
والعاجلة يؤثرها بنو آدم على وجه العموم، ويقدمونها على الآخرة وارتباطها بما قبلها وهو قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) ظاهر فكلتاهما في العجلة وإيثارها، فالرسول eكان ينازع جبريل القراءة ولا يصبر حتى يتمها ليأخذه على عجل، والناس على وجه العموم يؤثرون العاجلة على الآخرة، فهو طبع عام في البشر خلقوا عليه كما قال تعالى: (خلق الإنسان من عجل) [الأنبياء] فالموضوع إذن موضوع واحد هو العجلة.
وكلاهما يتعجل ما هو أثير لديه ومفضل عنده.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة)، كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة: (وتذرون الآخرة)… فإن قلت: كيف اتصل قوله: (لا تحرك به لسانك) إلى آخره بذكر القيامة؟ قلت: اتصاله به من جهة التخلص منه إلى هذا التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة[21] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn21).
وجاء في (روح المعاني) في هذه الآية: "كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) تعميم الخطاب للكل كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ويتضمن استعجالك، لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة… ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإن ملوح إلى معنى: بل تحبون الخ"[22] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn22).
إن هذه الآية كما هو واضح مناسبة لجو العجلة التي بنيت عليها السورة، وهي متصلة ـ كما مر بنا ـ بقوله تعالى: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإن الإنسان يسوف بتوبته ويغره أمله ويؤثر ما بين يديه ويغمس نفسه في شهواته، ويستحب عاجل حياته ولا ينظر فيما وراء ذلك من أمور الآخرة، فهي متصلة بما قبلها وبقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) أتم اتصال.
كما أنها متصلة بالنفس اللوامة التي بنيت عليها السورة اتصالاً ظاهراً بالنفس اللوامة كما ذكرنا تلوم نفسها لأحد سببين:
إما أن تعجل فتعمل عملاً تندم عليه، فتلوم نفسها علة ذلك، وهذا ما أكده قوله: (كلا بل تحبون العاجلة) وإما أن تؤخر عملاً كان ينبغي لها عمله وقرتها خيره، فتندم عليه، فتلوم نفسها على ذلك وهذا ما يفيده قوله: (كلا بل تذرون الآخرة) فهو هنا عجل أمراً وترك آخر فندم من الجهتين ولام نفسه الحالتين، لام نفسه في العجلة ولام نفسه في الترك.
وما أحرى أن تسمى هذه النفس بالنفس اللوامة، لأن دواعي اللوم لكاثرة عليها.
ثم انظر كيف اختار الفعل: (وتذرون) على (تتركون) ذلك أم في تذورن) حذفاً واصله (توذرون) من (وذر) ليدل ذلك على طابع العجلة الذي يريد أن ينتهي من الشيء في أقرب وقت. فاختيار هذا الفعل المحذوف الواو، مناسب لجو العجلة.
و قد تقول: ولم لم يقل: (تدعون) وهو فيه حذف كما في (وتذرون)
والجواب ـ والله أعلم ـ أن اختيار (تذرون) على (تدعون) له سببه ذلك أن الفعل (وذر) في عموم معانيه يفيد الذم، ومنه قولهم: امرأة وذرة أي: رائحتها رائحة الوذر، وهو اللحم، وقولهم (يا ابن شامة الوذر) وهو سب يكنى به عن القذف. وفي الحديث : (شر النساء الوذرة المذرة) [23] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn23) بخلاف (ودع) فإن من معانيه الراحة والدعة وخفض العيش. وقد يفيد المدح ومنه قولهم، رجل وديع، أي: هادئ ساكن[24] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn24). في حين أن الموقف ذم فإنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فاختار الفعل الذي يقال في عموم للذم ولم يختر الفعل الذي يقال في كثير من معانيه و أكثر معانيه للمدح. وهو اختيار فني رفيع.
ثم قال بعد ذلك: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)
هذا الصنفان هما ما يؤول إلى أحدهما الناس يوم القيامة. الذي يؤثر الآخرة ويعمل لها، والذي يحب العاجلة ويذر الآخرة. وهذه الآيات مرتبطة بأول السورة وهو القسم بيوم القيامة أتم ارتباط. فإنه في يوم القيامة ينقسم الناس إلى هذين الصنفين.
ثم إن لاختيار كلمة (رب) وتقديم الجار والمجرور سببه أيضاً.
أما اختيار كلمة (رب) فهو أنسب شيء ههنا، فإن وجوه أهل السعادة تنظر إلى ولي نعمتها في الدنيا والآخرة ومربيها وسيدها الذي غذاها بالنعم وهداها إلى طريق السعادة، وأوصلها إليه ولم تكن قد رأته من قبل. ولم يرد في السورة من أسماء الله تعالى غير لفظ (الرب).
وأما تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) فللاختصاص، فإن هذه الوجوه لا تنظر إلا إليه، فإن النظر إليه يذهلها عن كل ما عداه وينسي أهلها ما عداه من النعيم، فإن أهل الجنة ما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إليه كما في الحديث الصحيح. فهذا من أوجب مواطن الاختصاص فالتقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته موسيقى الفاصلة وهذا الجمع بين النضرة وسعادة النظر إلى وجهه الكريم، يشبه الجمع بين النضرة والسرور في قوله تعالى: (ولاقهم نضرة وسروراً) [الإنسان].
ثم قال بعدها في الصنف الشقي:
(ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)
وهذه بمقابل الوجوه الناضرة، وهي وجوه من آثر العاجلة، وترك الآخرة، وجوه من يريد ليفجر أمامه، الوجوه التي ينبغي لأصحابها أن كثروا اللوم لأنفسهم ويبالغوا في اللوم.
وتقديم (يومئذ) في الآيتين يفيد الاختصاص وهو ما يقتضيه المعنى الفاصلة، فإن نضرة أصحاب النعيم خاصة بذلك اليوم، أما في الدنيا ربما لم تعرف وجوههم النضرة. وكذلك أصحاب الوجوه الباسرة، فإن البسور مختص بذلك اليوم، وربما كانت وجوههم من أنضر الوجوه في الدنيا.
(تظن أن يفعل بها فاقرة)
والفاقرة: الداهية العظيمة التي تقصم فقار الظهر وأصلها من الفقرة والفقارة كأن الفاقرة تكسر فقار الظهر[25] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn25).
واختيار فعل الظن مناسب أحسن مناسبة لجو السورة والسياق مع أن الموطن موطن علم ويقين، وقد فسره أكثر المفسرين بالعلم واليقين، وذلك أن الإتيان بفعل الظن متناسب مع تأخير التوبة وإيثار العاجلة وتقديم الفجور، فإنه في الحياة الدنيا بنى حياته على الظن، فهو يظن أن سيمتد به العمر ويطول به الأجل، فيسوف بتوبته ويقم شهوته. وهذا الظن يرافقه إلى اليوم الآخر، فهو إلى الآن يظن وقوع الداهية ظناً، وهو إلى الآن في حال ظن وأمل لا في حال علم وبصيرة، فهو لا يرى إلا اللحظة التي هو فيها، وما بعدها فهو عنده ظن لا يقين كما كان شأنه في الدنيا يقدم شهوته ويؤثر عاجلته ويقول: أيان يوم القيامة؟
فانظر هذا الاختيار الرفيع لفعل الظن في هذا الموقف، وانظر تناسب ذلك مع النفس اللوامة التي لا ترى إلا ما هي عليه حتى تفوتها الفرصة، ويفوتها معها الخير، ويدركها سوء العاقبة، فتلوم نفسها على ما فرطت في جنب الله.
وذكر لاختيار فعل الظن سبب آخر هو أن الظان لا يعلم نوع العقوبة، ولا مقدارها فيبقى رجلاً أشد الوجل، خائفاً أعظم الخوف من هذا الأمر الذي لا يعلم ما هو ولا مداه ولا كيف يتقيه ألا ترى أن الذي يعلم ما سيحل به يكون موطناً نفسه على ذلك الأمر بخلاف الذي لا يعلم ماذا يتقي، وما مداه وما نوع تلك الفاقرة.
جاء في (روح المعاني): "وجيء بفعل الظن ههنا، دلالة على أن ما هم فيه، وإن كان غاية الشر يتوقع بعده أشد منه وهكذا أبداً… وإذا كان ظاناً كان أشد عليه مما إذا كان عالماً موطناً نفسه على الأمر"[26] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn26).
ولاختيار الفاقرة دون غيرها سبب سنذكره في مكانه.
واختيار تعبير (أن يفعل بها) بالبناء للمجهول دون أن يقول مثلاً: (أن تصيبها فاقرة) أو (تحل بها) أو نحو ذلك له سبب لطيف. ذلك أن قوله: (أن يفعل بها) معناه أن هناك فاعلاً مريداً يفعل بفقار الظهر ما يريد من تحطيم وقصم. أما القول: (أن تصيبها) أو (تحل بها) فكأن ذلك متروك للمصادفات والظروف، فقد تكون الفاقرة عظيمة أو هينة والفواقر بعضها أدهى من بعض. فقوله: (أن يفعل بها) أنسب اختيار في هذا السياق إذ لا تترك ذلك للمصادفات والموافقات، بل كان ذلك بقدر.
ثم إنه لم يقل: (أن نفعل بها) بإسناد الفعل إلى ذاته العلية، لأنه لم يرد أن ينسب إيقاع هذه الكارثة والشر المستطير إلى نفسه كما هو شأن كثير من التعبيرات التي لا ينسب الله فيها السوء إلى ذاته العلية نحو قوله: (وأنا لا ندري أشر اريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) [الجن] وقوله (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا) [الإسراء] فلم ينسب الشر إلى ذاته.
ثم قال بعدها:
(كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق)
"والضمير في (بلغت) للنفس وإن لم يجر لها ذكر"[27] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn27). وعدم ذكر الفاعل ولا ما يدل عليه مناسب لجو العجلة الذي بنيت عليه السورة. ونحوه ما مر في حذف جواب القسم في أول السورة، وحذف عامل الحال (قادرين) وعدم ذكر ما جرى عليه الضمير في قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) وغيره مما سنشير إليه.
(وقيل من راق) وحذف الفاعل وإبهامه في (قيل) مناسب لإضماره وعدم ذكره في (بلغت التراقي) كلاهما لم يجر له ذكر، وكذلك الإبهام في (راق) مناسب لسياق الإبهام هذا، فإن كلمة (راق) مشتركة في كونها اسم فاعل للفعل (رقي يرقي) وهو الذي يقرأ الرقية على المريض ليشفى، وفي كونها اسم فاعل للفعل (رقي يرقى) بمعنى (صعد) ومنه قوله تعالى: (أو ترقى في السماء) [الإسراء].
واختلف في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين:
من يرقيه فيشفيه وينجيه من الموت؟
أو من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟[28] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn28).
فالقائل مجهول، أهم أهله ومن يتمنى له الشفاء أم هم الملائكة الذين حضروه أثناء الموت؟
فانظر جو الحذف والإبهام وكيف ناسب ما قبله.
وقال بعدها:
(وظن أنه الفراق)
واختيار فعل الظن اختيار مناسب غاية المناسبة لما قبلها ولجو السورة كما ذكرنا، فهو إلى اللحظة الأخيرة في حال ظن وأمل ولا يزال فراق الحياة عنده ظناً من الظنون لا يقيناً، ومناسب لقوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) فهو في المواطنين، يفترض أن يكون في موقف علم ويقين ولكن مع ذلك لا يزال في موقف ظن.
جاء في (روح المعاني): "والظن هنا عند أبي حيان على بابه وأكثر المفسرين على تفسيره باليقين. قال الإمام: ولعله إنما سمي اليقين ههنا بالظن لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة"[29] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn29).
قوله: (والتفت الساق بالساق)
قيل: معناه لفهما في الكفن، وقيل: انتهاء أمرهما بالموت، وكل ما دل في تفسير الآية يراد به حالة من حالات الموت الذي حصل يقينالً لا ظناً.
(إلى ربك يومئذ المساق)
إن تركيب هذه الآية نظير آية (إلى ربك يومئذ المستقر) فإن تقديم (إلى ربك) يفيد القصر والاختصاص، فإن الناس يساقون إلى ربهم وليس إلى مكان أو ذات أخرى، فسوقهم مختص بأنه إلى الله وحده لا إلى غيره.
وكذلك تقديم (يومئذ) فالمساق إليه سبحانه يكون في ذلك اليوم مخصوصاً، وهو يوم مفارقة الدنيا.
وقدم (إلى ربك) على (يومئذ) لأنه هو المهم لأنها جهة المساق ومنتهاه ومستقره. وقد قال في آية سابقة: (إلى ربك يومئذ المستقر) وقال هنا: (إلى ربك يومئذ المساق) فاختير لفظ (المساق) ههنا لأن الآية في مفارقة لروح الجسد عند الموت، فيذهب الميت بعد ذلم ويساق إلى ربه، ثم يوضع في القبر، والقبر ليس مستقراً ولا موطن إقامة، وإنما هو موطن زيارة كما قال تعالى: (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) [التكاثر] فسماها زيارة ولم يسمها مكثاً أو إقامة.
أما الآية الأولى فهي في يوم القيامة، يوم قيام الناس من قبورهم والذهاب بهم إلى مستقرهم في الجنة أو النار، وقد سمى الله الجنة مستقراً وكذلك النار قال تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً) [الفرقان] فالمساق ينتهي إلى المستقر كما قال تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) [الزمر] فهذه غاية المساق ومنتهاه، وكل ذلك إلى الله رب العباد.
ثم قال بعدها:
(فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى)
هذه الآيات فيها حشد من الفن عظيم عسى أن أوفق إلى بيان شيء من مظاهره. فمن ذلك:
1ـ إن هذه الآيات وقعت بعد قوله: (والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق) وهذا النفي والإخبار فيها، إنما هو في الآخرة وهي من أحوال الآخرة وأخبارها، فارتبطت بقوله: (لا أقسم بيوم القيامة).
2ـ كما ارتبطت بالنفس اللوامة من جهتيها الداعيتين إلى اللوم، فقد ذكرنا أن النفس اللوامة إنما تلوم نفسها لسببين:
إما أن تقوم بعمل لا ينبغي أن تقوم به فتندم فتلوم نفسها على ذلك، أو تترك عملاً ما كان ينبغي لها أن تتركه، فيفوتها خيره فتندم فتلوم نفسها على ذلك. والنفس هنا قدمت التكذيب والتولي: (ولكن كذب وتولى) وأخرت التصديق والصلاة (فلا صدق ولا صلى) فندمت في الحالتين فاقتضى ذلك أن تلوم نفسها من الجهتين، وأن تكثر ذلك وتبالغ في الملامة.
3ـ كما ارتبطت بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) ذلك أنه كذب وتولى، فقدم شهواته ومعاصيه.
4ـ وارتبط قوله: (فلا صدق ولا صلى) بقوله: (يسأل أيان يوم القيامة) فهو مستبعد له مكذب به فهو لم يصدق ولم يصل.
5ـ كما ارتبط ذلك بقوله تعالى: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وآخر) فإنه قدم التكذيب والتولي وأخر التصديق والصلاة.
6ـ وارتبط قوله: (فلا صدق) بقوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) ذلك أن التصديق أمر إيماني، وهو من دخائل النفوس التي لا يطلع عليها إلا الله. والإنسان أعلم من غيره بما في نفسه فهو على نفسه بصيرة، ثم إن الإيمان كما يقال: تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، فهو لم يصدق بالجنان (فلا صدق) وكذب باللسان، كما قال تعالى: (ولكن كذب) فأظهر التكذيب (وتولى) ولم يعمل بالأركان فانتفت عنه حقيقة الإيمان.
7ـ وارتبط عدم الصلاة والتولي بإلقاء المعاذير، فإنه سيسأل عن ذلك، فيحاول أن يدفع عن نفسه بالمعاذير.
8ـ وارتبط قوله: (فلا صدق) وقوله: (ولكن كذل) بقوله: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) فإنه لم يؤمن، والإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان.
9ـ وارتبطت هاتان الآيتان أعني قوله: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذل وتولى) بقوله: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) فهو قد أحب العاجلة، فكذب وتولى وترك الآخرة.
10ـ وارتبطتا بقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) فإنه لو صدق وصلى لكان من أصحاب الوجوه الناضرة، ولكن كذب وتولى فأصبح من أصحاب الوجوه الباسرة.
قوله:
(ثم ذهب إلى أهله يتمطى)
يتمطى، يتبختر وأصله من المطا، وهو الظهر، أي: يلوي مطاه تبختراً، وقيل أصله يتمطط، أي: يتمدد في مشيته ومد منكبيه قلبت الطاء فيه حرف على كراهة اجتماع الأمثال[30] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn30) مثل تظنى من تظن.
وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: (تظن أن يفعل بها فاقرة)
والفاقرة هي الداهية التي تقصم فقار الظهر. فهذا الذي يتبختر في مشيته ويلوي ظهره، سيقصم فقار ظهره، فلا يستطيع حراكاً. وهو جزاء من جنس العمل، أفلم يكن يلوي ظهره ويتبختر، فسيحطم هذا الظهر الذي طالما لواه وتبختر به.
وهذا أنسب عقاب له، ولو قال بدل ذلك مثلاً: ستصيبه داهية أو تحل به كارثة أو قارعة لم تجده يحسن هذا الحسن، ولا يرتبط به مثل هذا الارتباط، فإن ذلك لا يجانس تمطيه.
وهي مرتبطة أيضاً بقوله تعالى: (إلى ربك يومئذ المساق) فهو كان يذهب إلى أهله وينقلب إليهم متى شاء، أما الآن فإنه يساق سوقاً إلى ربه وسيده على الرغم من أنفه.
ثم انظر كيف قدم الجار والمجرور في السوق فقال: (إلى ربك يومئذ المساق) لأنه ليس له اختيار، وإنما هو مذهوب به إلى جهة واحدة. أما في الدنيا فهو ينقلب إلى أهله وإلى عمله، وإلى اصدقائه وإلى من شاء ليس ثمة حصر، ولذا لم يقدم الجار والمجرور في الدنيا، فقد كانت له عليها الحرية، أما الآن فهو مسوق سوق العبد إلى مولاه وربه وسيده.
ثم انظر كيف أنه لم يذكر (يومئذ) في الدنيا بخلاف يوم موته وسوقه فإنه كان في الدنيا يذهب كل يوم وليس في يوم معين، أما سوقه إلى ربه فذلك في يوم معين وهو يوم الفراق فلم يحتج إلى ذكر اليوم في الدنيا بخلاف يوم المساق.
فانظر كيف تقابل التعبيران والمشهدان
قوله:
(أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى)
(أولى لك) عبارة تقال على جهة الزجر والتوعد والتهديد تقول لمن تتوعده وتتهدده، (أولى لك يا فلان) أي: ويل لك، واشتقاقها من (الولي) وهو القرب، فهو اسم تفضيل يفيد قرب وقوع الهلاك.
جاء في (الكشاف): (فأولى لهم) "وعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل من الولي وهو القرب ومعناه: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه"[31] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn31).
وجاء في (روح المعاني): (أولى لك فأولى) "من الولي بمعنى القرب، فهو للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء، كأنه قيل: هلاكاً أولى لك بمعنى: أهلكك الله تعالى هلاكاً أقرب لك من كل شر وهلاك… وفي الصحاح عن الأصمعي، قاربه ما يهلكه: أي نزل به… وقيل: اسم فعل مبني ومعناه: وليك شر بعد شر"[32] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn32).
واختيار هذا الدعاء أنسب شيء ههنا، فهو دعاء عليهم وتهديد لهم بالويل القريب والشر الوشيك العاجل، فهو مناسب لإيثارهم العاجلة وتقديمهم الفجور والشهوات وتأخيرهم الطاعات، فكما عجلوا في فجورهم وشهواتهم ومعاصيهم عجل لهم الويل والثبور. وهو مناسب لجو العجلة في السورة الذي ذكرنا قسماً من مظاهره.
لقد ورد هذا الدعاء في سورة محمد فقال: (فأولى لهم) غير أننا نلاحظ الفروق التعبيرية الآتية بينهما:
1ـ إنه كرر الدعاء في سورة القيامة في الآية الواحدة فقال: (أولى لك فأولى) ولم يكرره في سورة محمد بل قال: (فأولى لهم).
2ـ ثم إنه عاد فكرر الآية: (أولى لك فأولى) كلها في سورة القيامة، فكان تكراران: تكرار جزئي في الآية ، وتكرار كلي للآية.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:11 PM
3ـ في آية (أولى لك فأولى) كرر لفظ (أولى) فقط ولم يكرر (لك).
4ـ فصل بين الدعائين في الآية الواحدة بالفاء.
5ـ فصل بين الآيتين بـ (ثم).
وبالتأمل في السياقين نجد السبب واضحاً.
قال تعالى في سورة محمد: (ويقول الذين أمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم).
وقال في سورة القيامة: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى).
وكل سياق يقتضي ما ذكر فيه من جهات متعددة منها.
إن المذكور في آية القيامة أشد كفراً وضلالاً من المذكورين في آية محمد، ذلك أنه قال في آية محمد: (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) وهؤلاء من ضعفة الدين.
جاء في (الكشاف): "(الذين في قلوبهم مرض) هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام"[33] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn33).
وجاء في (روح المعاني): "(رأيت الذين في قلوبهم مرض) أي: نفاق. وقيل: ضعف في الدين"[34] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn34).
في حين قال في سورة القيامة: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) وربما أظهر الأول التصديق والصلاة في حين أن الثاني أظهر التكذيب والتولي، ثم ذهب إلى أهله متبختراً بذاك فهو إذن أولى بالوعيد الشديد.
2ـ إن المذكورين في سورة محمد أخبر عنهم وهم أحياء، والأحياء ترجى لهم التوبة، وباب التوبة مفتوح، أما المذكور في سورة القيامة فأخبر عنه بعد الموت وقد مات على التكذيب والتولي وتحقق عليه الوعيد الشديد.
3ـ ذكر في آية سورة محمد صفة واحدة، وهي الجبن عن القتال، فهددهم مرة واحدة في حين ذكر أكثر من صفة من صفات الكفر في سورة القيامة فكرر تهديده.
4ـ ذكر صفتين للمذكور في سورة القيامة وهما: عدم التصديق وعدم الصلاة: (فلا صدق ولا صلى) ولكل منهما ذكر تهديداً:
فلا صدق ……… أولى لك
ولا صلى……… فأولى
ثم كرر هاتين الصفتين وأكدهما بمعناهما، فقال: (ولكن كذب) وهي بمعنى (فلا صدق) ثم قال: (وتولى) وهي إثبات لعدم الصلاة وغيرها من الطاعات. فالآية الثانية تكرير وتوكيد لما نفاه عنه في الآية الأولى. ولذا كرر التهديد وأعاده، لأنه أعاد الصفتين كلتيهما بمعناها فقال: (ثم أولى لك فأولى).
وعلى هذا فهو ذكر عدم التصديق وأكده بالتكذيب، وذكر عدم الصلاة وأكده بالتولي، ولكن تهديد ووعيد فكرره أربع مرات كل وعيد مقابل صفة.
5ـ لقد ذكر صفتين كما أسلفنا في سورة القيامة، وهاتان الصفتان ليستا بدرجة واحدة من الضلال بل إحداهما أشد من الأخرى.
فالأولى: هي التكذيب أو عدم التصديق.
والأخرى: التولي ومنه عدم الصلاة.
وعدم التصديق أو التكذيب هو إنكار لإيمان من أساسه، فهو لم يصدق بالرسالة ولا ببقية أركان الإيمان.
والثانية: عدم الصلاة. جاء في (فتح القدير): "(فلا صدق ولا صلى) أي: لم يصدق بالرسالة ولا بالقرآن ولا صلى لربه… وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه"[35] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn35).
ولا شك أن عدم التصديق، هو أكبر جرماً وضلالاً لأن صاحبه لم يؤمن أصلاً. أما عدم الصلاة فهو أخف. ذلك أن المؤمن إذا قصر في الطاعات تكاسلاً فقد يغفر الله له أو يتجاوز عنه، لأنه لا يزال في دائرة الإسلام. وقد قال أكثر الفقهاء أن المسلم إذا ترك الصلاة تهاوناً وتكاسلاً غير جاحد لفرضيتها لا يخرجه ذلك عن الإسلام.
أما إذا لم يؤمن ولم يصدق فلا ينفعه شيء، وإن فعل ما فعل من مظاهر الطاعة. ولذا كانت قوة التهديد بمقابل قوة الوصف. فقال مقابل (فلا صدق) (أولى لك) فذكر (لك) ومقابل (ولا صلى) (فأولى) بحذف (لك ) إشارة إلى عظم الإيمان وأهميته، وإشارة إلى أن الصفتين المذكورتين ليستا بدرجة واحدة في الضلال.
فهذا الحذف ليس للفاصلة فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه أيضاً، وإنما هو للمعنى وللفاصلة.
6ـ إن الصفتين لم يكررهما بلفظهما بل بمعناهما ومقتضاهما، وهما في لفظ الإعادة والتوكيد أشد سوءاً ونكراً مما ذكرهما أولاً.
فإنه قال أولاً:(فلا صدق) وقال في التأكيد والإعادة: (ولكن كذب) والتكذيب إنما يكون بالإعلان والإشهار أما عدم التصديق فلا يستلزم الإعلان، وقد تقول: (هو لا يصدق غير أنه لا يعلن تكذيبه) فربما لا يصدق إنسان بأمر غير أنه لا يكذب به.
فالتكذيب إذن أشد سوراً أو ضلالاً من عدم التصديق.
وكذا قوله: (ولا صلى) فقد كرره وأكده بقوله: (وتولى) والتولي أعم من عدم الصلاة وأشد.
وعلى هذا فآية التوكيد أشد من الآية المؤكدة.
وقد فرق بين الآيتين بـ (ثم) وذلك لجملة أسباب:
منها أن (ثم) قد تفيد عموم البعد والتباين وليس المقصود بها التراخي في الزمن فقط، ومن ذلك قولهم: (أعجبني ما صنعته اليوم، ثم ما صنعته أمس أعجب) [36] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn36).
ونحو ذلك قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذات متربة ثم كان من الذين أمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) [البلد].
دخلت (ثم) لبيان تفاوت رتبة الفلك والإطعام من رتبة الإيمان[37] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn37).
فما بعد (ثم) أبعد في الرتبة مما قبلها، وكذلك ههنا فإن التهديد الثاني أقوى من الأول.
وقيل: إن التكرار عهنا مبالغة في التهديد والوعيد[38] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn38).
ومنها: أنه جاء بـ (ثم) لتوكيد الكلام، إذ أن جملة التوكيد قد يفصل بينها وبين المؤكدة بحرف العطف، تقول: والله ثم والله. وفي (روح المعاني): "إنها كررت للتأكيد"[39] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn39).
وربما جاء بـ (ثم) للتراخي الزمني أيضاً، إذ هناك عذاب في القبر وعذاب في الآخرة، وبينهما مدة مديدة كما قال تعالى في آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب) [غافر].
فهم يعرضون على النار غدواً وعشياً في القبر، ويوم تقوم الساعة لهم عذاب أشد.
وعلى هذا يكون التهديد الأول في القبر والثاني في الآخرة، وجاء بهما بـ (ثم) الدالة على المهلة والتراخي، والدالة على بعد ما بين تهديدين والعذابين في الشدة.
ونحوه ما قيل في قوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) [التكاثر] فقد قيل: أن العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت والعلم الثاني في القبر.
جاء في التفسير القيم وقوله: "(كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) قيل تأكيد لحصول العلم كقوله: (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) [النبأ] وقيل: ليس تأكيداً بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس.
ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة.
الثاني: لتوسط (ثم) بين العلمين، وهي مؤذنة ما بين المرتبتين زماناً وخطراً"[40] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn40).
وجاء في (فتح القدير) في قوله: (أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى) "قيل: ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات: الويل لك حياً والويل لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار"[41] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn41).
7ـ لذا جاء بالفاء بين الأوليين لقربهما وتعجيلهما فقال: (أولى لك فأولى) فإن ما بين العذابين قريب، وهو عذاب الدنيا وعذاب القبر.
وكذلك جاء ما بين العذابين الآخرين بالفاء، لقربهما وتعجيلهما فقال: (أولى لك فأولى) فإن ما بين العذابين قريب، وهو عذاب الدنيا وعذاب القبر.
وكذلك جاء ما بين العذابين الآخرين بالفاء، لقربهما من بعضهما وهو (أولى لك فأولى) الثانية فإنهما متصلان بيوم القيامة ودخول النار. فكل عذابين قريبين من بعضهما فصل بينهما بالفاء. وقد فصل بـ (ثم) للفاصل الزمني البعيد بين كل منهما.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، أنه جيء بالفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة لمناسبة العجلة التي بنيت عليها السورة في قوله: (كلا بل تحبون العاجلة) وقوله (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) وغير ذلك من السياقات التي تدل على العجلة.
ثم قال بعد ذلك:
(أيحسب الإنسان أن يترك سدى)
هذه الآية مرتبطة بأول السورة، وهو القسم بيوم القيامة، ومرتبطة بقوله تعالى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) ومرتبطة بقوله: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) ذلك أنه مجزي عن عمله ولا يترك سدى، بل سيعاقب على فعله، ومرتبطة بالآية قبلها وهي (أولى لك فأولى) ذلك أن معناها: أنه لا يترك سدة بل سيعاقب على فعله، ومرتبطة بما بعدها وبآخر السورة، وهو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)
وغنية هذه الوثاقة في الارتباط عن كل قول.
قوله: (ألم يك نطفة من منى يمنى)
حذف نون (يكن) لسببين ولله أعلم:
الأول: مراعاة لجانب العجلة الذي طبعت به السورة، وتكررت مظاهره في أكثر من موطن، فحذف نون (يكن) للفراغ من الفعل بسرعة وهو الملائم لجو العجلة في السورة.
الثاني: أن الإنسان لا يكون إنساناً من المني وحده حتى يراق في الرحم، ويلتقي بالبويضة، فبالمني والبويضة يكتمل الخلق وبهما يتم الإنسان، أما المني وحده، فلا يكون منه إنسان وكذاك البويضة وحدها. فنقص من فعل الكون إشارة إلى أن التطوير المذكور في الآيات هذه لا يكون إلا بهما معاً، أما المني فهو جزء من السبب. ولم يتم الفعل إشارة إلى ذلك.
ومعنى (يمنى): يراق في الرحم، فإن لم يمن فلا تكوين، وهذا من مواطن الحذف لبديعة.
ثم قال:
(ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى)
الملاحظ أنه لم يذكر فاعل الخلق ولا التسوية ولا الجعل ولم يجر له ذكراً فقد قال: (فخلق فسوى فجعل) وقد كان بنى الفعل قبلها للمجهول، فلم يذكر فاعله أيضاً، وهو قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) فلم يذكر فاعل الترك، وعدم ذكر فاعل الخلق وما بعده مناسب لحذف فاعل الترك. وكل ذلك مناسب لجو العجلة في السورة.
والهاء في (منه) تعود على المني، فمن ماء الرجل يكون الذكر والأنثى، وليس للأنثى فيه دخل، ولم يكن هذا الأمر معلوماً حتى العصر الحديث، فقد ثبت أن الذكر هو المسؤول عن الجنس وليس الأنثى. وقد ذكره القرآن الكريم قبل اكتشاف قوانين الوراثة وعلم الأجنة فقال: (ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل (منه) الزوجين الذكر والأنثى).
فأعاد الضمير على المني، ولو أعاده على العلقة لقال: (منها) ولم يعده على النطفة مع أنها هي القطرة من المني، لئلا يحتمل إعادته على العلقة وهذا إعجاز علمي علاوة على الإعجاز الفني.
ثم قال بعد ذلك:
(أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)
اسم (ليس) مكني غير مصرح به وهو اسم الإشارة (ذلك) وقد أشار به إلى ذات غير مذكورة في الكلام، فناسب ذلك عدم التصريح بالفاعل فيما تقدم من الأفعال.
وناسب آخر السورة أولها، فقد أقسم في مفتتح السورة بيوم القيامة، وختمها بإحياء الموتى.
وقد تقول: ولم قال هنا: (أليس ذلك بقادر) على سبيل التقرير، وقال في أوائل السورة: (بلى قادرين) على سبيل الإثبات؟
والجواب أن إحياء الموتى أصعب وأعسر من تسوية البنان في القياس العقلي، وإن كانت الأفعال بالنسبة إلى الله كلها سواء، فجاء في آية إحياء الموتى بأسلوب التقرير الاستفهامي الدال على الأهمية وأكد القدرة بالباء الزائدة فقال: (أليس ذلك بقادر) في حين جاء بالإثبات في تسوية البنان، يقال: (بلى قادرين) ثم إنه حذف الفعل وصاحب الحال، وجاء بالحال أحدها، فقال: (قادرين) ولم يقل: (نجمعها قادرين) فأخلاها من كل توكيد في حين ذكر الجملة تامة، مؤكدة في إحياء الموتى فدل ذلك على الفرق بين المقامين.
وفي ختام هذه اللمسات، نقول: إن هناك أكثر من خط فني في هذه السورة.
منها: خط مراعاة العجلة، ومنها: مراعاة جانب القيامة، ومراعاة الازدواج في التعبير وغيرها من الخطوط.
أما مراعاة جانب القيامة وجانب النفس اللوامة، فالسورة مبنية عليهما أصلاً كما بينا. وسنشير إلى جانبين آخرين هما: مراعاة جانب العجلة، ومراعاة الازدواج في التعبير. أما بقية الجوانب، فهي ظاهرة لا تحتاج إلى إيضاح.
فمن مراعاة جانب العجلة:
1ـ حذف جواب القسم الذي افتتحت به السورة وهو (لا أقسم).
2ـ حذف عامل الحال وهي (قادرين).
3ـ عدم ذكر مرجع الضمير في قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) فالهاء لا تعود على مذكور.
4ـ عدم ذكر فاعل الفعل (بلغت) في قوله: (كلا إذا بلغت التراقي) ولم يجر له ذكر.
5ـ عدم ذكر فاعل الظن في قوله: (وظن أنه الفراق) ولم يجر له ذكر.
6ـ عدم ذكر فاعل (فلا صدق ولا صلى).
7ـ حذف نون (يكون) في قوله: (ألم يك).
ومن السياقات الواردة في العجلة:
1ـ قوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) والمعنى: أنه يؤثر العاجلة، فيقدم شهواته.
2ـ قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به).
3ـ قوله: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة).
أما ظاهرة الازدواج أو الاقتران بين الأمرين المتناظرين أو المتقابلين، فإن السورة مبنية كما يبدو على هذا الازدواج والاقتران.
فالسورة تبدأ بالقسم بشيئين هما: يوم القيامة، والنفس اللوامة، ثم تستمر السورة على هذا النحو من الاقتران والازدواج، فمن ذلك مثلاً:
1ـ أنها أقسمت بشيئين هما يوم القيامة والنفس اللوامة.
2ـ وجمعت بين آيتين من آيات الله الكونية: آية الليل وآية النهار، وهما الشمس والقمر وذلك في قوله: (وجمع الشمس والقمر).
3ـ وذكرت نوعين من العمل ينبأ بهما الإنسان، وهما ما قدم وما أخر (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وآخر).
4ـ وذكرت ما خفي في النفس وما يظهره الإنسان من الحجج والمعاذير وذلك في قوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
5ـ وذكرت العاجلة والآخرة وذلك في قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة).
6ـ وذكرت الحب والترك وذلك في قوله: (تحبون) و(تذرون).
7ـ وذكرت نوعين من الوجوه: الوجوه الناضرة، والوجوه الباسرة.
8ـ ونفت اثنتين من الطاعات في قوله: (فلا صدق ولا صلى).
9ـ وأثبتت اثنتين من المعاصي وذلك في قوله: (ولكن كذب وتولى).
10ـ وكررت آية واحدة مرتين وهي قوله: (أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى).
11ـ وذكرت نعمتين من نعم أهل الجنة: نضرة الوجوه والنظر إلى الرب (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).
12ـ وذكرت عقوبتين من عقوبات أهل النار، بسور الوجه وقاصمة الظهر: (ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة).
13ـ وذكرت نوعين من الجمع، جمعاً في يوم القيامة وجمعاً في الدنيا. أما الجمع في يوم القيامة فهو قوله: (ألن نجمع عظامه) وقوله: (وجمع الشمس والقمر).
وأما جمع الدنيا فهو جمع القرآن، وهو قوله: (إن علينا جمعه وقرآنه).
14ـ وذكرت نوعين من القدرة:
القدرة على تسوية البنان وهو قوله: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) والقدرة على إحياء الموتى، وهو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى).
ذكرهما بطريقتين من الإثبات.
الإثبات الصريح: وهو قوله: (بلى قادرين).
والإثبات على طريق التقرير (أليس ذلك بقادر).
وإحداهما بحرف الجواب هو: (بلى)، والأخرى بحرف السؤال وهو الهمزة: (أليس ذلك).
15ـ وذكر نوعين من التسوية:
تسوية جزئية مقيدة وهي تسوية البنان وهو قوله: (نسوي بنانه).
وتسوية عامة مطلقة وهو قوله: (فخلق فسوى).
16ـ وذكر طورين من أطوار خلق الإنسان، وهما النطفة والعلقة.
17ـ وذكر الجنسين وهما الذكر الأنثى: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى).
18ـ وذكر طريقتين من التعبير عن الله.
التعبير بالجمع (بلى قادرين) و(نجمع) و(نسوي).
والتعبير بالإفراد وذلك نحو قوله: (فخلق فسوى).
إلى غير ذلك من مظاهر الازدواج.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:13 PM
لمسات بيانية من سورة القمر

الدكتور فاضل السامرائي
قال الله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ {54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر].
سأل سائل: لم وحد تعالى: (النهر) في هذه الآية ولم يجمعه مع أن الجنات قبله جمع بخلاف المواضع الأخرى من القرآن الكريم، فإنه إذا جمع الجنة، جمع النهر أيضاً فيقول: (جنات تجري من تحتها الأنهار)
والجواب: أنه جمع في لفظ (النهر) عدة معان وأعطى أكثر من فائدة لا يفيدها فيما لو قال: (أنهار) ذلك أنه علاوة على أن فواصل الآيات، تقتضي (النهر) لا (الأنهار) لأن آيات السورة على هذا الوزن فقد جاء قبلها: (وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) وجاء بعدها: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فإن المعنى أيضاً ذلك من جهات أخرى منها:
أنة النهر اسم جنس بمعنى الأنهار، وهو بمعنى الجمع[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1) والكثرة، ومنه قوله r: "أهلك الناس الدينار والدرهم" والمراد بالدينار والدرهم الجنس لا الواحد.
وجاء في (معاني القرآن): "ونهر معناه أنهار وهو في مذهبه كقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) [2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn2) وزعم الكسائي أنه سمع العرب يقولون: أتينا فلاناً فكنا في لحمة ونبيذة فوحد ومعناه الكثير"[3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn3) .
ومنها: أن معاني (النهر) أيضاً السعة[4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn4) والسعة ههنا عامة تشمل سعة المنازل وسعة الرزق والمعيشة، وكل ما يقتضي تمام السعادة السعة فيه. جاء في (البحر المحيط): "ونهر: وسعة في الأرزاق والمنازل"[5] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn5) . وجاء في (روح المعاني): "وعن ابن عباس تفسيره بالسعة والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما"[6] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn6).
ومنها: أن من معاني (النهر) أيضاً الضياء[7] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn7) .
جاء في (لسان العرب): "وأما قوله ـ عز وجل ـ(إن المتقين في جنات ونهر) فقد يجوز أن يعني به السعة والضياء
، وأن يعني به النهر الذي هو مجرى الماء، على وضع الواحد موضع الجميع... وقيل في قوله: (جنات ونهر) أي: في ضياء وسعة، لأن الجنة ليس فيها ليل، إنما هو نور يتلألأ"[8] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn8) .
وجاء في (معاني القرآن) لفراء: "ويقال: (إن المتقين في جنات ونهر) في ضياء وسعة"[9] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn9) .
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فإن المتقين في جنات وأنهار كثيرة جارية، وفي سعة من العيش والرزق والسكن وعموم ما يقتضي السعة، وفي ضياء ونور يتلألأ ليس عندهم ليل ولا ظلمة.
فانظر كيف جمعت هذه الكلمة هذه المعاني كلها، إضافة إلى ما تقتضيه موسيقى فواصل الآيات بخلاف ما لو قال (أنهار)، فإنها لا تعني إلا شيئاً واحداً.

أسدالجبورالبونجادي
08-08-2009, 07:13 PM
ثم انظر كيف أـنهه لما كان المذكورون هم من خواص المؤمنين، وهم المتقون وليسوا عموم المؤمنين أعلى أجرهم ودرجتهم، فقال: (ونهر) ولم يقل: (وأنهار) ولما أعلى أجرهم ودرجتهم وبالغ في إنعامهم وإكرامهم جاء بالصفة والموصوف بما يدل على المبالغة فقال: (عند ملك مقتدر) ولم يقل: (ملك قادر) فإن (مليك) أبلغ من (ملك) و(مقتدر) أبلغ من (قادر) فإن كلمة (مليك) على صيغة (فعيل) وهي أبلغ واثبت من صيغة (فعل) [10] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn10).
جاء في (روح المعاني): "عند مليك، أي: ملك عظيم الملك، وهو صيغة مبالغة، وليست الياء من الإشباع"[11] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn11) .
ولما جاء بالصيغة الدالة على الثبوت، قال: (في مقعد صدق) "ذلك لأن هذا المقعد ثابت لا يزول، فهو وحده مقعد الصدق، وكل المقاعد الأخرى كاذبة، لأنها تزول إما بزوال الملك صاحبه، وإما بزوال القعيد، وإما بطرده، وهذا المقعد وحده الذي لا يزول، وقد يفيد أيضاً أنه المقعد الذي صدقوا في الخبر به"[12] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn12).
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن معنى الصدق ههنا يفيد معنى الخير أيضاً والجودة والصلاح[13] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn13) فجمعت كلمة (الصدق) ههنا معنيي الخير والصدق معاً، كما جمع (النهر) أكثر من معنى ثم انظر كيف أنهم لما صدقوا في إيمانهم وعملهم، كان لهم مقعد الصدق.
و(المقتدر) أبلغ أيضاً من (القادر) ذلك أن (المقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) وهذا أبلغ من (قدر) فإن صيغة (افتعل) قد تفيد المبالغة والتصرف والاجتهاد والطلب في تحصيل الفعل بخلاف فعل[14] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn14) ومنه اكتسب واصطبر واجتهد قال تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة].
جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟
قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال"[15] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn15).
وجاء في (البحر المحيط): "والذي يظهر لي أن الحسنات، هي مما تكتسب دون تكلف والسيئات ببناء المبالغة"[16] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn16) .
وقال سيبويه: "كسب: أصاب، واكتسب: تتصرف واجتهد"[17] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn17) .
فجاء ههنا، أي: في قوله: (مقتدر) بالصيغة الدالة على القدرة البالغة مع الملك الواسع الثابت.
فانظر كيف بالغ وأعظم في الأجر، وبالغ وأعظم في الملك، وبالغ وأعظم في القدرة لمن بالغ وجد في عمله وصدق فيه وهم المتقون.
ونريد أن نشير إلى أمر، وهو إطلاق وصف (المبالغة) على صفات الله نحو علام، وعليم، وغفور، وما إلى ذلك فقد توهم بعضهم أنه ينبغي أن لا يطلق على صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات حقيقية وليست مبالغاً فيها. وقد اعترض علي معترض ذات مرة بنحو هذا. مع أنهه من الواضح أن ليس المقصود كما ظن الظان أو توهم فالمقصود أن هذا البناء يفيد كثرة وقوع الفعل، وليس المقصود أن الأمر مبالغ فيه. فـ (عليم) أبلغ من (عالم) و(صبور) أبلغ من (صابر) ذلك أن الموصوف بعليم معناه أنه موصوف بكثرة العلم، وليس المقصود أن صاحبه وصف بهذا الوصف وهو لا يستحق أن يوصف به فكان الوصف به مبالغة.
ولا نريد أنم نطيل في كشف هذه الشبهة، فإنها فيما أحسب لا تستحق أكثر من هذا.

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:09 PM
لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

بقلم الدكتور فاضل السامرائي
من سورة (المؤمنون)
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ {4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {7} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {8} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {9} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ {10} الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة المؤمنون].
من سورة (المعارج)
(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا {21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26} وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {32} وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ{34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ )[سورة المعارج].
هناك تشابه كبير بين النصين، كما أن هناك اختلافاً بينهما كما هو ظاهر:
1. فقد قال في سورة المؤمنون : (الذين هم في صلاتهم خاشعون ).
وقال في سورة المعارج:(الذين هم على صلاتهم دائمون).
2ـ وقال في سورة المؤمنون: (والذين هم عن اللغو معرضون).
ولم يذكر ذلك في سورة المعارج.
3ـ وقال في سورة المؤمنون: (والذين هم للزكاة فاعلون).
وقال في سورة المعارج: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)
4ـ وقال في سورة المعارج: (والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون).
ولم يذكر مثل ذلك في آيات المؤمنون.
5ـ وقال في سورة المعارج: (والذين هم بشهادتهم قائمون)
ولم يذكر نحو ذلك في سورة المؤمنون.
6ـ وقال في سورة المؤمنون: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)، بالجمع.
وقال في سورة المعارج: (والذين هم على صلاتهم يحافظون)، بالإفراد
7ـ وقال في سورة المؤمنون: (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس).
وقال في سورة المعارج: (أولئك في جنات مكرمون)
8ـ قال في سورة المؤمنون: (هم فيها خالدون).
ولم يقل مثل ذلك في سورة المعارج
فما سبب ذلك؟
نعود إلى هذين النصين، لنتلمس سر التعبير في كل واحد منهما.
إن آيات النص الأول، هي مفتتح سورة (المؤمنون) وارتباطها بآخر السورة قبلها ظاهر، فقد قال تعالى في أواخر السورة التي قبلها: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) [الحج] وختمها بقوله: (فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).
فأنت ترى من الأمر بالركوع والسجود وعبادة الله، وفعل الخير وتأكيد ذلك بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ما يتناسب مناسبة ظاهرة مع مفتتح السورة وما ذكر فيها من صفات المؤمنين من الصلاة والزكاة، وغيرها من الصفات.
لقد ابتدأت السورة بقوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)وفي هذا النص تقرير لفلاح المؤمنين، وإخبار بحصوله في حين كان الفلاح مرجواً لهم في السورة قبلها.
فقد قال ثمة: ( يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) فقد أمرهم بالركوع والسجود، ليرجى لهم الفلاح، وهنا تحقق الفلاح بعد أن فعلوا ما أمرهم به ربهم. وفهناك طلب وترج هنا تنفيذ وحصول، فانظر التناسب اللطيف في التعبير، وكيف وضعه فنياً بديعاً. فقد بدأ بالأمر والطلب من الذين آمنوا وأن يفعلوا ما يأمرهم به ربهم، فاستجاب الذين آمنوا، ففعلوا أمرهم به، فوقع لهم الفلاح على وجه التحقيق، ثم انظر طيف طلب منهم ربهم وكيف استجابوا؟
قال: ( يا أيها الذين آمنوا) فناداهم بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث، فاستجابوا واتصفوا بذلك على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة الاسمية (المؤمنون)
ثم قال: (اركعوا واسجدوا)، وقال: (فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة)، فاتصفوا بما أمرهم به ربهم على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة افسمية فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون).
ثم قال: (لعلكم تفلحون) بصيغة ترجي الفلاح ثم أخبر أنهم بعد أن قاموا بما أمرهم به ربهم، أن الفلاح قد وقع على جهة التحقيق والتأكيد، فجاء بـ (قد) الداخلة على الفعل الماضي، وهي تفيد التحقيق والتوقع والتقريب. فقد كان الفلاح متوقعاً مرجواً لهم، فحصل ما توقعوه وتحقق عن قريب. فما أسرع ما نفذوا وما أسرع ما تحقق لهم الفلاح!
فانظر كيف اقتضى التعبير (قد) من جهات عدة، وانظر ارتباط كل ذلك بالسورة قبلها.
جاء في (البحر المحيط) في هذه السورة: "ومناسبتها لآخر السورة قبلها ظاهر، لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا) الآية وفيها: (لعلكم تفلحون) وذلك على سبيل الترجية فناسب ذلك قوله: (قد أفلح المؤمنون) إخباراً بحصول ما كانوا رجوه من الفلاح"[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn1)
لقد ابتدأ بالصفة التي تستدعي الفلاح، لا فلاح من دونها وهي الإيمان، وكل ما عداها من الصفات، إنما هي تبع لها فإن لم يكن إيمان فلا فلاح أبدأ، كما قرر في آخر السورة، فقد قال في أول السورة: (قد أفلح المؤمنون)، وقال في خاتمتها: (إنه لا يفلح الكافرون) فانظر التناسب بين مفتتح السورة وخاتمتها، وانظر التناسب بين هذا المفتتح وخاتمة السورة قبلها.

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:10 PM
ثم ذكر أول صفة للمؤمنين، وهي الخشوع في الصلاة فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) والخشوع في الصلاة، يعني خشية القلب وسكون الجوارح، وهو روح الصلاة، والصلاة من غير خشوع، جسد بلا روح"[2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn2) .
وهو ـ أي الخشوع ـ أمر مشترك بين القلب والجوارح، فخشوع الجوارح، سكونها وترك الالتفات، وغض البصر وخفض الجناح. وخشوع القلب خضوعه وخشيته وتذلله وإعظام مقام رب، وإخلاص المقال وجمع الهمة[3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn3) .
" وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة، هاب الرحمن أن يشد بصره، إلى شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شؤون الدنيا"[4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn4).
وتقديم الوصف بالخشوع في الصبلة على سائر الصفات المذكورة بعده "ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع"[5] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn5) .
وللبدء بذكره أكثر من سبب يدعوه إلى ذلك، فهو علاوة إلى ذل، فهو علاوة على أهميته، وأنه روح الصلاة، مرتبط بما ورد في ختام السورة السابقة من ذكر الركوع والسجود، فقد قال: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا) فذكر ركني الصلاة الظاهرين، وههنا ذكر الركن الباطن، فاستكمل ما ذكره هناك.
ثم إن السورة مشحونة بجو الخشوع بشقيه سواء مات يتعلق بالقلب، ما يتعلق بالجوارح وبالدعوة إليه بكل أحواله. فقد كرر الدعوة إلى التقوى، والتقوى أمر قلبي، وهي من لوازم الخشوع فقال: (أفلا تتقون)
وقال: (وأنا ربكم فاتقون)
وقال: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) والخشية والإشفاق أمر قلبي، وهما من لوازم الخشوع.
وقال: (والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) [المؤمنون] والوجل أمر قلبي وهو من لوازم الخشوع أيضاً.
وذكر الكفار وذمهم بقوله: (بل قلوبهم في غمرة)، وهذه الغمرة تمتعها منى الخشوع والإعراض عما سوى الله تعالى وذكر القلوب ههنا أمر له دلالته، فلم يقل: (هم في غمرة)، كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم (الذاريات 11) بل قال: (قلوبهم في غمرة) والقلب هو موطن الخشوع ومكانه، فإن كان القلب في غمرة، فكيف يخشع؟
وقال في ذم الكفار: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) فلم يخشوا لأن الخاشع مستكين لربه متضرع متذلل إليه.
وقال: (فاستكبروا وكانوا عالين) والاستكبار والعلو مناقضان للخشوع، إذ الخشوع، تطامن وتذلل وخضوع لله رب العالمين.
فبدء السورة بالخشوع، هو المناسب لجو السورة.
ثم إن البدء به له دلالة أخرى، ذلك أنه ورد في الآثار، أن الخشوع أول ما يرفع من الناس[6] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn6)، وقد جاء عن عبادة بن الصامت أنه قال: "يوشك أن تدخل المسجد، فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً" وعن حذيفة أنه قال: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، وتنقض عرى الإسلام عروة عروة"[7] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn7).
فبدأ بما يرفع أولاً، وختم بما يرفع آخراً، وهو الصلاة، فقال: (والذين هم على صلاتهم يحافظون).
ثم انظر كيف جاء بالخشوع بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات ولم يقل: (يخشون) للدلالة على أنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإن الصلاة إذا ذهب منها الخشوع كانت ميتة بلا روح.
ثم انظر كيف أنه لما وصفهم بالإيمان على جهة الثبوت، وصفهم بالخشوع في الصلاة على جهة الثبوت والدوام أيضاً فإنه لو قال: (يخشون) لصح الوصف لهم وإن حصل لحظة في القلب أو الجارحة في حين أنه يريد أن يكون لهم الاتصاف في القلب والجوارح ما داموا في الصلاة.
وتقديم الجار والمجرور (في صلاتهم) على (خاشعون) له دلالته أيضاً، ذلك أن التقديم يفيد العناية والاهتمام، فقدم الصلاة لأنها أهم ركن في الإسلام حتى أنه جاء في الأثر الصحيح، أن تاركها كافر هادم للدين، وحتى أن الفقهاء اختلفوا في كفر تاركها فمنهم من قال: إن تاركها كافر، وإن نطق بالشهادتين.
في حين أنه لو قدم الخشوع، لكان المعنى أن الخشوع أهم، وليس كذلك فإن الصلاة أهم. والصلاة من غير خشوع أكبر وأعظم عند الله من خشوع بلا صلاة، فإن المصلي، وإن لم يكن خاشعاً أسقط فرضه وقام بركنه بخلاف من لم يصل.
وق تقول: وكيف يكون خشوع بلا صلاة؟
فنقول: إن الخشوع وصف قلبي وجسمي، يكون في الصلاة وغيرها، ويوصف به الإنسان وغيره. قال تعالى: (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً [طه]، فوصف الأصوات بالخشوع.
وقال: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة) [المعارج] فوصف الأبصار بالخشوع.
وقال: (وجوه يومئذ خاشعة) [الغاشية] فوصف الوجوه به.
وقال: (ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) [الحديد] فوصف القلب بالخشوع.
وليس ذلك مقصوراً على الصلاة كما هو واضح قال تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل غليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً) [آل عمران]
وقال: (إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء].
وقال: (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) [الشورى].

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:10 PM
فتقديم الصلاة ههنا أهم وأهم.
وقال بعدها:
(والذين هم عن اللغو معرضون)
اللغو:"السقط، وما لا يعتد به من كلام، وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع[8] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn8) وفي (الكشاف) "إن: اللغو ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه"[9] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn9) .
وقال الزجاج: "اللغو: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل.
وقال الحسن: إنه المعاصي كلها[10] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn10)
فاللغو جماع لمل ينبغي اطّراحه من قول وفعل. ووضع هذه الصفة يجنب الخشوع في الصلاة ألطف شيء وأبدعه، فإن الخاشع القلب الساكن الجوارح أبعد الناس عن اللغو والباطل. إذ الذي أخلى قلبه لله وأسكن جوارحه، وتطامن وهدأ ابتعد بطبعه عن اللغو والسقط وما توجب المروءة اطّراحه.
جاء في (الكشاف): "لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف"[11] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn11) ويعني بالفعل الخشوع، وبالترك الإعراض عن اللغو.
والحق إن الخشوع أمر يجمع بين الفعل والترك، ففيه من الفعل جمع الهمة وتذللك القلب وإلزامه التدبر والخشية، وفيه من الترك السكون وعدم الإلتفات وغض البصر وما إلى ذلك.
جاء في (التفسير الكبير): "فالخاشع في صلاته، لا بد وأن يحصل له م ما يتعلق بالقلب نهاية الخضوع والتذلل للمعبود. ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم. ومما يتعلق بالجوارح، أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً وشمالاً"[12] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn12) .
وما بعده من الصفات المذكورة موزعة بين الفعل والترك، أو مشتركة فيهما كما هو ظاهر.
ولوضع هذه الصفة ـ أعني الإعراض عن اللغو ـ بجنب الخشوع له دلالة أخرى، فإن السورة كما شاع فيها جو الخشوع، كما أسلفنا فإنها شاع فيها أيضاً جو الترك والإعراض، وذم اللغو بأشكاله المختلفة.
فمن ذلك أنه قال: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) والعمل الصالح مناقض للغو وعمل الباطل.
وقال: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)،والغمرة هي ما هم فيه من لغو وباطل.
وقال: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم سابقون) والمسارعة في الشيء ضد الإعراض عنه. و(الخيرات) ضد اللغو والباطل.
وقال في وصف الكفار: (قد كانت أياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامراً تهجرون)، والنكوص هو الإعراض، والهجر من اللغو، وهو القبيح من الكلام والفحش في المنطق[13] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn13) .
وقال: (أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) وقولهم: (به جنة) من اللغو. وقوله: (وأكثرهم للحق كارهون) من الإعراض، إذ الكرة للشيء، إعراض نفسي عنه.
وقال في وصوف الكفار: (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) وتنكب الصراط، إعراض عن الحق.
وقال: (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون).
وقال فيهم: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون)، والطغيان هو الباطل وهو من اللغو.
وقال: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) والعبث هو الباطل، وهو من اللغو واللهو، ووصف الله نفسه بالحق، والحق نقيض الباطل والباطل من اللغو.
وقال: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) ، والحق نقيض الباطل، واللغو والكذب من اللغو في القول، إلى غير ذلك.
فأنت ترى أن السورة مشحونة بجو الدعوة إلى الحق وذم اللغو في القول والعمل.
فوضع هذه الآية في مكانها له دلالته في جو السورة، كما هو في الآية قبلها.
ثم انظر بناء هذه الآية، فإنه جعلها اسمية المسند، فلم يقل: (والذين لا يلغون)، أو (عن اللغو يعرضون)، وقدم الجار والمجرور (عن اللغو) على اسم الفاعل (معرضون) ولكل سبب فغن قوله: (عن اللغو معرضون) أبلغ من (لا يلغون) ذلك أن الذي لا يغو، قد لا يعرض عن اللغو بل قد يستهويه، ويميل إليه بنفسه ويحضر مجالسه، أما الإعراض عنه، فغنه أبلغ من عدم فعله، ذلك أنه أبعد في الترك، فإن المعرض عن اللغو علاوة على عدم فعله ينأى عن مشاهدته وحضوره وسماعه، وإذا سمعه أعرض عنه كما قال تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أغرضوا عنه) [القصص] فهم لم يكتفوا بعدم المشاركة فيه، بل هم ينأون عنه.
ثم إن التعبير باسمية المسند، يشير إلى أن إعراضهم عن اللغو، وصف ثابت فيهم، وليس شيئاً طارئاً. وهو مع ذلك متناسب مع ما ذكر فيهم من الصفات الدالة على الثبوت.
وأما تقديم الجار والمجرور (عن اللغو) فهو للاهتمام والحصر، إذ المقام يقتضي أن يقدم المعرض عنه لا الإعراض فإن الإعراض قد يكون إعراضاً عن خير كما قال تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون) [المؤمنون] فتقديم الباطل من القول والفعل ليخبر أنهم معرضون عنه هو الأولى. كما أنة فيه حصراً لما يعرض عنه، إذ الإعراض لا ينبغي أن يكون عن الخير، بل الخير ينبغي أن يسارع فيه، فتقديم الجار والمجرور ليس لفواصل الآيات فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه بل لأن المعنى يقتضيه أيضاً.
جاء في (روح المعاني): إن قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) "أبلغ من أن يقال: (لا يلغون)[14] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn14) من وجوه: جعل الجملة اسمية دالة على الثبات والدوام، وتقديم الضمير المفيد لتقوي الحكم بتكرير، والتعبير في المسند بالاسم الدجال على شاع على الثبات، وتقديم الظروف عليه المفيد للحصر، وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وقيلاً وحضوراً، فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه"([15] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn15)).

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:11 PM
ثم قال بعدها: (والذين هم للزكاة فاعلون).
إن هذا التعبير يجمع معاني عدة كلها مرادة لا تؤدي في أي تعبير آخر. فإنه لو حذف اللام من (الزكاة) لكونها زائدة مقوية، كما ذهب بعضهم، أو قدم (فاعلون) على (الزكاة) فحذف اللام أو أبقاها، أو بدل (مؤتون) بـ (فاعلون) لم يؤد المعاني التي يؤديها هذا التعبير البليغ، وهذا النظم الكريم، وهي معان جليلة مرادة كلها.
فغن (الزكاة) اسم مشترك بين عدة معان، فقد يطلق على القدر الذي يخرجه المزكي من ماله إلى مستحقه، أي: قد تطلق على المال المخرج.
وقد يطلق على المصدر بمعنى: التزكية، وهو الحدث، والمعنى: إخراج القدر المفروض من الأموال إلى مستحقه.
وقد يكون بمعنى العمل الصالح، وتطهير النفس من الشرك والدنس، كما قال تعالى: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة و أقرب رحماً) [الكهف].
وقال: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى].
وقال: (قد أفلح من زكاهاقرب أقر وقد خاب من دساها) [الشمس] أي: أفلح من طهر نفسه وخلصها من الدنس والسوء.
وهذه المعاني مجتمعة يصح أن تكون مرادة في هذا التعبير.
ذلك أنه يصح أن يكون المعنى: والذين هم يؤدون الزكاة، وذلك على تضمين (فاعلون) معنى (مؤدون) أو على تقدير مضاف محذوف، أي: والذين هم لأداء الزكاة فاعلون. فأصل الكلام على هذا: (والذين هم فاعلون الزكاة) فالزكاة مفعول به لاسم الفاعل (فاعلون)، ثم قدم المفعول للاختصاص فصار (الزكاة فاعلون) كما تقول: (أما زيداً ضارب)، ثم زيدت اللام لتوكيد الاختصاص، وهو قياس مع مفعول اسم الفاعل تقدم أو تأخر، كما قال تعالى: (وهو الحق مصدقاً لما معهم) [البقرة].
وتسمى هذه اللام لام التقوية. وبهذين التقديرين يكون المقصود بالزكاة اسم العين، وهو المال الذي يخرج لمستحقه.
ويصح أن تكون (الزكاة) بمعنى التزكية وهو الحدث، أي: فعل المزكي، فيكون (فاعلون) بمعناها فيكون أصل التعبير (فاعلون الزكاة) ومعنى (فعل الزكاة) زكى، أو أخرج الزكاة، كمل يقال للضارب فعل الضرب.
جاء في (الكشاف): "الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى. فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير. والمعنى: فعل المزكي الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له. ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل. ويقال لمحدثه: فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله.
والتحقيق أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا؟ فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق. ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين، أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكل لأن الخلق ليسوا بفاعليها .. ولا يجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء"[16] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn16)
وجاء في (البحر المحيط): "والزكاة إن أريد بها التزكية صح نسبة الفعل إليها، إذ كل ما يصدر صح أن يقال فيه فعل. وإن أريد بالزكاة قدر ما يخرج من المال للفقير، فيكون على حذف: أي لأداء الزكاة فاعلون، إذ لا يصح فعل الأعيان من المزكي أو يضمن (فاعلون) بمعنى (مؤدون) وبه شرحه التبريزي"[17] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn17)
وجاء في (روح المعاني): "الظاهر أنم المراد بالزكاة المعنى المصدري ـ أعني التزكية ـ لأنه الذي يتعلق به فعلهم. وأما المعنى الثاني، وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا يكون نفسه مفعولاً لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف، أي لأداء الزكاة فاعلون. أو تضمن (فاعلون) معنى (مؤدون) وبذلك فسره التبريزي إلا أنه تعقب بأنه لا يقال: (فعلت الزكاة)، أي: أديتها. وإذا أريد المعنى الأول أدى وصفهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريق الكناية التي هي أبلغ، وهذا أحد الوجوه للعدول عن (والذين يزكون) إلى ما في النظم الكريم"[18] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn18) .
وجاء في (فتح القدير): "و معنى فعلهم للزكاة تأديتهم للها فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، والمراد بالزكاة هنا المصدر، لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل: يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي: والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون"[19] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn19) .
ويصح أن تكون الزكاة بمعنى العمل الصالح وتطهير النفس، فيحتمل أن تكون اللام زائدة مقوية دخلت على المفعول به (الزكاة) فيكون معنى (فهل الزكاة) فعل العمل الصالح وتطهير النفس كما يقال: (فعل خيراً، أو فعل شراً) فيكون معنى الآية: (الذين هم فاعلون العمل الصالح وتطهير النفس) واللام زائدة في المفعول ويسمونها مقوية وهي تفيد توكيد الاختصاص في المفعول المقدم، أي:لا يفعلون إلا ذاك
ويحتمل أن تكون اللام لام التعليل، أي: يفعلون من أجل الزكاة، أي: هم عاملون من أجل تزكية نفوسهم وتطهيرهم والمفعول محذوف، فيكون الفعل عاماً، وهو كل ما يؤدي إلى الخير وتطهير النفس.
جاء في (روح المعاني): "وعن أبي مسلم، أن الزكاة هنا بمعنى العمل الصالح كما في قوله تعالى: (خيراً منه زكاة) واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة، واللام للتعليل والمعنى: والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى، أو يزكوا أنفسهم ... قال صاحب "الكشاف" معنى الآية، الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير. ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) و (قد أفلح من زكاها)" [20] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn20)
وجاء في (البحر المحيط): "وقيل (للزكاة) للعمل الصالح كقوله: (خيراً منه زكاة)، أي: عملاً صالحاً. قاله أبو مسلم. وقيل: الزكاة هنا: النماء والزيادة. واللام، لام العلة ومعمول فاعلون محذوف التقدير: والذين هم لأجل تحصيل النماء والزيادة فاعلون الخير"[21] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn21)
فالزكاة إذن تحتمل العبادة المالية، وتحتمل العمل الصالح والتطهير والنماء، واللام تحتمل التقوية، وتحتمل التعليل، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو يريد الذين يؤدون الزكاة، ويفعلون العمل الصالح، وتطهير النفس ويفعلون من أجل ذلك. ولا تجتمع هذه المعاني في أي تعبير آخر.
فلو أبدل كلمة (مؤتون) مكان (فاعلون) لاقتصر الأمر على زكاة المال، ولو حذف اللام، لم يفد معنى التعليل، فانظر كيف جمع عدة معان بأيسر سبيل.
جاء في (تفسير ابن كثير): "الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة، إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس منى الشرك والدنس كقوله: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال فغنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل،ة هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم"[22] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn22) .
وتقديم الزكاة للاهتمام والعناية والقصر، أي: لا يفعلون إلا الخير، والزكاة منها.
وقد تقول: ولم لم يقل: (والذين هم للصلاة فاعلون)، كما قال: (والذين هم للزكاة فاعلون)؟
والجواب: أن إخراج النصاب إلى مستحقه كاف لأداء فريضة الزكاة، وليس وراءه شيء يتعلق بها، فإن لم يفعل ذلك فلا زكاة. أما فعل الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود مع هيئاتها الأخرى، فليس بكاف، بل ينبغي أن يكون مع ذلك خشوع وتدبر وحضور قلب وسنن، وآداب تكمل هذه الأفعال الظاهرة وتتمها، ولذلك قال r: "لك من صلاتك ما عقلت منها"،فأتضح الفرق بينهما.
وقال بعدها:
(والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).
قيل: المعنى: أنهم ممسكون لفروجهم على أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
جاء في (البحر المحيط): (حفظ) لا يتعدى بعلى ... والأولى أن يكون من باب التضمين ضمن (حافظون) معنى ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: (أمسك عليك زوجك)" [23] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn23)
وجاء في (فتح القدير): "ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم... وقيل: إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ. أي: لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل: المعنى: إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم"[24] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn24) .
إن اختيار هذا التعبير اختيار عجيب، وفيه آيات عظيمة لمن تدبر ونظر. ذلك أنه قال: (والذين هم لفروجهم حافظون)، ولم يقل (ممسكون) أو نحو ذلك مما فسر به. وفي اختيار (الحفظ) سر بديع، ذلك أن الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكون حافظاً لنفسه ولفرجه من الآفات والأمراض والأوجاع التي تصيبه، وهي أمراض وبيلة وخيمة العاقبة. ومن أرسله في المحرمات، فإنما يكون قد ضيعه وضيع نفسه.
جاء في الحديث: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"[25] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn25) .

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:12 PM
واختيار: (غير ملومين) في قوله: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)، اختيار لطيف، ذلك أنه علاوة على ما يفيده ظاهر النص من أن الذي يعتدي على أعراض الناس ملوم على ما فعل، فإنه يفيد أيضاً أن الذي يبتغي وراء ما ذكر ملوم من نفسه ومن الناس لما يحدث في نفسه وفيهم من أضرار وأمراض فه يلوم نفسه على ما أحدث فيها من أوجاع وعاهات مستديمة، وعلى ما أحدث في زوجه وعائلته. وحتى ولده الذي لا يزال جنيناً في بطن أمه قد يصيبه من عقابيل ذلك ما يجعله شقياً معذباً طوال حياته، وملوم من المجتمع على ما أحدثه في نفسه وعلى ما يحدثه فيهم من أمراض معدية مهلكة. فمن حفظ فرجه فهو غير ملوم، وإلا فهو ملوم أشد اللوم.
ثم قال: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).
و(العادون) هم المعتدون، ومعنى الآية: أن هؤلاء هم "الكاملون في العدوان المتناهون فيه"[26] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn26) فإنه لم يقل: (فأولئك عادون) أو (من العادين) بل قال: (فأولئك هم العادون) للدلالة على المبالغة في الاعتداء من جهة أن العرض أثمن وأعلى من كل ما يعتدى عليه وينال منه، ومن جهة أن هؤلاء هم أولى من يوصف بالعدوان، لأنهم يعتدون على أنفسهم بما يجرون على أزواجهم وعوائلهم، بما ينقلونه إليهم من هذه الأوجاع والأمراض، ويعتدون على أولادهم وعلى الجيل اللاحق من أبنائهم، ممن لم يظهر إلى الدنيا بما يلحقونه بقهم منة هذه الآفات المستديمة، ويعتدون على المجتمع الذي يعيشون فيه، بما ينقلونه إليه من أمراض معدية مرعبة وما (الإيدز) إلا واحد من هذه الأمراض الوبيلة المرعبة. أفهناك عدوان أوسع من هذا العدوان وأخطر منه؟
نحن نعرف أن المعتدي قد يتعتدي على بيت أو قبيلة، أما أن يمتد العدوان إلى الإنسان نفسه وأولاده وزوجه وربما إلى طبيبه الذي يعالجه، وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأولى بأن يوسم صاحبه به.
أفرأيت العلو في الاختيار والجلالة فيه، إنه لا يؤدي تعبير آخر مؤداه.
إنه لم يقل: (فأولئك هم الضالون) أو (أولئك هم الخاطئون) أو (الفاسقون)، مما إلى ذلك مع أنهم منهم، لأن هذه صفات فردية، وليس فيها إشارة إلى العدوانية، كما ليس فيها إشارة إلى الخطر الهائل الذي يحيق بالمجتمع من جراء ذلك.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن ذلك أنسب مع قوله: (غير ملومين) فإن المعتدي ملوم على عدوانه أكثر من صاحب الأوصاف التي ذكرناها.
وهناك أمر آخر لاءم بين ذكر هذه الصفات، هو أن الصفات المذكورة كلها ذات علاقة بالآخرين، وليست فردية، فالذي لا يحفظ فرجه، إنما يرسله فيما لا يحل له من أفراد المجتمع، وقوله: (غير ملومين) كذلك فغن الملوم يقتضي لائماً، وقد فعل ما يقتضي اللوم من الآخرين، وقوله: (هم العادون) كذلك فإن العادي يقتضي معتدى عليه، ولا يسمى عادياً حتى يكون ثمة معتدى عليه. فالصفات هذه كلها كما ترى ليست فردية. فانظر التناسب اللطيف بينها.
ثم انظر كيف اختار التعبير عن هذه الصفات بالصيغة الاسمية فقال: (حافظون)و (ملومين) و (العادون) للدلالة على ثبات هذه الصفات. فقوله: (والذين هم لفروجهم حافظون) يفيد ثبات الحفظ ودوامه وعدم انتهاكه على سبيل الاستمرار، لأن هذا لا ينبغي أن يخرم ولو مرة واحدة.
ومن فعل ذلك على وجه الدوام فإنه غير ملوم على وجه الدوام، أيضاً فإن خالف ليم على ذلك. والذي يبتغي وراء ذلك، ويلهث وراء الفاحشة، فهو معتد على وجه الثبات أيضاً، وقد يثبت هذا العدوان، فلا يمكن إزالته أبداً، وذلك ببقاء آثاره على نفسه وعلى الآخرين.
فانظر رفعة هذا التعبير وجلاله.
ثم قال بعدها: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)
وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر، إذ أن كلا من الفروج والأمانات ينبغي أن يحفظ، فالفروج ينبغي أن تحفظ وتصان وكذلك الأمانات. ومن لم يحفظ الأمانة والعهد، فهو ملوم كما هو شأن من لم يحفظ فرجه. ومن ابتغى ما لا يحل من الفروج عاد، وكذلك الباغي على الأمانة عاد ظالم.
وقد قدم الأمانة على العهد، وجمع الأمانة وأفرد العهد. أما جمع الأمانة، فلتعددها وتنوعها فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما يؤتمن عليه الشخص من ودائع الناس وأموالهم، ومنها ما يطلع عليه من أسرار الناس وأحوالهم، ومنها الأقوال التي يسمعها ويستأمن عليها مما لا يصح أن يذيعه منها، ومنها أن يودع شخص أهلاً له عند شخص حتى يعود ويقول له: هؤلاء أو صغاري عندك أمانة حتى أعود، أو حتى يكبروا، فهو يتولى أمرهم ويرعاهم، والزرع قد تجعله أمانة عند شخص فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة عند أميرهم ومتولي أمرهم، والقضاء أمانة ثقيلة، والشرع أمانة، قال تعالى: ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال) [الأحزاب].
جاء في (البحر المحيط): "والأمانة الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن ودين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول الجمهور ولذلك قال أبي بن كعب: من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها"[27] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn27).
وفي الحديث(المؤذن مؤتمن) يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم[28] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn28)، فصلاة الناس وصيامهم أمانة عنده. وفي الحديث أيضاً: (المجالس بالأمانة) و "هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه. والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث"[29] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn29) ، وفي الحديث: "الإيمان أمانة ولا دين لمن لا أمانة له" وفي حديث آخر: "لا إيمان لمن لا أمانة له" وفي الحديث: "أستودع الله دينك وأمانتك" أي: أهلك، ومن تخلفه بعدك منهم، ومالك الذي تودعه"[30] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn30) .
جاء في (روح المعاني) في قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون): "الآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما ائتمنوا عليه، وعوهدوا من جهة الله تعالى، ومن جهة الناس كالتكاليف الشرعية والأموال المودعة والإيمان والنذور والعقود ونحوها. وجمعت الأمانة دون العهد قيل: لأنها متنوعة متعددة جداً بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العهد"[31] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn31) .

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:12 PM
وجاء فيه أيضاً: "وكأنه لكثرة الأمانة، جمعت ولم يجمع العهد، قيل: إيذاناً بأنه ليس كالأمانة كثرة، وقيل: لأنه مصدر، ويدل على كثرة الأمانة ما روى الكلبي: كل أحد مؤتمن على ما افترض عليه من العقائد والأقوال والأحوال والأفعال، ومن الحقوق في الأموال، وحقوق الأهل والعيال وسائر الأقارب والمملوكين والجار وسائر المسلمين. وقال السدي: إن حقوق الشرع كلها أمانات قد قبلها المؤتمن وضمن أداءها بقبول الإيمان. وقيل: كل ما أعطاه الله تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عندهن، فمن استعمل ذلك في غير ما أعطاه لأجله، وأذن سبحانه له به، فقد خان الأمانة[32] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn32).
فقد رأيت من تعددها وتنوعها وتشعبها، ما يدعو إلى جمعها وليس كذلك العهد، فأفرد العهد وجمع الأمانة. وأما تقديمها على العهد، فلأهميتها كما رأيت، وحسب ذلك أن يكون الشرع كله كما مر، وحسبك منذ لك قوله r: " الإيمان أمانة، ولا دين لمن لا أمانة له" وقوله: لا إيمان لمن لا أمانة له".
وجاء في (فتح القدير): "والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة"[33] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn33).
أما اختيار كلمة (راعون) مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استخدم مع الفروج، فله سبب لطيف ذلك أن (راعون) اسم فاعل من (رعى) وأصل الرعي حفظ الحيوان، وتولي أمره وتفقد شأنه.
جاء في (الكشاف): "والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم وراعي الرعية. ويقال: من راعي هذا الشيء؟ أي: متوليه وصاحبه"[34] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn34).
وجاء في (روح المعاني) تفسير (راعون): "قائمون بحفظها وإصلاحها. وأصل الرعي، حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقاً"[35] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn35) .
فالرعي ليس مجرد الحفظ، بل هو الحفظ والإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه، وتفقد أحواله وما إلى ذلك. وهذا ما يتعلق بالأمانة كثيراً وليس مجرد الحفظ كافياً. فمن ائتمن عندك أهله وصغاره، فلا بد من أن تتفقد أمورهم وتنظر في أحوالهم وحاجاتهم علاوة على حفظهم، وكذلك من تولى أمر الرعية، ونحوه من اؤتمن على زرع أو ضرع، وكذلك ما حمله الله للإنسان من أمر الشرع يحتاج إلى قيام به وتحر للحق فيما يرضي الله وما إلى ذلك من أمور لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم.
ثم إن هناك فرقاً آخر رعي الأمانة وحفظ الفروج، ذلك أن الفروج جزء من الإنسان، هي لا تند عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية. وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الأمانة، من العادين واللصوص فيضطر إلى تخبئتها في أماكن لا ينالها النظر ولا يطولها التفتيش، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها كما ينظر الراعي لها أنسب من الحفظ.
ثم إن اختيار كلمة (راعون) بالصيغة الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم يقل: (يرعون) ذلك ليدل على لزوم ثبات الرعي ودوامه وعدم الإخلال به البتة.
وأما تقديم الأمانة والعهد على (راعون) فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أولى ما يرعى في هذه الحياة.
وزيادة اللام، تفيد الزيادة في الاختصاص وتوكيد. وتفيد فائدة أخرى إلى جانب ما ذكرت، ذلك أن كلمة (الراعي) قد تكون بمعنى الصاحب، تقول: (من راعي هذه الديار؟) و (من الراعي لهذه الدار؟) أي: من صاحبها ومتولي أمرها؟
فيكون المعنى على هذا: والذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي: هم أهلها ومتولوها لو قيل بدل ذلك: الذين هم يرعون الأمانة والعهود، لم تفد هذه الفائدة الجليلة.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين هم على صلواتهم يحافظن)
فختم بالمحافظة على الصلاة، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما في الحديث الشريف، فلعل الختم بالمحافظة عليها إشارة إلى ذلك، أي أنها خاتمة عرى الإسلام.
إن ذكر الصلاة في البدء والخاتمة تعظيم لأمرها أيما تعظيم.
جاء في (روح المعاني): "وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها وتقديم الخشوع للاهتمام به، فإن الصلاة بدونه كلا صلاة بالإجماع، وقد قالوا: صلاة بلا خشوع جسد بلا روح"[36] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn36) .
فقد بدأ بالخشوع في الصلاة، وكأنه إشارة إلى أول ما يرفع، وختم بالمحافظة عليها إشارة إلى آخر ما يبقى، والله أعلم.
والخشوع غير المحافظة، فالخشوع أمر قلبي متضمن للخشية والتذلل، وجمع الهمة والتدبر، وأمر بدني وهو السكون في الصلاة كما سبق ذكره فهو صفة للمصلي في حال تأديته لصلاته. وأما المحافظة فهي المواظبة عليها، وتأديتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها، وأن يوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها، وبما ينبغي أن تتم به أوصافها[37] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn37).
وقيل: "المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها"[38] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn38) .
وكل ذلك مراد، لأنه من المحافظة عليها.
وذكرت الصلاة أولاً بصورة المفرد ليدل ذلك على أن الخشوع مطلوب في جنس الصلاة، ففي كل صلاة ينبغي أن يكون الخشوع، أياً كانت الصلاة فرضاً أو نافلة، فالصلاة ههنا تفيد الجنس.
وذكرت آخراً بصورة الجمع للدلالة على تعددها من صلوات اليوم والليلة إلى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجنازة، وغيرها من الفرائض والسنن، فالمحافظة ينبغي أن تكون على جميع أنواع الصلوات.
جاء في (الكشاف): "وقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أس صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي: الصلوات الخمس والوتر والسنن الرتبة على كل صلاة، وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف، وصلاة الضحى والتهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل"[39] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn39) .

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:13 PM
واستعمال الجمع مع المحافظة أنسب شيء للدلالة على المحافظة عليها بأجمعها. وقد جيء بالفعل المضارع، فقال: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)، بخلاف ما مر من الصفات للدلالة على التجدد والحدوث، لأن الصلوات لها مواقيت وأحوال تحدث وتتجدد فيها فيصلى لكل وقت وحالة، فليس فيها من الثبوت ما في الأوصاف التي مرت، فهناك فرق مثلاً بينها وبين قوله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)، لأن الخشوع ينبغي أن يكون مستمراً ثابتاً في الصلاة لا ينقطع، فهو صفة ثابتة فيها. وكذلك قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) فإنه ينبغي أن يكون الإعراض عن اللغو دائماً مستمراً لا ينقطع، وكذلك قوله: (والذين هم لفروجهم حافظون) فإن حفظ الفروج ثابت دائم.
وأما العطف بالواو في كل صفة من هذه الصفات، فللدلالة على الاهتمام بكل صفة على وجه الخصوص، وهذا ما تفيده الواو من عطف الإخبار والصفات[40] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn40) .
وكذلك ذكر الاسم الموصول مع كل صفة، فإنه يدل على الاهتمام والتوكيد، فإنه لم يقل مثلاً: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعن اللغو معرضون وللزكاة فاعلون ...الخ) بل كرر الموصول مع كل صفة للدلالة على توكيد هذه الصفات، وأهمية كل صفة.
جاء في (تفسير فتح القدير): "وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته، يستحق أن يستقل بموصوف متعدد"[41] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn41) .
ثم قال بعد ذلك:
(أولئك هم الوارثون)
فجاء بضمير الفصل والتعريف في الخبر، للدلالة على القصر، أي: هؤلاء الجامعون لهذه الأوصاف، هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم ثم فسر هذا الإبهام ثم الإيضاح بعده من الفخامة ما فيه.
جاء في (الكشاف): (أولئك) الجامعون لهذه الأوصاف (هم الوارثون) الأحقاء بأن يسموا وراثاً دون عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله: (الذين يرثون الفردوس) فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر"[42] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn42) .
ثم انظر إلى تقديم الجار والمجرور على الخبر، في قوله: (هم فيها خالدون*) للدلالة على القصر وتناسب ذلك مع التقديم في الأوصاف السابقة: في صلاتهم خاشعون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، فجازاهم من جنس عملهم، فإن أولئك الذين قصروا أعمالهم على الخير، قصر الله خلودهم في أعلى الجنة، وهو الفردوس، فلا يخرجون عنه إلى ما هو أدنى درجة منه، فكان خلودهم في الفردوس لا في غيره. والفردوس أعلى الجنة وأفضلها ومنه تتفجر أنهار الجنة كما جاء في الحديث.
ثم نأتي إلى سورة المعارج:
قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا {21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26} وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {32} وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ{34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ )[سورة المعارج].
قال تعالى:
(إن الإنسان خلق هلوعا)
بنى الفعل (خلق) للمجهول، ذلك أن المقام مقام ذم لا تكريم مقام ذكر جانب مظلم من طبيعة البشر. والله سبحانه لا ينسب الفعل إلى نفسه في مقام السوء والذم.
قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن قويم) [التين] فنسب الفعل إلى ذاته في مقام المدح وقال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم) [الأعراف].
وقال: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) [الأعراف]
في حين قال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) [النساء]
وقال: (إن الإنسان من عجل) [الأنبياء]
وقال: (إن الإنسان خلق هلوعاً) [المعارج]
والهلع فسره ربنا بقوله: (إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً)، فهو الجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير.
جاء في (الكشاف): "الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس الخير و(الخير): المال والغنى و(الشر): الفقر، أو الصحة والمرض إذا صح الغني منع المعروف وشح بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي"[43] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn43)
وجاء في (تفسير ابن كثير): "أي: إذا مسه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.
(وإذا مسه الخير منوعاً) أي: إذا حصلت له نعمة من الله، بخل بها على غيره، ومنع حق الله ـ تعالى ـ فيها"[44] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn44) .
وجاء في (فتح القدير): "قال في الصحاح: الهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه أي: إذا أصابه الفقر والحاجة، أو المرض ونحو ذلك، أي كثير الجزع وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك، فهو كثير المنع والإمساك"[45] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn45) .

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:16 PM
والجزع ضد الصبر ونقيضه، وقد قابله الله بالصبر فقال: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) [إبراهيم] وجاء في (لسان العرب): "الجزوع ضد الصبور على الشر، والجزع نقيض الصبر وقيل: إذا كثر منه الجزع، فهو جزع وجزاع"[46] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn46) .
وقد بدأ بالشر قبل الخير، فقال: (إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً) وذلك لأن السياق يقتضي ذلك، فقد بدأت السورة بالعذاب، وهو قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع) وذكر قبل هذه الآية مشهداً من مشاهد العذاب، فقال: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه كلاً إنها لظى نزاعة للشوى).
فالمناسب إذن هو البدء بالشر، وهو الذي يقتضيه السياق وجو السورة فالإنسان خلق هلوعاً لا يصبر إذا م سه الشر بل يجزع وذكر الجزع ههنا وهو عدم الصبر مناسب لقوله تعالى في أوائل السورة: (فاصبر صبراً جميلاً) فهو يأمر نبيه بالصبر الجميل. والصبر طارد للجزع المقيت الذي طبع عليه الإنسان وتحرر منه من أراد الله له بالخير.
واستثنى من الاتصاف بصفة هذه بشقيها: الجزع والمنع للخير، من ذكرهم بعد هذه الآية بقوله: (إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون)
والدوام على الصلاة معناه المواظبة عليها والانهماك فيها حتى تنتهي، وعدم الانشغال عنها، وليس المراد أنهم يصلون أبداً.
جاء في (البحر المحيط): "ديمومتها، قال الجمهور: المواظبة عليها وقال ابن مسعود: صلاتها لوقتها.
وقال عقبة بن عامر: يقرون فيها ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً"[47] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn47) .
وجاء في (فتح القدير): "أي لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً"[48] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn48)
وجاء في (روح المعاني): "أخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا الذين لا يزالون وأما ارتباطها بقوله: (إن الإنسان خلق هلوعاً) فهو أجمل ارتباط وأحسنه ذلك أن الدوام الصلاة علاج للجزع، وعلاج لمنع الخير. فإن الجزوع شخص لا يصبر.
وعلاج هذه الصفة أن يتعلم الصبر ويتعوده، والدوام على الصلاة والمواظبة عليها والاستمرار عليها من أحسن ما يعود على الصبر، فإن هذه الأعمال تقتضي صبراً متواصلاً، ولذا لا يدوم، عليها كثير من النسا، فهم يصلون ولمكن لا يدومون على صلاتهم، بل ينشغلون عنها بأنفسهم وقلوبهم وتسرح في دواخلهم صوارف تنال كثيراً من صلاتهم. فالدوام عليها علاج من أنجع الأدوية للتعويد على الصبر والمعافاة من الجزع.
وهي كذلك علاج لمنع الخير ذلك أن الدائم في صلاته يتعود أن يعطي من نفسه ووقته لربه، بل يعطيه نفسه كلها ووقته في الصلاة، وأم يتحرر من العبودية لرغبته وشهوته فيدوم على أمر ليس في مصلحة دنيوية ظاهرة له، بل قد يفوت عليه شيئاً علاجاً كما ذكر ربنا في قوله في صلاة الجمعة": (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) [الجمعة]
فالدوام على الصلاة علاج ناجع لهذه النفوس الجاسية لتسمح من وقتها ومالها وكل ما يربطها برغباتها وشهواتها ولذا لمك يكف بقوله: (إلا المصلين) بل قال: (الذين هم على صلاتهم دائمون).
ثم قال بعد ذاك:
(والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)
قيل: إن المراد بالحق المعلوم الزكاة لأنها مقدرة معلومة، وقيل غير ذلك[49] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn49)
وعلى أية حال فإن هؤلاء وضعوا في أموالهم حقاُ معلوماً لمستحقه.
وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى في أصحاب جهنم: (وجمع فأوعى) ومرتبطة بقوله تعالى: (وإذا مسه الخير منوعاً).
أما ارتباطها لقوله تعالى: (وجمع فأوعى) فهو ظاهر، ذلك أن الله وصف أصحاب جهنم بقوله: (تدعوا منة أدبر وتولى وجمع فأوعى) ومعنى جمع فأوعى: أنه جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: فجعله في وعاء وكنزه ومنع حق اله الواجب فيه من مستحقيه[50] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn50) أما هؤلاء المعافون من النار، فقد جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فهم لم يمنعوا حق الله، فلم يكونوا ممن أدبر وتولى وجمع فأوعى.
وأما ارتباطها بقوله تعالى: (وإذا مسه الخير منوعاً) فهو ظاهر أيضاً ذلك أم معنى (وإذا مسه الخير منوعاً) أنه إذا أصابه الخير والمال والغنى بخل ومنع حق لله تعالى فيه كما ذكرنا وهؤلاء جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم فهم معافون مستثنون من صفة الهلع، المذكورة بل إنهم مستثنون من صفة الهلع بشقيها: الجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير ذلك أم قسماً من البخلاء إذا خرج شيء من مالهم، جزعوا وحزنوا كأنما حلت بهم مصيبة، وكان المال ألصق بقلوبهم من أي شيء آخر، هؤلاء جعلوا في أمالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، لم يجزعوا عند خروج المال منهم ولم يعقبوه أنفسهم، ولم يمنعوا السائل والمحروم منه، فإخراج المال إلى الفقراء والمساكين علاج وشفاء لهذا الداء الوبيل.
وهناك لمسة فنية لطيفة في اختيار نوع العذاب في هذا السياق، ذلك أنه قال: (كلا إنه لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى)
ومن معاني (الشوى) جلد الإنسان[51] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn51) فهي، أي: جهنم تنزع جلد الإنسان وتبقي الأحشاء بلا جلد. والجلد للأحشاء بلا جلد. والجلد للأحشاء كالوعاء للمال يحفظ ما في داخله، فإن هذا الشخص كما أوعى ماله ومنعه حقه، سيمزق الله وعاء جسمه ويخرج ما في داخله. ولاشك أن جلده ووعاء نفسه أحب إليه من المال ومن كل شيء، ألا ترى أنه يقال للمطلوب: (انج بجلدك)؟ فانظر التناسق الجميل بين المعصية والعذاب، والجزاء من جنس العمل.

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:16 PM
ثم قال بعد ذلك:
(والذين يصدقون بيوم الدين)
ويوم الدين يوم القيامة، واختيار ذكر التصديق بيوم الدين دون غيره من أركان الإيمان ههنا له سببه، ذلك أن جو السورة في الكلام على هذا اليوم، فقد قال في أوائل السورة: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة وهذا اليوم هو يوم القيامة)، كما جاء في الحديث الصحيح[52] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn52) .
وقال عن هذا اليوم: (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً) أي: أن الكفار يستبعدون وقوعه ويرونه محالاً، في حين أن هؤلاء المعافين يصدقون به.
وقال: (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن).
وقال: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون).
فجو السورة والسياق في الكلام على يوم الدين، وختم السورة بالكلام عليه، فكان مناسباً لأن يخصه بالذكر من بين أركان الإيمان الأخرى، فقال: (والذين يصدقون بيوم الدين)
ثم قال:
(والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون).
وذكر الإشفاق من العذاب مناسب لجو السورة أيضاً، فإن السورة مشحونة بذكر العذاب والكلام عليه فقد بدئت السورة به وختمت به، فقال في أول السورة: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع)، وقال في خاتمتها: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة) كما ذكر فيها مشهداً آخر من مشاهد العذاب، فقال: (يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى).
فاختيار الإشفاق من العذاب أنسب اختيار ههنا.
ولا شك أن الذين يصدقون بيوم الدين، ويخشون عذاب ربهم مستثنون معافون من صفة الهلع. فالتصديق بيوم الدين مدعاة للطمأنينة والأمن في النفوس، فهو يصبر إذا مسه الشر احتساباً لأجر مما فقد أو مما ابتلي به، وإذا مسه الخير، لا يمنع، لأن الله سيعطيه أضعاف ما يعطي.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)
وقد مر تفسير ذلك في آيات سورة (المؤمنون) فلا حاجة إلى إعادة ما مر.
غير أن الذي نقوله ههنا: إن هذه الآيات مرتبطة بما قبلها أجمل ارتباط وهي مع ما ذكر معها من الأوصاف منجاة من الهلع وعلاج له.
ذلك أن الذي يصبر على شهوته ولا يندفع وراء رغبته يعود نفسه على الصبر، فلا يجزع إذا رأى ما يستثير ثم لا يهلث وراءها حتى يهتبل هذه الفرصة للتلذذ بها.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية إن حفظ الفروج وعدم إرسالها إلا على مستحقيها، أولى من حفظ المال وكنزه ومنع مستحقه منه.
ثم قال:
(والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون)
وقد مر ذلك في آيات سورة (المؤمنون)
وهذا علاج للهلع أيضاً، ذلك أن الأمانة والعهد ربما يلحقان بالمؤتمن ضرراً من سلطة أو متنفذ، ذلك لأن صاحب الأمانة قد يكون مطلوباً لهما فالمؤتمن كأنه يعينه على ما هو عليه أو لغير ذلك من الأسباب وقد يفوتان عليه خيراً كبيراً، وهو مع ذلك يفي بالعهد ويؤدي الأمانة موطناً نفسه على الصبر على ما سيحيق به محتسباً أجر ما يفوته من الخير العاجل عند الله ولا شك أنة هذا مما يكسر الهلع ويضعفه ويعافي منه.
ثم قال: (والذين هم بشهاداتهم قائمون)
"والشهادة من حملة الأمانات وخصها من بينها، إبانة لفضلها لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها وفي زيها تضييعها وإبطالها"[53] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn53).
والقيام بالشهادة معناه: إقامتها على "ومن كانت عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها"[54] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn54) ولا يخفون ما علموه منها.
والإتيان بها مجموعة إشارة "إلى اختلاف الشهادات وكثرة ضروبها، فحسن الجمع من جهة الاختلاف"[55] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn55).
والقيام بالشهادات من أنفع الأشياء في علاج الهلع يشقه، ذلك أن القيام بالشهادة، قد يعرض صاحبها للأذى والنيل منه أو قد يفوت عليه فرصة من فرص الخير المادي، والنفع العاجل، فالقيام بها توطين للنفس على استقبال الشر والصبر عليه، وتوطين لها على السماح بالخير، وبذله وعدم منعه.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين هم على صلاتهم يحافظون)
فختم بالمحافظة على الصلاة، كما افتتح بالدوام عليها، وهذا نظير ما جاء في سورة (المؤمنون) منن الافتتاح بالصلاة والختم بها.
والمحافظة على الصلاة غير الدوام عليها: "فإن معنى الدوام هو أن لا ينشغل عنها بشيء من الشواغل"[56] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn56) ، وأن ينهمك بها وتواظب على أدائها.
أما المحافظة عليها فتعني مراعاة شرائطها وإكمال فرائضها وسننها وأذكارها، كما سلف بيان ذلك.

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:17 PM
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح فهي مرتبطة بقوله: (وجمع فأوعى) ذلك أن القصد من جعل المال في وعاء، هو المحافظة عليه والصلاة أدعى وأولى بالمحافظة عليها.
ومرتبطة بصفة الهلع أيضاً ذلك أنها علاج لهذه الصفة المستهجنة بشقيها فالمحافظة على الصلاة في مختلف الأوقات وتباين الأزمان في أوقات الرخاء والشدة، والعسر واليسر، والمرض والعافية، والشر، والخير من المنجيات من هذه الصفة، ذلك أن المحافظة عليها تحتاج إلى الصبر الطويل، لذلك قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه]، وتحتاج إلى البذل والسماح بالخير، وقد وصف الله تعالى رجالاً من المؤمنين بقوله: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة) [النور]. فالصلاة إذا حضرت أهم من التجارة والبيع، فهم يفرطون بالصفقات واحتمال الربح في جنب الصلاة.
إن الصفات المذكورة أنفع علاج لصفة الهلع المقيت، وإن القائمين بهذه الصفات إنما هم ناجون منها مستثنون من أهلها معافون من بلواها.
ثم قال بعد ذلك:
(أولئك في جنات مكرمون).
وقد تقول: ولماذا قال في آيات (المؤمنون): (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وقال ههنا: (أولئك في جنات مكرمون)
فذكر هناك أنهم يرثون الفردوس، والفردوس أعلى الجنة وربوتها، وأفضلها، ومنه تتفجر أنهار الجنة. وثم ذكر أنهم فيها خالدون في حين قال هنا أنهم في جنات، ولم يقل أنهم في أعلى الجنان، كما لم يقل أنهم فيها خالدون كما قال في الأولين.
ونظرة إلى ما في النصين توضح سبب ذلك.
إن آيات سورة (المؤمنون) في ذكر فلاح المؤمنين وآيات سورة المعارج في ذكر المعافين من الهلع وقد جعل كل صفة في مواطنها.
1ـ فقد قال في سورة (المؤمنون): (قد أفلح المؤمنون) فذكر صفة الإيمان على وجه العموم.
وقال في آية (المعارج): (والذين يصدقون بيوم الدين) فذكر ركناً من أركان الإيمان، وهو التصديق بيوم الدين وثمة فرق بين الحالين.
جاء في (روح المعاني) في قوله: (قد أفلح المؤمنون) "والمراد بالمؤمنين قيل: إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين نبينا rمن التوحيد والنبوة، والحشر الجسماني والجزاء ونظائرها"[57] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?addnews=1#_ftn57)
فذكر في آية (المؤمنون) المؤمنين بيوم الدين وغيره، وذكر في سورة المعارج التصديق بيوم الدين. فما ذكره في سورة (المؤمنون) أكمل
2ـ قال في آية (المؤمنون): (الذين هم في صلاتهم خاشعون).
وقال في آية (المعارج): (والذين هم على صلاتهم دائمون)
والخشوع أعم من الدوام ذلك أنه يشمل الدوام على الصلاة، وزيادة فهو روح الصلاة، وهو من أفعال القلوب والجوارح من تدبر وخضوع وتذلل وسكون وإلباد بصر وعدم التفات. والخاشع دائم على صلاته منهمك فيها حتى ينتهي.
3ـ قال في (المؤمنون): (والذين هم عن اللغو معرضون) وهو كل باطل من كلام وفعل وما توجب المروءة إطراحه كما ذكرنا.
ولم يذكر مثل ذلك في سورة المعارج، فهذه صفة فضل لم ترد في المعارج.
4ـ قال في (المؤمنون): (والذين هم للزكاة فاعلون)
وقال في سورة (المعارج): (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)
وما في سورة (المؤمنون) أعم وأشمل غذ الزكاة تشمل العبادة المالية كما تشكل طهارة النفس فهي أعلى مما في المعارج وأكمل فإنه ذكر في المعارج أنهم يجعلون في أموالهم حقاُ للسائل والمحروم. أما الزكاة فإنها تشمل أصنافاً ثمانية وليس للسائل والمحروم فقط، هذا علاوة على ما فيها من طهارة النفس وتزكيتها كما سبق تقريره.
5ـ قال في سورتي (المؤمنون) و (المعارج): (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فغنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هو العادون واذلين هم لأماناتهم وعهدهم راعون).
6ـ قال في آية المعارج: (والذين هم بشهادتهم قائمون)
ولم يذكر ذلك في آيات (المؤمنون) ذلك أنه في سياق المعاناة من الهلع وقد ذكرنا مناسبة ذلك وعلاقته بالنجاة منه. فاقتضى ذلك ذكره وتخصيصه من بين الأمانات.
7ـ قال في آلات (المؤمنون): (والذين هم على صلاتهم يحافظون) بالجمع
وقال في (المعارج): (والذين هم على صلاتهم يحافظون) بإفراد الصلاة.
والصلوات أعم من الصلاة واشمل والمحافظة على الصلوات أعلى من المحافظة على الصلاة لما فيها من التعدد والفرائض والسنن.
فما كانت الصفات في آيات سورة (المؤمنون) أكمل وأعلى كان جزاؤهم كذلك، فجعل لهم الفردوس ثم ذكر أنهم خالدون فيها، في حين قال في سورة (المعارج): (أولئك في جنات مكرمون) ولم يذكر أنهم في الفردوس، ولم يذكر الخلود، فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه.
ثم انظر كيف ذكر في سورة (المؤمنون) المؤمنين وهم المصدقون بيوم الدين وزيادة، وذكر الخشوع في الصلاة، وهو الدوام عليها وزيادة، وذكر فعلهم للزكاة وهي العبادة المالية وزيادة ومستحقوها هم السائل والمحروم وزيادة، وذكر الإعراض عن اللغو وهو زيادة وذكر الصلوات وهي الصلاة وزيادة، ثم ذكر الفردوس وهي الجنة وزيادة في الفضل والمرتبة، وذكر الخلود فيها وهو والإكرام وزيادة.
فانظر ما أجمل هذا التناسب والتناسق، فسبحان الله رب العالمين.
[1] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref1) البحر المحيط: 6/395 وانظر روح المعاني 18/2 [2] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref2) روح المعاني 18/11 [3] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref3) انظر الكشاف 2/357، البحر المحيط، 6/395، التفسير الكبير 23/77 [4] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref4) الكشاف 2/357 [5] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref5) روح المعاني 18/4 [6] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref6) انظر البحر المحيط 6/395[7] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref7) روح المعاني 18/4[8] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref8) لسان العرب لغو 20/116 [9] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref9) الكشاف 2/375. [10] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref10) فتح القدير 3/459 [11] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref11) الكشاف 2/357 وانظر التفسير الكبير 23/79 [12] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref12) التفسير الكبير 23/77 [13] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref13) انظر القاموس المحيط هجر 2/158، الكشاف 2/365. [14] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref14) في المطبوع لا يلهون وما أثبتناه أنسب كما هو ظاهر. [15] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref15) روح المعاني 18/4-5، وانظر تفسير البيضاوي 451.[16] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref16) الكشاف 2/357. [17] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref17) البحر المحيط 6/395 -396 [18] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref18) روح المعاني 18/5[19] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref19) فتح القدير 3/459 . [20] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref20) روح المعاني 18/5 [21] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref21) البحر المحيط 6/396 [22] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref22) تفسير ابن كثير 3/459. [23] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref23) البحر المحيط 6/396 [24] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref24) فتح القدير 3/459[25] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref25) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 2/6 عن كتاب العلاقات الجنسية غير الشرعية وعقوبتها في الشريعة والقانون لعبد الملك السعدي 1/409. [26] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref26) الكشاف 2/357. [27] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref27) البحر المحيط 7/253 [28] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref28) انظر لسان العرب أمن 16/161[29] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref29) لسان العرب أمن 16/162[30] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref30) لسان العرب أمن 16/164-165 [31] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref31) روح المغاني 18/11 [32] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref32) روح المعاني 29/63[33] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref33) فتح القدير 3/459[34] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref34) الكشاف 2/358 [35] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref35) روح المعاني 18/11 [36] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref36) روح العاني 18/12 [37] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref37) انظر الكشاف 2/358، البحر المحيط 6/397، تفسير البيضاوي 451، فتح القدير 3/459، وروح المعاني 18/11. [38] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref38) فتح القدير 5/285.[39] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref39) الكشاف 2/385[40] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref40) انظر معاني النحو 1/220، 3/193 وما بعدها.[41] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref41) تفسير فتح القدير 5/285 [42] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref42) الكشاف 2/385 [43] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref43) الكشاف 3/268-269 [44] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref44) ابن كثير 4/421 [45] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref45) فتح القدير 5/284 [46] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref46) لسان العرب جزع 9/397 [47] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref47) البحر المحيط 6/335 [48] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref48) فتح القدير 5/284 [49] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref49) انظر الكشاف 3/269 ، فتح القدير 5/284 ، روح المعاني 29/63 [50] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref50) انظر الكشاف 3/268، ابن كثير 4/421 [51] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref51) انظر البحر المحيط 8/330، لسان العرب شوى 19/178[52] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref52) انظر تفسير ابن كثير 4/419، وانظر صحيح مسلم في كتاب الزكاة.[53] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref53) الكشاف 3/269[54] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref54) فتح القدير 5/284[55] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref55) التفسير الكبير 30/131 [56] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref56) فتح القدير 5/285[57] (http://www.55a.net/firas/admin_firas_section/control.php?editnews=1&id=560&tab_name=9&cat_name=الإعجاز اللغوي والبياني&up=1#_ftnref57) روح المعاني 18/3

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:18 PM
أسئلة وأجوبة بلاغية في القرآن

بقلم فاضل السامرائي
السؤال الأول
ما سر استعمال صيغة (فُعَلَة) في قوله تعالى: "ويل لكل هُمَزَة لُمَزة"؟ ولمَ لمْ يستعمل صيغة (فَعّـال) فيقول: هَمّـاز لَمّـاز مثلما قال في سورة القلم "حَلافٍ مَهين . هَمّاز مَشّاءٍ بنَميم"؟
*لا بد من التطرق هنا إلى صيغ المبالغة ودلالاتها والفروق بينها، فكلمة (هماز) صيغة مبالغة على وزن (فعّال)، وهذه الصيغة ـ كما يقول أهل اللغة تدل على الحِرفة والصنعة، فيقال لمحترف النجارة نجّار، ولمحترف الحِدادة حدّاد، وتشتهر عندهم أسماء المهن على هذا الوزن كالفتال والزراد والخراط والصفار والنحاس والبزاز. فكلمة (كذاب) عندما تطلق على أحد فإنها تدل على أن هذا صار كأن الكذب حرفته التي يحترفها كما أن حرفة ذاك هي النجارة أو الحدادة. وهذه الصيغة تقتضي المزاولة، لأن صاحب الصنعة يداوم على صنعته. ونقرأ في سورة نوح قوله تعالى: " ولا يَلِدوا إلا فاجِرا كفّـارا" فكأن الكفر ديدنهم ومهنتهم اللازمة لهم لن يخرجوا عنه، ونقرأ في السورة نفسها قوله تعالى: "فقُلْتُ اسْتَغفِروا رَبّكُم إنّهُ كانَ غَفّـارا" فالله تعالى غفار، وكلما أحدث العبد ذنبا أحدث الله له مغفرة
مما تقدم نتبين أن صيغة (فعال) في أصلها تفيد الصنعة والحرفة والمداومة والمزاولة
أما (هُمَزة) فهذه من المبالغة بالتاء. المبالغة بالتاء أكثر من نوع ويمكن أن نجعلها في نوعين، هما:
ـ ما أصله غير مبالغة ، ثم بولغ بالتاء، كالراوي، فنقول عند المبالغة (راوية)
ـ ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها ، مثل : (هُمزة) فأصلها (هُمَز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حُطَم ـ لُكَع ـ غُدَر ـ فُسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة .
ويقول أهل اللغة :ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف .. الغاية في الوصف
فليس كل (نازل) يسمى (نازلة)، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة
فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (هُمَزة)
إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداها تدل على المزاولة، والأخرى على النهاية في الوصف ... ها هو الفرق بينهما
* والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك ؟
من استقراء سورة القلم نلحظ أنها تتحدث عن التعامل مع الخلق بين الناس، فكل مشاهد السورة أو اغلبها تدور حول هذا الأمر : "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سَنَسمُه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم)
أما في سورة الهمزة فقد ذكر النتيجة وتعرض للعاقبة، لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة، وناسب أيضا أن يذكر في الجزاء صيغة مماثلة فقال تعالى: "كَلا لَيُنْبَذنّ في الحُطَمَة" والنبذ إذلال، والحُطَمة صيغة مبالغة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:19 PM
ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا. أما في سورة القلم التي تركز على التعامل فقد ذكر لهم صفات مثل: مكذبون، حلاف، هماز، كان ذا مال وبنين. وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة فلا تطعه بسبب كونه ذا مال وبنين، والبنون كناية عن القوة والمنعة ،فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه
ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل، وهذه هي الآيات الكريمات
"وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ . كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ . نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ "
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ . مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ . بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ . هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ . إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ

السؤال الثاني
قال تعالى في سورة الأنعام في الآية 99: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
وقال أيضا في الآية 141: "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"
فلم عبر في الأولى بالاشتباه وفي الثانية بالتشابه؟
* الاشتباه هو شدة التشابه إلى حد يؤدي للالتباس ، أما التشابه فلا يصل إلى حد اللبس، فالاشتباه أدق وأقوى وأكثر دلالة على القدرة
والآية الأولى فيها بيان القدرة وتعداد الأعمال في موضع تدبر ودعوة للنظر (انظروا إلى ثمره) فكان من المناسب أن يأتي بما هو أدل على القدرة
أما الثانية فهي في سياق ذكر الأطعمة وتعدادها وليس التدبر والنظر، وفي نهايتها قال: (كلوا من ثمره) وليس مقام توجيه النظر إلى دلائل القدرة مباشرة وقد نفى التشابه في الحالين (غير متشابه) ولكنه لم ينف الاشتباه، لأن نفي التشابه ينفي الاشتباه، ونفي الاشتباه لا ينفي التشابه، فلو نفى الاشتباه لبقي التشابه، ولو نفي التشابه فمن باب أولى عدم الاشتباه ، لأن التشابه أقل درجة من الاشتباه فانتفاء القليل يقتضي انتفاء الشديد .

السؤال الثالث
لماذا جاء الفعل يهدي بالتشديد في قوله تعالى في سورة يونس في الآية 35: " قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"؟
الفعل يهِدّي أصله هو الفعل (يهتدي) وقد طرأ عليه الإبدال، إذ أبدلت التاء دالا ، ومثلها من الأفعال التي وقع فيها الإبدال (ازّين ، ادكر) فالإبدال واقع في هذه الكلمة وفق قواعد صرفية معلومة، ولكن لم جاء الفعل بالإبدال (يهِدّي) ولم يأت على صورته الأصلية؟ الفعل (يهدّي) فيه تضعيف الدال، والتضعيف في الغالب يفيد التكثير والمبالغة، ولو تأملنا في سياق هذه الآيات لوجدنا أن هذه المبالغة تناسب المقام هنا دون مكان آخر

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:20 PM
فالحديث هنا عن الأصنام (هل من شركائكم) والأصنام ليست كالبشر، فنفى الاهتداء بصيغة تحمل معنى المبالغة لتؤكد عدم قدرة الشركاء (الأصنام) على الهداية
أما الآيات الأخرى في القرآن الكريم فقد جاء فيها الفعل (يهتدي) ولم يكن قد سبقه حديث عن مثل هؤلاء الشركاء، بل هذا هو الموقع الوحيد الذي جاءت فيه الهداية مع الأصنام فاستعملت هذه الصيغة إذ ليست الأصنام كالبشر فكيف تهدي أو تهتدي
وإن عدنا إلى الآيات التي قبلها لرأينا قوله تعالى "أمّن يملك السمع والأبصار" وإذا فقد السمع أو فقد البصر يكون الاهتداء قليلا فكيف إن فقدهما معا؟ فصارت هذه الآية وهذا الفعل مبالغة في تأكيد عدم الهداية
وهناك قراءة أخرى للآية بفعل (يهدي) وهي موافقة لرسم المصحف
وهذه أيات أخرى جاء فيها الفعل (يهتدي)
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:108)
(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء:15)
(َأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (النمل:92)
(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) (النمل:41)

السؤال الرابع
قال تعالى في سورة النساء: "مَن يَشفَعْ شفاعَةً حَسَنةً يكن له نصيبٌ منها ومَن يَشفَعْ شفاعَة سيئة يكن له كِفْلٌ منها وكان الله على كلّ شيء مقيتا" لم قال عن الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وعن الشفاعة السيئة (يكن له كفل منها)؟
من معاني (الكِفل) في اللغة : النصيب المساوي، المثل . والكفيل يضمن بقدر ما كفل ليس أكثر
أما (النصيب) فمطلق غير محدد بشيء معين
لذلك قال الله عز وجل عن السيئة (يكن له كفل منها) ؛ لأن السيئة تجازى بقدرها " من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها" غافر 40
أما الحَسَنة فتضاعف كما قال تعالى : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " الأنعام 160. وقال عز وجل : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا " القصص 84

فقال عن حامل السيئة أن له الكفل أي المثل، أما صاحب الشفاعة الحسنة فله نصيب منها والنصيب لا تشترط فيه المماثلة وهذا من عظيم فضل الله عز وجل
وورد في الحديث الشريف أنه عليه الصلاة والسلام قال فيما يرويه عن ربه: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة"
السؤال الخامس
قال تعالى في سورة التوبة 62: " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ"
فلمَ لمْ يقل أحق أن يرضوهما؟
إرضاء الله تعالى وإرضاء رسوله عليه الصلاة والسلام أمر واحد وليسا أمرين مختلفين، فمن أرضى الله تعالى فقد أرضى رسوله، ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله عز وجل. قال تعالى: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" ـ النساء:80
لذلك وحد الضمير العائد عليهما للتأكيد على أن إرضاءهما واحد وسيلةً وغاية

السؤال السادس
ترد كلمة الملائكة في القرآن الكريم ومعها الفعل بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة أخرى
فما أسباب هذا الاختلاف وهل هو جائز أصلا؟
أما من حيث الجواز فهو جائز طبعا
لأن الملائكة ليست جمعا مذكر سالما فيجوز تذكير الفعل ويجوز التأنيث
وهذا تلخيص سريع لمواضع تأنيث الفعل من حيث الوجوب والجواز
إذا كان الفاعل مؤنثاً أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي ، وبتاء المضارعة في أول المضارع ، نحو : قامت هند ، وتقوم هند .
وهذا قد يجب وقد يجوز
فيجب
ـ إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على مؤنث حقيقي التأنيث ، نحو : هند قامت أو هند تقوم
ـ أو مجازيِّ التأنيث ، نحو : الشمس طلعت أو الشمس تطلع .
ـ إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً متصلاً بعامله مباشرة ، حقيقي التانيث ، كقوله ، تعالى ( إذ قالت امرأة عمران )

ويجوز تأنيث الفعل في ثلاثة مواضع:
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه ( نائب الفاعل ، اسم الفعل الناسخ ) اسما ظاهرا حقيقي التأنيث مفصول عن الفعل مثل سعى بين الصفا والمروة المؤمنة ويجوز سعت
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه جمع تكسير ذبلت الأوراق ويجوز ذبل الأوراق
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه اسما ظاهرا مجازي التأنيث اندلعت الحرب ويجوز اندلع الحرب
ولكن السؤال: هل هناك خطة معينة سار عليها القرآن في ترتيب هذه الأفعال؟ ولماذا اختار الله عز وجل بعض المواضع ليكون الفعل معها مذكرا ومواضع أخرى جاء الفعل مؤنثا؟
بعد استقراء الآيات القرآنية التي تحدثت عن الملائكة تم التوصل إلى الملحوظات التالية، التي تبين خطا تعبيريا مميزا سار عليه القرآن في استعمال الفعل مع (الملائكة) ، ولها حِكم وأسرار تخص هذا الترتيب البديع في الاستعمال، قد يدرك العلماء بعضها ويغيب عنهم يعضها ولكنه لا ينقص من قدر هذا التميز بل يدفع للتفكير فيه ومحاولة النسج على منواله:
ـ كل فعل أمر يصدر للملائكة يكون بالتذكير: اسجدوا ، أنبئوني، فثبتوا
ـ كل فعل للعبادة يأتي بالتذكير: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" ، " فقعوا له ساجدين"، "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"
وقد يكون ذلك لما تتطلبه العبادة من قوة ، ولأن المذكر في العبادة أكمل، وقد قال عز وجل: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم"، وقال عن مريم عليها السلام : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ـ التحريم:12
ـ كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يكون بالتذكير، أي الفعل الذي يتأخر عن الملائكة يكون بالتذكير: "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب" ، " وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُون" ، "وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ" ، "لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين"

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:20 PM
ـ كل وصف اسمي للملائكة يكون بالتذكير:
* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ـ آل عمران:124
* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ ـ آل عمران125
* وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُون ـ النساء
* والْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ـ الأنعام
* إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ـ لأنفال:9
* وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ـ الزمر:75
* فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِين ـ الزخرف:53
ـ العقوبات تأتي بالتذكير، ولو كانت عقوبة جاءت في موضعين فالأشد منهما بالتذكير
* وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ـ لأنفال:50
* فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ـ محمد:27
من الآية نفسها نلاحظ الشدة في الثانية بذكر عذاب الحريق، وتتبع بقية آيات السورة يرينا أنه تم تشبيههم بآل فرعون، فالسياق جاء بالشدة فذكر الفعل، أما الآية الثانية فكان السياق أخف فجاء بالتأنيث
* وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ـ الفرقان:25
* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ـ فصلت:30
الفعل واحد هو النزول، ولكن حالة الشدة جاء الفعل فيها مذكرا، أما جو الطمأنينة فقد استدعى التأنيث
وفي المقابل لم تأت بشرى من الملائكة بصيغة التذكير، بل كل البشارات بالتأنيث
ولعل ذلك لما في البشارة من رقة وما يتناسب معها من لطف وخفة وذلك من خصائص الإناث
* وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ــ البقرة:248
*إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ـ آل عمران
* وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ـ آل عمران:42
* فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً ـ آل عمران
* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30)
السؤال السابع
قال تعالى في سورة العنكبوت الآية 63

"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ"
وجاءت آيات أخرى تقول: (الأرض بعد موتها) بدون الحرف (من) فما الحكمة من ذلك؟
الآية 63 من سورة العنكبوت هي الآية القرآنية الوحيدة التي جاء فيها هذا التعبير: (من بعد موتها)
أما الآيات الأخرى كلها فقد جاءت بدون (من) مثل قوله تعالى:
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"
ـ (البقرة:164)
" وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ" (النحل:65)
" يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" (الروم:19)
"وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الروم:24)
"فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الروم:50)
"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ" (فاطر:9)
"وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الجاثـية:5)
"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الحديد:17)
ولا بد لنا من معرفة الفرق بين التعبيرين لنصل إلى سبب اختلافه في الموقفين
(بعد موتها) تعبير احتمالي، يحتمل البعدية القريبة والبعدية البعيدة، فقد يكون إحياء الأرض بعد ساعة أو بعد شهر أو بعد سنة أو أكثر من بدء موتها
أما التعبير (من بعد موتها) فإن (من) فيه لابتداء الغاية، والمعنى أنه يحييها رأسا بعد الموت
فهو دال على البعدية القريبة قطعا، وهو أدل على القدرة لأنه لا يحتاج إلى زمن ليحييها، بل هو قادر على إحياء الميت لحظة موته ولا يحتاج إلى زمن لإعادته

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:21 PM
ولنعد لننظر إلى سياق المواقف التي وردت فيها الآيات لنتلمس سبب تخصيص كل سياق بتعبير منهما، فنجد أن سورة العنكبوت كان سياقها في محاكمة المشركين من ناحية عقلية: "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ "
ثم جاء هذا السؤال عن إحياء الأرض ، وهم قد أقروا بقدرة الله البالغة في الأسئلة السابقة
وهذا السؤال يقول إنه يحيي الأرض بعد موتها مباشرة بلا مهلة، فهي قدرة بالغة (قل الحمد لله). هل هذا يدعوكم إلى الشرك ، لذلك قال : (بل أكثرهم لا يعقلون) فنفى عنهم العقل لأن هذا يُعقَل حتى دون علم، فالعقل المجرد يهديهم إلى أن الله واحد لا شريك له، فنعى عليهم عدم استعمال العقول، وقبل هذا جاء أيضا في السورة نفسها قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ "

السؤال الثامن : معدودة ومعدودات
قال تعالى: "وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:80)
وقال سبحانه: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (آل عمران:24)
فلماذا عبّر في الأولى عن مدة مس النار بالأيام المعدودة، وعبر في الثانية بالأيام المعدودات؟
ج: جمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات، فالجارية أكثر من الجاريات، ومثلها شاهقة وشاهقات فالعدد في الأولى أكثر، وجمع السالم قلة
فهذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع.
قال في آية أخرى عن يوسف عليه السلام: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة" أي أكثر من 11 درهما، ولو قال معدودات لكان ت أقل.
وفي الآيتين المتقدمتين قال في الأولى (أياما معدودة) وفي الثانية (أياما معدودات) لأن الذنوب التي ذُكرت في الأولى أكثر فجاء بمعدودة التي تفيد الكثرة، والتي ذكرت في الثانية أقل فاستعمل (معدودات) مناسبة لمعنى كل منهما.

السؤال التاسع
لماذا قال تعالى في سورة القارعة: "وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ 5"
وقال في المعارج:"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ9 "
فوصف الجبال في الأولى بالعهن المنفوش، وقصر الوصف على العهن في الآية الثانية؟
ج: الرد من كتاب الدكتور فاضل (لمسات بيانية) في منتصف هذه الصفحة
السؤال العاشر
قال الله تعالى في الوضوء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ 6" ـ المائدة
فلماذا قال عن الأيدي (إلى المرافق) مع إنهما مرفقان ، وقال عن الرجلين (إلى الكعبين) ولم يقل الكعوب على الجمع مثل المرافق ولأن الكعبين هما العظمان الناتئان على طرفي القدم فهي أربعة كعوب؟
ج: كل يد لها مرفق واحد، وكل رجل لها كعبان
فلما خاطب الجميع قال: (إلى المرافق)
وفي الوضوء لا بد أن يستغرق الغسل الكعبين، فلو قال: إلى الكعوب، لم يدل على أن الكعبين كليهما داخلان في الغسل، وإنما كعوب الناس المخاطَبين بقوله: (يا أيها الذين آمنوا)، وعندها فلو غسلوا كعبا واحدا ـ والمخاطبون كثر ولهم كعوب ـ لكفاهم ما ادام المذكور هو (الكعوب)
لذلك قال (إلى الكعبين) حيث المعنى: كل واحد من المخاطبين عليه أن يغسل إلى الكعبين. فلا يصح أن يقول (إلىالكعوب) وإلا لأوقع في اللبس
مسائل في التقديم والتأخير

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:22 PM
مبحث التقديم والتأخير كاملا من كتاب الدكتور، وفيه مسائل مهمة
* ما السر في تقديم ذكر (في سبيل الله) على نوع الجهاد (بالمال والنفس) وتأخيره حينا كقوله تعالى في سورة التوبة 20 : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" حيث قدم (في سبيل الله) على نوعية الجهاد، وقال عز وجل في الأنفال72 " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فقدم ذكر الجهاد بالأموال على قوله (في سبيل الله)؟
نلحظ في الآيات القرآنية خطا عاما يوضح لنا سبب هذا التقديم والتأخير في الآيات التي تتحدث عن الجهاد فإذا كان السياق في جمع الأموال وحبا لمال قدم ذكرَ التضحية به، وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال أو القعود عن الجهاد أخّـر الأموال، فهذا من باب التناسب بين الكلام ومناسبة المقال للمقام فلو عدنا إلى الآيات السابقة في سورة الأنفال لوجدنا حديثا عن المال والفداء وأخذه من الأسرى والغنائم ، وهذه الآية نفسها وردت تعقيبا على قوله تعالى: " وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا" وعرض الدنيا هو الفداء الذي أخذه من الأسرى وهو المال ، فعاتبهم على أخذ المال ثم قال: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والذي أخذوه هو المال الذي افتدى الأسرى به أنفسهم ، ثم قال: (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فالسياق أصلا في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى لذلك قدم المال لأنه كان مطلوبا لهم فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به، فكان التقديم للاهتمام به لأنهم يهتمون به أما لو عدنا إلى سورة التوبة لرأينا ه كله في الجهاد وليس المال "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" ـ التوبة:14
" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ـ التوبة:16
"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ـ التوبة:19
فالسياق حدد التقديم وما يجب أن يتقدم ، فلما كان هناك في أخذ الأموال وكان المال مطلوبا لهم قدم المال على (في سبيل الله) وهنا العكس فأخر المال
* قال تعالى في سورة الأنعام الآية 32 : " وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" فقدم اللعب على اللهو في وصف الدنيا، أما في مواضع أخرى مثل سورة العنكبوت 64 فقد قال: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" ، فما سبب ذلك؟
كل الآيات القرآنية التي تصف الدنيا باللعب واللهو تم تقديم اللعب على اللهو إلا في سورة العنكبوت
أما معرفة السر وراء ذلك فتتجلى لنا بالرجوع إلى السياق القرآني في السورة المقصودة فقبل هذه الآية في العنكبوت جاء قوله تعالى: " اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" العنكبوت 63 و 64
والرزق من مدعاة الالتهاء بجمعه وليس مدعاة لعب لذلك أيضا قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" المنافقون 9.
فالرزق وطلب الرزق يشغل الإنسان ويلهيه لذلك نهى الله تعالى عن الالتهاء به، والذي بسط عليه الرزق منشغل في جمعه، ومن قُدِر عليه الرزق هو أيضا ملته بطلبه والبحث عنه والفكر به، لذلك قدم اللهو على اللعب في هذه الآية، أما الآيات الأخرى فلم يرد فيها مثل هذا الأمر
* تتقدم صفة الغفور على صفة الرحيم في آيات القرآن الكريم إلا في سورة سبأ حيث قال عز وجل في الآية الثانية : " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ" فما سر ذلك؟
هذه الآية هي الآية الوحيدة التي قدم فيها صفة الرحيم على صفة الغفور في القرآن كله، فحيث اجتمعا فيما سواها قال (الغفور الرحيم) إلا في هذا الموطن ولنبدأ بمعرفة معاني كل منهما
(فالغفور) صفة متعلقة بالمكلّفين من الثقلين أما (الرحيم) فهي صفة عامة تطلق على المكلف وغير المكلف كالرضع والحيوانات، فالرحمة أوسع وأعم من المغفرة، لأن المغفرة خاصة بالمكلفين المذنبين وكان ما تقدم هذين الاسمين عاما في هذا الموضع : "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ "
في كل القرآن الكريم حيث اجتمع هذان الاسمان الكريمان تقدم ذكر للإنسان بأي صورة من الصور، أما هنا فلم يتقدم ذكر الإنسان، بل تأخر، فالسورة تبدأ : "الحََمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ "
ثم قال في الآية الثالثة : "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"
فتأخر ذكر أصناف البشر ولذلك تأخرت المغفرة
* ما سبب تقديم الجار والمجرور في سورة (يس): " وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ 20"
وتأخيره في سورة القصص: " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ 20" ؟
المعنى مختلف قطعا من جيث الدلالة اللغوية، فإن قلنا : (جاء من القرية رجل) فالمجيء من القرية قطعا، وإن قلنا: (جاء رجل من القرية) فهذا تعبير احتمالي، قد يكون جاء من القرية، وقد يكون الرجل قرويا ولكن مجيئه لم يكن من القرية تحديدا، فإنا إن قلنا: (رجل رجل من مصر) فليس المعنى بالضرورة أنه جاء من مصر البلد الآن، وإنما يحتمل أن يكون المعنى أنه رجل أصله من مصر، ولا يشترط أن يكون قادما منها، ولكن إن قلت: (جاءني من مصر رجل) فهذا ييعني أنه قدم من مصر قطعا
قوله تعالى: "وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى" احتمال أنه جاء من أقصى المدينة، واحتمال أنه هو من سكان أقصى المدينة
أما قوله في يس: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى"
فهو قد جاء من أقصى المدينة بالفعل، وقد كان مجيئه لإشهار إيمانه وإبلاغ الدعوة
الرسل قالوا: "وما علينا إلا البَلاغُ المبين" والبلاغ المبين يعني الواضح الظاهر الذي يعم الجميع، فإن خفي عن بعض فليس مبينا، فمجيئه من أقصى المدينة يعني أن البلاغ وصل إلى أبعد نقطة فيها. فجاء هذا الرجل وهو يحمل هذا الإيمان لإعلان إيمانه.
أما صاحب موسى في القصص فقد كان مجيئه لإسرار أمر في أذن موسى، فالمجيئان مختلفان، ولا شك أن المجيء للدعوة وتبليغها وإعلان الإيمان أهم في ميزان الله وأثقل وأولى أن يُبدأ بأقصى المدينة
إضافة: يمكن أن نضيف من المعاني إلى ذلك أن هذا الرجل قد جاء منمكان بعيد متجشما عناء الطريق ليؤمن ويدعو إلى الله، أما هؤلاء القريبين من الرسل الذين تصلهم الدعوة بلا عناء فهم ل يبالون بها ولا يحسنون قبولها.
المصدر:موقع لمسات بيانية على الرابط التالي :
http://www.lamasaat.8m.com/ (http://www.lamasaat.8m.com/)

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:23 PM
إعجاز القرآن اللفظي

بقلم الدكتور فاضل السامرائي
إن إعجاز القرآن أمر متعدد النواحي متشعب الاتجاهات، ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز القرآني شخص واحد ولا حتى جماعة في زمن ما مهما كانت سعة علمهم وإطلاعهم وتعدد اختصاصاتهم، إنما هم يستطيعون بيان شيء من أسرار القرآن في نواح متعددة حتى زمانهم هم، ويبقى القرآن مفتوحاً للنظر لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولما يجدّ من جديد. وسيجد فيه أجيال المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال.
وأضرب مثلاً لتعدد نواحي الإعجاز، فإني سمعت وقرأت لأشخاص مختصين بالتشريع والقانون يبيّنون إعجاز القرآن التشريعي، ويبينون اختيارات الألفاظ التشريعية في القرآن ودقتها في الدلالة على دقة التشريع ورفعته ما لا يصح استبدال غيرها بها، وإن اختيار هذه الألفاظ في بابها أدق وأعلى مما نبيّن نحن من اختيارات لغوية وفنية وجمالية.
وقرأت وسمعت لأشخاص متخصصين بعلم التشريح والطب في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني من الناحية الطبية التشريحية ودقتها يفوق ما نذكره في علم البلاغة. فألفاظه مختارة في منتهى الدقة العلمية. من ذلك على سبيل المثال أن ما ذكره القرآن من مراحل تطور الجنين في الرحم هي التي انتهى إليها العلم مما لم يكن معروفاً قبل هذا العصر مما دعا علماء أجانب إلى أن يعلنوا إسلامهم. وليس ذلك فقط، بل إن اختيار تعبير (العلقة) و (المضغة) – مثلاً – أعجب اختيار علمي.
فاختيار التعبير بـ (العلقة) اختيار له دلالته، فإن المخلوق في هذه المرحلة أشبه شيء بالعلقة وهي الطفيلية المعروفة. وكذلك التعبير بـ (المضغة)، فالمضغة كما قرأنا في كتب التفسير، هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ. ولكن لاختيار كلمة (مضغة) سبب آخر، ذلك أن المضغة هي قطعة اللحم الممضوغة أي التي مضغتها الأسنان، وقد أثبت العلم الحديث أن الجنين في هذه المرحلة ليس قطعة لحم عادية بل هو كقطعة اللحم التي مضغتها الأسنان، فاختيار لفظ (المضغة) اختيار علمي دقيق. إنه لم يقل "قطعة لحم صغيرة" ولو قال ذلك لكان صواباً ولكن قال: (مضغة) لما ذكرتُ وربما لغيره أيضاً والله أعلم.
وقرأت فيما توصل إليه علم التاريخ وما دلت عليه الحفريات الحديثة من أخبار ذي القرنين أدق الكلام وأدق الأخبار ما لم يكن يعرفه جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان. وأن الذي اكتشفه المؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبق على ما جاء في القرآن الكريم كلمة كلمة ولم يكن ذلك معلوماً قبل هذا القرن البتة.
وقرأت في اختيار التعبير القرآني لبعض الكلمات التاريخية كـ (العزيز) في قصة يوسف، وكاختيار تعبير (الملك) في القصة نفسها، واختيار كلمة (فرعون) في قصة موسى، فعرفت أن هذه ترجمات دقيقة لما كان يُستعمل في تلك الأزمان السحيقة فـ (العزيز) أدق ترجمة لمن يقوم بذلك المنصب في حينه، وأن المصريين القدامى كانوا يفرقون بين الملوك الذين يحكمونهم فيما إذا كانوا مصريين أو غير مصريين، فالملك غير المصري الأصل كانوا يسمونه (الملك)، والمصري الأصل يسمونه (فرعون)، وأن الذي كان يحكم مصر في زمن يوسف غير مصري، وهو من الهكسوس فسماه (الملك)، وأن الذي كان يحكمها في زمن موسى هو مصري فسماه (فرعون)، فسمى كل واحد بما كان يُسمى في الأزمنة السحيقة.
وعرفت من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم كما في أسرار البحار والضغط الجوي وتوسع الكون وبداية الخلق ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم.
بل إن هناك أموراً لم تُعرف إلا بعد صعود الإنسان في الفضاء واختراقه الغلاف الجوي للأرض، وقد أشار إليه القرآن إشارات في غاية العجب ذلك أن الإنسان إذا اخترق الغلاف الجوي للأرض، وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم ولم تُر الشمس إلا كبقية النجوم التي نراها في الليل. فالنهار الذي نعرفه نحن، لا يتعدى حدود الغلاف الجوي فإن تجاوزناه كنا في ظلام لا يعقبه نهار. وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله: "وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)" يس فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما الليل: فهو الأصل، وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة، والنهار جلدها، فإن سُلخ الجلد ظهر الليل فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل.
وقال: "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)" الحجر أي لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء لانتهوا إلى ظلام وقالوا (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) وغير ذلك وغيره.

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:24 PM
وعلى هذا فالإعجاز القرآني متعدد النواحي متشعب الاتجاهات ولا يزال الناس يكتشفون من مظاهر إعجازه الشيء الكثير فلا غرو أن أقول إذن: إن الإعجاز أكبر مما ينهض له واحد أو جماعة في زمن ما.
إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً، وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً علمياً، أوإعجازاً تاريخياً، أو إعجازاً نفسياً، أو إعجازاً تربوياً، أو إعجازاً تشريعياً، أو غير ذلك.
فيأتي اللغوي ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى، ولا تقديم ما أُخّر ولا تأخير ما قُدّم، أو توكيد ما نُزع منه التوكيد أو عدم توكيد ما أُكّد. ويأتيك العالم في الطب ليقول من وجهة نظر الطب ألطف وأدق مما يقوله اللغوي. ويأتيك العالم في التشريع ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون ويأتيك المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه.
إننا ندل على شيء من مواطن الفن والجمال في هذا التعبير الفني الرفيع، ونضع أيدينا على شيء من سُمو هذا التعبير، ونبيّن إن هذا التعبير لا يقدر على مجاراته بشر، بل ولا البشر كلهم أجمعون، ومع ذلك لا نقول إن هذه هي مواطن الإعجاز ولا بعض مواطن الإعجاز وإنما هي ملامح ودلائل تأخذ باليد، وإضاءات توضع في الطريق، تدل السالك على أن هذا القرآن كلام فني مقصود وُضع وضعاً دقيقاً ونُسج نسجاً محكماً فريدا، لا يشابهه كلام، ولا يرقى إليه حديث "فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ 34" الطور.
أما شأن الإعجاز فهيهات، أنه أعظم من كل ما نقول، وأبلغ من كل ما نصف وأعجب من كل ما نقف عليه من دواعي العجب.
إن هذا القادم من الملأ الأعلى، والذي نزل به سيد من كبار سادات الملأ الأعلى فيه من الأسرار ودواعي الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي.
قد ترى أن في قولي مبالغة وادعاء أو انطلاقاً من عاطفة دين أو التهاب وجدان وليس بوسعي أن أمنعك من هذا التصور، ولا أن أرد عنك ما ترى.
ولكن لو فتح القلب المقفل وأُقد السراج المعطل وأشرقت بالنور حنايا لم تكن تعرف النور، ولا مست فؤادك نفحةٌ من روح الملك القدوس، وهبّت على أودية نفسك نسمة من عالم الروح، وسمعت صوتاً يملأ نفسك قادماً من بعيد، من الملأ الأعلى يقول: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (16)" الحديد. "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)" القمر. فقفّ شعر بدنك، واقشعرّ جلدك، ومار فؤادك، وتحركت السواكن، واضطرب بين جنبيك ما اضطرب، والتهب فيه ما التهب، وانهمرت الدموع تسيل في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ، وأقفرها الجفاف تغسل الأوضار وتروي حبات القلب وتندّي اليبس وتُحيي الموات، فعند ذاك تذوق ما لم تعهد له مذاقاً ولا طعماً، وتحسّ ما لم يكن لك فيه سابق معرفة، ولا إحساس، وتصيح بكل جوارحك قائلاً: والله لقد آن والله لقد آن! وعند ذاك تعرف ما أقول وتفهم ما أشير إليه ولكن أنّى لي أن أوُصلك إلى هذا؟!
وكيف أوصلك وأنا المنقطع، وأعطيك وأنا المحروم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إنما هي دلائلُ أضعها في الطريق وإشارات وصُوى، وشيء من خافت النور في مصباح ناضب الزيت، غير نافع الفتيل، عسى الله أن ينفع بها سالكاً، ويجنّب العثار سارياً في الليل البهيم؛ فتنالنا منه دعوة صالحة تنعنا في عرصات القيامة.
وفي الختام لا أجد خيراً من أن أوصيك ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا ذر، وليكن ذلك منك على ذكر وإياك أن تنساه:
يا أبا ذر أحكم السفينة فإن البحر عميق
وخفف الحمل فإن العقبة كــؤود
وأكثر الـزاد فإن السفر طـويـل
وأخلص العمل فإن الناقـد بصير
المصدر:كتاب لمسات بيانية بقلم الدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com/ (http://www.lamasaat.8m.com/)

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:25 PM
لمسات بيانية ـ سورة الناس

ندوة الدكتور فاضل السامرائي
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ {1} مَلِكِ النَّاسِ {2} إِلَهِ النَّاسِ {3} مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ {4} الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ {5} مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ {6}
* المعوذتان هما سورتان في القرآن الكريم، جمعتا الاستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية، الواقعة على الإنسان من الخارج والتي تصدر منه من الداخل.
* فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشرور الظاهرة والخفية الواقعة على الإنسان من الخارج ولا يمكن له دفعها، ولا سبيل لذلك إلا بالصبر، وهذه الأمور إذا وقع فيها الإنسان وصبر سجل ذلك في صحيفة حسناته لأن الله تعالى يجزي الصابرين.
والشر في سورة الفلق مما لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه فهو غير محاسب عليه
* أما سورة الناس فهي سورة الاستعاذة من شرور الإنسان الداخلية (النابعة من نفسه) وهي التي قد تقع على صاحبها (القارئ ) ، وقد تقع على غيره، وهي التي يستطيع الإنسان أن يدفعها ويتجنب ظلم النفس والآخرين
وهذه الشرور إذا وقع فيها الإنسان سجلت في صحيفة سيئاته.
والشر المقصود في هذه السورة هو مما يدخل تحت التكليف ويحاسب عليه المرء لأنه يدخل ضمن ما نُهي عنه.
** فالسورتان جمعتا الاستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية.. ما يدخل تحت التكليف (ما جاء في الناس)، وما لا يدخل في التكليف (ما جاء في الفلق) .. ما لا يستطيع دفعه (الفلق) وما يستطيع دفعه (الناس .. ما يدخل سجل الحسنات (الفلق) وما يدخل سجل السيئات (الناس) .
وقال عدد من المفسرين والمحققين: سورة الفلق استعاذة بالله من شرور المصائب، وسورة الناس استعاذة بالله من شرور المعايب.
جاء في التفسير القيم لابن القيم
فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما”
قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس
ـ أعوذ بالله لغة :هي بمعنى ألتجئ وأعتصم بالله.
ـ قل: أمر الله تعالى الرسول أن يقول
الأمر بالقول له أهمية كبيرة هنا ولو حذف الفعل لاختل المعنى المقصود (قل) للإفصاح عن ضعفه والتجائه إلى ربه، فهي من باب الإعلان عن حاجة الإنسان إلى ربه جلّ وعلا، وهو يفصح عن حاجته هذه بنفسه وينطقها بلسانه وفيها قتل للغرور، لأن الكِبر والغرور يمنعان المرء أحيانا من طلب الإعانة وهو في حاجة شديدة إليها، فتطلب منه لآية أن يعلن التجاءه إلى ربه، فلا يكتفي بالشعور بالحاجة بل يعلنها، سواء الرسول أو غيره من البشر

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:25 PM
قالوا أتشكو إليه ما ليس يخفى عليه ** فقلت ربي يرضى ذل العزيز لديه
ففي هذا الإعلان قتل بل علاج للكِبر الذي في نفس الإنسان والذي قد يودي به إلى الطغيان
(إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى) لذلك لا بد من قولها باللسان ولا يجوز النطق بالاستعاذة دون الأمر (قل)ثم إن هذا القول من أسباب الطاعة فإن المرء إن استعان بأحد فلا يمكن أن يعصيه وإذا صاحب الاستعاذة شعور في النفس بالحاجة إلى غياث المستغيثين ليأوي إلى ركن شديد فهذا الشعور بالحاجة إلى مولاه يُلين القلوب القاسية.
قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس
ـ الاستعاذة في السورة هي بـ: رب الناس، بملك الناس، وبإله الناس من شر الوسواس الخناس.
فالمستعاذ منه هو شر واحد والاستعاذة منه جاءت بالربّ والملك والإله من وسوسة الشيطان المُهلكة.
أما في سورة الفلق فقد كانت الاستعاذة بشيء واحد من شرور متعددة.
وفي هذا إشارة عظيمة إلى خطورة الوسوسة على الإنسان وعلى غيره لأنه إن استجاب لهذها لوساوس فقد يردي نفسه في الدنيا والآخرة أما الأمر الذي ليس من كسبه (ما جاء في سورة الفلق) فقد استعاذ منه بأمر واحد وهذه لفتة بيانية عظيمة من هاتين السورتين الكريمتين إلى خطورة البشر وخطورة الوسوسة.
ـ وجاء الترتيب في سورة الناس هكذا: الرب، الملك، الإله.
فالإنسان إذا وقع في حاجة يستعين أولاً بخبرته وعلمه أو بمن لديه هذه الخبرة والتجربة ليرشده وهذا شأن المربي فهو المرشد والمعلم والموجه، ولذا بدأت الآيات به (رب الناس).
فإن لم ينجح فيما يريد لجأ إلى السلطة وصاحبها وهو الملك (ملك الناس) فإن لم تُجد السلطة نفعاً التجأ إلى الله تعالى (إله الناس) " وأفوض أمري إلى الله.
والترتيب في الآيات في السورة هو على سياق هذا الترتيب الطبيعي، وكحاجة الإنسان للتعامل في الحياة. وهو واضح في مراحل حياة الإنسان ومعاشهم، فالأجنة هي البداية ثم يخرج الناس للحياة ليواجهوا المربي الذي يقدم لهم ما يحتاجونه من تربية ورعاية، فإذا كبروا احتاجوا إلى المجتمع وما ينظم علاقتهم به، ثم يأتي سن التكليف حيث يحاسبه الإله
والمجتمعات عموما بين الربوبية والملك، فكل مجتمع يحتاج صغاره إلى المربي ثم إلى السلطة، أما الألوهية فتتأخر وقد تخفى على بعض الناس وتحيطها الشكوك والأوهام .. والإلحاد .. وتحتاج إلى تذكير
ـ وقد تدرّجت الآيات من الكثرة إلى القلّة فالربّ هو المرشد الموجّه وقد يكون في المجتمع الواحد العديد من المرشدين والمربّين لكن لكل دولة أو مجتمع ملك واحد والدنيا فيها ملوك كثر ولكن إلهها وإلههم واحد فانتقل من الكثرة للقلة من حيث دلالة الكلمة بالعدد (الرب كثير، الملك أقلّ وأما الإله فهو واحد).
ـ وردت كلمة الناس 3 مرات في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي:
كلمة الناس تطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس.
والربّ هو مُرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة
أما الملك فناسه أكثر من ناس المربي
وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتماً.
ولو قالت الآيات : أعوذ برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس.. ناس الرب.. دون أن يشمل غيرهم
لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحا، لأن لكل معنى مختلف فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه (الناس) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر.

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:26 PM
ـ ولا يجوز أن يأتي بحرف العطف فيقول برب الناس وملك الناس وإله الناس
فجاءت (قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس) حتى لا يُظنّ أنهم ذوات مختلفة ، بل هي ذات واحدة، فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد. وحتى لا يُظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملِك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله فلا إله إلا الله .
من شر الوسواس الخنّاس . الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنّة والناس
من شر الوسواس الخنّاس:
ـ جاءت الآية باستخدام (من شر الوسواس ) وليس (من الوسواس) كما في الاستعاذة من الشيطان : "فاستعذ بالله من الشيطانِ الرجيم"، لأنه هنا لم يحدد الشيطان، بل قال : من الجِنّة والناس، فجعل الوسواس قسمين: من الجِنّة أو من الناس فالجِنّة فيهم صالحون وفيهم قاسطون " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون" كما قال تعالى على لسان الجن في سورة الجن، لذا لا يصحّ الاستعاذة من الجِنّة عموماً وكذلك الناس نحن نستعيذ من الظالمين والأشرار من الناس وليس من الناس كلهم جميعاً ولذا جاءت الآية بتحديد الاستعاذة من الشر(من شر الوسواس الخنّاس)، وأما الشيطان فشرّ كله لذلك جاءت الآية بالاستعاذة منها، أما البشر فلا، ورد في الأثر: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)
ـالوسواس: كلمة وسواس على صيغة (فعلال)، وهي صيغة تفيد التكرار لأنه لا ينفك عن الوسوسة ويسمى في اللغة (تكرار المقطع لتكرار الحَدَث) حيث تكرر فيها المقطع (وس) كما في كلمة كبكب (تكرار كب) وحصحص (تكرار حص) للدلالة على تكرار الحدث.
وصيغة (فعلال) تفيد المبالغة أيضاً
إذن كلمة وسواس تفيد المبالغة والتكرار.
ـ وقد جاء التعبير في الآية بكلمة الوسواس وليس الموسوس، لأن الموسوس لا تفيد المبالغة، ولأنها تقال للشخص الذي تعتريه الوسوسة دون أن تفيد المبالغة
ـ وجاءت الاستعاذة بـ(شر الوسواس) وليس شر الوسوسة فقط للدلالة على أن الاستعاذة إنما تكون من كل شرور الوسواس سواء كانت وسوسة أو لم تكن.
ـ الخنّاس: صفة من (الخنوس) وهو الاختفاء، وهي أيضا صيغة مبالغة، وتدل على أن الخنوس صار نوعا من حرفة يداوم عليها
عندما يكون للمرء عدو فإنه يحرص على أن يعرف مقدار عدائه ومدى قوته والأساليب التي تمكنه من التغلب عليه أو النجاة منه، وقد أخبرنا الله تعالى عن عدونا أن قصارى ما نستطيع فعله هو أن نخنس وسوسته، لأن الشيطان باق إلى يوم الدين ولا يمكننا قتله أو التخلص منه بطريقة أخرى غير الاستعاذة بالله منه فيخنس الشيطان ، أو أن نغفل وننسى فنقع في الوسوسة.
وفي الحديث عن ابن عباس " يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه، فإذا عقل وذكر اسم الله خنس، وإذا غفل وسوس " إسناده ضعيف.
ـ الذي يوسوس في صدور الناس
ذُكر في الآية مكان الوسوسة وهو الصدور، ولم يقل القلوب لأن الصدور أوسع، وهي كالمداخل للقلب،فمنها تدخل الواردات إلى القلب، والشيطان يملأ الصدر بالوسوسة ومنه تدخل إلى القلب دون أن تترك خلفها ممرا نظيفا يمكن أن تدخله نفحات الإيمان، بل يملأ الساحة بالوساوس قدر استطاعته مغلقا الطريق إلى القلب.
ـ من الجِنّة والناس:
اـ لوسواس قسمان، فقد يكون من الجِنّة وقد يكون من الناس والناس هم المعتدى عليهم ، ولذا جاء في الآية (رب الناس) ولم يقل رب الجِنّة والناس لأن الناس لما وقع عليهم الأذى استعاذوا أو أمروا أن يستعيذوا بربهم ليخلصهم من شر ما أصابهم .
ـ وقدم الجنة على الناس لأنهم هم الأصل في الوسوسة، والناس تَبَع، وهم المعتدون على الناس، ووسوسة الإنسي قد تكون من وسوسة الجني والجِنّة هم الأصل في الوسوسة، ولا تقع الوسوسة في صدورهم بل في صدور الإنس.
ـ وقد وردت في القرآن آية أخرى بتقديم شياطين الإنس على الجنّ وذلك لأن السياق كان عن كفَرة الإنس الذين يشاركون الجن الوسوسة لذا تقدّم ذكرهم على الجنّ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 112.
المصدر: موقع الدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com/ (http://www.lamasaat.8m.com/)

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:27 PM
آيات ولمسات

بقلم الدكتور فاضل السامرائي
ينزِفون ويُنزَفون : من سورتي الواقعة والصافات
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم + وسابقوا: من سورتي آل عمران والحديد
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة: من سورتي يونس وسبأ
الحمد لله .. أسرار وإعجاز ـ سورة الفاتحة
ســـورة الـنــــاس
ينزِفون و يُنزَفون
ـ الفرق في المعنى بين اللفظين: يُنزِفون، يُنزَفون
* ينزِفون من (أنزَفَ) ، وهذا الفعل له معنيان:
الأول ـ أنزَف يُنزِف بمعنى سَكَر. والثاني بمعنى نفد شرابه وانقطع. يقال: أنزف القوم أي نفد شرابهم، وهو فعل لازم غير متعد
ومعنى الآية أن شرابهم لا ينفد، وهم لا يسكرون عنه
* ينزَفون (المبني للمجهول) من نُزَف ينزَف معناه سَكَر وذهب عقله من السكر، وهو فعل متعد. ومعنى الآية أن شربهم خمر الجنة لا يذهب بعقولهم
ـ لماذا اختار القرآن وضع هذا اللفظ هنا وذاك هناك؟ وهل يجوز التبادل بينهما خاصة وأن الفارق لا يتعدى حركة واحدة؟
* سورة الواقعة كانت في وصف نعيم السابقين، وهذه هي الآيات بتمامها
" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا "
* الثانية في وصف عباد الله المخلصين عند استثنائهم من العذاب الأليم
وهذه آيات سورة الصافات
" إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ . بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ . "
تقدم آيات السورتين وصفا رائعا لخمر الجنة ونساء الجنة وتبين ما بهما من صفات ليست في خمر الدنيا ولا نسائها ، لتنفر من الدنيا وترغب في الآخرة
ولكن تتناول الآيتان صنفين من أصناف المؤمنين وتبين ما أعد لهم في الآخرة
الصنف الأول الذين تحدثت عنهم آيات الواقعة هم السابقون ، وهؤلاء هم ذوو أعلى الدرجات لا يفوقهم غيرهم
والصنف الثاني الذين تحدثت عنهم آيات الصافات هم الآخرون وهم أقل منزلة
فإن كل سابق مخلَص، أما المخلَصون عامة فليسوا كلهم من السابقين بل منهم سابقون ومنهم متأخرون
أدى هذا الاختلاف في الحديث عن أصناف المؤمنين إلى الاختلاف في وصف جزاء كل فريق
ـ فقال عن الآخرين: (لهم رزق معلوم فواكه)، أما السابقون فقال عنهم: " وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون" فأضاف منحهم الحرية في اختيار ما يرغبون كما أضاف ذكر لحم الطير إلى ما أعد لهم فيها. كما إن كلمة (فاكهة) اسم جنس فهي أعم وأوسع من كلمة الفواكه التي تطلق على الأنواع فقط، بينما اسم الجنس يطلق على الأنواع وعلى النوع الواحد، وقال "مما يتخيرون" ليؤكد تعدد الأنواع
ـ وقال في الصافات (وهم مكرمون في جنات النعيم)، وقال في الواقعة (أولئك المقربون في جنات النعيم) ولا شك أن التقريب هو إكرام وزيادة
ـ وقال في الصافات (على سرر متقابلين)، وفي الواقعة قال: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) والموضونة هي المنسوجة المشبكة بما يسر الناظر ، فزاد في ذكر وصفه حسن فيها وأضاف الاتكاء والتقابل على السرر للسابقين فكان تنعمهم أكثر، ولم يذكر هذا الاتكاء ولا صفة السرر في الصافات
ـ وقال في الصافات : (يطاف عليهم ..) بالفعل المبني للمجهول، أما في الواقعة فقال: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) فذكر الطائفين اذين يطوفون على المقربين

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:28 PM
ـ وقال في الصافات: (بكأس من معين)، وقال في الواقعة: (بأكواب وأباريق وكأس من معين) فزاد ذكرالأكواب والأباريق ، وتنوع الأواني يدل على تنوع الأشربة
ـ وقال في الصافات: (لا فيها غوْلٌ ولا هم عنها ينزَفونَ)
وقال في الواقعة: (لا يُصَدّعونَ عنها ولا يُنزِفون)
الغوْل كما يفسره أهل اللغة : إما الإفساد والإهلاك أي تغتال ا لجسم وتهلكه، أو تغتال العقول. فهي تدل على معنيين: لا تفسد الجسم ولا تهلكه. أو لا تغتال عقل الشاربين
(يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع منها
ونفي الغول إن كان بمعنى عدم هلاك الجسم فإنه لا ينفي الصداع، فنفي الأكثر لا يدل على نفي الأقل، كما لو قلنا: (هذا شراب لا يميت) فلا ننفي عنه التسبب فيما هو دون الموت
ولكن ما دامت خمرة المقربين وصفت بأنها لا تصيب بالصداع فقد نفت أقل الأذى ، فهي قطعا ومن باب أولى لا تتسبب فيما هو أكثر ، فنفي الغول لا ينفي الصداع لكن نفي الصداع ينفي الغول
وإذا كان المقصود بالغول (السكر واغتيال العقول) فيكون (لا فيها غول) و (ولا هم عنها ينزفون) بمعنى واحد ، لأن الغول هو اغتيال العقول ، وينزفون هو السكر، فهما شيء واحد ولكن أحدهما وصف للخمرة ، والآخر وصف للشارب، وكلها تدل على أنها لا تسكر
بينما سورة الواقعة تقول: (لا يصدعون عنها) فهي تنفي ما يتعلق بالغول، وتقول (ولا ينزفون) أي لا تسكر ولا ينقطع الشراب، فالتكريم هنا أعلى جريا على آيات الواقعة التي تدل على الوصف الأكمل والأفضل لنعيم السابقين
ـ وقال تعالى في الصافات: (وعندهم قاصرات الطرف عين) فذكر صفة واحدة من الصفات الجسدية وهي (عين) أي واسعة العينين في جمال
وقال في الواقعة : (وحور عين) فأضاف الحور وهو البياض إلى العين (سعة العيون مع الجمال)
ـ وفي الصافات قال: (كأنهن بيض مكنون)، وفي الواقعة: ( كأمثال اللؤلؤ المكنون) ولا شك أن اللؤلؤ أعلى وأقرب للنفس والقلب من البيض ، فهنا أيضا مان وصف ما أعد للسابقين
ـ ثم قال في الواقعة: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما" فنفى سماع الرديء وأثبت الحسن (سلاما سلاما)
ولم يقل في الصافات مثل هذا
* و (ينزِفون) بالبناء للمعلوم تناسب الواقعة بكل ما فيها ، و(ينزَفون) المجهول ناسب سياق الصافات
وناسب (ينزِفون) المبني للمعلوم (يطوف عليهم ولدان) المبني للمعلوم أيضا، وناسب (ينزَفون) المبني للمجهول (يطاف عليهم) المبني للمجهول في الصافات
** إجمال: في الواقعة نرى التقريب (وهو الإكرام وزيادة) ، وذكر السرر وزيادة وهي صفة (موضونة)، وذكر التقابل وزيادة وهي الاتكاء، وذكر الطواف وزيادة (الطائفون ولدان مخلدون)، وذكر الكأس وزيادة وهي الأكواب والأباريق، وذكر العين وزيادة وهي الحور، ونفي السكر وزيادة وهي عدم النفاد، وزاد نفي اللغو والتأثيم وأثبت الحسن من القول.. كل هذا للسابقين المقربين
وسارعوا إلى مغفرة ـ آل عمران والحديد
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) .
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21)
السماء والسموات
السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان
1ـ واحدة السموات السبع، كقوله تعالى: "ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح " الملك، وقوله: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" ـ الصافات:6
2ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض
ـ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" ـ الحج:15 يقول المفسرون : (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف
ـ وقد تكون بمعنى السحاب: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا " ّالرعد:17
ـ وقد تكون بمعنى المطر : " ينزل السماء عليكم مدرارا" نوح
ـ وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" ـ النحل:79

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:28 PM
ـ وقوله عن السحاب: "فيبسطه في السماء كيف يشاء"
و ذكر هذا الارتفاع العالي : "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)
فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف
مثال آخر:
" وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ" ـ الحجر:15
فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر
وبهذا تكون السموات جزءا من السماء ، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسموات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها
قال تعالى: " قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:6)
وقال: "ربي يعلم القول في السماء والأرض" لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا
" وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ" ـ المجادلة: 8
وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه
فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء). ولما ضيق وقال (السر) قال (السموات)
فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السموات)، ولذلك لما قال (السموات) قال (عرضها السموات)، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء
كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد" ، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين
أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا
عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية
وعندما وسع عم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسله)
وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء
سابقوا، سارعوا
ـ عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السموات والأرض"
وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض)
ـ كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة
فإن قلوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة
اتسع المكان فاتسع الخلق ، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة ، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله ووهي تشمل
المتقين وزيادة ، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله
لأن الفضل أوسع مما جاء في آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة
وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و(الفضل العظيم) و(يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة
وكذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف
كذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف
وفي أل عمران نرى المتقينوالأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة : يونس وسبأ
" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ يونس:61
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ سـبأ:3
نحتاج إلى توضيح الفروق بين
ـ ما يعزُب ، لا يعزب

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:29 PM
ـ مثقال ، من مثقال
ـ السماء ، السموات
ـ تقديم وتأخير
ـ أصغرَ ، أصغرُ
ـ عن ربك ، عننه
بداية الآية مختلفة ، التذييل متشابه
آية سبأ جاءت تذييلا وتعقيبا للحديث عن الساعة
آية يونس جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم
ترتب على هذا اختلاف التعبير بين الآيتين
ـ لا يعزُب ، ما يعزب
* لفرق بين (لا) و (ما) عند دخولها على المضارع
_ (لا) كما يقول أكثر النحاة للاستقبال
الزمخشري: (لا) و (لن) أختان في نفي المستقبل
ـ رأي آخر (يفضله الدكتور) (لا) مطلقة، قد تكون للاستقبال فعلا، مثل: "لا تفتح لهم أبواب السماء" ، و "لا تجزي نفس عن نفس شيئا"
وقد تكون للحـال: "ما لي لا أرى الهدهد .. "، "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا" ، " ما لكم لا تنطقون"، " لهم قلوب لا يعقلون بها .. "
والسبب أن (لا) أقدم حرف نفي في العربية ، وكل الحروف جاءت بعدها، لذلك فاستعمال (لا) واسع، فهو أوسع حرف في العربية، يدخل في الماضي والمضارع والمستقبل والحال، يدخل على الأسماء النكرات والمعارف ، الاستغراق وغير الاستغراق
* في آية سبأ:"لا تأتينا الساعة" نفوا شيئا مستقبليا ، فرد عليهم بـ (لا) "لا يعزب" ، ثم إنه أقسم "بلى وربي" جوابه في المضارع لتأتينه وجوابه في النفي (لا)
يقول سيبويه: (لأفعلن) نفيه (لا أفعل)
إذن اقتضى المقام كله النفي بلا، فناسبت الآية (لا) من كل جهة
1ـ الاستقبال
2ـ القسم المتقدم إثباته وجوابه
* أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل ، بل عن الحال فناسب أن يأتي بـ (ما)
ـ عنه، عن ربك
في آية يونس (عن ربك) ـ وقال في سبأ (عنه)
إذ تقدم في سبأ "بلى وربي" ، أي تقدم ذكر الرب، ولم يأت في يونس
ـ عالم الغيب
عالم (اسم فاعل) جاءت في سورة سبأ، لا تأتي في القرآن إلا مع الغيب المفرد
أما علام فتأتي مع الغيوب لأنها صيغة مبالغة تقتضي التكثير
نظيرها (غافر) تختص بالذنب، أما (غفور) فعامة
ـ مثقال ، من مثقال
(من ) الزائدة الاستغراقية تفيد الاستغراق والتوكيد
نقول: ( ما حضر رجل)
تعني: لم يحضر أي رجل ، لم يحضر أي فرد من هذا الجنس
ويحتمل : لم يحضر رجل واحد بل اثنان أو أكثر
ونقول: (ما حضر من رجل) تفيد استغراق الجنس كله، فهو نفي قاطع للحضور فلم يحضر أي أحد ولا مجال للاحتمال
فالتعبير الأول تعبير احتمالي ، التعبير الثاني تعبير نصي قطعي
* آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة ، أما سورة يونس فالكلام أصلا عن سعة علم الله عز وجل ، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء
فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد والإتيان بمن الاستغراقية
ومثلها (من عمل) استغراق وعموم لا يستثني شيئا
ـ في الأرض ولا في السماء ، في السموات ولا في الأرض
آية سبأ تتحدث عن الساعة، والساعة إنما يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض"
"ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والأرض"
أما يونس فالكلام فيها على أهل الأرض فناسب أن يقدم المكان (الأرض)
ـ ومثلها " إنّ الذينَ كَفَروا بِآياتِ الله لَهُم عَذابٌ شديدٌ والله عَزيزٌ ذو انتِقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" كلام عن الذين كفروا
ـ " وهُو الذي يُصَوّركم في الأرحام كَيف يشاء"كلام عن أهل الأرض
" إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء"قدم الأرض
ـ "رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ" ـ ابراهيم:38
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" ـ ابراهيم:39
ـ وقال تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" ـالعنكبوت:22
تقديم الأرض، وفيها إعجاز آخر إذ فيها إشارة إلى أنهم سيصعدون إلى السماء ولن يعجزوه حتى وهم هناك
والسماء = 1 ـ كل ما علا حتى المطر والسحاب، وهي بهذا أوسع
2 ـ أو واحدة السموات
نلحظ أنه في حالة الاستغراق والشمول جاء بالحالة الأوسع، اما الحالة التي لم يكن فيها استغراق جاء بحالة أخرى (سبأ)
ـ أصغرَ ، أصغرُ
في حالة الاستغراق جاءت (ولا اصغرَ) بالبناء على الفتح، وهذه اللا تسمى النافية للجنس
(لا رجلَ حاضرٌ) تنفي جنس الرجال
(لا رجلٌ) تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، ومثلها مثل (ما)
يقول النحاة ابتداء من الخليل: عندما تقول (لا رجلَ) كأنه جواب لسؤال : هل من رجل؟
تضمر من الاستغراقية
فإن سألت : (هل من رجل؟) فجوابه: (لا رجلَ)
وإن سألت: (هل رجلٌ؟) فجوابه: (لا رجلٌ)
فالنافية للجنس هي أصلا تتضمن معنى (من) الاستغراقية
فقال (أصغرَ) في يونس
وهذا مناسب لوجود (من)، ويناسب الاستغراق لمواطن الاستغراق في بداية الآية (وما تتلو...)
أما التي ليست للاستغراق جاء فيها (ولا اصغرُ)
فجعل (أصغرُ) في غير موضع الاستغراق
المصدر: لمسات بيانية في نصوص التنزيل تأليف الدكتور فاضل السامرائي

http://www.lamasaat.8m.com / (http://www.lamasaat.8m.com/)

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:30 PM
خواطر قرآنية الجزء الأول

بقلم الشيخ علي جاسم محمد
1. قال تعالى :{وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها}.. الأعراف ( 137).. لماذا ذكر الحق سبحانه مشارق الأرض ومغاربها ولم يذكر شمالها وجنوبها باعتبار اتجاهات الأرض الأربعة .. ؟؟؟
لم يذكر الحق سبحانه شمال الأرض وجنوبها لأنهما عبارة عن قطبين متجمدين لا تصلح فيهما حياة الإنسان .. فذكر تعالى المشارق والمغارب باعتبار خيرات الأرض وصلاحها للعيش إذ فيهما اعتدال الجو وخصوبة الأرض وتنوع الثمر وكثرة الزروع …الخ .
2 . قال تعالى :{ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } .. الأعراف ( 17) لماذا لم يذكر في من فوقهم ومن تحتهم .. ؟؟؟
الفوقانية والتحتانية هما مجالي _ إن جوزنا أن نسميهما مجالي _ رحمة الله وعذابه إذ يقول تعالى في الرحمة { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } .. المائدة (66) وقال تعالى في العذاب { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } .. الأنعام (65)
3 . قال تعالى :{ واشتعل الرأس شيبا } .. مريم (4).. ما الحكمة من لفظ (اشتعل ) في الآية .. ؟؟؟
الاشتعال هو عملية تحول المادة المشتعلة من حالة إلى حالة أخرى مع استحالة رجوعها للحالة الأولى أي حالة ما قبل الاشتعال .. وهذا التصور والوصف ينطبق على السواد الشعر وبياضه أي أن البياض محال أن يعود سوادا .. وهنا لطيفة أخرى في الآية .. وهي أن هنالك جدلا فلسفيا ذكر في _ تهافت الفلاسفة _ للغزالي ..حول هل البياض عرض أم جوهر أم هل السواد عرض أم جوهر وإذا حل البياض فأين ذهب السواد وأين كان البياض قبل المشيب ..الخ ؟؟؟ ويبدو أن القرآن قل حل المشكلة وببساطة إذ أن لفظة الشيب جاءت نكرة وما كان نكرة لم يكن أصلا للشيء أي لم يكن من جوهر الشيء .. وعليه فالمشيب عرض ككل الأعراض التي تبدو عندما يكون هنالك ما يفضي لها ..
4 . قال تعالى :{ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } .. الأحزاب .. السراج لا يكون إلا مضيئاً فلم قال تعالى هنا سراجا منيرا .. ؟؟؟
مما هو معلوم أن الضوء هو امتزاج الحرارة بالنور لقوله تعالى في الشمس { هو الذي جعل الشمس ضياء} والنور هو تجريد الضوء من الحرارة لقوله تعالى في القمر { والقمر نورا ً} ، والحرارة سلب والنور إيجاب لذلك جاء تعالى بلفظ (منيرا ) لاشتمال مضيئاً على جانب سلبي وهو النار وهذا لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم ..
5 . قال تعالى :{ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الضالين } لماذا جاء الفعل _ صرفت _بصيغة المبني للمجهول فكأنها قد صرفت دون إرادتهم .. ؟؟؟
قبل هذه الآية قال تعالى :{ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } وهذا القول تم بإرادتهم إذ رؤية النعيم نعيم .. أما بالنسبة للنظر لأصحاب النار فهو عن غير إرادة وغير اختيار منهم إذ النظر إلى العذاب عذاب فالذي صرفها لرؤية أصحاب النار هو الله تعالى بإرادته واختياره ..
6 . قال تعالى :{ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم …. الآية } ثم قال تعالى { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين }. الزمر ( 72-73) ما الحكمة من دخول ( الواو ) { وفتحت } في أصحاب الجنة وعدم دخولها { فتحت } في أصحاب النار …؟؟؟
عملت ( الواو )هنا عملا بالغ الضرورة إذ أن أصحاب النار قد سيقوا إلى جهنم وهي بعد لم تفتح حتى إذا وقفوا على أبوابها فتحت عن جملة عذابها فكان هذا عذابا ضعفا عليهم .. أما أصحاب الجنة فقد سيقوا إلى الجنة وأبوابها قد فتحت لهم قبل مجيئهم أي أن تقدير الآية { حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها …} وهذا من زيادة الترحيب بأهل الجنة وتعجيل البشارة لهم .. وبالتالي فقد أشارت هذه (الواو )إلى عذاب أهل النار المضاعف .. ونعيم أهل الجنة المضاعف ..
7 . قال تعالى:{ قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } .. نوح (5-6) لماذا قدم نوح دعوة الليل على دعوة النهار .. ؟؟؟

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:31 PM
يقال " عند الليل يعود الملحد نصف مؤمن بالله " إذ النفس في الليل أقرب لله تعالى منها في النهار باعتباره محل السكون ومبعث التأمل والتفكر في النفس وفي ملكوت السماوات والأرض وباعتبار النهار محل العمل والحركة والاضطراب الشاغل عن التفكر.. فكانت دعوة الليل أقرب لبلوغ القلوب من دعوة النهار وهذا أمر واضح بيّن حتى عند من يدعون الناس لله إذ من الكياسة والدراية أن يتحينوا أوقات سكون النفس وليس هنالك كالليل سكون للجسد ويقظة للروح
8 . قال تعالى في ابني آدم :{ فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصـبح من الخاسرين } المائدة ..ثم قال بعد ذلك { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نـفس فـكأنما قتل الناس جميعا } .. المائدة .. الفترة الزمنية بين ابني آدم وبني إسرائيل طويلة جدا .. فلماذا اختص القرآن بني إسرائيل هنا بهذا الحكم .. علما أنه حكم قائم في كل أمة من الأمم الكتابية .. ؟؟؟ ذلك لأن بني إسرائيل أمة قد اتصفت بالقتل وسفك الـدماء حتى كأنهم قد جبلوا على هذا الأمر أو كأن القتل صار سجية من سجاياهم وميزة امتازوا بها ليس في القرون الخالية وحسب بل على امتداد تاريخهم وحتى في الوقت الحاضر .. فقد امتدت أيديهم قديما حتى على أنبــيائهم فـقال تعالى:{ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق } آل عمران وعليها أخذ الله ميثاقهم :{ وإذ أخـذنا ميثاقكم لا تسـفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون }البقرة .. ثـم قال تعالى فيهم :{ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان }البقرة .. لذلك جاء هذا الحـكم الحق ليـدمغ بطلان النفس وفجورها عند بني إسرائيل ..
9. قال تعالى في الأعراف :{ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار } وقال فيها أيضا :{ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } وقال تعالى في سور الرحمن { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا } وقال تعالى في الإسراء:{قل لأن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}.. يلاحظ في الآيات التي سبقت آية الإسراء أنه تعالى قد ذكر الجن مقدم على الإنس بينما أخرها على الإنس في الإسراء } لماذا .؟؟؟
إذا علمنا أن الجن مخلوقون قبل الإنس عرفنا لماذا قدم الحق سبحانه الجن على الإنس عندما تكلم عن { أمم قد خلت من قبل}أي عندما أشار تعالى لفترة زمنية قدم أسبقهما زمنا في سورتي الأحقاف والأعراف ..أما الآية الثانية من الأعراف{ ولقد ذرانا …الآية } فلأن الجن من سلالة إبليس .. والإنس من سلالة آدم وإبليس أول من لعنهم الله ووعدهم جهنم{قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.. والأمر الثاني أن الشيطان هو من يورد الإنسان موارد النار والهلاك وليس العكس .. والأمر الثالث أن آدم أبو الإنس كان يمثل صفة الإنابة إلى الله والرجوع إلى الله والإقرار بالذنب وهذه كلها مجلبة للرحمة الإلهية مبعدة عن النار مقربة لرضوان الله فقدم تعالى الجن على الإنس في أهل النار .. أما في سورة الرحمن:{يا معشر الجن والإنس ….. الآية}فلأن الجن سبقت الإنس في بلوغ أقطار السماء لقوله تعالى{وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع}..وثانيا لأن التركيبة التكوينية للجن أقرب وأسهل للنفاذ من التركيبة التكوينية للإنس فالأول من نار والنار حرارة وصفة الحرارة النفوذ عبر الحواجز .. أما تركيبة الإنسان الترابية فصفتها التثاقل والسكون واستحالة النفوذ عبر الحواجز .. وهي بذلك أحوج من الجن لاستكمال نقصها المترتب عليها من تركيبتها التكوينية .. أما في سور الإسراء{قل لإن اجتمعت الإنس والجن على …الآية}فـلأن الإنس هم المقصودين بالتحدي القرآني بالدرجة الأولى باعتبارهم قد اتخذوا القرآن هزوا والله يقول فيهم{وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين}بينما قال تعالى في الجن:{ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا}.. فقدم سبحانه الإنس على الجن هنا ..
10 . قال تعالى:{ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}.. الأحقاف .. لماذا قال تعالى (يعرض ) ولماذا لم تكن النار هي التي تعرض لا هم .. ؟؟؟
ج . فلنضرب لهذه الآية مثلا نتقرب به من فكر العرض " هب أن مجرما حكم عليه أن يلقى طعاما للأسد .. فحين يعرض الأسد على هذا المحكوم من وراء ستار ستلقي رؤية الأسد في القلب رهبة وفزعا والأسد بعد جاثم ساكن لم ير المحكوم .. لكن لو عرض المحكوم على الأسد وبدأ الأسد يكاد ينشق من الغيظ والغضب وبدا كأنه يريد أن يثب عليه لولا القيود ولولا عدم انقضاء أمد الحكم .. لكان هذا الموقف أشد فزعا في النفس وأشد رهبة وخوفا في القلب على هذا المحكوم إذ حينها ستكون الرهبة مع رؤية ثورة هذا الوحش الكاسر .. وهذه الحالة كحالة أصحاب جهنم إذ حكم عليهم أنهم من أصحاب النار .. لكن لما كان عذاب الله مضاعفا كما كانت رحمته وكرمه لأصحاب الجنة مضاعفة :{ قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } جعل الكفار يرون النار فانخلعت القلوب من الهول .. وجعل النار تراهم فتزداد استعارا برؤيتهم وهو القائل :{ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } فتحترق حينئذ أفئدتهم من هول المشهد وهم بعد لم يلقوا فيها لذلك قال تعالى :{ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } أي أنها دائمة الاستعار والثوران والغيظ لكونها ترى الكفار غدوا وعشيا .. وهذا هو أسلوب الله تعالى في العذاب وهو القائل :{ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } ..
11 . قال تعالى :{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير }الإسراء.. هنالك سور استهلها القرآن بالحمد كالفاتحة والأنعام وفاطر وسور أخر قد استهلها الله بالتبريك كالملك والفرقان وسورة الإسراء ككل السور التي استهلها القرآن بصيغة تضاف لبقية الصيغ القرآنية فما الحكمة من ( سبحان )في مستهل الإسراء .. ؟؟؟
على الرغم من أن المسألة تكاد تكون بديهية فهي مع ذلك تستلزم شيئا من الإيضاح ..إذ أن (سبحان) تعني التنزيه .. أي نزه الذي أسرى بعبده .. لماذا .. لأن الحق تعالى سينتقل بعد كلمة (سبحان ) لقضية قد يختلج بها الفكر ويضطرب لها القلب إذ فيها من الخروج عن المألوف الإنساني والخروج عن حدود المعقول ما قد يبتعث في النفس البواعث ويقدح في السريرة الهواجس فجاءت ( سبحان ) هنا لترفع الإنسان من غيابة هذا الجب .. وليستقبل الفكر والقلب هذه القضية وهو منزه الله تعالى عن هذه القياسات العقلية الضيقة وهذه الدخائل ..

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:31 PM
12 . قال تعالى :{ وكذلك سولت لي نفسي } ..طه ..96 وقال تعالى { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } .. المائدة 30 .. سولت .. وطوعت .. هل يستوي المعنى إن وضعنا سولت بدل طوعت أو العكس علما أن كليهما مما يختلج في النفس .. ؟؟؟
بالتأكيد لا يستوي المعنى إذ (سولت ) تعني زيّنت ، وزينت لا تكون إلا في أمر قد يحبه الإنسان فزينته النفس أي ( سولته ) .. أما طوعت فتعني سهلت ، وسهلت لا تكون إلا في أمر قد استصعبته النفس ولو كان سهلا ما سهلته .. فسولت فيما قد يحبب للنفس وطوعت فيما لا يمكن أن يحبب للنفس كما طوعت له قتل أخيه وقتل الأخ مما لا يكون محببا للنفس أبدا .. وقد يقال فهذا القول يتناقض مع قوله تعالى في سورة يوسف " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا "وهم قد ألقوا أخاهم في غيابت الجب فكيف ذلك .. قلنا الأمر الذي زينته النفس ( سولته) هنا ليس ما فعلوه بيوسف بل بالذي بعدها أي " يخل لهم وجه أبيهم ويكونوا من بعده قوما صالحين "
13 . قال تعالى:{ختم الله على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم}..البقرة.. 7.. وقال تعالى{قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير اله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون}..الأنعام46..في الأولى كان الختم على القلب أول شيء .. وفي الثانية كان الختم على القلب آخر شيء .. لماذا ..؟؟؟
في الأولى وصف للكافرين الذين لا يرتجى هدايتهم لقوله تعالى :{ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون }البقرة .. فقدم الحق سبحانه ختم القلب باعتباره فصل الخطاب في مثل هذه الحالة .. أما في الثانية فخطاب لمن قد تأخذ الموعظة مأخذها في نفوسهم وتبلغ الهدابة قلوبهم فجاء تعالى بتدرج مراحل الضلال الذي قد يفضي لختم القلب في نهاية الأمر فقدم أخذ السمع باعتباره وسيلة إدراك لها مساحتها في الهداية ومن ثم البصر وهو كذلك أيضا وانتهى بختم القلب فيما لو لم يستدرك السمع والبصر هذا القلب ..
14 .قال تعالى:{وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى}.طه 7 وهل هنالك أخفى من السر .. ؟؟؟
نعم .. هنالك ما هو أخفى من السر ذلك لأن السر قد يشترك به الاثنان والثلاثة .. أما ما هو أخفى منه فهو ما كان مستترا في غياهب النفس فلا يطّلع عليه إلا صاحبه فهذا أخفى من السر .
15 . قال تعالى:{يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا}.المزمل 14 مما هو معلوم بالبديهة " أن ما يقع على الكل فهو واقع على بعضه " والأرض كل..والجبال بعض من هذا الكل فما يجري على الأرض هو جار على الجبال بدعوى البديهة فلم قال تعالى ترجف الأرض والجبال .. ولو قال تعالى ترجف الأرض لما شك أحد أن الجبال لا ترجف فلماذا ذكر الجبال .. ؟؟؟
أليست أوتاد الخيمة هي بعض من الخيمة ؟؟ لكن هل ارتجاج الخيمة يعني بالضرورة ارتجاج الأوتاد ؟؟ قطعا لا..أليست الجبال هي أوتاد الأرض لقوله تعالى{والجبال أوتادا}النبأ 7 فهل ارتجاج الأرض يعني بالضرورة ارتجاج أوتادها..بل من المنطق أن الوتد ثابت لا يرتج..لكن في هذا المشهد ذكر الحق سبحانه الجبال وكذلك في مشاهد أخرى كي يشعر بهول وشدة ذلك اليوم وقوة ارتجاج الأرض حتى ارتجت أوتادها ..
16 . قال تعالى:{أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأرت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}وقال تعالى:{وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما}وقال تعالى{وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك}الكهف .. 79 –80 –81-82.. لماذا تغير لفظ الإرادة في كل حالة من الحالات الثلاث ( السفينة والغلام والجدار ) .. ؟؟؟
العبد الصالح أخذ بعين الاعتبار في هذه المراحل جانب الحيثية الزمانية المتعلقة بالحدث .. فالمرء يملك أي ( مريد ) لفعله في الوقت الحاضر لكنه لا يملك –استحالة الإرادة –فعله في المستقبل والماضي ، إذ الإرادة متأخرة على الزمن في الماضي .. وهي أي (الإرادة )متقدمة على الزمن في المستقبل ، وشرطها الأساس هو اتفاق الحدث مع زمن الحدوث ، والله يقول { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله}..فخرق السفينة حدث مناط بغاية حاضرة وهي أن الملك يأخذ كل سفينة غصبا في الوقت الحاضر .. وهذا أمر مما يملك الإنسان الإرادة به لاتفاق الفعل مع زمن إرادته وبالتالي هو مما يستدرك في وقته فنسب الإرادة إليه فقال { أردت } .. أما قتل الغلام ففيه حيثيتين زمنيتين هما الحاضر والمستقبل .. الحاضر المتمثل ( بقتل الغلام )والمستقبل المتمثل بقوله { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما } فكانت الإرادة بالاشتراك بين حاضر ومستقبل فقال { أردنا } .. أما إقامة الجدار ففيها ثلاث حيثيات الحاضر والمتمثل بإقامة الجدار ، والمستقبل المتمثل باستخراج المساكين لكنزهم ، والماضي المتمثل بصلاح الأب فكأنه قد أقام الجدار في الحاضر ليستخرجا كنزهما في المستقبل إكراما لأبيهما الصالح في الماضي فقال { فأراد ربك } باعتبار خروج الحيثيات الثلاث عن حدود الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية المطلقة –زمنا ومكانا وكيفا - ..

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:32 PM
17 . قال تعالى { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن }.. تبارك 19 .. لماذا تقدمت لفظة (صافات ) على ( يقبضن ) .. ؟؟؟
للطير حالتان .. الأولى وهو على الأرض وهذه تناسب قبض الجناح وليس البسط .. والثانية في جو السماء وهذه تناسب بسط الجناح وليس القبض .. فقدم سبحانه لفظة (صافات) على يقبضن لتناسب سياق الآية وهي تتكلم عن الطير وهو في السماء وليس على الأرض ..
18 . قال تعالى :{ إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم } .. النمل 23 .. لماذا قال الهدهد امرأة تملكهم ولم يقل ملكة تملكهم .. وهي ملكة حقا ..؟؟؟
كأن الهدهد قد استقبح من قوم –رجال-أنهم قد ملكوا أمرهم امرأة فجاء باللفظ الذي يضع المرأة من الحياة موضعها الذي تقتضيه فطرة الخلق بل قوامة الخلق وهو أن الرجال قوامون على النساء وليس النساء قائمات بأمر الرجال .. وزاد هذا الهدهد بهذا المعنى أن عظّم عرشها وهو من ملكها ولم يعظمها وهي المالكة فقال { ولها عرش عظيم } ..
19 . قال تعالى :{ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه من الكاذبين ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } .. النور 6-7-8-9 لماذا قال تعالى في الرجل الكاذب لعنة الله عليه وقال في المرأة الكاذبة غضب الله عليها .. ؟؟؟
اللعنة أشد وأكبر من الغضب لأن اللعنة طرد من رحمة الله لذلك قال تعالى في إبليس { وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين } وقدم سبحانه اللعنة على الغضب فقال { من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } .. أما في شهادة الرجل ونقض المرأة .. فلأن المترتب على كذب الرجل أي –صدق المرأة –أكبر وأشد من المترتب على صدقه أي –كذب المرأة –لأن الإسلام يميل إلى التحفظ والتستر عن عورات الناس ويتجنب إذاعة الفاحشة بينهم ويميل أيضا إلى حفظ الآصرة الأسرية لا تقويضها ونقضها ، ففي صدق الرجل مدعاة لإحقاق حق من حيث أنها مدعاة للسوء وفي كذبه كل الشر والسوء . وفي صدق المرأة كل الخير وفي كذبها مدعاة للشر من حيث أن فيها شعبة من شعب الخير ..
20 . قال تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا } الجمعة 5 .. من المعلوم أن الإبل تحمل أسفارا كما تحملها الحمير فلم لم يقل الحق كمثل الإبل تحمل أسفارا .. ؟؟؟
ذلك لأن الإبل في موضع من القرآن كانت آية من آيات الله تعالى لقوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } الغاشية 17..فلا يناسب أن تكون مثل سوء ، وقال تعالى فيها أيضا { والبدن جعلناها من شعائر الله } الحج 36 وقال { لكم فيها خير } فأهل الضلال لا يشبهون بما فيه خير ، من جانب آخر كان الحمار مثل سوء في القرآن فقال تعالى أهل الكفر { كأنهم حمر مستنفرة } المدثر 50..وقال تعالى في صوت الحمار { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } لقمان 19، لا بل إن الله تعالى قد أخّر الحمير حتى على البغال فقال { والخيل والبغال والخمير لتركبوها } النحل 8..، فكان هذا التشبيه إشعارا بكبر مقت الله لهم ..
21 . قال تعالى :{ إن يشأ يسكن الريح فيضللن رواكد على ظهره } الشورى32.. لماذا قال تعالى الريح ولم يقل الرياح .. ؟؟؟
الريح هي التي تأتي من جهة واحدة معلومة قال تعالى { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم }الأحقاف 24 .. أما الرياح فهي التي تأتي من اتجاهات متعددة قال تعالى: { وأرسلنا الرياح لواقح } الحجر 22.. من هذا كانت الريح هي ما يناسب جريان السفن وليس الرياح . وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر .. وهو أن الريح تأتي بالعذاب والرياح تأتي بالرحمة . لكن اقتصار العذاب على الريح لا يعني اقتصار الريح على العذاب . كما أن اقتصار الإحراق على النار لا يعني اقتصار النار على الإحراق إذ منها النور ومنها الدفء وما إلى ذلك .. إذن فالريح تأتي بالعذاب وتأتي بالرحمة أيضا .. لقوله تعالى { وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها } يونس 22..وقال تعالى { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب } ص 36.. وقال تعالى { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر } سبأ 12..

أسدالجبورالبونجادي
10-08-2009, 06:33 PM
22 . قال تعالى :{ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } الأنعام 151.. وقال {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم } الإسراء 31 .. لماذا هذا التقديم والتأخير بين نرزقكم وإياهم ونرزقهم وإياكم .. ؟؟؟
في الأولى قال تعالى { من إملاق }أي أن الإملاق ( الفقر ) واقع أصلا قبل أن يولد المولود ..فولادة المولود هنا زادت في الفقر وليس أتت بالفقر _ على حد ضنهم _ فقال تعالى {نرزقكم } لأنكم الأصل في الفقر وأن الفقر موجود فيكم قبل أن يولد لكم وليس المولود .. أما الثانية فقال تعالى :{ خشية إملاق } أي أن الفقر هنا لم يكن موجودا لكن خيف الفقر مع ولادة المولود فكان المولود هو من جاء بالشعور بوقوع الفقر هذا الشعور لم يكن موجودا قبله فقال تعالى { نرزقهم } باعتبارهم هم من ولّد فكرة الفقر في النفوس .. فجاءت { نرزقكم } { ونرزقهم } لمناسبة كل حالة ..
23 . قال تعالى :{ هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى ثم أنتم تمترون } الأنعام 2 .. لماذا قال تعالى هنا { من طين } بينما ذكر في مواضع أخر { من تراب } و{ من ماء } أي ما الحكمة من لفظة { الطين } بالذات وفي هذا الموضع .. ؟؟
ذكر تعالى هنا الطين لأن مطلع السورة يقول { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } فناسب لفظ الطين هنا سياق الكلام .. أي أن الطين مزيج من السماء والأرض .. من ماء وهو من السماء ومن تراب وهو من الأرض .. والطين أيضا مزيج من نور وظلمة .. نور السماء ( المتمثل بالماء ) وظلمة الأرض المتمثلة بالتراب فكأن الطين قد جمع بين السماء والأرض والظلمة والنور ..
24 . قال تعالى :{ وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين }يوسف 42 .. وقال تعالى :{ ارجع إلى ربك فاسئله ما بال النسوة الاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم } يوسف 50 ..في الأولى كانت { ربك } من يوسف لحظة نسيان شيطانية لبث بسببها في السجن بضع سنين ، فلماذا لم يعنف الله عليه الثانية لما قال { ارجع إلى ربك } واللفظين واحد.. ؟؟؟
الربوبية الأولى كانت ربوبية استغاثة { اذكرني عند ربك } ولا مغيث إلا الله قال تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } فعاقبه الله تعالى لأنه التمس من غير الله ما لا يطلب إلا من الله فضلا عن كونه نبي ، أما في الثاني { ارجع إلى ربك }فالمراد منها استفهام استنكاري عن تقطيع النسوة أيديهن .. ليس إلا .. ولا حرج في ذلك ..
25 . قال تعالى: { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } ثم قال تعالى :{ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } الزخرف 77 .. لماذا تغير طلب أصحاب النار في الآيتين .. ؟؟؟
الطلب في الأولى لخزنة جهنم وفي الثانية لخازن النار ، والفرق هو أن خازن النار أي ( مالك ) هو أقرب عند الله من خزنة جهنم لأنهم أعوانه يعملون بأمرته وكلهم محكوم لأمر اله ،فكان طلب أصحاب النار من مالك أشد رحم لهم من طلبهم من خزنة جهنم باعتبار قرب مالك من الله فقالوا { ليقض علينا ربك } وهذه رحمة بأصحاب النار أن يموتوا فيسلموا من العذاب ، بينما كان طلبهم من الخزنة فيه رحمة محدودة قياسا لطلبهم من مالك فقالوا { يوما } ولم يقولوا يرفع عنا العذاب يوما بل { يخفف } أي أن العذاب موجود حتى بعد التخفيف .. فناسب طلبهم من مالك منزلته من الله وناسب طلبهم من الخزنة منزلتهم من الله أيضا ..
26 . قال تعالى :{ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } الكهف 46 وقال تعالى { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا } مريم 76 .. هنا {مردا }وفي الأولى {أملا } فلماذا هذا التغيير .. ؟؟؟
من تتبع